كي لا يكون الرقم وجهة نظر

تظهر كل يوم  في لبنان مشكلة جديدة، تبرهن عن صعوبة الوضع الإقتصادي والمالي الذي تمر به الدولة. إذ يبدو ذلك جلياً من خلال مؤسساتها، التي لا تزال تعمل ولكن بوتيرة بطيئة ، وقد تصل حد الإنهيار إذا ما إستمر الوضع على ما  هو عليه.

سنة بعد سنة يزداد العجز المالي وديون الدولة اللبنانية، سواء الداخلية أو الخارجية. ويتزامن ذلك مع صدور العديد من القوانين، التي تحاول عبثاُ تخفيف ولو جزء من هذه الديون، وإن كان ذلك على حساب المواطن.

في هذا السياق، تراكمت مستحقات مالية للضمان بذمة الدولة، بقيمة نحو 3 آلاف مليار ليرة (ما يعادل ملياري دولار)، نتيجة تخلف الدولة عن سداد مساهمتها في نفقات المرض والأمومة بنسبة %25، وإشتراكات عن موظفيها المصرّح عنهم للضمان.

 

دفع المستحقات…. ولكن

على الرغم من ظهور بعض الحلول للمشكلة في الأفق، إلاّ أنّ ذلك لا يبدو حلاً جذرياً، أو إنقاذاً لصندوق الضمان الإجتماعي مما يعاني منه.  إذ يجري الحديث عن نيّة الدولة، دفع مستحقاتها للضمان وفق ما جاء في المادة 70 من موازنة 2019 ، التي نصت على تقسيط الديون المتوجبة للصندوق والمتراكمة حتى نهاية 2018، على 10 أقساط سنوية متساوية أي 200 مليون دولار سنوياً.

على أن يسدد القسط الأول قبل نهاية شهر أيلول 2019. مع الإشارة الى أنه يترتّب على الديون المُقسّطة فائدة سنوية توازي معدل الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنة اي %5.

في حين ذكر تقرير وزير المال عن الموازنة، أنه جرى لحظ مساهمة للصندوق بقيمة 292.6 مليار ليرة، أي أقل مما لحظ في موازنة 2018 بقيمة 50 مليار ليرة.

إلاّ أنّ إعادة دفع الأديون المتراكمة للدولة على الضمان، وإن كان بطريقة التقسيط لا يحلّ المشكلة، التي قد تكون أكثر من قضية ديون بكثير. حيث أتّها تتهرّب من تسديد مبلغ 109 مليارات ليرة، عن إشتراكات الضمان الصحي للمتقاعدين.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أنّه يستفيد من هذا النظام حالياً أكثر من 8000 أسرة، ويتوقع أن يرتفع العدد تدريجياً إلى 150 ألف أسرة.

 

لا خوف على تقديمات الضمان

على الرغم من إرتفاع قيمة المستحقات المالية للدولة بذمة الضمان، إلاّ أنّ ذلك لا يشكّل خطراً على تقديماته الإجتماعية. هذا ما أوضحه نائب رئيس مجلس الادارة في الضمان الإجتماعي  غازي يحيى في إتصال  مع الـ  immarwaiktissad  بالقول أنّه “لا خوف على تقديمات الضمان الإجتماعي،  لعدّة أسباب منها. أولاً، أن الدولة أصدرت قانوناً  يقضي، بدفع الملياري دولار على مدة عشرة سنوات، أي مئتي مليون دولار في السنة، وفق فوائد بمعدل 5 % .  مما يعني أنّ هذه الأموال سوف تساهم في إستمرارية العمل في الضمان.   ثانياً، إستمرار الإستدانة من عوائد الإستثمار للكتلة النقدية” .

يتابع  في السياق عينه، “وهذه الكتلة النقدية تنقسم إلى قسمين، الأول أموال إدخار المضمونين. و الثاني هو عبارة عن عوائد الإستثمار منذ العام 1994 وحتى اليوم، بفوائد سندات الخزينة  والإستثمار”. “أي أنّ هناك كتلة نقدية متوفرة هي بالدرجة الأولى، أموال نهاية الخدمة  كإدخار للمضمونين، وهذه أموال مضمونة بل أنّ هناك فائضٌ فيها. بينما القسم الثاني، الذي نستدين منه لصندوقي المرض والأمومة والتقديمات العائلية، يتم من عوائد الإستثمار، الذي هو أيضاً مؤمن من خلال سداد الدولة،  لكامل الديون التي عليها”. ” أي أن  إدخارات الضمان مضمونة،  بل أنّها فائضة  بمعدل الضعف، بسبب عوائد الإستثمار الحاصلين عليها  خلال العشرين العام الماضية.”

 

إستفادة كافة المضمونين

وفق ما تشير أرقام الضمان فالأموال متوفرة في الصندوق. هذا ما يؤكد عليه  أيضاً يحي بالقول أنّ  ” الكتلة النقدية الموجودة حقيقية  لنهاية حسابات العام 2018، وهي صادرة عن الإدارة، وليست وهمية بل موجودة بدفاتر وحسابات المصارف ككل. سواء  أكان المصرف المركزي الذي يحتوي على 65% من الكتلة النقدية، أو  في المصارف الخاصة التي تحتوي على 35 % من  هذه الكتلة” .

يعتمد الكثير من اللبنانيون على خدمات وتقديمات الضمان الإجتماعي، مما يطرح سؤالاً عن إمكانية إستفادة كافة المضمونين، في ظل الظروف الراهنة. في هذا الإطار، يوضح يحي ” أن المضمونين المنتسبين إلى صندوق نهاية الخدمة العامة يستفيدون منه. بينما أولائك المضمونين غير المنسبين  إلى الصندوق لن يستفيدوا . على سبيل المثال السائقيين الذين يدفعون إشتراكاتهم، سيحصلوا على تعويض  نهاية الخدمة  بمعنى آخر  يستفيد منه الفئات الخاصة.”

يستطرد  “بينما  باقي المضمونين كالطلاب مثلاً، لا يستفيدون من صندوق نهاية الخدمة على الرغم من أنّهم مضمونون. يضاف إلى ذلك،  العديد من الفئات غير المستفيدة. فهو محصور في المضمونين في القطاع الخاص أو المؤسسات العامة التابعة للدولة،  الذين يتم دفع إشتراكاتهم،  بحيث أنّ كل من يدفع إشتراك هو شريك في صندوق نهاية الخدمة”.

في الجهة المقابلة، يختم يحي بطمأنة المضمونين  فيقول “نطمئن المضمونين بإستمرار التقديمات الإجتماعية، وبأمان مدخراتهم”. و يعترف “بأن الضمان الإجتماعي  بشكلٍ عام، يجب أن  يعطى أهمية قصوى إن كان من ناحية سداد الأموال من  القطاع الخاص، الذي يقوم بجزءٍ كبيرٍ منه بدوره،  لذلك فالمطلوب من الباقي أيضاً القيام بدوره”.

“كذلك مطلوب من الدولة  أن تساهم  وتنفذ القانون الموجود، الصادر من المجلس النيابي، الذي يقضي  بتسديد المبلغ ودفع الإشتراكات السنوية العادية، وليس تسديد الحساب القديم فقط.   أي يجب أن تسدد الأموال المتراكمة عليها منذ سنوات، بالإضافة إلى الإشتراكات السنوية العادية، حتى لا  تتراكم هي الأخرى” .

 

إستهداف الضمان

يعتبر البعض أن ما يحصل إتجاه الضمان الإجتماعي، مدروس ومخطط له، بمعنى آخر فإن الضمان مستهدف. ذلك وفق ما يوضح رئيس الإتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، كاسترو عبدالله للـ immarwaiktissad  بالقول “هناك أكثر من 3 آلاف مليار للضمان بذمة الدولة، وليس بالأمر الجديد أن نطالب بحقوق الضمان الإجتماعي”.  يستطرد “فهو حتى محروم من  محفظته التي تسمح، بأن يتواجد مبلغ من المال للحفاظ على القيمة الشرائيه لديه، كما حصل في الحرب الأهلية. كذلك ممنوع عليه التحويل بين الدولار واليورو  أو أي عملة أخرى، بهدف الحفاظ على أموال المضمونين”.

في حين لم تقف  الأمور عند هذا الحد، إذ يستطرد عبدالله في السياق عينه، “تم الإستحواذ على أموال الضمان ووضعها بفوائد صفر بالمئة في سندات الخزينة، ونتيجةً لذلك إستحصلوا على مئات المليارات، من هذه العملية. بينما أموال المصارف وأصحاب السلطة تحصل على فوائد مرتفعة. الأمر الذي يطرح السؤال الكبير ألاّ وهو  حقيقة  إستمرارية وجود هذه الأموال؟”.

أن مسألة إيجاد حل للضمان الإجتماعي ليست بالأمر الجديد، بل هو من المشاكل المطروحة على طاولة الحل منذ زمن. هذا ما يؤكد عليه عبدالله بالقول “لدينا موقف ننادي به منذ زمن، فيما يتعلق بموضوع  الضمان. فنحن نعتبر أنّ هناك سياسة متبعة من قبل هذه السلطة، بكل أطرافها من أجل إفلاس الضمان الإجتماعي. إذ أن طريقة  التعاطي مع الضمان والمضمومنين غير لائقة.”

ويتابع في الإطار عينه، “هذا الأمر نعتبره سياسة مبرمجة من قبل السلطة، من أجل تكريه الناس بالضمان. فحين ينتظر المضمونون أشهر من أجل الحصول على فاتورة الدواء، فهذا التصرّف هو طريقة غير مباشرة لإبعاد الناس وتوجههم نحو شركات التأمين. فضلاُ عن العديد من الممارسات التي تصب في الخانة نفسها.”

 

الخطورة على الضمان من داخله

أما بالنسبة إلى أكبر معاناة للضمان الإجتماعي، فهي عدم القدرة على أداء الدور المطلوب منه، والمنصوص عليه في القوانين. كيف لا ووفق ما يقول عبدالله ” فهو محاصر،  وصناديقه مهددة وقد تم وضع اليد عليها . فبدل أن يتطور هذا الصندوق ويضيف فئات جديدة ، وفق ما ينص نظامه وقانونه، من  وجوب إضافة كافة الفئات ، كعمال البناء والزراعة والعاملين في النظافة المنزلية، العمال اليومين وأصحاب المهن الحرّة . كل هؤلاء لديهم الحق في الإستفادة من خدمات الضمان،  فضلاً عن الكثير  من القطاعات الأخرى التي لم يشملها الضمان الإجتماعي”.  وهي كلها قطاعات تدّر أموال على الصندوق “.

ليستنتج عبدالله “أنّ ما يحصل أن هذه الخدمات تذهب من طريق فقير إلى فقيرٍ آخر،  من خلال اللجوء إلى وزارة الصحة. بينما معظم العمال يعملون في مؤسسات تدر أرباح على أصحابها ، مثل قطاع البناء والزراعة وصيادي السمك، وكلها تعاني من الإحتكارات”.

في حين تتمثل الخطورة الأكبر على الضمان، من داخله. وفق ما  يوضح عبدالله  بالقول “الخطورة على الضمان هو وجود بداخله من ضمن بعض أعضاءه، من هم تابعين لشركات التأمين، وبالتالي يعملون لصالح  صناديق تشبه الصناديق التعاضدية لبعض القطاعات والمهن،  من خلال تشجيع الناس ودفع الإغراءات لترك الضمان والتوّجه نحو هذه الشركات.”

تآمر وإتجاه نحو الخصخصة

لا تقف الأمور عند هذا الحد بالنسبة إلى عبدالله ،الذي يعتبر أن هناك تآمر على الضمان الإجتماعي. فيضيف  “وفي نفس الوقت هناك تآمر على الضمان من السلطة السياسية، من أجل إفلاسه والحصول على أمواله . إذ أنّه  محروم من إستخدام أمواله في الإستشفاء. بحيث يترك للمستشفيات حرية التحكم بالضمان الإجتماعي في  الفاتورة الطبيّة”.

ليتابع ” في الجهة المقابلة، يعاني المكتب الوطني لإستيراد الأدوية من منافسة شركات الأدوية الخاصة. بما معناه هناك محاولة لخصخصة الضمان والإتجاه نحو القطاع الخاص، الذي هو بالتأكيد قطاع أربح بالنسبة إلى  شركات التأمين والأموال التي تدرها للدولة، إلاّ أنّها ليست كذلك بالنسبة إلى الوطن والمواطنيين”.

أما عن فضائح الضمان فحدث ولا حرج، فعلى السبيل المثال وكما يذكر عبدالله ” يتم سرقة صندوق التقاعد والحماية الإجتماعية، وصندوق تعويض نهاية الخدمة. بحيث تبيّن مدى الناس الوهميين المسجلين من قبل آلاف الشركات ، التابعة لأحزاب وقوى سياسية.  بحيث تم تسجيل عدد من هؤلاء الأشخاص وتحكيمهم على حساب الضمان.  وكل ذلك من باب التآمر عليه” .

وكدلائل إضافية عن مدى التهديد الذي يتعرض له الضمان، فيقول عبدالله  “هو حتى محروم من إستخدام أمواله التي يحصل عليها كمساهمات. فعدا عن مساهمة الـ 25% من قبل الدولة،  هناك الإشتركات عن موظفين الدولة التابعين للضمان الإجتماعي، كذلك المياوميين المسجلين في الضمان، وهم تابعين للقطاع العام. وهو لا يحصل عليهم بل  يحكمهم ويعطيهم تعويض نهاية خدمة،  الذي هو عبارة عن مئات الملايين، التي يتم دفعها من أموال الآخرين.”  “لأن الدولة لا تدفع الإشتراكات المتوجبة عليها.  بينما يصدرون في كل حينٍ، قوانين تعفي الشركات التي لا تدفع إشتراكاتها، من الغرامات المتوجبة عليها نتيجة هذا التأخير.  من ناحية أخرى يتم ملاحقة الناس البسيطين ومحاسبتهم، على أي مخالفة  بسيطة يقومون بها. بدل أن يلاحقوا السارقين الأكبر منهم الذين بسببهم ينهار الضمان”.

الحرمان من أبسط الحقوق

من ضمن معاناة الضمان عدم قدرته على إستخدام أبسط حقوقه من أموال وأملاك أيضاً. وفق ما يوضح عبدالله ” فالضمان محروم أيضاً من إستخدام أملاكه ، فمثلاً هناك مبنى ملك  للضمان في منطقة الباشورة،  لا يتم  إستخدامه  بالرغم من إمكانية إعادة تأهيله.  بينما يهان عماله  وموظفوه في المراكز التي يعملون بها، وكل ذلك من أجل الحصول على أموال الإيجارات، وما أدرانا هكذا صفقات كيف تتم.”

بناءً عليه، يتابع “نحن دائماً نثير موضوع الضمان، من خلال الشكاوى التي نرسلها على تفتيش الضمان الإجتماعي. ولكن المؤسف أن الجميع متآمرين عليه، فالنظام السياسي القائم لا يؤمن بالعدالة الإجتماعية، التي جزء منها وجود صندوق ضمان إجتماعي، يتضمن التقديمات الإجتماعية. فمثلاُ ترأس وزير الصحة إجتماعاً كبيراً من أجل  مطالبة المستشفيات الخاصة بأموالها من الضمان، في حين أنّهم يسرقون الكثير من خلال الفاتورة الطبيّة”.

في الجهة المقابلة، هناك العديد من الممارسات التي تسمح للضمان، بأن يلعب دوره بشكلٍ أكثر إيجابيّة، وبالتالي يستطيع تقديم بعض الخدمات الإضافية. بحيث يوضح عبدالله “إذ سمح للضمان بالإستيراد الأدوية بشكل مباشر من أوروبا ،  فإن لذلك الخطوة العديد من الإيجابيات. إذ أنّه وعلى الرغم من أن قيمة اليورو إنخفضت إلى أن ذلك لم ينعكس في الداخل ” .  يستطرد ” إذ كان يمكن لهذا الإجراء أن ينعكس إيجابياً على الفاتورة الدوائية، أو كتقديمات إجتماعية جديدة.  أو  حتى إعطاء أدوية جديدة  إلى المضمونين، بينما نجد المضمون اليوم  ينتظر أشهر أو حتى سنوات من أجل قبض فاتورة الدواء، وهذه إحدى أزمات الضمان الإجتماعي”.

يضيف عبدالله “لذلك فالمطلوب أولاً حماية الضمان.  ثانياُ، تعزيز دوره، ثالثاً رفع  اليد والوصايه عليه من قبل السلطة السياسية، و رابعاً إخراجه من المحاصصة الطائفية والمذهبية. لما لها من علاقة بأموال وتعب وصحة  وعائلات وأولاد المضمونين”.

من الناحية الأخرى، هناك العديد من الأمور المطلوبة من الضمان للقيام بها، من أجل أن يثبت وجوده . وفق ما يختم عبدالله ” الضمان كذلك مطالب بأن يلعب دوره، فنحن بحاجة إلى مجلس إدارة جديد، لا يكون تحاصصي أو طائفي أو مذهبي أو حزبي. كذلك  بحاجة إلى خبراء لإدارة أموال الضمان والمضمونين،  وأن يكون لديهم الإمكانية والكفاءة، بغض النظر عن إنتماءاتهم من أجل الحفاظ على الضمان، ومطلوب  أيضاً من الإدارة، ضم فئات جديدة من مختلف القطاعات، التي يجب أن يكون كل عامل فيها مضمون”.

 

تعتبر مشكلة الضمان الإجتماعي إحدى المشاكل العديدة التي نعاني منها  في لبنان. وبالتأكيد هناك الكثير من الشوائب التي ترافق تصرفات الدولة  وطريقة تعاملها مع مؤسساتها. إلاّ أنّ الأهم في هذه الآونة، هو إستمرارية عمل صناديق الضمان، نظراً إلى حاجة المواطن إلى تقديماتها، في ظل تعذره دفع فواتير الإستشفاء الباهظة، وغيرها من الفواتير الطبيّة المرتفعة.

تظهر كل يوم  في لبنان مشكلة جديدة، تبرهن عن صعوبة الوضع الإقتصادي والمالي الذي تمر به الدولة. إذ يبدو ذلك جلياً من خلال مؤسساتها، التي لا تزال تعمل ولكن بوتيرة بطيئة ، وقد تصل حد الإنهيار إذا ما إستمر الوضع على ما  هو عليه.

سنة بعد سنة يزداد العجز المالي وديون الدولة اللبنانية، سواء الداخلية أو الخارجية. ويتزامن ذلك مع صدور العديد من القوانين، التي تحاول عبثاُ تخفيف ولو جزء من هذه الديون، وإن كان ذلك على حساب المواطن.

في هذا السياق، تراكمت مستحقات مالية للضمان بذمة الدولة، بقيمة نحو 3 آلاف مليار ليرة (ما يعادل ملياري دولار)، نتيجة تخلف الدولة عن سداد مساهمتها في نفقات المرض والأمومة بنسبة %25، وإشتراكات عن موظفيها المصرّح عنهم للضمان.

 

دفع المستحقات…. ولكن

على الرغم من ظهور بعض الحلول للمشكلة في الأفق، إلاّ أنّ ذلك لا يبدو حلاً جذرياً، أو إنقاذاً لصندوق الضمان الإجتماعي مما يعاني منه.  إذ يجري الحديث عن نيّة الدولة، دفع مستحقاتها للضمان وفق ما جاء في المادة 70 من موازنة 2019 ، التي نصت على تقسيط الديون المتوجبة للصندوق والمتراكمة حتى نهاية 2018، على 10 أقساط سنوية متساوية أي 200 مليون دولار سنوياً.

على أن يسدد القسط الأول قبل نهاية شهر أيلول 2019. مع الإشارة الى أنه يترتّب على الديون المُقسّطة فائدة سنوية توازي معدل الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنة اي %5.

في حين ذكر تقرير وزير المال عن الموازنة، أنه جرى لحظ مساهمة للصندوق بقيمة 292.6 مليار ليرة، أي أقل مما لحظ في موازنة 2018 بقيمة 50 مليار ليرة.

إلاّ أنّ إعادة دفع الأديون المتراكمة للدولة على الضمان، وإن كان بطريقة التقسيط لا يحلّ المشكلة، التي قد تكون أكثر من قضية ديون بكثير. حيث أتّها تتهرّب من تسديد مبلغ 109 مليارات ليرة، عن إشتراكات الضمان الصحي للمتقاعدين.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أنّه يستفيد من هذا النظام حالياً أكثر من 8000 أسرة، ويتوقع أن يرتفع العدد تدريجياً إلى 150 ألف أسرة.

 

لا خوف على تقديمات الضمان

على الرغم من إرتفاع قيمة المستحقات المالية للدولة بذمة الضمان، إلاّ أنّ ذلك لا يشكّل خطراً على تقديماته الإجتماعية. هذا ما أوضحه نائب رئيس مجلس الادارة في الضمان الإجتماعي  غازي يحيى في إتصال  مع الـ  immarwaiktissad  بالقول أنّه “لا خوف على تقديمات الضمان الإجتماعي،  لعدّة أسباب منها. أولاً، أن الدولة أصدرت قانوناً  يقضي، بدفع الملياري دولار على مدة عشرة سنوات، أي مئتي مليون دولار في السنة، وفق فوائد بمعدل 5 % .  مما يعني أنّ هذه الأموال سوف تساهم في إستمرارية العمل في الضمان.   ثانياً، إستمرار الإستدانة من عوائد الإستثمار للكتلة النقدية” .

يتابع  في السياق عينه، “وهذه الكتلة النقدية تنقسم إلى قسمين، الأول أموال إدخار المضمونين. و الثاني هو عبارة عن عوائد الإستثمار منذ العام 1994 وحتى اليوم، بفوائد سندات الخزينة  والإستثمار”. “أي أنّ هناك كتلة نقدية متوفرة هي بالدرجة الأولى، أموال نهاية الخدمة  كإدخار للمضمونين، وهذه أموال مضمونة بل أنّ هناك فائضٌ فيها. بينما القسم الثاني، الذي نستدين منه لصندوقي المرض والأمومة والتقديمات العائلية، يتم من عوائد الإستثمار، الذي هو أيضاً مؤمن من خلال سداد الدولة،  لكامل الديون التي عليها”. ” أي أن  إدخارات الضمان مضمونة،  بل أنّها فائضة  بمعدل الضعف، بسبب عوائد الإستثمار الحاصلين عليها  خلال العشرين العام الماضية.”

 

إستفادة كافة المضمونين

وفق ما تشير أرقام الضمان فالأموال متوفرة في الصندوق. هذا ما يؤكد عليه  أيضاً يحي بالقول أنّ  ” الكتلة النقدية الموجودة حقيقية  لنهاية حسابات العام 2018، وهي صادرة عن الإدارة، وليست وهمية بل موجودة بدفاتر وحسابات المصارف ككل. سواء  أكان المصرف المركزي الذي يحتوي على 65% من الكتلة النقدية، أو  في المصارف الخاصة التي تحتوي على 35 % من  هذه الكتلة” .

يعتمد الكثير من اللبنانيون على خدمات وتقديمات الضمان الإجتماعي، مما يطرح سؤالاً عن إمكانية إستفادة كافة المضمونين، في ظل الظروف الراهنة. في هذا الإطار، يوضح يحي ” أن المضمونين المنتسبين إلى صندوق نهاية الخدمة العامة يستفيدون منه. بينما أولائك المضمونين غير المنسبين  إلى الصندوق لن يستفيدوا . على سبيل المثال السائقيين الذين يدفعون إشتراكاتهم، سيحصلوا على تعويض  نهاية الخدمة  بمعنى آخر  يستفيد منه الفئات الخاصة.”

يستطرد  “بينما  باقي المضمونين كالطلاب مثلاً، لا يستفيدون من صندوق نهاية الخدمة على الرغم من أنّهم مضمونون. يضاف إلى ذلك،  العديد من الفئات غير المستفيدة. فهو محصور في المضمونين في القطاع الخاص أو المؤسسات العامة التابعة للدولة،  الذين يتم دفع إشتراكاتهم،  بحيث أنّ كل من يدفع إشتراك هو شريك في صندوق نهاية الخدمة”.

في الجهة المقابلة، يختم يحي بطمأنة المضمونين  فيقول “نطمئن المضمونين بإستمرار التقديمات الإجتماعية، وبأمان مدخراتهم”. و يعترف “بأن الضمان الإجتماعي  بشكلٍ عام، يجب أن  يعطى أهمية قصوى إن كان من ناحية سداد الأموال من  القطاع الخاص، الذي يقوم بجزءٍ كبيرٍ منه بدوره،  لذلك فالمطلوب من الباقي أيضاً القيام بدوره”.

“كذلك مطلوب من الدولة  أن تساهم  وتنفذ القانون الموجود، الصادر من المجلس النيابي، الذي يقضي  بتسديد المبلغ ودفع الإشتراكات السنوية العادية، وليس تسديد الحساب القديم فقط.   أي يجب أن تسدد الأموال المتراكمة عليها منذ سنوات، بالإضافة إلى الإشتراكات السنوية العادية، حتى لا  تتراكم هي الأخرى” .

 

إستهداف الضمان

يعتبر البعض أن ما يحصل إتجاه الضمان الإجتماعي، مدروس ومخطط له، بمعنى آخر فإن الضمان مستهدف. ذلك وفق ما يوضح رئيس الإتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، كاسترو عبدالله للـ immarwaiktissad  بالقول “هناك أكثر من 3 آلاف مليار للضمان بذمة الدولة، وليس بالأمر الجديد أن نطالب بحقوق الضمان الإجتماعي”.  يستطرد “فهو حتى محروم من  محفظته التي تسمح، بأن يتواجد مبلغ من المال للحفاظ على القيمة الشرائيه لديه، كما حصل في الحرب الأهلية. كذلك ممنوع عليه التحويل بين الدولار واليورو  أو أي عملة أخرى، بهدف الحفاظ على أموال المضمونين”.

في حين لم تقف  الأمور عند هذا الحد، إذ يستطرد عبدالله في السياق عينه، “تم الإستحواذ على أموال الضمان ووضعها بفوائد صفر بالمئة في سندات الخزينة، ونتيجةً لذلك إستحصلوا على مئات المليارات، من هذه العملية. بينما أموال المصارف وأصحاب السلطة تحصل على فوائد مرتفعة. الأمر الذي يطرح السؤال الكبير ألاّ وهو  حقيقة  إستمرارية وجود هذه الأموال؟”.

أن مسألة إيجاد حل للضمان الإجتماعي ليست بالأمر الجديد، بل هو من المشاكل المطروحة على طاولة الحل منذ زمن. هذا ما يؤكد عليه عبدالله بالقول “لدينا موقف ننادي به منذ زمن، فيما يتعلق بموضوع  الضمان. فنحن نعتبر أنّ هناك سياسة متبعة من قبل هذه السلطة، بكل أطرافها من أجل إفلاس الضمان الإجتماعي. إذ أن طريقة  التعاطي مع الضمان والمضمومنين غير لائقة.”

ويتابع في الإطار عينه، “هذا الأمر نعتبره سياسة مبرمجة من قبل السلطة، من أجل تكريه الناس بالضمان. فحين ينتظر المضمونون أشهر من أجل الحصول على فاتورة الدواء، فهذا التصرّف هو طريقة غير مباشرة لإبعاد الناس وتوجههم نحو شركات التأمين. فضلاُ عن العديد من الممارسات التي تصب في الخانة نفسها.”

 

الخطورة على الضمان من داخله

أما بالنسبة إلى أكبر معاناة للضمان الإجتماعي، فهي عدم القدرة على أداء الدور المطلوب منه، والمنصوص عليه في القوانين. كيف لا ووفق ما يقول عبدالله ” فهو محاصر،  وصناديقه مهددة وقد تم وضع اليد عليها . فبدل أن يتطور هذا الصندوق ويضيف فئات جديدة ، وفق ما ينص نظامه وقانونه، من  وجوب إضافة كافة الفئات ، كعمال البناء والزراعة والعاملين في النظافة المنزلية، العمال اليومين وأصحاب المهن الحرّة . كل هؤلاء لديهم الحق في الإستفادة من خدمات الضمان،  فضلاً عن الكثير  من القطاعات الأخرى التي لم يشملها الضمان الإجتماعي”.  وهي كلها قطاعات تدّر أموال على الصندوق “.

ليستنتج عبدالله “أنّ ما يحصل أن هذه الخدمات تذهب من طريق فقير إلى فقيرٍ آخر،  من خلال اللجوء إلى وزارة الصحة. بينما معظم العمال يعملون في مؤسسات تدر أرباح على أصحابها ، مثل قطاع البناء والزراعة وصيادي السمك، وكلها تعاني من الإحتكارات”.

في حين تتمثل الخطورة الأكبر على الضمان، من داخله. وفق ما  يوضح عبدالله  بالقول “الخطورة على الضمان هو وجود بداخله من ضمن بعض أعضاءه، من هم تابعين لشركات التأمين، وبالتالي يعملون لصالح  صناديق تشبه الصناديق التعاضدية لبعض القطاعات والمهن،  من خلال تشجيع الناس ودفع الإغراءات لترك الضمان والتوّجه نحو هذه الشركات.”

تآمر وإتجاه نحو الخصخصة

لا تقف الأمور عند هذا الحد بالنسبة إلى عبدالله ،الذي يعتبر أن هناك تآمر على الضمان الإجتماعي. فيضيف  “وفي نفس الوقت هناك تآمر على الضمان من السلطة السياسية، من أجل إفلاسه والحصول على أمواله . إذ أنّه  محروم من إستخدام أمواله في الإستشفاء. بحيث يترك للمستشفيات حرية التحكم بالضمان الإجتماعي في  الفاتورة الطبيّة”.

ليتابع ” في الجهة المقابلة، يعاني المكتب الوطني لإستيراد الأدوية من منافسة شركات الأدوية الخاصة. بما معناه هناك محاولة لخصخصة الضمان والإتجاه نحو القطاع الخاص، الذي هو بالتأكيد قطاع أربح بالنسبة إلى  شركات التأمين والأموال التي تدرها للدولة، إلاّ أنّها ليست كذلك بالنسبة إلى الوطن والمواطنيين”.

أما عن فضائح الضمان فحدث ولا حرج، فعلى السبيل المثال وكما يذكر عبدالله ” يتم سرقة صندوق التقاعد والحماية الإجتماعية، وصندوق تعويض نهاية الخدمة. بحيث تبيّن مدى الناس الوهميين المسجلين من قبل آلاف الشركات ، التابعة لأحزاب وقوى سياسية.  بحيث تم تسجيل عدد من هؤلاء الأشخاص وتحكيمهم على حساب الضمان.  وكل ذلك من باب التآمر عليه” .

وكدلائل إضافية عن مدى التهديد الذي يتعرض له الضمان، فيقول عبدالله  “هو حتى محروم من إستخدام أمواله التي يحصل عليها كمساهمات. فعدا عن مساهمة الـ 25% من قبل الدولة،  هناك الإشتركات عن موظفين الدولة التابعين للضمان الإجتماعي، كذلك المياوميين المسجلين في الضمان، وهم تابعين للقطاع العام. وهو لا يحصل عليهم بل  يحكمهم ويعطيهم تعويض نهاية خدمة،  الذي هو عبارة عن مئات الملايين، التي يتم دفعها من أموال الآخرين.”  “لأن الدولة لا تدفع الإشتراكات المتوجبة عليها.  بينما يصدرون في كل حينٍ، قوانين تعفي الشركات التي لا تدفع إشتراكاتها، من الغرامات المتوجبة عليها نتيجة هذا التأخير.  من ناحية أخرى يتم ملاحقة الناس البسيطين ومحاسبتهم، على أي مخالفة  بسيطة يقومون بها. بدل أن يلاحقوا السارقين الأكبر منهم الذين بسببهم ينهار الضمان”.

الحرمان من أبسط الحقوق

من ضمن معاناة الضمان عدم قدرته على إستخدام أبسط حقوقه من أموال وأملاك أيضاً. وفق ما يوضح عبدالله ” فالضمان محروم أيضاً من إستخدام أملاكه ، فمثلاً هناك مبنى ملك  للضمان في منطقة الباشورة،  لا يتم  إستخدامه  بالرغم من إمكانية إعادة تأهيله.  بينما يهان عماله  وموظفوه في المراكز التي يعملون بها، وكل ذلك من أجل الحصول على أموال الإيجارات، وما أدرانا هكذا صفقات كيف تتم.”

بناءً عليه، يتابع “نحن دائماً نثير موضوع الضمان، من خلال الشكاوى التي نرسلها على تفتيش الضمان الإجتماعي. ولكن المؤسف أن الجميع متآمرين عليه، فالنظام السياسي القائم لا يؤمن بالعدالة الإجتماعية، التي جزء منها وجود صندوق ضمان إجتماعي، يتضمن التقديمات الإجتماعية. فمثلاُ ترأس وزير الصحة إجتماعاً كبيراً من أجل  مطالبة المستشفيات الخاصة بأموالها من الضمان، في حين أنّهم يسرقون الكثير من خلال الفاتورة الطبيّة”.

في الجهة المقابلة، هناك العديد من الممارسات التي تسمح للضمان، بأن يلعب دوره بشكلٍ أكثر إيجابيّة، وبالتالي يستطيع تقديم بعض الخدمات الإضافية. بحيث يوضح عبدالله “إذ سمح للضمان بالإستيراد الأدوية بشكل مباشر من أوروبا ،  فإن لذلك الخطوة العديد من الإيجابيات. إذ أنّه وعلى الرغم من أن قيمة اليورو إنخفضت إلى أن ذلك لم ينعكس في الداخل ” .  يستطرد ” إذ كان يمكن لهذا الإجراء أن ينعكس إيجابياً على الفاتورة الدوائية، أو كتقديمات إجتماعية جديدة.  أو  حتى إعطاء أدوية جديدة  إلى المضمونين، بينما نجد المضمون اليوم  ينتظر أشهر أو حتى سنوات من أجل قبض فاتورة الدواء، وهذه إحدى أزمات الضمان الإجتماعي”.

يضيف عبدالله “لذلك فالمطلوب أولاً حماية الضمان.  ثانياُ، تعزيز دوره، ثالثاً رفع  اليد والوصايه عليه من قبل السلطة السياسية، و رابعاً إخراجه من المحاصصة الطائفية والمذهبية. لما لها من علاقة بأموال وتعب وصحة  وعائلات وأولاد المضمونين”.

من الناحية الأخرى، هناك العديد من الأمور المطلوبة من الضمان للقيام بها، من أجل أن يثبت وجوده . وفق ما يختم عبدالله ” الضمان كذلك مطالب بأن يلعب دوره، فنحن بحاجة إلى مجلس إدارة جديد، لا يكون تحاصصي أو طائفي أو مذهبي أو حزبي. كذلك  بحاجة إلى خبراء لإدارة أموال الضمان والمضمونين،  وأن يكون لديهم الإمكانية والكفاءة، بغض النظر عن إنتماءاتهم من أجل الحفاظ على الضمان، ومطلوب  أيضاً من الإدارة، ضم فئات جديدة من مختلف القطاعات، التي يجب أن يكون كل عامل فيها مضمون”.

 

تعتبر مشكلة الضمان الإجتماعي إحدى المشاكل العديدة التي نعاني منها  في لبنان. وبالتأكيد هناك الكثير من الشوائب التي ترافق تصرفات الدولة  وطريقة تعاملها مع مؤسساتها. إلاّ أنّ الأهم في هذه الآونة، هو إستمرارية عمل صناديق الضمان، نظراً إلى حاجة المواطن إلى تقديماتها، في ظل تعذره دفع فواتير الإستشفاء الباهظة، وغيرها من الفواتير الطبيّة المرتفعة.

Share This

Share This

Share this post with your friends!