كي لا يكون الرقم وجهة نظر

في ظلّ وضع اقتصادي كارثي تعيشه البلاد اليوم، بعد اجتياح الناس للشارع في انتفاضة 17 تشرين، وانكشاف هشاشة النموذج المعتمد منذ العام 1992، وغرق “القارب المثقوب” منذ ما قبل باريس 1 على حدّ تعبير رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون عام 2001، ومع ذهاب حكومة الحريري الابن، ومجيء حكومة الرئيس حسان الدياب التي زاد بيانها الوزاري من مخاوف اللبنانيين، وفي ظلّ قرار التوقف عن سداد مستحقّات الديون بالعملة الأجنبية وفوائدها، وفي ظلّ فيروس “كورونا” القاتل الذي فرض على اللبنانيين البقاء في المنازل وأقفل الأشغال وأودى بحياة عشرين شخص حتى اللحظة، تسرّبت أخيراً “خطة الإصلاح الإقتصادي للحكومة اللبنانية”.

وإن كان البعض، وبينهم وزراء في الحكومة، يصفونها بأنّها خطة اقتصادية، علماً أنّ الورقة في مقدمتها تشير الى أنّها “خطة اقتصادية إنقاذية”، فهذه التسمية بعيدة كلّ البعد عن الواقع. فالورقة المسرّبة، التي اعترف أعضاء الحكومة أنّها حقيقية وأنّهم يدرسونها، لا تحوي أي بند أو رؤية أو خطة عمل اقتصادية، بل جلّ ما تركّز عليه هو الشقّ المالي والنقدي، بعيداً عن اي محاولة للتطرّق الى الاقتصاد، وكأنّ أحداً لم يتعلّم شيئاً من تجارب العقود الثلاث الماضية. وقد حاولت الحكومة بعدد من أعضائها، وبشخص رئيسها حتى، التنصّل من تسميتها ورقة اقتصادية، بحيث باتت “خطة إصلاح مالي”، بل وصل الأمر بها لتصبح “خطة عمل للدائنين”، لينتهي بها المطاف بحسب مصادر حكومية رسمية الى “مجموعة أفكار” وضعت ليجري نقاشها في الحكومة !

وعلى وقع التسريبات العديدة التي تشير الى أنّ “خطة الحكومة” وضعتها شركة لازارد التي تعاقدت معها الحكومة لتكون استشارية في مجال التفاوض مع الدائنين، يطرح هنا السؤال عن السبب وراء ترك هذه الشركة تنصّ “خطة اقتصادية” أو حتى “مالية” للدولة اللبنانية؟ فهل وصل التقاعس الى حدّ تغييب الدولة اللبنانية نفسها عن هكذا ملف والسماح لاستشاري أن يضع عنها خططها؟

وإن كانت بُحّت حناجر بعض الاقتصاديين وآلاف المتظاهرين في شوارع البلاد خلال الأشهر والسنين الماضية، المطالبين بالتخلّي عن نموذح اقتصاد الريع الذي أثبت فشله منذ سنوات طويلة، والتحوّل الى الاقتصاد المنتج، فقد جاءت هذه الورقة لتبقي القديم على قدمه، لا بل لتحاول إعطاء جرعة أمل للنموذج الذي أفقر اللبنانيين وأوصل بالبلاد الى الدرك الذي تجد نفسها فيه اليوم.

وفي ظلّ كثرة الشائعات والتحليلات والمفاهيم الخاطئة المنتشرة، لا بدّ من التعمّق قليلاً في قراءة “الخطة” وتحديد ما فيها، والفصل بين ايجابياتها وسلبياتها.

 

خلفية الورقة: تأكيد فشل السياسة المعتمدة.. و48٪ من اللبنانيين فقراء

تنطلق ورقة الحكومة من الاعتراف أنّ “المؤشرات الاقتصادية تشير الى تسارع انكماش الاقتصاد، وأزمة فيروس كورونا التي تؤثر اليوم على لبنان والعالم بأسره ستضيف على تدهور البيئة الاقتصادية الحاصل”.

وتضيف الورقة أنّ “التقديرات تشير إلى أن الناتج قد تقلص بنسبة 6.9٪ في عام 2019 بعد الانكماش بنسبة 1.9٪ في عام 2018، ويمكن أن ينكمش بنسبة 9٪ إلى 14٪ إضافية في عام 2020 حيث يضع نقص الدولار عبئًا كبيرًا على الواردات ما سيؤدي الى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغط على الشركات”.

في مقدّمتها أيضاً، تؤكّد ورقة الحكومة أنّ “البطالة والفقر يتصاعدان بسرعة. كما يمكن أن يتسارع متوسط التضخم إلى أكثر من 25٪ في عام 2020 ، ما يخلق خطر ارتفاع غير محكم في الأسعار مدعومًا بالانخفاض المستمر الفعلي لقيمة الليرة اللبنانية من خلال السوق الموازية”.

وإن كان البعض يحاول تحميل مسؤولية ما نعانيه لانتفاضة 17 تشرين أو لمؤامرة كونية، جاءت المفارقة في تفنيد الحكومة لأسباب ما نعيشه بقولها أنّ “جذور الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة الحالية تعود إلى تاريخ طويل من الاعتماد المفرط على تدفقات العملات الأجنبية الضخمة. لسنوات، تلقى لبنان تدفقات هائلة من الودائع بالدولار في القطاع المصرفي المحلي، وهو ما يعادل عدة مرات الناتج المحلي الإجمالي، لم يتم إعادة تدويرها بشكل أساسي في الاقتصاد المنتج ولكنها غذت عجز القطاع العام ومستويات عالية من الاستهلاك. (…) بالإضافة إلى ذلك، دفعت سنوات من العجز الكبير في الميزانية وارتفاع أسعار الفائدة رصيد الدين العام إلى مستوى مرتفع بشكل غير مستدام، حيث ارتفع من 131٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2012 إلى حوالي 176٪ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2019. وفي ظلّ ذهاب نحو 50٪ من الإيرادات الحكومية في 2019 لدفع فوائد الدين، فقد باتت الحسابات المالية ضعيفة للغاية بحيث لا تستطيع السعي إلى تعزيز الإنتاجية والاستثمار في البنية التحتية”.

ما سبق ليس إلّا محضر اتهام واضح يؤكّد فشل السياسات المتعاقبة طوال العقود الماضية، باعتراف الحكومة التي تضمّ أطرافاً كانت اساسية في تأليف الحكومات الماضية !

 

الحكومة تطلب 10 الى 15 مليار دولار.. وتُضخّم الحاجة الى 27 مليارا

تنطلق خطة الحكومة من “سيناريو ماكرو-اقتصادي مبني على فرضية أنّ لبنان سيستفيد في وقت قصير من الدعم المال الخارجي المطلوب، كما سينفّذ بنجاح كافة الإصلاحات الواردة في الوثيقة”، علماً أنّ الخطة لا تشير الى أي تطمينات من الجهات الخارجية لتأمين هذا الدعم المالي، خصوصاً أنّ الدول “المانحة” باتت هي اليوم في حاجة الى الأموال بفعل الركود الاقتصادي العالمي المتوقع كتأثير مباشر لأزمة فيروس كورونا.

في الأرقام، تشير المسودة الى أنّه “مع توقع أولي للانكماش الحقيقي بنسبة 12.0٪ في عام 2020 و7.0٪ في عام 2021، سيتعافى الاقتصاد تدريجياً وسيصل إلى نمو حقيقي بنسبة 2.0٪ بحلول عام 2024 قبل أن يستقر عند نمو محتمل بنسبة 3٪ على المدى الطويل. سيتم دفع التعافي من خلال الدعم الخارجي للحد من الانكماش في الواردات والاستهلاك المحلي، ودفع الاستثمار العام في سياق فتح التمويل الملتزم من قبل CEDRE وتنفيذ خطة استثمارية، بالإضافة الى تنفيذ خطة شاملة لتعزيز النمو والمكاسب التنافسية من خلال التحرير التدريجي لسعر الصرف”، مع الإشارة الى أنّه “من المتوقع أن يرتفع متوسط التضخم إلى 25.1٪ في عام 2020 بسبب الآثار السلبية لانخفاض سعر الصرف الفعلي، على أن يتنخفض التضخم تدريجيًا إلى 5.2٪ بحلول عام 2024”.

تعتبر الحكومة أنّ “السياسة المالية ستكون مدفوعة بخطة ضبط مالي طموحة، موزعة على 5 سنوات، حيث سيتم تحسين رصيد الميزانية الأولية من -0.9٪ في عام 2019 إلى 1.6٪ في عام 2024 ، مما يعكس “فائضًا أوليًا محليًا” بنسبة 3.4٪ باستثناء النفقات الرأسمالية التي سيتم تمويلها خارجيًا مع فتح التزامات التمويل الخارجي لـ CEDRE. (…) من المتوقع أن يتقلص العجز الحكومي الإجمالي من 11.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 7.2٪ في عام 2020 وإلى 1.3٪ بحلول عام 2024، على أن ينخفض الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مطرد من 176٪ في عام 2019 إلى 103.1٪ بحلول عام 2024 وكذلك إلى 90.2٪ بحلول عام 2027″.

وفي حين تشير الخطة الى حاجة لبنان الى ما بين 10 و15 مليار دولار كتمويل خارجي للخروج من النفق، غير أنّ الأرقام الواردة فيها تبرز الحاجة، تحت واقع الأرقام الخاطئة بحسب مصادر اقتصادية مطلعة، الى ما يفوق 27 مليار دولار تحت بند “متطلبات التمويل الخارجي” بين الأعوام 2020 و2024، في محاولة فاضحة لتضخيم الحاجة الى هذا التمويل بغية تثبيت ضرورة اللجوء الى صندوق النقد الدولي !

 

التسويق لصندوق النقد: تحميل الشعب المسؤولية

إن كان الخلاف بين الأطراف السياسية مستمرّاً حول موضوع القبول ببرنامج لصندوق النقد الدولي، لكون وصفات الصندوق معروفة، كما تبعاتها التي تزيد الفقراء فقراً والأغنياء ثراء، غير أنّ الحكومة تعترف في متن ورقتها أنّ “خطتنا الحالية هي أساس جيد في حالة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي”. ولا تتوقف الحكومة عند ذلك، بل تلعب دور محامي الدفاع عن صندوق النقد محاولة إبراز حسناته، قائلة أنّ “الآثار الجانبية الإيجابية لبرنامج صندوق النقد الدولي عديدة. وعلى الرغم من أن صندوق النقد الدولي على الأرجح لن يكون قادرًا على توفير موارد كافية لتغطية جميع احتياجات التمويل الخارجية للبنان للسنوات الخمس القادمة، إلّا أنّه سيفتح نوافذ اخرى الى الأموال المتاحة من الشركاء متعددي الأطراف أو الثنائيين، على أن يكون ذلك مرتبطاً بالتنفيذ الناجح لبرنامج صندوق النقد الدولي”.

الى ذلك، تشير الحكومة في ورقتها أنّها “تعتزم تقديم موازنة تكميلية لموازنة العام 2020 في الأشهر القليلة المقبلة لوضع المالية العامة على مسار مستدام. في هذا السياق، تلتزم الحكومة بتخفيض العجز الأساسي بشكل كبير من خلال مزيج من الإيرادات التصحيحية وتدابير الإنفاق. من المتوقع أن يؤدي الجمع بين البيئة الاقتصادية المتدهورة سريعًا وغير المستقرة، وانخفاض الضرائب على دخل الفوائد، إلى دفع نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 16.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 12.6٪ في عام 2020. من ثمّ نتوقع أن تزيد الإيرادات الضريبية بشكل مطرد لتصل إلى 16.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. كذلك، من المتوقع أن يتقلص الإنفاق الأساسي للحكومة، باستثناء الفوائد على الديون، من حوالي 22.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 17.1٪ بحلول عام 2024، مدعومًا بانخفاض فاتورة الأجور والإزالة التدريجية لتحويلات الكهرباء”.

وإن كان صندوق النقد الدولي معروف عنه أنّه لا يكترث سوى للجانب المالي، فإنّ الحكومة اللبنانية مطالبة بالاكتراث لحياة شعبها، لا القبول بفقره وذلّه كرمى لعيون الدائنين وصندوق النقد، عبر اعتماد سياسة تقشّفية تقضي على ما تبقّى من طبقة وسطى هي آيلة الى الزوال أصلاً، وتحوّل الطبقات الفقيرة الى مسحوقة، في مقابل تركيز الثروة أكثر فأكثر في أيدي ثلّة قليلة مؤلفة من السياسيين وشركائهم الذين أوصلونا الى هذا الدرك.

 

خفض الإنفاق: العبء على المواطن

في شقّ تدابير خفض الإنفاق، تنطلق الحكومة من قطاع الكهرباء، مشيرة الى أنّها “تخطّط لوقف دعم كهرباء لبنان بمجرّد تطبيق خطة الكهرباء التي أقرّت في نيسان 2019، وتوفير الكهرباء 24\24، على أن تزداد التعرفة تدريجياً”.

وفيما خص فاتورة الأجور، “تلتزم الحكومة بترشيد التوظيف في القطاع العام بهدف تحسين الكفاءة وخفض التكلفة. والهدف من ذلك هو الوصول بإجمالي تكاليف الأفراد إلى 11.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024 من خلال الإجراءات التالية: – تجميد عدد الأفراد العسكريين ووقف الترقيات. – تقليل عدد المتعاقدين (5٪ سنوياً على مدى 5 سنوات). – التجميد الاسمي للرواتب: سيتم تجميد الرواتب على مستواها الاسمي الحالي لمدة 5 سنوات، ما سيؤدي في الواقع إلى انخفاض حقيقي في القيمة. – وقف التوظيفات في القطاع العام: سيتم فرض تجميد على توظيف القطاع العام و سيتقلص حجم القطاع العام بسبب الاستنزاف. وبما أنه من المتوقع أن يتقاعد عدة آلاف من موظفي القطاع العام في السنوات القادمة، فلن يتم استبدال سوى أولئك الذين هم في مناصب أساسية. – إعادة النظر بحزمة المزايا العسكرية رفيعة المستوى (مثل قسائم الوقود …)”.

ورقة الحكومة تلحظ أيضاً المعاشات التقاعدية، فتؤكّد على أنّها “شكلت في عام 2019، 4.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يكون الهدف تخفيض هذا الرقم تدريجياً إلى 3.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. وللوصول الى هذا الرقم، تعتزم الحكومة القيام بالإجراءات التالية: – المراجعة والتطبيق السليم للتدبير “رقم 3″ المتعلق بتقاعد العسكريين. – إلغاء نظام التقاعد المبكر. – مراجعة قواعد المعاشات التقاعدية الارتجاعية للأرامل والأطفال. – إعادة النظر بقواعد تحويل البدلات العائلية بعد الوفاة”.

في ما خص المؤسسات الحكومية، “ستقوم الحكومة بمراجعة 73 كيانًا عامًا وستضع خطة تهدف إلى دمج الكيانات عندما يكون ذلك ممكنًا، لتعزيز الكفاءة، وكبح المرتبات والمزايا، وترشيد التكاليف التشغيلية، مع إغلاق الكيانات المتقادمة. كما ستقوم الحكومة بإعادة التفاوض مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على جدول تسوية المتأخرات ورسوم الفائدة، حيث ستتمّ إعادة التفاوض حول جدول السداد الحالي على مدى 10 سنوات ومعدل الفائدة البالغ بين 6 الى 7٪ لجعل فترة السداد أطول وخفض سعر الفائدة”.

على صعيد النفقات الاستثمارية، سيتم “استبدال الإنفاق الرأسمالي الممول محليًا بشكل تدريجي بالنفقات الرأسمالية الممولة أجنبياً – لا سيما من خلال انطلاق مشاريع مؤتمر “سيدر” بعد تنفيذ السلطات لبرنامج الإصلاح الطموح هذا – ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومشاريع BOT عند الاقتضاء”.

قرّرت الحكومة إذاً خفض النفقات عبر تحميل المواطنين مسؤولية التقشّف، دون أي إشارة الى مغارات السرقة والفساد. قرّرت الحكومة في ورقتها وقف الستثمار في البنى التحتية ووصلت بها الوقاحة الى محاولة التعدّي على معاشات المتقاعدين وعلى الضمان الاجتماعي، وكأنّه لا يكفي اللبنانيين ما يعيشونه من ظلم وفقر نتيجة السياسات الحكومية المتعاقبة.

 

زيادة الايرادات: ضرائب جديدة تطال الجميع

من ناحية أخرى، تعتزم الحكومة في خطتها تحسين الايرادات بحيث تشكّل 4.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024. للوصول الى هذا الهدف، تخطّط الحكومة لـ”توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين معدل الامتثال، وجمع الضرائب من خلال التدابير التالية: – تحسين التحصيل الجمركي. – تحسين تحصيل ضريبة القيمة المضافة. – تطبيع مستويات الامتثال الضريبي. – إزالة الإعفاءات الضريبية للأرباح الرأسمالية للشركات القابضة وشركات الاوفشور. – إزالة بعض إعفاءات ضريبة القيمة المضافة. – تعزيز إدارة الإيرادات الضريبية”.

الى ذلك، تحت بند “زيادة الضرائب”، تشي خطة الحكومة بعزمها على “إصلاح النظام الضريبي بشكل شامل بهدف جعله أكثر عدالة وكفاءة، وذلك من خلال: – زيادة معدل الضريبة على الشركات (تدريجياً من 17٪ إلى 20٪). – زيادة من 10٪ إلى 20٪ على الضريبة على دخل الفوائد على الودائع التي تتجاوز المليون دولار أمريكي. – زيادة ضريبة الدخل على الرواتب المرتفعة (من 25٪ إلى 30٪). – زيادة ضريبة الدخل على مكاسب رأس المال من 10٪ إلى 15٪. – زيادة ضريبة القيمة المضافة على السلع الكمالية من 11٪ إلى 15٪. – تحديد حد أدنى قدره 25000 ليرة لبنانية وإزالة الحد الأقصى البالغ 30.000 ليرة لبنانية على سعر تنكة البنزين.- إضافة رسم 1000 ليرة لبنانية على الغاز”.

تنوي الحكومة إذاً زيادة الضرائب على اللبنانيين دون تمييز من خلال تحديد حدّ أدنى للبنزين ووضع رسم على الغاز، وهما مادتان ستعملهما كلّ مواطم مهما بلغ غناه أو فقره، وهو الكفيل بدفع الفقراء إكثر فأكثر نحو القعر.

بالإضافة الى ما سبق تنوي الحكومة زيادة الايرادات من خلال اجراءات أخرى أبرزها: “إدخال (أو تطبيق) رسوم الترخيص على المرامل والكسارات. – تحويل العقوبات المرورية إلى الخزانة. – رسوم فحص المركبات (الميكانيك). – مرفأ بيروت. – تطبيق الغرامات على الممتلكات البحرية والبرية والنهرية. – استعادة الأموال المنهوبة”.

 

إعادة هيكلة مصرف لبنان: تبرئة الحكومات وتحميل المصرف المركزي المسؤولية

تحت بند إعادة هيكلة القطاع المالي في لبنان، قرّرت الحكومة بحسب خطّتها إعادة هيكلة المصرف المركزي، مشيرة الى أنّ “الاعتراف بالخسائر السابقة التي تراكمت على مصرف لبنان والخسائر المتوقعة الفورية الناتجة عن إعادة هيكلة الديون الحكومية هي الخطوة الأولى في الإصلاح الشامل للنظام المالي اللبناني”.

وفي اول “اعترافات” الحكومة، تأكيدها أنّ “الميزانية العمومية لمصرف لبنان تشتمل على خسائر مدمجة تم ترحيلها مقابل عائدات عمليات الاستحواذ المستقبلية والمتراكمة على مدى 15 إلى 20 عامًا مضت. تُستخدم هذه الممارسة المحاسبية بشكل شائع من قبل البنوك المركزية حول العالم للتعامل مع الخسائر المؤقتة المتكبدة أثناء الأزمات. ومع ذلك ، استخدم مصرف لبنان هذه الممارسة المحاسبية على مدى فترة زمنية أطول بكثير، بحيث يمثل إجمالي الخسائر الحتسبة حتى الآن أكثر من 40 مليار دولار أمريكي”.

يفوت الحكومة في إطار إلقائها اللوم على المصرف المركزي دون غيره أنّ هذه “الممارسة المحاسبية” التي قام بها مصرف لبنان طوال السنوات الماضية جاءت لدفع جزء من ديون الدولة اللبنانية، وتغطية نفقاتها، والكهرباء مثال واضح، كما لتغطية عجز الدولة عن القيام بأبسط مهماتها الاجتماعية، والقروض المدعومة للإسكان دليل على ذلك. ففي ظلّ غياب أي رؤية اقتصادية ومالية لثلاثين عاماً مضت، سدّ مصرف لبنان الفراغ الموجود بأدواته النقدية، غير أنّ الحكومات المتعاقبة طوال الفترة الماضية سدّت أعينها وآذانها عن سماع ما ردّده الاقتصاديون حتى بُحّت حناجرهم: لا يستقيم اقتصاد على رافعة النقد دون رؤية اقتصادية وخطة مالية.

 

إعادة هيكلة المصارف: إنقاذ المساهمين على حساب المودعين

تحت بند إعادة هيكلة المصارف، تنطلق ورقة الحكومة من التأكيد أنّه”استناداً إلى المعايير التوضيحية لإعادة هيكلة الديون الحكومية وانخفاض قيمة محفظة مطالبات البنوك على المقيمين بنسبة 30٪، فمن المتوقع أن يصل إجمالي الخسائر المباشرة إلى أكثر من قاعدة رأس المال الحالية للبنوك”.

لذلك، “ستضع السلطات استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة الميزانيات العمومية للبنوك”. تقدّر الحكومة في ورقتها “لخسائر (المباشرة وغير المباشرة) التي تكبدتها المصارف اللبنانية في محافظ أصولها بحوالي 62.4 مليار دولار أمريكي حسب التقديرات الأولية التي تغطي أصول الدولار الأمريكي والليرة اللبنانية”. ولمعالجة هذا الخلل، ستقوم الحكومة بتنفيذ “خطة إنقاذ كاملة للمساهمين الحاليين (أي شطب رأس المال 20.8 مليار دولار أمريكي). وثانياً، سيتم تغطية رصيد الخسائر (أي 62.4 مليار دولار أمريكي) بمساهمة استثنائية انتقالية من كبار المودعين”.

كذلك، “من المحتمل أن تتضمن استراتيجية إعادة هيكلة النظام المصرفي عمليات اندماج طوعية أو قسرية للبنوك. سيُطلب من البنوك أن تقترح على السلطات خطط إعادة الهيكلة / إعادة الرسملة بما في ذلك عمليات الاندماج مع أو الاستحواذ من قبل البنوك المحلية والأجنبية لمعالجة قضايا التمويل الهيكلي”.

وللإجابة عن سؤال “كيفية تعويض المودعين؟” تجيب خطة الحكومة بطرح خيارين: “الخيار الأول الذي يُعرض على المودعين هو تحويل ودائعهم إلى مساهمة في رأس مال مصرفهم وفقًا “لخطة إنقاذ البنوك”. الخيار الآخر هو، بدلاً من الخسارة الكاملة للودائع، تحويل ودائع القطاع الخاص المستهدفة للإنقاذ إلى صندوق مخصص لاسترداد الودائع”.

 

سعر الصرف والسياسة النقدية: تعويم الليرة وإفقار الشعب

في سياق خطتها “الإصلاحية” تعتبر الحكومة أنّه “من المستحيل الآن إعادة ربط العملة المحلية بالدولار الأمريكي، وبالتالي يجب التخلّي عن ربط سعر الصرف كجزء من برنامج الإصلاح الحكومي. وهذا ضروري للغاية لأن ربط العملة أدى إلى تراكم مبالغ فيه في قيمة الليرة اللبنانية. (…) لذلك، من الآن فصاعدًا، تعتزم الحكومة الانتقال إلى سعر صرف أكثر مرونة. التحول إلى سعر صرف عائم بالكامل غير مرغوب فيه طالما أن الاقتصاد لم ينتقل بشكل كامل إلى توازن جديد مستقر. مع ذل ، سيتم تحديد سعر صرف العملات الأجنبية بطريقة تمنع الارتفاع المتجدد بقيمة الليرة وتسمح بالحفاظ على القدرة التنافسية (على سبيل المثال ، تعويم مُدار).  سيعتمد مصرف لبنان سياسة نقدية تضمن أنّ سعر الصرف القابل للتعديل سيعكس فارق التضخم مع العملات الرئيسية”.

وحسب ما يظهر الرسم البياني أعلاه، تعتزم الحكومة التحرير الجزئي لسعر صرف الليرة اللبنانية، بحيث تصبح قيمتها مقارنة بالدولار 2607 ليرة لكل دولار أميركي عام 2021، وصولاً الى 2970 ليرة لكل دولار أميركي عام 2024، أي بزيادة قدرها 100٪ عن سعر الصرف المعتمد رسمياً اليوم.

يجدر التذكير هنا أنّ الدولة قررت مضاعفة سعر صرف الليرة على مدى السنوات الخمس المقبلة، في ظلّ اعترافها أنّ االتضخّم سيبلغ 25٪ خلال هذه المرحلة، وفي ظلّ نيّتها اعتماد سياسة تقشّفية معتمدة على زيادة الضرائب ووقف النفقات الاستثمارية والاجتماعية. أي أنّ الحكومة قرّرت عن سابق تصوّر وتصميم الإمعان في إفقار الشعب اللبناني الذي اعترفت في خطتها أنّ 48٪ من أفراده باتوا يعيشون تحت خطّ الفقر.

 

بيئة الأعمال وإصلاحات الحكومة: خصخصة مقنّعة

في مجال زيادة التنافسية في الاقتصاد اللبناني، قرّرت الحكومة القيام ببعض الإصلاحات في قطاعات مختلفة. وفي ظلّ تردادها بعض ما ذكرته سابقاً مثال قطاع الكهرباء وضرورة زيادة التعرفة، سنركّز هنا على أبرز ما تضمّنته هذه “الإصلاحات”.

في قطاع النفط والغاز، تعتزم الحكومة “إنشاء صندوق ثروة سيادي لإدارة أصول النفط والغاز. سيكون الصندوق موجها نحو حماية حقوق الأجيال القادمة. سيتم استثمار الأصول خارج لبنان وستُستخدم العائدات جزئياً كإيرادات حكومية، وذلك لإبعاد لبنان عن أعراض المرض الهولندي”.

امّا في قطاع النفايات الصلبة، قرّرت الحكومة اعتماد سياسية “لامركزية” تجعل من النفيات مسؤولية البلديات. “سيعتمد البرلمان قانوناً يحدد آلية تطوير استراتيجيات وخطط النفايات الصلبة. القانون المقترح 1) يحدد إدارة متكاملة للنفايات الصلبة مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات العلمية في هذا المجال ، 2) يتبنى مبدأ “تحويل النفايات إلى طاقة” ، 3) يحدد دور البلديات في إطار اللامركزية الإدارية للنفايات”.

ختاماً، تعتزم الحكومة مراجعة القانون 431، بغية “اعتماد سياسة اتصالات تهدف إلى تحرير القطاع وفتحه أكثر أمام استثمار القطاع الخاص”. في هذه الجملة، يتبيّن بشكل واضح أنّ الحكومة تعتزم وبكلّ وضوح تنفيذ ما عجزت عنه حكومات الرئيس رفيق الحريري من خصخصة لقطاع الاتصالات، فأتت الحكومة التي أرادت “إعادة النظر بكافة السياسات الاقتصادية المعتمدة طوال الأعوام الماضية” لتشهر سيف الخصخصة وتبيع آخر ما تبقّى لنا من قطاعات تؤمّن دخلاً للدولة اللبنانية بمبلغ زهيد، بغية إرضاء صندوق النقد الدولي.

 

 

من المؤسف أنّ حكومة استلمت السلطة بعد نزول الناس بالآلاف الى الشارع يتهفون بضرورة التغيير، وضعت “خطة إصلاح اقتصادي” أقلّ ما يقال عنها أنّها لا تمتّ للإصلاح ولا للإقتصاد بصلة. هي مجرّد استكمال لسياسة تثبيت اقتصاد الريع المعتمدة منذ العام 1992. هي محاولة لتجميل الخصخصة وفرضها على اللبنانيين تحت ذريعة أن “لا خيار آخر أمامنا”. هي محاولة الأطراف السياسية وشركائهم من حيتان المال تدفيع الشعب اللبناني مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي نعيشها بفعل ما ارتكبوه هم، بسياساتهم الاقتصادية أو انعدامها، بحق اقتصاد البلاد طوال ثلاثة عقود.

هي الكارثة إن كان هذا هو ما تسمّيه الحكومة بـ”الإصلاح”. وهي الكارثة إن كانت هذه ما تعتبرها الحكومة “خطة اقتصادية”.

في ظلّ وضع اقتصادي كارثي تعيشه البلاد اليوم، بعد اجتياح الناس للشارع في انتفاضة 17 تشرين، وانكشاف هشاشة النموذج المعتمد منذ العام 1992، وغرق “القارب المثقوب” منذ ما قبل باريس 1 على حدّ تعبير رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون عام 2001، ومع ذهاب حكومة الحريري الابن، ومجيء حكومة الرئيس حسان الدياب التي زاد بيانها الوزاري من مخاوف اللبنانيين، وفي ظلّ قرار التوقف عن سداد مستحقّات الديون بالعملة الأجنبية وفوائدها، وفي ظلّ فيروس “كورونا” القاتل الذي فرض على اللبنانيين البقاء في المنازل وأقفل الأشغال وأودى بحياة عشرين شخص حتى اللحظة، تسرّبت أخيراً “خطة الإصلاح الإقتصادي للحكومة اللبنانية”.

وإن كان البعض، وبينهم وزراء في الحكومة، يصفونها بأنّها خطة اقتصادية، علماً أنّ الورقة في مقدمتها تشير الى أنّها “خطة اقتصادية إنقاذية”، فهذه التسمية بعيدة كلّ البعد عن الواقع. فالورقة المسرّبة، التي اعترف أعضاء الحكومة أنّها حقيقية وأنّهم يدرسونها، لا تحوي أي بند أو رؤية أو خطة عمل اقتصادية، بل جلّ ما تركّز عليه هو الشقّ المالي والنقدي، بعيداً عن اي محاولة للتطرّق الى الاقتصاد، وكأنّ أحداً لم يتعلّم شيئاً من تجارب العقود الثلاث الماضية. وقد حاولت الحكومة بعدد من أعضائها، وبشخص رئيسها حتى، التنصّل من تسميتها ورقة اقتصادية، بحيث باتت “خطة إصلاح مالي”، بل وصل الأمر بها لتصبح “خطة عمل للدائنين”، لينتهي بها المطاف بحسب مصادر حكومية رسمية الى “مجموعة أفكار” وضعت ليجري نقاشها في الحكومة !

وعلى وقع التسريبات العديدة التي تشير الى أنّ “خطة الحكومة” وضعتها شركة لازارد التي تعاقدت معها الحكومة لتكون استشارية في مجال التفاوض مع الدائنين، يطرح هنا السؤال عن السبب وراء ترك هذه الشركة تنصّ “خطة اقتصادية” أو حتى “مالية” للدولة اللبنانية؟ فهل وصل التقاعس الى حدّ تغييب الدولة اللبنانية نفسها عن هكذا ملف والسماح لاستشاري أن يضع عنها خططها؟

وإن كانت بُحّت حناجر بعض الاقتصاديين وآلاف المتظاهرين في شوارع البلاد خلال الأشهر والسنين الماضية، المطالبين بالتخلّي عن نموذح اقتصاد الريع الذي أثبت فشله منذ سنوات طويلة، والتحوّل الى الاقتصاد المنتج، فقد جاءت هذه الورقة لتبقي القديم على قدمه، لا بل لتحاول إعطاء جرعة أمل للنموذج الذي أفقر اللبنانيين وأوصل بالبلاد الى الدرك الذي تجد نفسها فيه اليوم.

وفي ظلّ كثرة الشائعات والتحليلات والمفاهيم الخاطئة المنتشرة، لا بدّ من التعمّق قليلاً في قراءة “الخطة” وتحديد ما فيها، والفصل بين ايجابياتها وسلبياتها.

 

خلفية الورقة: تأكيد فشل السياسة المعتمدة.. و48٪ من اللبنانيين فقراء

تنطلق ورقة الحكومة من الاعتراف أنّ “المؤشرات الاقتصادية تشير الى تسارع انكماش الاقتصاد، وأزمة فيروس كورونا التي تؤثر اليوم على لبنان والعالم بأسره ستضيف على تدهور البيئة الاقتصادية الحاصل”.

وتضيف الورقة أنّ “التقديرات تشير إلى أن الناتج قد تقلص بنسبة 6.9٪ في عام 2019 بعد الانكماش بنسبة 1.9٪ في عام 2018، ويمكن أن ينكمش بنسبة 9٪ إلى 14٪ إضافية في عام 2020 حيث يضع نقص الدولار عبئًا كبيرًا على الواردات ما سيؤدي الى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغط على الشركات”.

في مقدّمتها أيضاً، تؤكّد ورقة الحكومة أنّ “البطالة والفقر يتصاعدان بسرعة. كما يمكن أن يتسارع متوسط التضخم إلى أكثر من 25٪ في عام 2020 ، ما يخلق خطر ارتفاع غير محكم في الأسعار مدعومًا بالانخفاض المستمر الفعلي لقيمة الليرة اللبنانية من خلال السوق الموازية”.

وإن كان البعض يحاول تحميل مسؤولية ما نعانيه لانتفاضة 17 تشرين أو لمؤامرة كونية، جاءت المفارقة في تفنيد الحكومة لأسباب ما نعيشه بقولها أنّ “جذور الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة الحالية تعود إلى تاريخ طويل من الاعتماد المفرط على تدفقات العملات الأجنبية الضخمة. لسنوات، تلقى لبنان تدفقات هائلة من الودائع بالدولار في القطاع المصرفي المحلي، وهو ما يعادل عدة مرات الناتج المحلي الإجمالي، لم يتم إعادة تدويرها بشكل أساسي في الاقتصاد المنتج ولكنها غذت عجز القطاع العام ومستويات عالية من الاستهلاك. (…) بالإضافة إلى ذلك، دفعت سنوات من العجز الكبير في الميزانية وارتفاع أسعار الفائدة رصيد الدين العام إلى مستوى مرتفع بشكل غير مستدام، حيث ارتفع من 131٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2012 إلى حوالي 176٪ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2019. وفي ظلّ ذهاب نحو 50٪ من الإيرادات الحكومية في 2019 لدفع فوائد الدين، فقد باتت الحسابات المالية ضعيفة للغاية بحيث لا تستطيع السعي إلى تعزيز الإنتاجية والاستثمار في البنية التحتية”.

ما سبق ليس إلّا محضر اتهام واضح يؤكّد فشل السياسات المتعاقبة طوال العقود الماضية، باعتراف الحكومة التي تضمّ أطرافاً كانت اساسية في تأليف الحكومات الماضية !

 

الحكومة تطلب 10 الى 15 مليار دولار.. وتُضخّم الحاجة الى 27 مليارا

تنطلق خطة الحكومة من “سيناريو ماكرو-اقتصادي مبني على فرضية أنّ لبنان سيستفيد في وقت قصير من الدعم المال الخارجي المطلوب، كما سينفّذ بنجاح كافة الإصلاحات الواردة في الوثيقة”، علماً أنّ الخطة لا تشير الى أي تطمينات من الجهات الخارجية لتأمين هذا الدعم المالي، خصوصاً أنّ الدول “المانحة” باتت هي اليوم في حاجة الى الأموال بفعل الركود الاقتصادي العالمي المتوقع كتأثير مباشر لأزمة فيروس كورونا.

في الأرقام، تشير المسودة الى أنّه “مع توقع أولي للانكماش الحقيقي بنسبة 12.0٪ في عام 2020 و7.0٪ في عام 2021، سيتعافى الاقتصاد تدريجياً وسيصل إلى نمو حقيقي بنسبة 2.0٪ بحلول عام 2024 قبل أن يستقر عند نمو محتمل بنسبة 3٪ على المدى الطويل. سيتم دفع التعافي من خلال الدعم الخارجي للحد من الانكماش في الواردات والاستهلاك المحلي، ودفع الاستثمار العام في سياق فتح التمويل الملتزم من قبل CEDRE وتنفيذ خطة استثمارية، بالإضافة الى تنفيذ خطة شاملة لتعزيز النمو والمكاسب التنافسية من خلال التحرير التدريجي لسعر الصرف”، مع الإشارة الى أنّه “من المتوقع أن يرتفع متوسط التضخم إلى 25.1٪ في عام 2020 بسبب الآثار السلبية لانخفاض سعر الصرف الفعلي، على أن يتنخفض التضخم تدريجيًا إلى 5.2٪ بحلول عام 2024”.

تعتبر الحكومة أنّ “السياسة المالية ستكون مدفوعة بخطة ضبط مالي طموحة، موزعة على 5 سنوات، حيث سيتم تحسين رصيد الميزانية الأولية من -0.9٪ في عام 2019 إلى 1.6٪ في عام 2024 ، مما يعكس “فائضًا أوليًا محليًا” بنسبة 3.4٪ باستثناء النفقات الرأسمالية التي سيتم تمويلها خارجيًا مع فتح التزامات التمويل الخارجي لـ CEDRE. (…) من المتوقع أن يتقلص العجز الحكومي الإجمالي من 11.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 7.2٪ في عام 2020 وإلى 1.3٪ بحلول عام 2024، على أن ينخفض الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مطرد من 176٪ في عام 2019 إلى 103.1٪ بحلول عام 2024 وكذلك إلى 90.2٪ بحلول عام 2027″.

وفي حين تشير الخطة الى حاجة لبنان الى ما بين 10 و15 مليار دولار كتمويل خارجي للخروج من النفق، غير أنّ الأرقام الواردة فيها تبرز الحاجة، تحت واقع الأرقام الخاطئة بحسب مصادر اقتصادية مطلعة، الى ما يفوق 27 مليار دولار تحت بند “متطلبات التمويل الخارجي” بين الأعوام 2020 و2024، في محاولة فاضحة لتضخيم الحاجة الى هذا التمويل بغية تثبيت ضرورة اللجوء الى صندوق النقد الدولي !

 

التسويق لصندوق النقد: تحميل الشعب المسؤولية

إن كان الخلاف بين الأطراف السياسية مستمرّاً حول موضوع القبول ببرنامج لصندوق النقد الدولي، لكون وصفات الصندوق معروفة، كما تبعاتها التي تزيد الفقراء فقراً والأغنياء ثراء، غير أنّ الحكومة تعترف في متن ورقتها أنّ “خطتنا الحالية هي أساس جيد في حالة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي”. ولا تتوقف الحكومة عند ذلك، بل تلعب دور محامي الدفاع عن صندوق النقد محاولة إبراز حسناته، قائلة أنّ “الآثار الجانبية الإيجابية لبرنامج صندوق النقد الدولي عديدة. وعلى الرغم من أن صندوق النقد الدولي على الأرجح لن يكون قادرًا على توفير موارد كافية لتغطية جميع احتياجات التمويل الخارجية للبنان للسنوات الخمس القادمة، إلّا أنّه سيفتح نوافذ اخرى الى الأموال المتاحة من الشركاء متعددي الأطراف أو الثنائيين، على أن يكون ذلك مرتبطاً بالتنفيذ الناجح لبرنامج صندوق النقد الدولي”.

الى ذلك، تشير الحكومة في ورقتها أنّها “تعتزم تقديم موازنة تكميلية لموازنة العام 2020 في الأشهر القليلة المقبلة لوضع المالية العامة على مسار مستدام. في هذا السياق، تلتزم الحكومة بتخفيض العجز الأساسي بشكل كبير من خلال مزيج من الإيرادات التصحيحية وتدابير الإنفاق. من المتوقع أن يؤدي الجمع بين البيئة الاقتصادية المتدهورة سريعًا وغير المستقرة، وانخفاض الضرائب على دخل الفوائد، إلى دفع نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 16.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 12.6٪ في عام 2020. من ثمّ نتوقع أن تزيد الإيرادات الضريبية بشكل مطرد لتصل إلى 16.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. كذلك، من المتوقع أن يتقلص الإنفاق الأساسي للحكومة، باستثناء الفوائد على الديون، من حوالي 22.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 17.1٪ بحلول عام 2024، مدعومًا بانخفاض فاتورة الأجور والإزالة التدريجية لتحويلات الكهرباء”.

وإن كان صندوق النقد الدولي معروف عنه أنّه لا يكترث سوى للجانب المالي، فإنّ الحكومة اللبنانية مطالبة بالاكتراث لحياة شعبها، لا القبول بفقره وذلّه كرمى لعيون الدائنين وصندوق النقد، عبر اعتماد سياسة تقشّفية تقضي على ما تبقّى من طبقة وسطى هي آيلة الى الزوال أصلاً، وتحوّل الطبقات الفقيرة الى مسحوقة، في مقابل تركيز الثروة أكثر فأكثر في أيدي ثلّة قليلة مؤلفة من السياسيين وشركائهم الذين أوصلونا الى هذا الدرك.

 

خفض الإنفاق: العبء على المواطن

في شقّ تدابير خفض الإنفاق، تنطلق الحكومة من قطاع الكهرباء، مشيرة الى أنّها “تخطّط لوقف دعم كهرباء لبنان بمجرّد تطبيق خطة الكهرباء التي أقرّت في نيسان 2019، وتوفير الكهرباء 24\24، على أن تزداد التعرفة تدريجياً”.

وفيما خص فاتورة الأجور، “تلتزم الحكومة بترشيد التوظيف في القطاع العام بهدف تحسين الكفاءة وخفض التكلفة. والهدف من ذلك هو الوصول بإجمالي تكاليف الأفراد إلى 11.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024 من خلال الإجراءات التالية: – تجميد عدد الأفراد العسكريين ووقف الترقيات. – تقليل عدد المتعاقدين (5٪ سنوياً على مدى 5 سنوات). – التجميد الاسمي للرواتب: سيتم تجميد الرواتب على مستواها الاسمي الحالي لمدة 5 سنوات، ما سيؤدي في الواقع إلى انخفاض حقيقي في القيمة. – وقف التوظيفات في القطاع العام: سيتم فرض تجميد على توظيف القطاع العام و سيتقلص حجم القطاع العام بسبب الاستنزاف. وبما أنه من المتوقع أن يتقاعد عدة آلاف من موظفي القطاع العام في السنوات القادمة، فلن يتم استبدال سوى أولئك الذين هم في مناصب أساسية. – إعادة النظر بحزمة المزايا العسكرية رفيعة المستوى (مثل قسائم الوقود …)”.

ورقة الحكومة تلحظ أيضاً المعاشات التقاعدية، فتؤكّد على أنّها “شكلت في عام 2019، 4.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يكون الهدف تخفيض هذا الرقم تدريجياً إلى 3.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024. وللوصول الى هذا الرقم، تعتزم الحكومة القيام بالإجراءات التالية: – المراجعة والتطبيق السليم للتدبير “رقم 3″ المتعلق بتقاعد العسكريين. – إلغاء نظام التقاعد المبكر. – مراجعة قواعد المعاشات التقاعدية الارتجاعية للأرامل والأطفال. – إعادة النظر بقواعد تحويل البدلات العائلية بعد الوفاة”.

في ما خص المؤسسات الحكومية، “ستقوم الحكومة بمراجعة 73 كيانًا عامًا وستضع خطة تهدف إلى دمج الكيانات عندما يكون ذلك ممكنًا، لتعزيز الكفاءة، وكبح المرتبات والمزايا، وترشيد التكاليف التشغيلية، مع إغلاق الكيانات المتقادمة. كما ستقوم الحكومة بإعادة التفاوض مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على جدول تسوية المتأخرات ورسوم الفائدة، حيث ستتمّ إعادة التفاوض حول جدول السداد الحالي على مدى 10 سنوات ومعدل الفائدة البالغ بين 6 الى 7٪ لجعل فترة السداد أطول وخفض سعر الفائدة”.

على صعيد النفقات الاستثمارية، سيتم “استبدال الإنفاق الرأسمالي الممول محليًا بشكل تدريجي بالنفقات الرأسمالية الممولة أجنبياً – لا سيما من خلال انطلاق مشاريع مؤتمر “سيدر” بعد تنفيذ السلطات لبرنامج الإصلاح الطموح هذا – ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومشاريع BOT عند الاقتضاء”.

قرّرت الحكومة إذاً خفض النفقات عبر تحميل المواطنين مسؤولية التقشّف، دون أي إشارة الى مغارات السرقة والفساد. قرّرت الحكومة في ورقتها وقف الستثمار في البنى التحتية ووصلت بها الوقاحة الى محاولة التعدّي على معاشات المتقاعدين وعلى الضمان الاجتماعي، وكأنّه لا يكفي اللبنانيين ما يعيشونه من ظلم وفقر نتيجة السياسات الحكومية المتعاقبة.

 

زيادة الايرادات: ضرائب جديدة تطال الجميع

من ناحية أخرى، تعتزم الحكومة في خطتها تحسين الايرادات بحيث تشكّل 4.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024. للوصول الى هذا الهدف، تخطّط الحكومة لـ”توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين معدل الامتثال، وجمع الضرائب من خلال التدابير التالية: – تحسين التحصيل الجمركي. – تحسين تحصيل ضريبة القيمة المضافة. – تطبيع مستويات الامتثال الضريبي. – إزالة الإعفاءات الضريبية للأرباح الرأسمالية للشركات القابضة وشركات الاوفشور. – إزالة بعض إعفاءات ضريبة القيمة المضافة. – تعزيز إدارة الإيرادات الضريبية”.

الى ذلك، تحت بند “زيادة الضرائب”، تشي خطة الحكومة بعزمها على “إصلاح النظام الضريبي بشكل شامل بهدف جعله أكثر عدالة وكفاءة، وذلك من خلال: – زيادة معدل الضريبة على الشركات (تدريجياً من 17٪ إلى 20٪). – زيادة من 10٪ إلى 20٪ على الضريبة على دخل الفوائد على الودائع التي تتجاوز المليون دولار أمريكي. – زيادة ضريبة الدخل على الرواتب المرتفعة (من 25٪ إلى 30٪). – زيادة ضريبة الدخل على مكاسب رأس المال من 10٪ إلى 15٪. – زيادة ضريبة القيمة المضافة على السلع الكمالية من 11٪ إلى 15٪. – تحديد حد أدنى قدره 25000 ليرة لبنانية وإزالة الحد الأقصى البالغ 30.000 ليرة لبنانية على سعر تنكة البنزين.- إضافة رسم 1000 ليرة لبنانية على الغاز”.

تنوي الحكومة إذاً زيادة الضرائب على اللبنانيين دون تمييز من خلال تحديد حدّ أدنى للبنزين ووضع رسم على الغاز، وهما مادتان ستعملهما كلّ مواطم مهما بلغ غناه أو فقره، وهو الكفيل بدفع الفقراء إكثر فأكثر نحو القعر.

بالإضافة الى ما سبق تنوي الحكومة زيادة الايرادات من خلال اجراءات أخرى أبرزها: “إدخال (أو تطبيق) رسوم الترخيص على المرامل والكسارات. – تحويل العقوبات المرورية إلى الخزانة. – رسوم فحص المركبات (الميكانيك). – مرفأ بيروت. – تطبيق الغرامات على الممتلكات البحرية والبرية والنهرية. – استعادة الأموال المنهوبة”.

 

إعادة هيكلة مصرف لبنان: تبرئة الحكومات وتحميل المصرف المركزي المسؤولية

تحت بند إعادة هيكلة القطاع المالي في لبنان، قرّرت الحكومة بحسب خطّتها إعادة هيكلة المصرف المركزي، مشيرة الى أنّ “الاعتراف بالخسائر السابقة التي تراكمت على مصرف لبنان والخسائر المتوقعة الفورية الناتجة عن إعادة هيكلة الديون الحكومية هي الخطوة الأولى في الإصلاح الشامل للنظام المالي اللبناني”.

وفي اول “اعترافات” الحكومة، تأكيدها أنّ “الميزانية العمومية لمصرف لبنان تشتمل على خسائر مدمجة تم ترحيلها مقابل عائدات عمليات الاستحواذ المستقبلية والمتراكمة على مدى 15 إلى 20 عامًا مضت. تُستخدم هذه الممارسة المحاسبية بشكل شائع من قبل البنوك المركزية حول العالم للتعامل مع الخسائر المؤقتة المتكبدة أثناء الأزمات. ومع ذلك ، استخدم مصرف لبنان هذه الممارسة المحاسبية على مدى فترة زمنية أطول بكثير، بحيث يمثل إجمالي الخسائر الحتسبة حتى الآن أكثر من 40 مليار دولار أمريكي”.

يفوت الحكومة في إطار إلقائها اللوم على المصرف المركزي دون غيره أنّ هذه “الممارسة المحاسبية” التي قام بها مصرف لبنان طوال السنوات الماضية جاءت لدفع جزء من ديون الدولة اللبنانية، وتغطية نفقاتها، والكهرباء مثال واضح، كما لتغطية عجز الدولة عن القيام بأبسط مهماتها الاجتماعية، والقروض المدعومة للإسكان دليل على ذلك. ففي ظلّ غياب أي رؤية اقتصادية ومالية لثلاثين عاماً مضت، سدّ مصرف لبنان الفراغ الموجود بأدواته النقدية، غير أنّ الحكومات المتعاقبة طوال الفترة الماضية سدّت أعينها وآذانها عن سماع ما ردّده الاقتصاديون حتى بُحّت حناجرهم: لا يستقيم اقتصاد على رافعة النقد دون رؤية اقتصادية وخطة مالية.

 

إعادة هيكلة المصارف: إنقاذ المساهمين على حساب المودعين

تحت بند إعادة هيكلة المصارف، تنطلق ورقة الحكومة من التأكيد أنّه”استناداً إلى المعايير التوضيحية لإعادة هيكلة الديون الحكومية وانخفاض قيمة محفظة مطالبات البنوك على المقيمين بنسبة 30٪، فمن المتوقع أن يصل إجمالي الخسائر المباشرة إلى أكثر من قاعدة رأس المال الحالية للبنوك”.

لذلك، “ستضع السلطات استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة الميزانيات العمومية للبنوك”. تقدّر الحكومة في ورقتها “لخسائر (المباشرة وغير المباشرة) التي تكبدتها المصارف اللبنانية في محافظ أصولها بحوالي 62.4 مليار دولار أمريكي حسب التقديرات الأولية التي تغطي أصول الدولار الأمريكي والليرة اللبنانية”. ولمعالجة هذا الخلل، ستقوم الحكومة بتنفيذ “خطة إنقاذ كاملة للمساهمين الحاليين (أي شطب رأس المال 20.8 مليار دولار أمريكي). وثانياً، سيتم تغطية رصيد الخسائر (أي 62.4 مليار دولار أمريكي) بمساهمة استثنائية انتقالية من كبار المودعين”.

كذلك، “من المحتمل أن تتضمن استراتيجية إعادة هيكلة النظام المصرفي عمليات اندماج طوعية أو قسرية للبنوك. سيُطلب من البنوك أن تقترح على السلطات خطط إعادة الهيكلة / إعادة الرسملة بما في ذلك عمليات الاندماج مع أو الاستحواذ من قبل البنوك المحلية والأجنبية لمعالجة قضايا التمويل الهيكلي”.

وللإجابة عن سؤال “كيفية تعويض المودعين؟” تجيب خطة الحكومة بطرح خيارين: “الخيار الأول الذي يُعرض على المودعين هو تحويل ودائعهم إلى مساهمة في رأس مال مصرفهم وفقًا “لخطة إنقاذ البنوك”. الخيار الآخر هو، بدلاً من الخسارة الكاملة للودائع، تحويل ودائع القطاع الخاص المستهدفة للإنقاذ إلى صندوق مخصص لاسترداد الودائع”.

 

سعر الصرف والسياسة النقدية: تعويم الليرة وإفقار الشعب

في سياق خطتها “الإصلاحية” تعتبر الحكومة أنّه “من المستحيل الآن إعادة ربط العملة المحلية بالدولار الأمريكي، وبالتالي يجب التخلّي عن ربط سعر الصرف كجزء من برنامج الإصلاح الحكومي. وهذا ضروري للغاية لأن ربط العملة أدى إلى تراكم مبالغ فيه في قيمة الليرة اللبنانية. (…) لذلك، من الآن فصاعدًا، تعتزم الحكومة الانتقال إلى سعر صرف أكثر مرونة. التحول إلى سعر صرف عائم بالكامل غير مرغوب فيه طالما أن الاقتصاد لم ينتقل بشكل كامل إلى توازن جديد مستقر. مع ذل ، سيتم تحديد سعر صرف العملات الأجنبية بطريقة تمنع الارتفاع المتجدد بقيمة الليرة وتسمح بالحفاظ على القدرة التنافسية (على سبيل المثال ، تعويم مُدار).  سيعتمد مصرف لبنان سياسة نقدية تضمن أنّ سعر الصرف القابل للتعديل سيعكس فارق التضخم مع العملات الرئيسية”.

وحسب ما يظهر الرسم البياني أعلاه، تعتزم الحكومة التحرير الجزئي لسعر صرف الليرة اللبنانية، بحيث تصبح قيمتها مقارنة بالدولار 2607 ليرة لكل دولار أميركي عام 2021، وصولاً الى 2970 ليرة لكل دولار أميركي عام 2024، أي بزيادة قدرها 100٪ عن سعر الصرف المعتمد رسمياً اليوم.

يجدر التذكير هنا أنّ الدولة قررت مضاعفة سعر صرف الليرة على مدى السنوات الخمس المقبلة، في ظلّ اعترافها أنّ االتضخّم سيبلغ 25٪ خلال هذه المرحلة، وفي ظلّ نيّتها اعتماد سياسة تقشّفية معتمدة على زيادة الضرائب ووقف النفقات الاستثمارية والاجتماعية. أي أنّ الحكومة قرّرت عن سابق تصوّر وتصميم الإمعان في إفقار الشعب اللبناني الذي اعترفت في خطتها أنّ 48٪ من أفراده باتوا يعيشون تحت خطّ الفقر.

 

بيئة الأعمال وإصلاحات الحكومة: خصخصة مقنّعة

في مجال زيادة التنافسية في الاقتصاد اللبناني، قرّرت الحكومة القيام ببعض الإصلاحات في قطاعات مختلفة. وفي ظلّ تردادها بعض ما ذكرته سابقاً مثال قطاع الكهرباء وضرورة زيادة التعرفة، سنركّز هنا على أبرز ما تضمّنته هذه “الإصلاحات”.

في قطاع النفط والغاز، تعتزم الحكومة “إنشاء صندوق ثروة سيادي لإدارة أصول النفط والغاز. سيكون الصندوق موجها نحو حماية حقوق الأجيال القادمة. سيتم استثمار الأصول خارج لبنان وستُستخدم العائدات جزئياً كإيرادات حكومية، وذلك لإبعاد لبنان عن أعراض المرض الهولندي”.

امّا في قطاع النفايات الصلبة، قرّرت الحكومة اعتماد سياسية “لامركزية” تجعل من النفيات مسؤولية البلديات. “سيعتمد البرلمان قانوناً يحدد آلية تطوير استراتيجيات وخطط النفايات الصلبة. القانون المقترح 1) يحدد إدارة متكاملة للنفايات الصلبة مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات العلمية في هذا المجال ، 2) يتبنى مبدأ “تحويل النفايات إلى طاقة” ، 3) يحدد دور البلديات في إطار اللامركزية الإدارية للنفايات”.

ختاماً، تعتزم الحكومة مراجعة القانون 431، بغية “اعتماد سياسة اتصالات تهدف إلى تحرير القطاع وفتحه أكثر أمام استثمار القطاع الخاص”. في هذه الجملة، يتبيّن بشكل واضح أنّ الحكومة تعتزم وبكلّ وضوح تنفيذ ما عجزت عنه حكومات الرئيس رفيق الحريري من خصخصة لقطاع الاتصالات، فأتت الحكومة التي أرادت “إعادة النظر بكافة السياسات الاقتصادية المعتمدة طوال الأعوام الماضية” لتشهر سيف الخصخصة وتبيع آخر ما تبقّى لنا من قطاعات تؤمّن دخلاً للدولة اللبنانية بمبلغ زهيد، بغية إرضاء صندوق النقد الدولي.

 

 

من المؤسف أنّ حكومة استلمت السلطة بعد نزول الناس بالآلاف الى الشارع يتهفون بضرورة التغيير، وضعت “خطة إصلاح اقتصادي” أقلّ ما يقال عنها أنّها لا تمتّ للإصلاح ولا للإقتصاد بصلة. هي مجرّد استكمال لسياسة تثبيت اقتصاد الريع المعتمدة منذ العام 1992. هي محاولة لتجميل الخصخصة وفرضها على اللبنانيين تحت ذريعة أن “لا خيار آخر أمامنا”. هي محاولة الأطراف السياسية وشركائهم من حيتان المال تدفيع الشعب اللبناني مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي نعيشها بفعل ما ارتكبوه هم، بسياساتهم الاقتصادية أو انعدامها، بحق اقتصاد البلاد طوال ثلاثة عقود.

هي الكارثة إن كان هذا هو ما تسمّيه الحكومة بـ”الإصلاح”. وهي الكارثة إن كانت هذه ما تعتبرها الحكومة “خطة اقتصادية”.

Share This

Share This

Share this post with your friends!