كي لا يكون الرقم وجهة نظر

يعاني الإقتصاد اللبناني من التراجع في كافة قطاعاته الإنتاجية المهمة، وبالتأكيد الأسباب تعود بالدرجة الأولى إلى الخطط الحكومية الخاطئة، التي تلعب دوراً سلبياً في عملية الإزدهار. بحيث تُغرق الإقتصاد أكثر فأكثر في مشاكله، بدل أن تهدف إلى النهوض به.

من المؤشرات السلبيّة التي ظهرت في الآونة الأخيرة، تلك المتعلقة بالقطاع الصناعي، وقد دلّت على  التراجع الكبير الذي عانى منه ولا يزال هذا القطاع. بحيث بلغ حجم القطاع الصناعي عام 2015 ،حوالى 8.8 مليارات دولار. في حين شكلت حصة الصناعة الوطنية من السوق المحلية 7.3 مليارات دولار، وبلغت إستثمارات القطاع الصناعي بين عامي 2011 و2016 نحو المليارين و55 مليون دولار.

في المقابل، بلغ عدد المؤسسات الصناعية في لبنان عام 2015 نحو 1977 مصنعاً، توزعت على 13 نشاطاً صناعياً. في حين، يوظف القطاع الصناعي 77 الفاً و678 عاملاً في القطاع.

بينما إستحوذت الصناعات الغذائية على حصة الأسد بـ 373 مصنعاً، تالتها الصناعات الكيمائية والبلاستيك بـ 272 مصنعاً، من ثم صناعة الورق والكرتون بـ 224 مصنعاً.

 

معاناة منذ سنوات

يعاني القطاع الصناعي منذ سنوات، من التراجع  وصولاً إلى إقفال بعض المؤسسات. بحيث إنخفض عدد المؤسسات الصناعية الإجمالي، بمعدل نمو سنوي مركّب بلغ 4.4 في المئة – في الفترة الممتدة بين الأعوام 2011 و2015، فوصل عددها إلى 1977 مؤسسة صناعية في العام 2015، ما يعني إقفال 388 مؤسسة.

في الجهة المقابلة، إستحوذت مؤسسات الصناعات الغذائية والمعدنية ، على نسبة 56 في المئة من هذا الإنخفاض، توزّعت على الشكل التالي، تراجع بنسبة 4.6 في المئة في المؤسسات البلاستيكية، 6.8 في المئة في المؤسسات المعدنية، و5.3 في المئة في مؤسسات الصناعات الغذائية.

أما من حيث الحجم، فقد شهدت الشركات التي يتراوح حجم أعمالها بين 5 و20 مليون دولار، وتلك التي يزيد حجمها عن 20 مليون دولار الخسارة الأكبر نسبةً لحجمها، فسجلت تراجعاً في معدل النمو السنوي المركب بنسبة 6.3 في المئة و7.8 في المئة على التوالي. في حين تراجع عدد المؤسسات التي يتراوح حجم أعمالها بين صفر و1 مليون دولار بنحو 170 مؤسسة، وهو العدد الأكبر عموماً، ومع ذلك لا تزال هذه الفئة تشكّل 62 في المئة من عدد المؤسسات الصناعية الإجمالي.

أما عن أسباب التراجع الذي شهدته المؤسسات الصناعية، التي يتراوح حجمها بين صفر و1 مليون دولار وبين 1 و5 ملايين دولار، يعود إلى الإنخفاض في عدد مؤسسات الصناعات الغذائية بشكل أساسي، بحيث تراجع عددها 138 مصنعاً في الفئة الأولى، و221 مصنعاً ينتمي الى الفئة الثانية.

أما بالنسبة إلى نوعية الصناعات التي تراجعت، فقد حل الإنخفاض في عدد المؤسسات البلاستيكية، في المركز الأول بين المؤسسات التي يتراوح حجمها بين 5 و20 مليون دولار، أما المؤسسات المعدنية فقد سجلت الخسارة الأكبر بين المؤسسات التي يزيد حجمها عن 20 مليون دولار.

 

معاناة تطال كافة المناطق

عانت المصانع في كافة المناطق اللبنانية من التراجع، إلاّ أن هناك مناطق عانت أكثر من غيرها. فوفق المؤشرات يتمركز العدد الأكبر من المؤسسات الصناعية، في محافظة جبل لبنان التي تستحوذ على حصة 65 في المئة من المصانع، بما يوازي 1977 مصنعاً وفق إحصاءات العام 2015، بعدما كان عدد المصانع يصل الى 2365 مصنعاً عام 2011.

في حين يضم قطاع الصناعات الغذائية الغالبية العظمى من اليد العاملة الصناعية، لتشكل نسبة 33 في المئة في العام 2015، بزيادة نقطتين عن العام 2011. كذلك يعتبر قطاع الصناعات الغذائية المساهم الأكبر، في زيادة عدد الوظائف الصناعية بين العامين 2011 و2015، إذ ساهم في زيادة 5255 وظيفة في خلال هذه الفترة.

من ناحية أخرى، إنخفض رقم الأعمال الإجمالي للمؤسسات الصناعية، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 1 في المئة، وقد نتج 83 في المئة من حجم الأعمال في العام 2015 عن المبيعات المحلية. كذلك سجلت كلفة المواد الأولية والبضاعة نمواً سنوياً مركباً، بمعدل 4 في المئة خلال الفترة الممتدة من العام 2011 حتى العام 2015. و شكلت المبيعات المحلية نسبة 86 في المئة من حجم الأعمال في الفصل الأخير من العام 2016، و14 في المئة مبيعات مصدرة، في حين كانت تشكل المبيعات المحلية نسبة 81 في المئة، في الفترة نفسها من العام 2011، بعدما كانت تشكل نسبة المبيعات المصدرة 19 في المئة.

 

النشاط الصناعي

وفقــاً للمعلومات الصادرة في تقرير عن وزارة الصناعة،  عن الحركة الصناعية عن شهر آذار من العام ٢٠١٩ . فقد بلغ مجمــوع قيمــة الصــادرات الصــناعية اللبنانيــة، خــلال الأشــهر الثلاثــة الأولى مــن العــام ٢٠١٩، ٦.٦٥٩ مليون دولار أميركي (د.أ.)، مقابل ٨.٦٢٨ مليـون د.أ. خـلال الفـترة عينهـا مـن العـام ٢٠١٨ ،و ٦.٥٩٦ مليـون مقارنـة مـع العـام ٢٠١٨ ، أي بإرتفـاع ٦.١٠ ً ٪د.أ. خلال الفترة عينها مـن العـام ٢٠١٧ ،أي بارتفـاع ونسـبته ٩.٤٪.

كما تجدر الإشارة إلى أن المعدل الشهري للصادرات الصناعية اللبنانية، خلال الأشهر الثلاثـة الأولى مـن العـام ٢٠١٩، بلـغ ٩.٢١٩ مليـون د.أ مقابـل ٦.٢٠٩ مليـون د.أ خـلال الفـترة عينهـا مـن العـام ٢٠١٨، ،و٩.١٩٨ مليـون د.أ خـلال الفترة عينها من العام ٢٠١٧ .

من جهة أخرى، بلغ مجموع قيمة الإسـتيرادات مـن الآلات والمعـدات الصـناعية، خـلال الأشـهر الثلاثـة الأولى مـن العـام ٢٠١٩ نحـو ٨.٥٤ مليـون د.أ. ،مقابـل ٧١ مليـون د.أ. خـلال الفـترة عينهـا مـن العـام ٢٠١٨ ، و٨.٥١ مليـون د.أ. مقارنـة مـع العـام ٢٠١٧ .

في حين بلـغ مجمـوع الصـادرات الصـناعية، خـلال شـهر آذار مـن العـام ٢٠١٩ مـا قيمتـه ٨.٢٧٤ مليـون د.أ. ، مقابـل ٤.٢٣٨ مليـون د.أ. خـلال شــهر آذار مـن العــام ٢٠١٨، و٩.٢٢٣ مليـون د.أ. خــلال شـهر آذار مــن العـام ٢٠١٧ أي بإرتفــاع مقارنـة مـع العـام ٢٠١٨ ، وقيمتـه ٩.٥٠ مليـون د.أ. ونسـبته ٨.٢٢ ٪.

 

أسباب تراجع قطاع الصناعة

يعتبر القطاع الصناعي أحد أبرز ركائز الإقتصاد، لذلك فإن عدم إزدهاره بشكلٍ صحيحٍ، من شأنه أن ينعكس  بشكلٍ مباشرٍ على نموه. أما عن أسباب تراجع القطاع الصناعي في لبنان، فقد توجهنا إلى الخبير الإقتصادي الدكتور غازي وزني، الذي أوضح في هذا السياق، للـ immarwaiktissad  “أنّ حصة القطاع الصناعي في الإقتصاد تتراجع منذ سنوات طويلة جداً ، وهذا يعود إلى أسباب متعددة هي. أولاً، المنافسة غير الشرعية لبعض السلع في لبنان والإغراق. ثانياً، الكلفة المرتفعة للصناعة اللبنانية، مقارنة مع السلع الآتية عن طريق البلدان المجاورة من طريق الإستيراد”. “ثالثاً، نوعية الصناعات في لبنان لم تتطور في السنوات الأخيرة، بإستثناء الصناعة الغذائية التي حصل فيها بعض التطور، إضافة إلى الإقتصاد المعرفي الذي بدأ يتطور منذ العام 2013 ، ولكن بوتيرة بطيئة جداً. رابعاً،  الحاجة إلى التمويل، فالقطاع الصناعي يحتاج إلى التمويل وهو غير متوفر”.

يتابع وزني في الإطار عينه، ” أما أهم نقطة في هذا المجال،  فهي عدم توفر المناطق الصناعية، وعدم وجود رؤية للقطاع الصناعي في لبنان، وهذه نقطة أساسية . إذ أن أي نوع من الإقتصاد سواء أكان إنتاجي أم خدماتي، فهو بحاجة لرؤية. لذلك فإن غياب هذه الرؤية عن القطاع الصناعي، أدى إلى عدم تطويره بشكلٍ مهمٍ، بعكس الدول المجاورة ،التي شهدت تطوراً لهذا القطاع”.

 

الحلول المطروحة

نظراً إلى أهمية القطاع الصناعي، في إقتصاد أي بلد فإن العمل على تطويره هو أمر ضروري. هذا ما أكد عليه وزني بقوله “اليوم وبعد أن تقدمت خطة ماكينزي لتطوير الإقتصاد الوطني، وتحويله من إقتصاد خدماتي إلى إقتصاد إنتاجي. أصبح هناك ضرورة لتطويرالقطاع الإنتاجي، وخاصة الصادرات الصناعية في لبنان، لأنّها تراجعت من العام 2011 إلى العام 2018، أكثر من 30%”.

في الجهة المقابلة، تعاني الصناعات الوطنية من عدم ثقة المستهلك اللبناني بها، مما يجعل من إستعادة هذه الثقة حاجة ملّحة. وفي هذا المجال، يوضح وزني ” من أجل تشجيع المستهلك اللبناني، يجب أولاً عدم إغراق السوق اللبناني، بالسلع والمنتوجات الخارجية أي وضع حد لها. ثانياً، يجب على الصناعة اللبنانية أن تطوّر نفسها بشكلٍ، تشجع من خلاله المستهلكين اللبنانين في الداخل. ثالثاُ، والأهم من ذلك يجب أن يكون هناك رؤية إقتصادية صناعية ، وهي غير موجودة في لبنان. إذ ليس هناك معرفة دقيقة بحاجات السوق،  لمعرفة ما مدى إمكانية القطاع الصناعي، لتلبية الصناعات المستقبلية والمطلوبة”.

 

كسب ثقة المستهلك

تجهد وزارة الصناعة عبر الإعلانات إلى تشجيع المستهلكين اللبنانيين لشراء المنتوجات الوطنية، إلاّ أنّ ذلك يبدو غير كافياً بالنسبة إلى المستهلك اللبناني، الذي لديه أسبابه الخاصة للتوجّه نحو المنتوجات الأجنبية. وفي هذا السياق، توضح مسوؤلة قسم مراقبة وسلامة الغذاء في جمعية المستهلك، الدكتورة ندى نعمة للـ  immarwaiktissad “أن المستهلك اللبناني يتبع البضاعة الأرخص وليس لديه فكرة عن الجودة ، ولم يتم تطمينه  بخصوص جودة الصناعات اللبنانية. فلذلك هو يفتش عن السعر الأرخص، وبالتالي هو لا يهرب من الصناعة الوطنية”.

لتضيف “عندما توفر الصناعة اللبنانية إحتياجات المستهلك  بأسعار مقبولة، فهو يلجأ إليها. إلاّ أن الصناعة الوطنية لا توفر شيئاً من الإنتاج  لأن حجمها صغير جداً. لذلك نحن بحاجة لحملات التشجيع للصناعة الوطنية والمستهلكين،  لأن هذا البلد هو بلدنا ويجب إستهلاك إنتاجه”.

غير أن الإعلانات التي تقوم بها وزارة الصناعة لا تبدو كافية لكسب المستهلك، وفق ما توضح نعمة ” لكن المطلوب ليس الإعلانات بل يجب وضع خطة من قبل وزارة الصناعة، لتخفيف الأعباء على المصّنعين. وهذا الأمر من شأنه أن يخفض أسعار المنتوجات ، وبالتالي يشجّع المستهلكين على تفضيل الصناعة الوطنية على تلك الأجنبية. فالمستهلك يهمه بالدرجة الأولى السعر،  من ثم الجودة  فهناك من يهتم بالجودة أيضاً”.

 

المسؤولية على عاتق الحكومة

لطالما كان المستهلك اللبناني في موضع الإتهام، فيما يتعلق بعدم تشجيعه للمنتوجات الوطنية، إلاّ أنّ هذا الإتهام لا يخلو من بعض الظلم. فوفق نعمة “المستهلك لا يُلام لأن أوضاعه الإقتصادية لا تسمح له بتعدد خياراته. على الرغم من أن ذلك حق من حقوقه، بأن يحصل على النوعية الجيّدة. ولكن في ظل الظروف التي يعيش فيها  يتجه دائماً نحو المنتوجات ذات  السعر الأرخص.”

فضلاً عن أن عدم الرقابة وعدم إتقان الواجبات الحكومية تجاهه تزعزع ثقته بالمنتوجات الوطنية. في هذا المجال تؤكد نعمة “يعاني لبنان من المشاكل التي تتعلق  بسلامة بالغذاء والحملات التي رافقتها، لذلك أصبح  اللبناني يثق أكثر بالمنتوجات الأجنبية بإعتبار أنّها خاضعة للرقابة، على الرغم من أن هذا الأمر غير صحيح فهذه المنتوجات غير خاضعة للرقابة كما يجب.” تضيف “إلاّ أن سلامة الغذاء إنعكست كردة فعل لدى اللبنانيين على هذا الشكل.  على الرغم من أن البضائع التي تصلنا ليست كلها أوروبية، بل هي أيضاً من دول الجوار كسوريا وتركيا… وغيرها.”

بناءً عليه، تتابع نعمة “المطلوب من الحكومة وضع خطة لكل قطاع، لمعرفة المشاكل التي يعاني منها وبالتالي الحلول المتوجبة،  وكيفية تشجيعه. و حتى ولو إضطرت الدولة إلى دفع التكاليف، فذلك لا يعتبر خسارة في القطاع الصناعي، لأن ذلك يؤدي إلى تنمية المناطق، وتشغيل اليد العاملة وتحريك الإقتصاد.”

” إذ أنّ كل هذه الأمور تدور حول حلقة واحدة، فالصناعة هي جزء من الحلقة الإقتصادية، مثلها مثل الزراعة والسياحة وكافة القطاعات الأخرى. فمن المفروض أن يتم الإضاءة على مشاكلها والتفتيش عن الحلول، وليس فقط وضع خطط على الهامش، وزيادة الرسوم على المستورَد، وإتعاب المستهلك والحد من الخيارات التي لديه”.

 

زيادة بنسبة 4%

جاءت الموازنة كصاعقة جديدة بالنسبة إلى اللنانيين نظراً إلى الضرائب الجديدة التي ستفرضها، الأمر الذي ينعكس بشكلٍ مباشرٍ على القدرة الشرائية، ويترجم تباطأً في الحركة الإقتصادية. وحسب نعمة ” فإنّه ووفق مؤشرات جمعية المستهلك التي ستصدر قريباً، هناك زيادات بنسبة 4%، وهذا أمر خطير جداً. فهذه الزيادات سترتفع أكثر، ناهيك عن مشكلة الإقتصاد من ناحية التضخم ، والضرائب التي يدفعها المستهلك. فيما نحن قادمون على موسم مدارس وضرائب جديدة، ترافقت مع الموازنة الجديدة. وكل ذلك سيؤدي إلى بلبلة إجتماعية”.

وتختم نعمة بالقول “نتمنى من الحكومات معالجة المشاكل ووضع خطط عمل، كما يحصل في كافة دول العالم لدعم القطاعات، وهذا غير موجود في لبنان. بل هناك دائماً إمتعاض، والإقتصاد في حالة تراجع ودائماً يطلب من الناس أن تتحمل،  ولكن لم يعد هناك قدرة على التحمّل”. تضيف “أما بالنسبة إلى الحلول فهي سهلة، ولكن في ظل دولة الفساد والمحسوبيات والتهرب الضريبي ، فالحل غير موجود طالما نحن في نفس هذا النهج في معالجة الأمور. فإقتصادنا في تراجع، ونحن بحاجة إلى ثورة الناس كي تنتفض على واقعها، لذلك نحن نطالب بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والمكتسبات التي نفتقر إليها”.

 

مما لا شك فيه أن الإقتصاد اللبناني يمر في أصعب أوقاته، يبدو ذلك جلياً من التراجع الذي يحصل على كافة الأصعدة والقطاعات، وبإفتقار الخطط المدروسة والهادفة لتحسين وتطوير القطاع، يبقى لبنان بإنتظار معجزة إلهية تقيه شر ما يمكن أن يصل إليه.

يعاني الإقتصاد اللبناني من التراجع في كافة قطاعاته الإنتاجية المهمة، وبالتأكيد الأسباب تعود بالدرجة الأولى إلى الخطط الحكومية الخاطئة، التي تلعب دوراً سلبياً في عملية الإزدهار. بحيث تُغرق الإقتصاد أكثر فأكثر في مشاكله، بدل أن تهدف إلى النهوض به.

من المؤشرات السلبيّة التي ظهرت في الآونة الأخيرة، تلك المتعلقة بالقطاع الصناعي، وقد دلّت على  التراجع الكبير الذي عانى منه ولا يزال هذا القطاع. بحيث بلغ حجم القطاع الصناعي عام 2015 ،حوالى 8.8 مليارات دولار. في حين شكلت حصة الصناعة الوطنية من السوق المحلية 7.3 مليارات دولار، وبلغت إستثمارات القطاع الصناعي بين عامي 2011 و2016 نحو المليارين و55 مليون دولار.

في المقابل، بلغ عدد المؤسسات الصناعية في لبنان عام 2015 نحو 1977 مصنعاً، توزعت على 13 نشاطاً صناعياً. في حين، يوظف القطاع الصناعي 77 الفاً و678 عاملاً في القطاع.

بينما إستحوذت الصناعات الغذائية على حصة الأسد بـ 373 مصنعاً، تالتها الصناعات الكيمائية والبلاستيك بـ 272 مصنعاً، من ثم صناعة الورق والكرتون بـ 224 مصنعاً.

 

معاناة منذ سنوات

يعاني القطاع الصناعي منذ سنوات، من التراجع  وصولاً إلى إقفال بعض المؤسسات. بحيث إنخفض عدد المؤسسات الصناعية الإجمالي، بمعدل نمو سنوي مركّب بلغ 4.4 في المئة – في الفترة الممتدة بين الأعوام 2011 و2015، فوصل عددها إلى 1977 مؤسسة صناعية في العام 2015، ما يعني إقفال 388 مؤسسة.

في الجهة المقابلة، إستحوذت مؤسسات الصناعات الغذائية والمعدنية ، على نسبة 56 في المئة من هذا الإنخفاض، توزّعت على الشكل التالي، تراجع بنسبة 4.6 في المئة في المؤسسات البلاستيكية، 6.8 في المئة في المؤسسات المعدنية، و5.3 في المئة في مؤسسات الصناعات الغذائية.

أما من حيث الحجم، فقد شهدت الشركات التي يتراوح حجم أعمالها بين 5 و20 مليون دولار، وتلك التي يزيد حجمها عن 20 مليون دولار الخسارة الأكبر نسبةً لحجمها، فسجلت تراجعاً في معدل النمو السنوي المركب بنسبة 6.3 في المئة و7.8 في المئة على التوالي. في حين تراجع عدد المؤسسات التي يتراوح حجم أعمالها بين صفر و1 مليون دولار بنحو 170 مؤسسة، وهو العدد الأكبر عموماً، ومع ذلك لا تزال هذه الفئة تشكّل 62 في المئة من عدد المؤسسات الصناعية الإجمالي.

أما عن أسباب التراجع الذي شهدته المؤسسات الصناعية، التي يتراوح حجمها بين صفر و1 مليون دولار وبين 1 و5 ملايين دولار، يعود إلى الإنخفاض في عدد مؤسسات الصناعات الغذائية بشكل أساسي، بحيث تراجع عددها 138 مصنعاً في الفئة الأولى، و221 مصنعاً ينتمي الى الفئة الثانية.

أما بالنسبة إلى نوعية الصناعات التي تراجعت، فقد حل الإنخفاض في عدد المؤسسات البلاستيكية، في المركز الأول بين المؤسسات التي يتراوح حجمها بين 5 و20 مليون دولار، أما المؤسسات المعدنية فقد سجلت الخسارة الأكبر بين المؤسسات التي يزيد حجمها عن 20 مليون دولار.

 

معاناة تطال كافة المناطق

عانت المصانع في كافة المناطق اللبنانية من التراجع، إلاّ أن هناك مناطق عانت أكثر من غيرها. فوفق المؤشرات يتمركز العدد الأكبر من المؤسسات الصناعية، في محافظة جبل لبنان التي تستحوذ على حصة 65 في المئة من المصانع، بما يوازي 1977 مصنعاً وفق إحصاءات العام 2015، بعدما كان عدد المصانع يصل الى 2365 مصنعاً عام 2011.

في حين يضم قطاع الصناعات الغذائية الغالبية العظمى من اليد العاملة الصناعية، لتشكل نسبة 33 في المئة في العام 2015، بزيادة نقطتين عن العام 2011. كذلك يعتبر قطاع الصناعات الغذائية المساهم الأكبر، في زيادة عدد الوظائف الصناعية بين العامين 2011 و2015، إذ ساهم في زيادة 5255 وظيفة في خلال هذه الفترة.

من ناحية أخرى، إنخفض رقم الأعمال الإجمالي للمؤسسات الصناعية، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 1 في المئة، وقد نتج 83 في المئة من حجم الأعمال في العام 2015 عن المبيعات المحلية. كذلك سجلت كلفة المواد الأولية والبضاعة نمواً سنوياً مركباً، بمعدل 4 في المئة خلال الفترة الممتدة من العام 2011 حتى العام 2015. و شكلت المبيعات المحلية نسبة 86 في المئة من حجم الأعمال في الفصل الأخير من العام 2016، و14 في المئة مبيعات مصدرة، في حين كانت تشكل المبيعات المحلية نسبة 81 في المئة، في الفترة نفسها من العام 2011، بعدما كانت تشكل نسبة المبيعات المصدرة 19 في المئة.

 

النشاط الصناعي

وفقــاً للمعلومات الصادرة في تقرير عن وزارة الصناعة،  عن الحركة الصناعية عن شهر آذار من العام ٢٠١٩ . فقد بلغ مجمــوع قيمــة الصــادرات الصــناعية اللبنانيــة، خــلال الأشــهر الثلاثــة الأولى مــن العــام ٢٠١٩، ٦.٦٥٩ مليون دولار أميركي (د.أ.)، مقابل ٨.٦٢٨ مليـون د.أ. خـلال الفـترة عينهـا مـن العـام ٢٠١٨ ،و ٦.٥٩٦ مليـون مقارنـة مـع العـام ٢٠١٨ ، أي بإرتفـاع ٦.١٠ ً ٪د.أ. خلال الفترة عينها مـن العـام ٢٠١٧ ،أي بارتفـاع ونسـبته ٩.٤٪.

كما تجدر الإشارة إلى أن المعدل الشهري للصادرات الصناعية اللبنانية، خلال الأشهر الثلاثـة الأولى مـن العـام ٢٠١٩، بلـغ ٩.٢١٩ مليـون د.أ مقابـل ٦.٢٠٩ مليـون د.أ خـلال الفـترة عينهـا مـن العـام ٢٠١٨، ،و٩.١٩٨ مليـون د.أ خـلال الفترة عينها من العام ٢٠١٧ .

من جهة أخرى، بلغ مجموع قيمة الإسـتيرادات مـن الآلات والمعـدات الصـناعية، خـلال الأشـهر الثلاثـة الأولى مـن العـام ٢٠١٩ نحـو ٨.٥٤ مليـون د.أ. ،مقابـل ٧١ مليـون د.أ. خـلال الفـترة عينهـا مـن العـام ٢٠١٨ ، و٨.٥١ مليـون د.أ. مقارنـة مـع العـام ٢٠١٧ .

في حين بلـغ مجمـوع الصـادرات الصـناعية، خـلال شـهر آذار مـن العـام ٢٠١٩ مـا قيمتـه ٨.٢٧٤ مليـون د.أ. ، مقابـل ٤.٢٣٨ مليـون د.أ. خـلال شــهر آذار مـن العــام ٢٠١٨، و٩.٢٢٣ مليـون د.أ. خــلال شـهر آذار مــن العـام ٢٠١٧ أي بإرتفــاع مقارنـة مـع العـام ٢٠١٨ ، وقيمتـه ٩.٥٠ مليـون د.أ. ونسـبته ٨.٢٢ ٪.

 

أسباب تراجع قطاع الصناعة

يعتبر القطاع الصناعي أحد أبرز ركائز الإقتصاد، لذلك فإن عدم إزدهاره بشكلٍ صحيحٍ، من شأنه أن ينعكس  بشكلٍ مباشرٍ على نموه. أما عن أسباب تراجع القطاع الصناعي في لبنان، فقد توجهنا إلى الخبير الإقتصادي الدكتور غازي وزني، الذي أوضح في هذا السياق، للـ immarwaiktissad  “أنّ حصة القطاع الصناعي في الإقتصاد تتراجع منذ سنوات طويلة جداً ، وهذا يعود إلى أسباب متعددة هي. أولاً، المنافسة غير الشرعية لبعض السلع في لبنان والإغراق. ثانياً، الكلفة المرتفعة للصناعة اللبنانية، مقارنة مع السلع الآتية عن طريق البلدان المجاورة من طريق الإستيراد”. “ثالثاً، نوعية الصناعات في لبنان لم تتطور في السنوات الأخيرة، بإستثناء الصناعة الغذائية التي حصل فيها بعض التطور، إضافة إلى الإقتصاد المعرفي الذي بدأ يتطور منذ العام 2013 ، ولكن بوتيرة بطيئة جداً. رابعاً،  الحاجة إلى التمويل، فالقطاع الصناعي يحتاج إلى التمويل وهو غير متوفر”.

يتابع وزني في الإطار عينه، ” أما أهم نقطة في هذا المجال،  فهي عدم توفر المناطق الصناعية، وعدم وجود رؤية للقطاع الصناعي في لبنان، وهذه نقطة أساسية . إذ أن أي نوع من الإقتصاد سواء أكان إنتاجي أم خدماتي، فهو بحاجة لرؤية. لذلك فإن غياب هذه الرؤية عن القطاع الصناعي، أدى إلى عدم تطويره بشكلٍ مهمٍ، بعكس الدول المجاورة ،التي شهدت تطوراً لهذا القطاع”.

 

الحلول المطروحة

نظراً إلى أهمية القطاع الصناعي، في إقتصاد أي بلد فإن العمل على تطويره هو أمر ضروري. هذا ما أكد عليه وزني بقوله “اليوم وبعد أن تقدمت خطة ماكينزي لتطوير الإقتصاد الوطني، وتحويله من إقتصاد خدماتي إلى إقتصاد إنتاجي. أصبح هناك ضرورة لتطويرالقطاع الإنتاجي، وخاصة الصادرات الصناعية في لبنان، لأنّها تراجعت من العام 2011 إلى العام 2018، أكثر من 30%”.

في الجهة المقابلة، تعاني الصناعات الوطنية من عدم ثقة المستهلك اللبناني بها، مما يجعل من إستعادة هذه الثقة حاجة ملّحة. وفي هذا المجال، يوضح وزني ” من أجل تشجيع المستهلك اللبناني، يجب أولاً عدم إغراق السوق اللبناني، بالسلع والمنتوجات الخارجية أي وضع حد لها. ثانياً، يجب على الصناعة اللبنانية أن تطوّر نفسها بشكلٍ، تشجع من خلاله المستهلكين اللبنانين في الداخل. ثالثاُ، والأهم من ذلك يجب أن يكون هناك رؤية إقتصادية صناعية ، وهي غير موجودة في لبنان. إذ ليس هناك معرفة دقيقة بحاجات السوق،  لمعرفة ما مدى إمكانية القطاع الصناعي، لتلبية الصناعات المستقبلية والمطلوبة”.

 

كسب ثقة المستهلك

تجهد وزارة الصناعة عبر الإعلانات إلى تشجيع المستهلكين اللبنانيين لشراء المنتوجات الوطنية، إلاّ أنّ ذلك يبدو غير كافياً بالنسبة إلى المستهلك اللبناني، الذي لديه أسبابه الخاصة للتوجّه نحو المنتوجات الأجنبية. وفي هذا السياق، توضح مسوؤلة قسم مراقبة وسلامة الغذاء في جمعية المستهلك، الدكتورة ندى نعمة للـ  immarwaiktissad “أن المستهلك اللبناني يتبع البضاعة الأرخص وليس لديه فكرة عن الجودة ، ولم يتم تطمينه  بخصوص جودة الصناعات اللبنانية. فلذلك هو يفتش عن السعر الأرخص، وبالتالي هو لا يهرب من الصناعة الوطنية”.

لتضيف “عندما توفر الصناعة اللبنانية إحتياجات المستهلك  بأسعار مقبولة، فهو يلجأ إليها. إلاّ أن الصناعة الوطنية لا توفر شيئاً من الإنتاج  لأن حجمها صغير جداً. لذلك نحن بحاجة لحملات التشجيع للصناعة الوطنية والمستهلكين،  لأن هذا البلد هو بلدنا ويجب إستهلاك إنتاجه”.

غير أن الإعلانات التي تقوم بها وزارة الصناعة لا تبدو كافية لكسب المستهلك، وفق ما توضح نعمة ” لكن المطلوب ليس الإعلانات بل يجب وضع خطة من قبل وزارة الصناعة، لتخفيف الأعباء على المصّنعين. وهذا الأمر من شأنه أن يخفض أسعار المنتوجات ، وبالتالي يشجّع المستهلكين على تفضيل الصناعة الوطنية على تلك الأجنبية. فالمستهلك يهمه بالدرجة الأولى السعر،  من ثم الجودة  فهناك من يهتم بالجودة أيضاً”.

 

المسؤولية على عاتق الحكومة

لطالما كان المستهلك اللبناني في موضع الإتهام، فيما يتعلق بعدم تشجيعه للمنتوجات الوطنية، إلاّ أنّ هذا الإتهام لا يخلو من بعض الظلم. فوفق نعمة “المستهلك لا يُلام لأن أوضاعه الإقتصادية لا تسمح له بتعدد خياراته. على الرغم من أن ذلك حق من حقوقه، بأن يحصل على النوعية الجيّدة. ولكن في ظل الظروف التي يعيش فيها  يتجه دائماً نحو المنتوجات ذات  السعر الأرخص.”

فضلاً عن أن عدم الرقابة وعدم إتقان الواجبات الحكومية تجاهه تزعزع ثقته بالمنتوجات الوطنية. في هذا المجال تؤكد نعمة “يعاني لبنان من المشاكل التي تتعلق  بسلامة بالغذاء والحملات التي رافقتها، لذلك أصبح  اللبناني يثق أكثر بالمنتوجات الأجنبية بإعتبار أنّها خاضعة للرقابة، على الرغم من أن هذا الأمر غير صحيح فهذه المنتوجات غير خاضعة للرقابة كما يجب.” تضيف “إلاّ أن سلامة الغذاء إنعكست كردة فعل لدى اللبنانيين على هذا الشكل.  على الرغم من أن البضائع التي تصلنا ليست كلها أوروبية، بل هي أيضاً من دول الجوار كسوريا وتركيا… وغيرها.”

بناءً عليه، تتابع نعمة “المطلوب من الحكومة وضع خطة لكل قطاع، لمعرفة المشاكل التي يعاني منها وبالتالي الحلول المتوجبة،  وكيفية تشجيعه. و حتى ولو إضطرت الدولة إلى دفع التكاليف، فذلك لا يعتبر خسارة في القطاع الصناعي، لأن ذلك يؤدي إلى تنمية المناطق، وتشغيل اليد العاملة وتحريك الإقتصاد.”

” إذ أنّ كل هذه الأمور تدور حول حلقة واحدة، فالصناعة هي جزء من الحلقة الإقتصادية، مثلها مثل الزراعة والسياحة وكافة القطاعات الأخرى. فمن المفروض أن يتم الإضاءة على مشاكلها والتفتيش عن الحلول، وليس فقط وضع خطط على الهامش، وزيادة الرسوم على المستورَد، وإتعاب المستهلك والحد من الخيارات التي لديه”.

 

زيادة بنسبة 4%

جاءت الموازنة كصاعقة جديدة بالنسبة إلى اللنانيين نظراً إلى الضرائب الجديدة التي ستفرضها، الأمر الذي ينعكس بشكلٍ مباشرٍ على القدرة الشرائية، ويترجم تباطأً في الحركة الإقتصادية. وحسب نعمة ” فإنّه ووفق مؤشرات جمعية المستهلك التي ستصدر قريباً، هناك زيادات بنسبة 4%، وهذا أمر خطير جداً. فهذه الزيادات سترتفع أكثر، ناهيك عن مشكلة الإقتصاد من ناحية التضخم ، والضرائب التي يدفعها المستهلك. فيما نحن قادمون على موسم مدارس وضرائب جديدة، ترافقت مع الموازنة الجديدة. وكل ذلك سيؤدي إلى بلبلة إجتماعية”.

وتختم نعمة بالقول “نتمنى من الحكومات معالجة المشاكل ووضع خطط عمل، كما يحصل في كافة دول العالم لدعم القطاعات، وهذا غير موجود في لبنان. بل هناك دائماً إمتعاض، والإقتصاد في حالة تراجع ودائماً يطلب من الناس أن تتحمل،  ولكن لم يعد هناك قدرة على التحمّل”. تضيف “أما بالنسبة إلى الحلول فهي سهلة، ولكن في ظل دولة الفساد والمحسوبيات والتهرب الضريبي ، فالحل غير موجود طالما نحن في نفس هذا النهج في معالجة الأمور. فإقتصادنا في تراجع، ونحن بحاجة إلى ثورة الناس كي تنتفض على واقعها، لذلك نحن نطالب بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والمكتسبات التي نفتقر إليها”.

 

مما لا شك فيه أن الإقتصاد اللبناني يمر في أصعب أوقاته، يبدو ذلك جلياً من التراجع الذي يحصل على كافة الأصعدة والقطاعات، وبإفتقار الخطط المدروسة والهادفة لتحسين وتطوير القطاع، يبقى لبنان بإنتظار معجزة إلهية تقيه شر ما يمكن أن يصل إليه.

Share This

Share This

Share this post with your friends!