كي لا يكون الرقم وجهة نظر

يعيش الإقتصاد اللبناني على وتر الأزمات المتتالية، إذ ما تلبث أن تنتهي الأولى، حتى تبدأ الثانية. وهذا ليس بأمرٍ جديدٍ، في بلدٍ يعيد شعبه إنتخاب نفس المسؤولين والطبقة السياسية، التي دأبت ولا تزال على مر سنوات وسنوات، على نهب أمواله وسبل عيشه، إلى حد إيصال البلد إلى حافة الإنهيار.

يدفع اللبنانيون hgd,l ثمن  خيارات الأمس الخاطئة، نتيجة الطبقة السياسة التي إختاروها، فهذه الطبقة غير المسؤولة لا تلبث في أخذ خيارات ٍ في غير موقعها، لأنّها لا تراعى الوضع المعيشي للمواطن، إذ أنّ جلّ ما يهمها هو الحصول على الأموال، ولو على حساب لقمة عيش المواطنين.

إعتادت الدولة اللبنانية عند معاناتها من أي أزمة، إلى اللجوء إلى المجتمع الدولي لطلب المساعدة، هذا ما حصل في مؤتمر “سيدر”، الذي عقد في باريس قبل الإنتخابات النيابيّة، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهدف جمع أموال لتعزيز إقتصاد وإستقرار لبنان ، وقد تمكّن من جمع قروض وهبات بقيمة أكثر من 11 مليار دولار.

في المقابل جاءت هذه الأموال نتيجة تعهدات وإلتزامات وعد بها لبنان، على أن يكون قد أتمها قبل الحصول على هذا المبلغ. إلاّ أنّ تعثر تشكيل الحكومة بعد الإنتخابات، أدى إلى التأخير في التنفيذ أو البدء في هذه التعهدات، مما إضطر الحكومة إلى إيجاد سبل أخرى ذات فعالية. وبالتأكيد فإن الحلول في لبنان، دائماً تستهدف المواطن ولقمة عيشه إما بطريقة مباشرة من خلال المس بالأجور والرواتب، وإما بطريقة غير مباشرة من خلال فرض الضرائب، وفي كلتا الحالتين المواطن هو الخاسر الوحيد والأكبر.

 

تعهدات سيدر

تعهدت الحكومة في بيانها على الإلتزام ببعض الإجراءات الناتجة عن مؤتمر سيدر. ويمكن تلخيص هذه الإجراءات وفق الفكرة الآتية، تقدّم لبنان بقائمة مشاريع للبنية التحتية ضمن ما سُمّي “البرنامج الإستثماري الوطني للبنية التحتية”، تبلغ قيمته الإجمالية نحو 23 مليار دولار، ينفّذ على ثلاث دورات، تمتدّ الواحدة أربع سنوات (مبدئياً). الدورة الأولى قيمتها حوالى 11 مليار، والثانية 6.5 مليارات، والثالثة 5.5 مليارات، وتقتصر تعهّدات سيدر على المرحلة الأولى فقط. ويتلازم تقديم هذا البرنامج مع إلتزام الحكومة اللبنانية، تنفيذ عدد من الإجراءات والإصلاحات تتقاطع مع مطالب الجهات المانحة.

كذلك طلبت الدول المانحة من لبنان إجراء إصلاحات كثيرة، بهدف تمويل المشاريع الـ 250 التي قدمتها الحكومة، وحصلت من خلالها على مجموعة قروض بفوائد ميسرة وهبات وصلت قيمتها إلى 11 مليار و800 مليون دولار أميركي.

في حين أنّه ومن ضمن توصيات مؤتمر “سيدر” ، خفض سنوي تدريجي يمتد على خمس سنوات، لعجز الموازنة بنسبة 1 في المئة. ولكن كما  هو معلوماً فإنّ أول موازنة أُقرّت بعد إنقطاعٍ دام 12 عاماً،  كانت موازنة العام 2018، فيما يعوّل لبنان على إقرار موازنة العام 2019، الأمر الذي يشكل خطوة إيجابية.

 

تقييم الوضع الإقتصادي

يعاني الإقتصاد اللبناني، ومنذ فترة غير وجيزة من التراجع ، وهذه الوتيرة مستمرة وقد يصبح الوضع أسوأ بكثيرٍ مما هو عليه. ويبدو ذلك جلياً في التقارير المتعلقة بهذا الشأن، فوفق  البنك الدولي يقدر إجمالي الناتج المحلي الحقيقي عام 2018 بنسبة 0.2% فقط، مما يعكس تراجع وتيرة النشاط الإقتصادي المرتبط بتقييد السيولة إستنادا إلى السياسة العامة.

ويشمل هذا التقييد وقف الإقراض المدعوم من البنك المركزي، الذي كان يتم توجيهه عبر البنوك التجارية إلى القطاع العقاري (في الغالب)، مما يتيح مصدراً نادراً لتحفيز النمو منذ عام 2012. علاوة على ذلك، تم تعديل نسبة النمو عام 2017 – عندما كانت برامج البنك المركزي سارية – إلى الخفض بنسبة 0.6% (من 1.5%)، مما يظهر هشاشة الوضع الإقتصادي.

أما فيما يتعلق في جانب المالية العامة، فمن المتوقع أن تطرأ زيادة تدريجية على نسبة عجز الموازنة العامة، إلى إجمالي الناتج المحلي في الأمد المتوسط، في ظل إزدياد أعباء خدمة الديْن. أما على صعيد المعاملات الخارجية، من المتوقع أن يتراجع عجز ميزان المعاملات الجارية بعض الشيء، والسبب الرئيسي في ذلك هو إنخفاض الواردات، إذ تأثَّر بطء النمو الإقتصادي بتقييد السياسة النقديّة.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، إذ أنّ العام 2018 يعتبر العام الأكبر عجزاً، بالنسبة إلى ميزان المدفوعات في لبنان، حيث وصل العجز في ميزان المدفوعات في العام 2018 إلى 4,823 مليون دولار، مقارنةَ بعجز 156 مليون دولار في العام 2017، وهذا هو الرقم الأعلى في عجز ميزان المدفوعات، الذي يسجل في تاريخ لبنان .

في حين وصل إجمالي العجز التراكمي في ميزان المدفوعات، خلال السنوات الماضية، (2011-2018) إلى نحو 14.5 مليار دولار. وبالرغم من هذا العجز الكبير الذي سجل خلال السنوات الماضية، فإن الحصيلة الإجمالية خلال السنوات الـ 20 الماضية، سجلت فائضاً بمقدار 9.7 مليار دولار.

 

تداعيات سلبيّة

من ضمن الإقتراحات المطروحة خفض رواتب القطاع العام بما فيها العسكريين، التي تفوق 3 ملايين ليرة، بنسب تتراوح بين 10 و20 في المئة بشكل تصاعدي، في مقابل ذلك سيتم خفض 20 في المئة من رواتب النواب ومخصصات الوزراء.هذه الإقتراحات أدت إلى معارضة شديدة وتحركات شعبيّة، في مختلف المناطق اللبنانية ، وإلى إضرابات في القطاع العام.

وإن كان بعض المسؤولون نفوا إمكانية تنفيذ هذا الطرح، إلاّ أن هناك تخوفٌ كبيرٌ من تنفيذ هذا الطرح. في الجهة المقابلة، فإنّ لهذا التخوّف مببراته، نظراً إلى العواقب السلبيّة لهذ القرار.  في هذ الإطار،  يقول الخبير الإقتصادي الدكتور غسان ديبه للـ immarwaiktissad “لن تستطيع الحكومة اللبنانية تطبيق خفض الأجور، سواء في القطاع الخاص أو العام ، فهذا الأمر مسألة صعبة، ومعقدة جداً “.

فضلاً عن أنّ هكذا إجراء لن يمر مرور الكرام، هذا ما يؤكده ديبه ” إنّ إجرءات تقشف من هذا النوع،  سيواجهها الموظفون والعمال والنقابات  بشكل قوّي جداً، وبالتالي لا أعتقد أن تصل الأمور إلى هذا الحد، خاصة وأنّ الحكومة الحالية هي حكومة إئتلافية، إلى حدٍ كبيرٍ ولن تستطيع  تطبيق هكذا إجراءات تقشفية ، إذ أنّ هكذا إجرءات تتطلب إلى حدٍ كبيرٍ حكومة متماسكة أو حكومة ديكتاتورية”.

 

حلول أفضل

من المتعارف عليه، أنّ المسؤولين اللبنانيين غالباً ما يلجأون إلى الحلول التي تمس الطبقة الفقيرة، في حين أن هناك الكثير من الحلول الأخرى، التي تجنب هذه الطبقات خطر الإنزلاق نحو الفقر أكثر، أما عن السبب فهو معلوم، إنحياز واضح للطبقة الرأسمالية.

وفي هذا المجال،  يقول ديبه “بغض النظر عن التأثيرات السلبيّة  لهكذا قرار، فهو أمرٌ مرفوضٌ وغير مقبول. لا سيما أنّ هناك حلول أخرى، يمكن أن تكون أفضل،  تتراوح بين فرض الضرائب على الأرباح، والشركات المالية ، ضرائب على الثروة، وضرائب على الأرباح والمداخيل  العالية”.

يستطرد ديبه موضحاً  “بمعنى آخر رفع الحد الأقصى للضريبة، إلى معدلات أعلى كالضريبة على الإرث، أي رفعها على ذوي الإرث أو الدخل الأعلى من مبلغ مليون دولار، وزيادة  ورفع الضرائب على الفوائد. إضافة إلى فرض ضرائب على أرباح ومداخيل  العاملين اللبنانيين في الخارج”.

هذا الأمر يعني أن هناك العديد من الحلول، البعيدة عن جيبة الفقراء وذوي الدخل المحدود، هذا ما يؤكده ديبه بالقول “بالتالي هناك مروحة كبيرة من الإجرءات الضريبية، التي يمكن تطبيقها من دون اللجوء إلى حل الإقتطاع من الرواتب، إذ أن هذا الحل هو حل قاسي وتقشفي  لن يقبل به الموظفون”.

 

نقاط إيجابية

أنّ السبب الرئيسي وراء إستمرار الطبقة السياسية في لبنان، في إتخاذ قرارت مجحفة بحق المواطن، هو التباعيّة العمياء للطوائف والأحزاب، مما يحول دون ملاحظة المواطن  للأخطاء التي ترتكب بحقه. ففي دولة غير لبنان، كان يجب إستقالة الطبقة الحاكمة منذ زمنٍ بعيدٍ، ولكن للأسف لا من حسيبٍ ولا رقيبٍ.

وفي هذا المجال، يقول ديبه ” إنّ إتخاذ هكذا قرار، من شأنه أن  يؤدي إلى إسقاط الحكومة . لذلك قد يبدو في الجهة المقابلة، أن فرض هذا القرار  أمراً جيّداً من أجل تفكيك كثير من الناس، عن الأحزاب الطائفية الحاكمة التي هي في الأساس بخدمة الرأسمال المالي” .  لذلك يتابع ديبه “ففي  الحالتين سواء تم فرض الإقتطاع أو عدم فرضه، فالدولة اللبنانية في مأزقٍ كبيرٍ”.

ويختم ديبه بالقول “هكذا  حلول غير مقبولة، وكما ذكرنا  فأنّ النظام الضريبي، على الأرباح والفوائد والريع، والعاملين في الخارج، هو نظام  غير عادل. وهناك عدّة إجرءات  يمكن إتخاذها قبل الوصول إلى موضوع الإقتطاع.  والحكومة والأحزاب الحاكمة، تعكس في هذا المجال إنحيازها الحقيقي للرأسمال، في لبنان وهذا ما لا يقبله الشعب”.

 

بعض الحقائق

أن الوضع الإقتصادي الدقيق الذي يمر به لبنان، ليس بالأمر الجديد ولكنّه بالتأكيد سيزيد سوءا،ً فيما لو طبقت السياسة التقشفية بالطريقة التي تستهدف الطبقة الفقيرة وذوي الدخل المحدود. ومن المهم الإشارة إلى بعض الحقائق التي تثبت صعوبة الوضع المعيشي السائد منذ سنوات. ففي 2018 وخلال سنة واحدة فقط، إرتفعت الأسعار بنسبة 5.83 في المئة، وفقاً لمؤشّر أسعار المستهلك، الذي تنشره إدارة الإحصاء المركزي.

في حين تركّز إرتفاع الأسعار الأكبر في فئة الألبسة والأحذية، حيث إرتفعت أسعارها بنسبة 13.6 في المئة، بينما إرتفعت أسعار المواد الغذائيّة بنسبة 6.9 في المئة، والنقل بنسبة 6.21 في المئة، كما إرتفعت كلفة السكن والكهرباء والغاز والماء بنسبة 6.78 في المئة.

وفي السياق عينه، عرف  مؤشّر أسعار المستهلك بين حزيران 2012 و2018، إرتفاعاً بنسبة 21 في المئة، من دون أن يتوازى ذلك مع أي تصحيح للأجور. ما يعني أن دخل اللبنانيين خسر حوالى خمس القدرة الشرائيّة، خلال هذه السنوات.

في الجهة المقابلة، وفق أرقام لجنة الرقابة على المصارف، فقد بلغت قيمة القروض المصنّفة “للمتابعة والتسوية” 5.7 مليار دولار، وهي عمليّاً القروض التي بدأت بالتعثّر، أو مواجهة مشاكل معيّنة في السداد. كما بلغت قيمة القروض الرديئة (أي الهالكة)، والقروض غير المنتجة للفوائد حوالى 4.6 مليار دولار.

وحسب إحصاءات تركّز الودائع لدى مصرف لبنان، فإن أكثر من 51 في المئة من قيمة الودائع المصرفيّة، أصبحت تتركّز في يد حوالى 0.86 في المئة من الحسابات المصرفيّة فقط، وهي الحسابات التي تفوق قيمة ودائعها المليون دولار أميركي. في المقابل أصبح هناك أكثر من 59 في المئة من الحسابات المصرفيّة التي لم تتجاوز حصّتها من إجمالي الودائع نسبة 0.64 في المئة فقط.

 

في الجهة المقابلة، لا تبدو المؤشرات الدولية أفضل حالاً ، إذ أبقت وكالة ستاندرد آند بورز (S&P)، على تصنيفها الإئتماني السيادي للبنان عند -B، وخفّضت النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية.

كذلك توقعت “ستاندرد آند بورز” في تقريرها لمراجعة تصنيف الديون السيادية للبنان، أن تبقى محركات النمو التقليدية في لبنان، مثل السياحة والعقارات والبناء ضعيفة، وأن تبقى المخاطر الأمنية الخارجية مرتفعة.

هذه المؤشرات إن دلت على شيء فهي تدل على صعوبة الوضع الحالي للإقتصاد، على أمل ألاّ يكون الآتي أعظم.

يعيش الإقتصاد اللبناني على وتر الأزمات المتتالية، إذ ما تلبث أن تنتهي الأولى، حتى تبدأ الثانية. وهذا ليس بأمرٍ جديدٍ، في بلدٍ يعيد شعبه إنتخاب نفس المسؤولين والطبقة السياسية، التي دأبت ولا تزال على مر سنوات وسنوات، على نهب أمواله وسبل عيشه، إلى حد إيصال البلد إلى حافة الإنهيار.

يدفع اللبنانيون hgd,l ثمن  خيارات الأمس الخاطئة، نتيجة الطبقة السياسة التي إختاروها، فهذه الطبقة غير المسؤولة لا تلبث في أخذ خيارات ٍ في غير موقعها، لأنّها لا تراعى الوضع المعيشي للمواطن، إذ أنّ جلّ ما يهمها هو الحصول على الأموال، ولو على حساب لقمة عيش المواطنين.

إعتادت الدولة اللبنانية عند معاناتها من أي أزمة، إلى اللجوء إلى المجتمع الدولي لطلب المساعدة، هذا ما حصل في مؤتمر “سيدر”، الذي عقد في باريس قبل الإنتخابات النيابيّة، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهدف جمع أموال لتعزيز إقتصاد وإستقرار لبنان ، وقد تمكّن من جمع قروض وهبات بقيمة أكثر من 11 مليار دولار.

في المقابل جاءت هذه الأموال نتيجة تعهدات وإلتزامات وعد بها لبنان، على أن يكون قد أتمها قبل الحصول على هذا المبلغ. إلاّ أنّ تعثر تشكيل الحكومة بعد الإنتخابات، أدى إلى التأخير في التنفيذ أو البدء في هذه التعهدات، مما إضطر الحكومة إلى إيجاد سبل أخرى ذات فعالية. وبالتأكيد فإن الحلول في لبنان، دائماً تستهدف المواطن ولقمة عيشه إما بطريقة مباشرة من خلال المس بالأجور والرواتب، وإما بطريقة غير مباشرة من خلال فرض الضرائب، وفي كلتا الحالتين المواطن هو الخاسر الوحيد والأكبر.

 

تعهدات سيدر

تعهدت الحكومة في بيانها على الإلتزام ببعض الإجراءات الناتجة عن مؤتمر سيدر. ويمكن تلخيص هذه الإجراءات وفق الفكرة الآتية، تقدّم لبنان بقائمة مشاريع للبنية التحتية ضمن ما سُمّي “البرنامج الإستثماري الوطني للبنية التحتية”، تبلغ قيمته الإجمالية نحو 23 مليار دولار، ينفّذ على ثلاث دورات، تمتدّ الواحدة أربع سنوات (مبدئياً). الدورة الأولى قيمتها حوالى 11 مليار، والثانية 6.5 مليارات، والثالثة 5.5 مليارات، وتقتصر تعهّدات سيدر على المرحلة الأولى فقط. ويتلازم تقديم هذا البرنامج مع إلتزام الحكومة اللبنانية، تنفيذ عدد من الإجراءات والإصلاحات تتقاطع مع مطالب الجهات المانحة.

كذلك طلبت الدول المانحة من لبنان إجراء إصلاحات كثيرة، بهدف تمويل المشاريع الـ 250 التي قدمتها الحكومة، وحصلت من خلالها على مجموعة قروض بفوائد ميسرة وهبات وصلت قيمتها إلى 11 مليار و800 مليون دولار أميركي.

في حين أنّه ومن ضمن توصيات مؤتمر “سيدر” ، خفض سنوي تدريجي يمتد على خمس سنوات، لعجز الموازنة بنسبة 1 في المئة. ولكن كما  هو معلوماً فإنّ أول موازنة أُقرّت بعد إنقطاعٍ دام 12 عاماً،  كانت موازنة العام 2018، فيما يعوّل لبنان على إقرار موازنة العام 2019، الأمر الذي يشكل خطوة إيجابية.

 

تقييم الوضع الإقتصادي

يعاني الإقتصاد اللبناني، ومنذ فترة غير وجيزة من التراجع ، وهذه الوتيرة مستمرة وقد يصبح الوضع أسوأ بكثيرٍ مما هو عليه. ويبدو ذلك جلياً في التقارير المتعلقة بهذا الشأن، فوفق  البنك الدولي يقدر إجمالي الناتج المحلي الحقيقي عام 2018 بنسبة 0.2% فقط، مما يعكس تراجع وتيرة النشاط الإقتصادي المرتبط بتقييد السيولة إستنادا إلى السياسة العامة.

ويشمل هذا التقييد وقف الإقراض المدعوم من البنك المركزي، الذي كان يتم توجيهه عبر البنوك التجارية إلى القطاع العقاري (في الغالب)، مما يتيح مصدراً نادراً لتحفيز النمو منذ عام 2012. علاوة على ذلك، تم تعديل نسبة النمو عام 2017 – عندما كانت برامج البنك المركزي سارية – إلى الخفض بنسبة 0.6% (من 1.5%)، مما يظهر هشاشة الوضع الإقتصادي.

أما فيما يتعلق في جانب المالية العامة، فمن المتوقع أن تطرأ زيادة تدريجية على نسبة عجز الموازنة العامة، إلى إجمالي الناتج المحلي في الأمد المتوسط، في ظل إزدياد أعباء خدمة الديْن. أما على صعيد المعاملات الخارجية، من المتوقع أن يتراجع عجز ميزان المعاملات الجارية بعض الشيء، والسبب الرئيسي في ذلك هو إنخفاض الواردات، إذ تأثَّر بطء النمو الإقتصادي بتقييد السياسة النقديّة.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، إذ أنّ العام 2018 يعتبر العام الأكبر عجزاً، بالنسبة إلى ميزان المدفوعات في لبنان، حيث وصل العجز في ميزان المدفوعات في العام 2018 إلى 4,823 مليون دولار، مقارنةَ بعجز 156 مليون دولار في العام 2017، وهذا هو الرقم الأعلى في عجز ميزان المدفوعات، الذي يسجل في تاريخ لبنان .

في حين وصل إجمالي العجز التراكمي في ميزان المدفوعات، خلال السنوات الماضية، (2011-2018) إلى نحو 14.5 مليار دولار. وبالرغم من هذا العجز الكبير الذي سجل خلال السنوات الماضية، فإن الحصيلة الإجمالية خلال السنوات الـ 20 الماضية، سجلت فائضاً بمقدار 9.7 مليار دولار.

 

تداعيات سلبيّة

من ضمن الإقتراحات المطروحة خفض رواتب القطاع العام بما فيها العسكريين، التي تفوق 3 ملايين ليرة، بنسب تتراوح بين 10 و20 في المئة بشكل تصاعدي، في مقابل ذلك سيتم خفض 20 في المئة من رواتب النواب ومخصصات الوزراء.هذه الإقتراحات أدت إلى معارضة شديدة وتحركات شعبيّة، في مختلف المناطق اللبنانية ، وإلى إضرابات في القطاع العام.

وإن كان بعض المسؤولون نفوا إمكانية تنفيذ هذا الطرح، إلاّ أن هناك تخوفٌ كبيرٌ من تنفيذ هذا الطرح. في الجهة المقابلة، فإنّ لهذا التخوّف مببراته، نظراً إلى العواقب السلبيّة لهذ القرار.  في هذ الإطار،  يقول الخبير الإقتصادي الدكتور غسان ديبه للـ immarwaiktissad “لن تستطيع الحكومة اللبنانية تطبيق خفض الأجور، سواء في القطاع الخاص أو العام ، فهذا الأمر مسألة صعبة، ومعقدة جداً “.

فضلاً عن أنّ هكذا إجراء لن يمر مرور الكرام، هذا ما يؤكده ديبه ” إنّ إجرءات تقشف من هذا النوع،  سيواجهها الموظفون والعمال والنقابات  بشكل قوّي جداً، وبالتالي لا أعتقد أن تصل الأمور إلى هذا الحد، خاصة وأنّ الحكومة الحالية هي حكومة إئتلافية، إلى حدٍ كبيرٍ ولن تستطيع  تطبيق هكذا إجراءات تقشفية ، إذ أنّ هكذا إجرءات تتطلب إلى حدٍ كبيرٍ حكومة متماسكة أو حكومة ديكتاتورية”.

 

حلول أفضل

من المتعارف عليه، أنّ المسؤولين اللبنانيين غالباً ما يلجأون إلى الحلول التي تمس الطبقة الفقيرة، في حين أن هناك الكثير من الحلول الأخرى، التي تجنب هذه الطبقات خطر الإنزلاق نحو الفقر أكثر، أما عن السبب فهو معلوم، إنحياز واضح للطبقة الرأسمالية.

وفي هذا المجال،  يقول ديبه “بغض النظر عن التأثيرات السلبيّة  لهكذا قرار، فهو أمرٌ مرفوضٌ وغير مقبول. لا سيما أنّ هناك حلول أخرى، يمكن أن تكون أفضل،  تتراوح بين فرض الضرائب على الأرباح، والشركات المالية ، ضرائب على الثروة، وضرائب على الأرباح والمداخيل  العالية”.

يستطرد ديبه موضحاً  “بمعنى آخر رفع الحد الأقصى للضريبة، إلى معدلات أعلى كالضريبة على الإرث، أي رفعها على ذوي الإرث أو الدخل الأعلى من مبلغ مليون دولار، وزيادة  ورفع الضرائب على الفوائد. إضافة إلى فرض ضرائب على أرباح ومداخيل  العاملين اللبنانيين في الخارج”.

هذا الأمر يعني أن هناك العديد من الحلول، البعيدة عن جيبة الفقراء وذوي الدخل المحدود، هذا ما يؤكده ديبه بالقول “بالتالي هناك مروحة كبيرة من الإجرءات الضريبية، التي يمكن تطبيقها من دون اللجوء إلى حل الإقتطاع من الرواتب، إذ أن هذا الحل هو حل قاسي وتقشفي  لن يقبل به الموظفون”.

 

نقاط إيجابية

أنّ السبب الرئيسي وراء إستمرار الطبقة السياسية في لبنان، في إتخاذ قرارت مجحفة بحق المواطن، هو التباعيّة العمياء للطوائف والأحزاب، مما يحول دون ملاحظة المواطن  للأخطاء التي ترتكب بحقه. ففي دولة غير لبنان، كان يجب إستقالة الطبقة الحاكمة منذ زمنٍ بعيدٍ، ولكن للأسف لا من حسيبٍ ولا رقيبٍ.

وفي هذا المجال، يقول ديبه ” إنّ إتخاذ هكذا قرار، من شأنه أن  يؤدي إلى إسقاط الحكومة . لذلك قد يبدو في الجهة المقابلة، أن فرض هذا القرار  أمراً جيّداً من أجل تفكيك كثير من الناس، عن الأحزاب الطائفية الحاكمة التي هي في الأساس بخدمة الرأسمال المالي” .  لذلك يتابع ديبه “ففي  الحالتين سواء تم فرض الإقتطاع أو عدم فرضه، فالدولة اللبنانية في مأزقٍ كبيرٍ”.

ويختم ديبه بالقول “هكذا  حلول غير مقبولة، وكما ذكرنا  فأنّ النظام الضريبي، على الأرباح والفوائد والريع، والعاملين في الخارج، هو نظام  غير عادل. وهناك عدّة إجرءات  يمكن إتخاذها قبل الوصول إلى موضوع الإقتطاع.  والحكومة والأحزاب الحاكمة، تعكس في هذا المجال إنحيازها الحقيقي للرأسمال، في لبنان وهذا ما لا يقبله الشعب”.

 

بعض الحقائق

أن الوضع الإقتصادي الدقيق الذي يمر به لبنان، ليس بالأمر الجديد ولكنّه بالتأكيد سيزيد سوءا،ً فيما لو طبقت السياسة التقشفية بالطريقة التي تستهدف الطبقة الفقيرة وذوي الدخل المحدود. ومن المهم الإشارة إلى بعض الحقائق التي تثبت صعوبة الوضع المعيشي السائد منذ سنوات. ففي 2018 وخلال سنة واحدة فقط، إرتفعت الأسعار بنسبة 5.83 في المئة، وفقاً لمؤشّر أسعار المستهلك، الذي تنشره إدارة الإحصاء المركزي.

في حين تركّز إرتفاع الأسعار الأكبر في فئة الألبسة والأحذية، حيث إرتفعت أسعارها بنسبة 13.6 في المئة، بينما إرتفعت أسعار المواد الغذائيّة بنسبة 6.9 في المئة، والنقل بنسبة 6.21 في المئة، كما إرتفعت كلفة السكن والكهرباء والغاز والماء بنسبة 6.78 في المئة.

وفي السياق عينه، عرف  مؤشّر أسعار المستهلك بين حزيران 2012 و2018، إرتفاعاً بنسبة 21 في المئة، من دون أن يتوازى ذلك مع أي تصحيح للأجور. ما يعني أن دخل اللبنانيين خسر حوالى خمس القدرة الشرائيّة، خلال هذه السنوات.

في الجهة المقابلة، وفق أرقام لجنة الرقابة على المصارف، فقد بلغت قيمة القروض المصنّفة “للمتابعة والتسوية” 5.7 مليار دولار، وهي عمليّاً القروض التي بدأت بالتعثّر، أو مواجهة مشاكل معيّنة في السداد. كما بلغت قيمة القروض الرديئة (أي الهالكة)، والقروض غير المنتجة للفوائد حوالى 4.6 مليار دولار.

وحسب إحصاءات تركّز الودائع لدى مصرف لبنان، فإن أكثر من 51 في المئة من قيمة الودائع المصرفيّة، أصبحت تتركّز في يد حوالى 0.86 في المئة من الحسابات المصرفيّة فقط، وهي الحسابات التي تفوق قيمة ودائعها المليون دولار أميركي. في المقابل أصبح هناك أكثر من 59 في المئة من الحسابات المصرفيّة التي لم تتجاوز حصّتها من إجمالي الودائع نسبة 0.64 في المئة فقط.

 

في الجهة المقابلة، لا تبدو المؤشرات الدولية أفضل حالاً ، إذ أبقت وكالة ستاندرد آند بورز (S&P)، على تصنيفها الإئتماني السيادي للبنان عند -B، وخفّضت النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية.

كذلك توقعت “ستاندرد آند بورز” في تقريرها لمراجعة تصنيف الديون السيادية للبنان، أن تبقى محركات النمو التقليدية في لبنان، مثل السياحة والعقارات والبناء ضعيفة، وأن تبقى المخاطر الأمنية الخارجية مرتفعة.

هذه المؤشرات إن دلت على شيء فهي تدل على صعوبة الوضع الحالي للإقتصاد، على أمل ألاّ يكون الآتي أعظم.

Share This

Share This

Share this post with your friends!