كي لا يكون الرقم وجهة نظر

عانى السّوريون من أزمة وقود خانقةٍ، اشتدت منتصف الشهر الفائت، نتيجة العقوبات الإقتصادية التي فرضتها دول التحالف الإستعماري، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية على سوريا. خلقت هذه العقوبات بيئة مثالية لتنشط فيها مافيات تهريب الوقود  وهو الأكثر ربحًا مقارنة بعمليات التهريب من لبنان، عبر مسارات غير واضحة المعالم، تحدّدها غالباً الخصائص الجغرافية لكل معبر. ويعمل المهربون في مجموعاتٍ متعاونة، غير متحدة فيما بينها، قادرة على تهريب كل ما يحتاجه المواطن الغني،  لكون المواطن الفقير لا يتطلّب سلعاً ليس لديه القدرة الشرائية لاقتنائها، ابتداءً من السّجائر والمشروبات الرّوحية، مروراً باللحوم والموز وأنواع الفواكه الإستوائية، وصولاً إلى العطور والمكياج، الألبسة،الأدوات الكهربائية والإلكترونيات، كما الدراجات النارية والسيارات، كما انتشرت مؤخراً ظاهرة تهريب الأسلحة والمخدرات وحتى البشر وهذا يحتاج إلى بحث كامل .

 

العقوبات، وتسع سنينٍ  من الحربِ على سوريا، أضف اليها الفساد المستشري في معظم مؤسسات الدولة السورية، عمقت ظاهرة التهريب المتلازمة أساساً مع ظواهر إقتصادية أخرى كظاهرة غسيل الأموال، والتهرب الضريبي. وتنضوي تلك الظواهر تحت لواء الأنشطة الإقتصادية  المحظورة قانونيًا، بسبب طبيعتها وتُعرف بــ”إقتصاد الجريمة” وهو أحد أشكال “الإقتصاد الموازي” والذي يُعرّفه صندوق النّقد الدولي بأنّه، يشمل كل أشكال الدّخل التي لا يُصرح عن قيمتها الفعلية، وبالتالي لا تدخل في حسابات الدخل القومي، إما بهدف إخفائها تهرباً من الإلتزامات الضريبية، أو لأن هذه الأنشطة مخالفة أصلاً للقانون.

و يشكل هذا النوع من الإقتصاد أكثر من 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية، الأمر الذي يُفسر البطء الشديد في معدلات نموها الإقتصادي، كونه الطريق الأقصر لفقدان الحصيلة الضريبية.

ويُعتبر التهريب والتهرب الضريبي، في أي بلد،  توأمان”، يتسببان في ركود القطاع التجاري القانوني، وفقدان الكثير من فرص العمل، وهروب الإستثمارات، وزيادة فظيعة في التضخم وهبوط سعر العملة الوطنية، انتهاءً  بتحويل البلاد إلى دولة خاضعة إقتصادياً وسياسياً ،لا بل ومُستَعمَّرةٌ من قبلِ الدول الرأسمالية الكبرى أو مؤسساتها ك”صندوق النقد” و “البنك الدولي“.

 

دس السُم في العسل!!

صحيح أنّ التّهريب كظاهرة تساهم في تأمين بعض المواد الأساسية التي ربما عجز عنها القطاع الصناعي المحلي، إلا أن وجود هذه المواد المهربة في السوق،  والتي تختلف من حيث جودة التّصنيع والنّوعية، عن مثيلاتها من الصناعات المحلية ، يشبه دس السّم في العسل، ويجعل الظاهرة حمالة أوجه كلها تساهم في نهاية المطاف بتدمير الإقتصاد الوطني وتضر بالإنسان والبيئة، وذلك للأسباب التالية:

 

أولاً: صحيح أنّ مداخيل الدولة من المخالفات الجمركية تجاوزت  العام الماضي 300 مليار ليرة سورية، إلا أنّ هذا يدل على إنفلات إداري فظيع وعدم وجود أية رقابة، وبالتالي  فالتهريب واحد من أبرز  مظاهر الفساد الإداري في سوريا (كونه يتجاوز كل قوانين البلاد ويخرقها) .

 

ثانياً: يخلق التهريب حركة تجارية (كاذبة) في الأسواق، إلا أنه يُعرقل حركة التجارة الحقيقية التي تعود على خزينة الدولة بالمليارات، ويقف عائقاً في وجه المنتج المحلي الصنع.

 

ثالثاً: صحيح أن التهريب يخلق فرص عمل لكنه في الوقت عينه يُعرقل نمو القطاعات الإنتاجية كافة فهو أحد أهم طُرق هدر المال العام.

رابعاً: يلعب التّهريب دوراً قوياً في انتشار الجريمة وذلك  كون الجزء الكبير من الايدي العاملة التي تسرّح من القطاع الحكومي الذي يفشل في منافسة السّوق، تغرق في الفقر ومنه تدخل في نفق الجريمة.

 

خامساً: صحيح أنَّ التهريب يحقق وفراً مادياً سريعاً، بمجهود أقل، غير أنه يدمر الإنسان حيث يبتعد المُهرب عن أي عمل إبداعي، منتج، ويتحوّل الى مجرد رقم ضمن نظام مافياوي منظم.

 

سادساً: يُسهم التّهريب في إيجاد بيئة اقتصادية مشوّهة وطاردة للإستثمارات المحلية و الأجنبية.

سابعاً: يساعد التّهريب في خروج العُملات الأجنبية من البلاد، وتنشط عمليات غسيل الأموال، بهدف قوننة الأرباح وإخفاء مصدرها غير الشرعي، كما تعمل المافيات على إدخال هذه الاموال في الدورة الإقتصادية، ما يتسبّب بضرب التنظيم الإقتصادي للمجتمع ككل.

ثامناً:  في الكثير من الدّول تحولت البلاد (العراق، المكسيك وكولومبيا) إلى مزرعة تمتلكها كارتيلات التهريب ومافياته، فدخلت في نفق الفقر والجهل، والتّبعية الإقتصاديّة والسياسيّة، وذلك بعدما تدخَّل المال غير القانوني الناتج عن التهريب في الحياة السّياسيّة “المال السّياسي” ففعل فِعله .

أخيراً: في معظم التّجارب تتحوّل مافيات التّهريب الى كائنات مجردة من الحس الإنساني، ويصبح كل شيء عندها مباح مهما كان الثّمن أو أياً كانت الضحايا، فتراهم يدخلون الى البلاد المواد الغذائية (لاتخضع للرقابة الصحية، تبدو رخيصة ولكنّها خطيرة على البشر والطبيعة وأيضاً  المخدرات التي تَهدُّم المجتمع، وصولاً إلى تهريب البشر أنفسهم.

 

وفي ذلك يرى عضو مجلس الشعب السوري  ورئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس “فارس الشهابي”  في إتصالٍ أجرته معه “الإعمار والإقتصاد” أنَّ : “التهريب يضر بأي اقتصاد وطني.. و خاصة بالشقّ الإنتاجي، لأنه يُدخل منتجات سيئة غير مراقبة، ودون أي رسوم جمركية، مما يضع المنتج الوطني في منافسة غير عادلة،  ويفوت على الدولة أموالاً طائلة“..

حتى الحكومة السّورية، عندما وضعت في بداية شهر فبراير/شباط من العام الحالي، خارطة طريق متكاملة تهدف إلى “إعلان سوريا دولة خالية من المواد المهربة” وحددت برنامج زمني لتنفيذها حتى نهاية العام الجاري، كانت تعلم أنَّ التّهريب تحوّل إلى كارٍ له أهله وخبرائه الذين ابتكروا طرقاً ووسائل حديثة مختلفة عن تلك التقليدية التي تقتصر على عقد شراكات مع كبار ضباط الجمارك، و أنَّ القضاء على هذه الظاهرة السرطانية، نهائياً أمر شبه مستحيل، ما لم يتم إدخال إصلاحات عميقة وجوهرية في صلب الإدارة العامة للدولة، وإصدار قوانين جديدة صارمة تشارك في وضعها وزارات المالية، الإقتصاد والتّموين وحتّى الدّاخلية.

ويؤكد على ذلك عضو مجلس الشعب السوري  ورئيس إتحاد غرف الصناعة السّورية المهندس “فارس الشهابي” في حديثه للــ “الإعمار والإقتصاد” قائلاً:  “القرارات الحكومية كانت ضرورية و إن جاءت متأخرة لأننا طالبنا بمكافحة التهريب منذ سنوات.. لكن هناك فساد كبير في الجمارك يجعل من مكافحة التّهريب عبئاً إضافياً على النّاس بدل أن يكون  مساعداً لهم”..

قوانين عقيمة!!!

نعم لقد جاءت خارطة طريق التي وضعتها الحكومة، بعد عدة محاولات فاشلة للقضاء على تلك الظاهرة، لم تنجح أحدها بسبب عدم جديتها، وتناقض القوانين مع الهدف، كونها لم تستطع دعم الإجراءات على أرض الواقع، فمثلاً عندما قامت  وزارة الإقتصاد بمنع إستيراد العديد من المواد، أو أن تحصر إستيراد سلع معينة بأيدي تجّار محدّدين وتترك المجال مفتوحاً أمامهم للتحكم بالسوق، أدّى ذلك إلى لجوء التّجار إلى المهربين لتأمينها، وأن تستمر وزارة  المالية بفرض رسوم جمركية كثيرة، متفاوتة وغير عادلة، في ظل تغييب آليات الرّقابة الصّارمة والعملية، شجع حتماً على  التهريب، ولعل الفساد الذي استشرى في جسد المؤسسات الحكومية أدى إلى تخريب قطاع الصناعة بشقيها (العام والخاص) كما أدّى إلى إفشال الصناعة الوطنية فلم تكن قادرة على تأمين متطلبات السّوق وتغطية الإحتياجات، ومنافسة البضائع الأجنبية المهربة، وعليه فقد نمت ظاهرة التّهريب بشكل فظيع.

 

حول خارطة الطريق تلك وصعوبات القضاء على ظاهرة التّهريب قال الخبير الإقتصادي والسّياسي، “محمد كمال الجفا” في اتصالٍ اجرته معه “الإعمار والإقتصاد“:

كلمة القضاء على التهريب فضفاضة، واسعه وحمالة أوجه، وحملات مكافحة التهريب المستمرة منذ عدة أشهر  تقريباً، والمدعومة بشعاراتٍ أطلقها رئيس الوزراء “سورية خالية من التهريب” و”مكافحة التهريب من المعبر إلى المتجر” ركزت الحملات السابقة على القاعدة أي على المهربين الصِغار “الكسبة” وليس من رؤوسها الكبيرة “الحيتان”، أي بدأت الحملة من تاجر المفرّق عوضاً عن استهداف كبار المموّلين والنّاقلين و الموزّعين، ولم تركز على المعابر التي تدخل منها القوافل أمام أعين الجميع، مع مرافقة بالعتاد والسّلاح لحمايتها، ذلك لأنّ الشركات التي تقوم بهذه العمليات، هي شركات حماية مرخصة أصولاً ( شركات حماية خاصة وشركات أمنية وحماية ونقل أموال) وبالتالي مرافقتها وحمايتها لقوافل التّهريب شرعي وقانوني“!!!

ويرى الخبير الاقتصادي والسّياسي “محمد كمال الجفا” أنه كي تنجح الحكومة في مهمتها في الحد من التهريب عليها تنفيذ مايلي:

أولاً : مسك المعابر المؤقتة مع أدلب وعددها أربع (دوار السلام، العيس، أبو الضهور ومورك)

ثانياً: وقف عمل شركات الحماية والتي من صلب مهامها حماية قوافل التهريب تحت سقف القانون

ثالثاً: مداهمة ومصادرة المستودعات الكبرى التي تخزن محتويات الشاحنات قبل توزيعها على المحافظات

رابعاً:  ضرب شبكات تحويل الأموال ومكاتب الصّرافة السّرية والتي تقوم بتأمين القطع الأجنبي وبالدولار يوميًا كقيمة مباشرة للمواد التي تحويها شاحنات التهريب .

خامساً:  قطع العلاقة وفصلها بين قادة ماييسمى بـ “القوات الرديفة” وبعض التّجار المفرغين لأعمال التهريب، والتي تحكمها (أي العلاقة) حجج مختلفة منها تمويل رواتب هذه القوات أو دعمها .

 

ما العمل؟

على الرغم من أنّ الحكومة عملت على إلغاء منح الموافقات والاستثناءات الخاصة بنقل المشتقات النفطية بين المحافظات وخاصة إلى القرى والبلدات المتاخمة للمناطق السّاخنة، وإلغاء تجديد التّراخيص للمعامل الواقعة في هذه المناطق،  وإدخال منتجاتها بعد تزوير منشأها بإلصاق علامة المنشأ السّوري، وتشكيل لجان مركزية وقطاعية من وزارات الزراعة والصناعة وحماية المستهلك ومديرية الجمارك العامة وغرف الصناعة لضبط وتحديد السّلع الداخلة الى البلاد، ومنع تمرير أي سلعة من المناطق التي ما زالت غير محرّرة تمامًا من الإرهاب إلى المحافظات السورية باستثناء بعض المواد الغذائية الضرورية ولا سيما الزراعية منها.

 

إلا أنها لاتزال تحتاج الى اتحاذ إجراءات حاسمة تتمثل في :

أولاً: تسهيل الحصول على القروض(المصرف الصناعي والتجاري) و إعفاء الصناعيين من الفوائد والغرامات.

ثانياً: دعم المنتج الوطني من خلال العمل على تحديد الحد الأدنى للمستوردات.

ثالثاً:         وضع أسعار استرشادية تأشيرية للمواد التي لها مثيل من الإنتاج المحلي، كما تسعى الوزارة إلى إعادة النظر بالرسوم الجمركية المفروضة على المواد الأولية مع الاستمرار بسياسة ترشيد الاستيراد.

رابعاً:     تقديم كل التّسهيلات لتكون ضمانة لعودة الصناعيين إلى وطنهم، وتشغيل معاملهم.

خامساً:      ضرورة توطين الصناعة وترويج المنتج الوطني، وفتح آفاق تصديرية له وإحلال بدائل للمستوردات.

سادساً:      توجيه الإهتمام الحكومي نحو استنهاض الصناعة الوطنية، والعمل على ايجاد تعاون بين القطاعين العام والخاص للوصول إلى قطاع وطني.

سابعاً:ضرورة توفير كل احتياجات الصناعة ومستلزمات الإنتاج (المواد الأولية، مصادر الطاقة، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالاستيراد..وغيرها) والسماح باستيرادها بطرق نظامية.

أخيراً: الإسراع بإطلاق قانون الإستثمار الجديد، و تطوير آلية دعم التصدير، وتغيير طريق الدفع وتسريعها.

 

 

القفل والمفتاح!!

 

تعيش عدة عائلات في المناطق الحدودية، من عائدات التهريب، ويُمثل التهريب في بعض الحالات مصدر الرزق الوحيد للعائلة، حيث يشارك كل فردٍ بجزءٍ من العملية (يتختصص بها)، بعضهم مسؤول عن عملية تامين البضائع في الجانب الأخر للحدود، والآخر مسؤول عن  النقل عبر الحدود، وثالث يعمل على تسويق البضاعة، كما يكون لأحدهم دور الوسيط او السّمسار بين المهرب وتجار الجملة، من جهة، وبين المهرب والمسؤولون في الجمارك والتموين. من جهة أخرى، وتجار الجملة هؤلاء هم مفتاح القفل الذي تمثله أفراد العائلة التي تمتهن التهريب!!

 

بارقةُ أمل!!

 

على عكس ما يراه الخبير الإقتصادي “محمد كمال الجفا” من صعوبات تجعل الصورة تميل الى السواد أكثر، قائلاً في حديثه مع  “الإعمار والإقتصاد” : الصناعة السورية أمام تحديات كبيرة جداً، فبالأضافة الى ما تُعانيه من دمارٍ شديد، نقص سيولةٍ ، ندرة اليد العاملة وعدم توفر مستلزماتها والوقود الصناعي ( المازوت والفيول) ومصادر الطاقة الأخرى (الكهرباء)، وصعوبة أستيراد المواد الأولية والتحويلات المالية، وعمليات النقل والتوزيع المعقدة داخل المدن السورية، تواجه اليوم آفة التهريب القاتلة. يُضيء عضو مجلس الشعب السوري و رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس “فارس الشهابي” في حديثه للــ “الإعمار والإقتصاد”، على الصورة السوداوية عن الإقتصاد السوري قائلاً: ” طبعاً لدينا القدرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي، لأننا نُنتج تقريباً كل شيء نحتاجه من غذاء و دواء و لباس و مفروشات و سلع رئيسية و الكثير من السلع الكمالية، واليوم لدينا فقط اربعة آلاف منشأة متوقفة بعد أن كان العدد 35 ألفاً في عام 2011، وهناك حوالي 15 ألف منشآة تعمل بطاقتها الكاملة.”

ويبقى السّؤال الذي يطرح نفسه : الى متى سيبقى المواطن السوري بين سندان التهريب ومطرقة الفقر الأعمى، منتظراً تحقيق خطط (حلم) الحكومة في القضاء على التهريب، قبل القضاء على الفساد المستشري في كل مؤسسات الدولة (تقريباً)؟

عانى السّوريون من أزمة وقود خانقةٍ، اشتدت منتصف الشهر الفائت، نتيجة العقوبات الإقتصادية التي فرضتها دول التحالف الإستعماري، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية على سوريا. خلقت هذه العقوبات بيئة مثالية لتنشط فيها مافيات تهريب الوقود  وهو الأكثر ربحًا مقارنة بعمليات التهريب من لبنان، عبر مسارات غير واضحة المعالم، تحدّدها غالباً الخصائص الجغرافية لكل معبر. ويعمل المهربون في مجموعاتٍ متعاونة، غير متحدة فيما بينها، قادرة على تهريب كل ما يحتاجه المواطن الغني،  لكون المواطن الفقير لا يتطلّب سلعاً ليس لديه القدرة الشرائية لاقتنائها، ابتداءً من السّجائر والمشروبات الرّوحية، مروراً باللحوم والموز وأنواع الفواكه الإستوائية، وصولاً إلى العطور والمكياج، الألبسة،الأدوات الكهربائية والإلكترونيات، كما الدراجات النارية والسيارات، كما انتشرت مؤخراً ظاهرة تهريب الأسلحة والمخدرات وحتى البشر وهذا يحتاج إلى بحث كامل .

 

العقوبات، وتسع سنينٍ  من الحربِ على سوريا، أضف اليها الفساد المستشري في معظم مؤسسات الدولة السورية، عمقت ظاهرة التهريب المتلازمة أساساً مع ظواهر إقتصادية أخرى كظاهرة غسيل الأموال، والتهرب الضريبي. وتنضوي تلك الظواهر تحت لواء الأنشطة الإقتصادية  المحظورة قانونيًا، بسبب طبيعتها وتُعرف بــ”إقتصاد الجريمة” وهو أحد أشكال “الإقتصاد الموازي” والذي يُعرّفه صندوق النّقد الدولي بأنّه، يشمل كل أشكال الدّخل التي لا يُصرح عن قيمتها الفعلية، وبالتالي لا تدخل في حسابات الدخل القومي، إما بهدف إخفائها تهرباً من الإلتزامات الضريبية، أو لأن هذه الأنشطة مخالفة أصلاً للقانون.

و يشكل هذا النوع من الإقتصاد أكثر من 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية، الأمر الذي يُفسر البطء الشديد في معدلات نموها الإقتصادي، كونه الطريق الأقصر لفقدان الحصيلة الضريبية.

ويُعتبر التهريب والتهرب الضريبي، في أي بلد،  توأمان”، يتسببان في ركود القطاع التجاري القانوني، وفقدان الكثير من فرص العمل، وهروب الإستثمارات، وزيادة فظيعة في التضخم وهبوط سعر العملة الوطنية، انتهاءً  بتحويل البلاد إلى دولة خاضعة إقتصادياً وسياسياً ،لا بل ومُستَعمَّرةٌ من قبلِ الدول الرأسمالية الكبرى أو مؤسساتها ك”صندوق النقد” و “البنك الدولي“.

 

دس السُم في العسل!!

صحيح أنّ التّهريب كظاهرة تساهم في تأمين بعض المواد الأساسية التي ربما عجز عنها القطاع الصناعي المحلي، إلا أن وجود هذه المواد المهربة في السوق،  والتي تختلف من حيث جودة التّصنيع والنّوعية، عن مثيلاتها من الصناعات المحلية ، يشبه دس السّم في العسل، ويجعل الظاهرة حمالة أوجه كلها تساهم في نهاية المطاف بتدمير الإقتصاد الوطني وتضر بالإنسان والبيئة، وذلك للأسباب التالية:

 

أولاً: صحيح أنّ مداخيل الدولة من المخالفات الجمركية تجاوزت  العام الماضي 300 مليار ليرة سورية، إلا أنّ هذا يدل على إنفلات إداري فظيع وعدم وجود أية رقابة، وبالتالي  فالتهريب واحد من أبرز  مظاهر الفساد الإداري في سوريا (كونه يتجاوز كل قوانين البلاد ويخرقها) .

 

ثانياً: يخلق التهريب حركة تجارية (كاذبة) في الأسواق، إلا أنه يُعرقل حركة التجارة الحقيقية التي تعود على خزينة الدولة بالمليارات، ويقف عائقاً في وجه المنتج المحلي الصنع.

 

ثالثاً: صحيح أن التهريب يخلق فرص عمل لكنه في الوقت عينه يُعرقل نمو القطاعات الإنتاجية كافة فهو أحد أهم طُرق هدر المال العام.

رابعاً: يلعب التّهريب دوراً قوياً في انتشار الجريمة وذلك  كون الجزء الكبير من الايدي العاملة التي تسرّح من القطاع الحكومي الذي يفشل في منافسة السّوق، تغرق في الفقر ومنه تدخل في نفق الجريمة.

 

خامساً: صحيح أنَّ التهريب يحقق وفراً مادياً سريعاً، بمجهود أقل، غير أنه يدمر الإنسان حيث يبتعد المُهرب عن أي عمل إبداعي، منتج، ويتحوّل الى مجرد رقم ضمن نظام مافياوي منظم.

 

سادساً: يُسهم التّهريب في إيجاد بيئة اقتصادية مشوّهة وطاردة للإستثمارات المحلية و الأجنبية.

سابعاً: يساعد التّهريب في خروج العُملات الأجنبية من البلاد، وتنشط عمليات غسيل الأموال، بهدف قوننة الأرباح وإخفاء مصدرها غير الشرعي، كما تعمل المافيات على إدخال هذه الاموال في الدورة الإقتصادية، ما يتسبّب بضرب التنظيم الإقتصادي للمجتمع ككل.

ثامناً:  في الكثير من الدّول تحولت البلاد (العراق، المكسيك وكولومبيا) إلى مزرعة تمتلكها كارتيلات التهريب ومافياته، فدخلت في نفق الفقر والجهل، والتّبعية الإقتصاديّة والسياسيّة، وذلك بعدما تدخَّل المال غير القانوني الناتج عن التهريب في الحياة السّياسيّة “المال السّياسي” ففعل فِعله .

أخيراً: في معظم التّجارب تتحوّل مافيات التّهريب الى كائنات مجردة من الحس الإنساني، ويصبح كل شيء عندها مباح مهما كان الثّمن أو أياً كانت الضحايا، فتراهم يدخلون الى البلاد المواد الغذائية (لاتخضع للرقابة الصحية، تبدو رخيصة ولكنّها خطيرة على البشر والطبيعة وأيضاً  المخدرات التي تَهدُّم المجتمع، وصولاً إلى تهريب البشر أنفسهم.

 

وفي ذلك يرى عضو مجلس الشعب السوري  ورئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس “فارس الشهابي”  في إتصالٍ أجرته معه “الإعمار والإقتصاد” أنَّ : “التهريب يضر بأي اقتصاد وطني.. و خاصة بالشقّ الإنتاجي، لأنه يُدخل منتجات سيئة غير مراقبة، ودون أي رسوم جمركية، مما يضع المنتج الوطني في منافسة غير عادلة،  ويفوت على الدولة أموالاً طائلة“..

حتى الحكومة السّورية، عندما وضعت في بداية شهر فبراير/شباط من العام الحالي، خارطة طريق متكاملة تهدف إلى “إعلان سوريا دولة خالية من المواد المهربة” وحددت برنامج زمني لتنفيذها حتى نهاية العام الجاري، كانت تعلم أنَّ التّهريب تحوّل إلى كارٍ له أهله وخبرائه الذين ابتكروا طرقاً ووسائل حديثة مختلفة عن تلك التقليدية التي تقتصر على عقد شراكات مع كبار ضباط الجمارك، و أنَّ القضاء على هذه الظاهرة السرطانية، نهائياً أمر شبه مستحيل، ما لم يتم إدخال إصلاحات عميقة وجوهرية في صلب الإدارة العامة للدولة، وإصدار قوانين جديدة صارمة تشارك في وضعها وزارات المالية، الإقتصاد والتّموين وحتّى الدّاخلية.

ويؤكد على ذلك عضو مجلس الشعب السوري  ورئيس إتحاد غرف الصناعة السّورية المهندس “فارس الشهابي” في حديثه للــ “الإعمار والإقتصاد” قائلاً:  “القرارات الحكومية كانت ضرورية و إن جاءت متأخرة لأننا طالبنا بمكافحة التهريب منذ سنوات.. لكن هناك فساد كبير في الجمارك يجعل من مكافحة التّهريب عبئاً إضافياً على النّاس بدل أن يكون  مساعداً لهم”..

قوانين عقيمة!!!

نعم لقد جاءت خارطة طريق التي وضعتها الحكومة، بعد عدة محاولات فاشلة للقضاء على تلك الظاهرة، لم تنجح أحدها بسبب عدم جديتها، وتناقض القوانين مع الهدف، كونها لم تستطع دعم الإجراءات على أرض الواقع، فمثلاً عندما قامت  وزارة الإقتصاد بمنع إستيراد العديد من المواد، أو أن تحصر إستيراد سلع معينة بأيدي تجّار محدّدين وتترك المجال مفتوحاً أمامهم للتحكم بالسوق، أدّى ذلك إلى لجوء التّجار إلى المهربين لتأمينها، وأن تستمر وزارة  المالية بفرض رسوم جمركية كثيرة، متفاوتة وغير عادلة، في ظل تغييب آليات الرّقابة الصّارمة والعملية، شجع حتماً على  التهريب، ولعل الفساد الذي استشرى في جسد المؤسسات الحكومية أدى إلى تخريب قطاع الصناعة بشقيها (العام والخاص) كما أدّى إلى إفشال الصناعة الوطنية فلم تكن قادرة على تأمين متطلبات السّوق وتغطية الإحتياجات، ومنافسة البضائع الأجنبية المهربة، وعليه فقد نمت ظاهرة التّهريب بشكل فظيع.

 

حول خارطة الطريق تلك وصعوبات القضاء على ظاهرة التّهريب قال الخبير الإقتصادي والسّياسي، “محمد كمال الجفا” في اتصالٍ اجرته معه “الإعمار والإقتصاد“:

كلمة القضاء على التهريب فضفاضة، واسعه وحمالة أوجه، وحملات مكافحة التهريب المستمرة منذ عدة أشهر  تقريباً، والمدعومة بشعاراتٍ أطلقها رئيس الوزراء “سورية خالية من التهريب” و”مكافحة التهريب من المعبر إلى المتجر” ركزت الحملات السابقة على القاعدة أي على المهربين الصِغار “الكسبة” وليس من رؤوسها الكبيرة “الحيتان”، أي بدأت الحملة من تاجر المفرّق عوضاً عن استهداف كبار المموّلين والنّاقلين و الموزّعين، ولم تركز على المعابر التي تدخل منها القوافل أمام أعين الجميع، مع مرافقة بالعتاد والسّلاح لحمايتها، ذلك لأنّ الشركات التي تقوم بهذه العمليات، هي شركات حماية مرخصة أصولاً ( شركات حماية خاصة وشركات أمنية وحماية ونقل أموال) وبالتالي مرافقتها وحمايتها لقوافل التّهريب شرعي وقانوني“!!!

ويرى الخبير الاقتصادي والسّياسي “محمد كمال الجفا” أنه كي تنجح الحكومة في مهمتها في الحد من التهريب عليها تنفيذ مايلي:

أولاً : مسك المعابر المؤقتة مع أدلب وعددها أربع (دوار السلام، العيس، أبو الضهور ومورك)

ثانياً: وقف عمل شركات الحماية والتي من صلب مهامها حماية قوافل التهريب تحت سقف القانون

ثالثاً: مداهمة ومصادرة المستودعات الكبرى التي تخزن محتويات الشاحنات قبل توزيعها على المحافظات

رابعاً:  ضرب شبكات تحويل الأموال ومكاتب الصّرافة السّرية والتي تقوم بتأمين القطع الأجنبي وبالدولار يوميًا كقيمة مباشرة للمواد التي تحويها شاحنات التهريب .

خامساً:  قطع العلاقة وفصلها بين قادة ماييسمى بـ “القوات الرديفة” وبعض التّجار المفرغين لأعمال التهريب، والتي تحكمها (أي العلاقة) حجج مختلفة منها تمويل رواتب هذه القوات أو دعمها .

 

ما العمل؟

على الرغم من أنّ الحكومة عملت على إلغاء منح الموافقات والاستثناءات الخاصة بنقل المشتقات النفطية بين المحافظات وخاصة إلى القرى والبلدات المتاخمة للمناطق السّاخنة، وإلغاء تجديد التّراخيص للمعامل الواقعة في هذه المناطق،  وإدخال منتجاتها بعد تزوير منشأها بإلصاق علامة المنشأ السّوري، وتشكيل لجان مركزية وقطاعية من وزارات الزراعة والصناعة وحماية المستهلك ومديرية الجمارك العامة وغرف الصناعة لضبط وتحديد السّلع الداخلة الى البلاد، ومنع تمرير أي سلعة من المناطق التي ما زالت غير محرّرة تمامًا من الإرهاب إلى المحافظات السورية باستثناء بعض المواد الغذائية الضرورية ولا سيما الزراعية منها.

 

إلا أنها لاتزال تحتاج الى اتحاذ إجراءات حاسمة تتمثل في :

أولاً: تسهيل الحصول على القروض(المصرف الصناعي والتجاري) و إعفاء الصناعيين من الفوائد والغرامات.

ثانياً: دعم المنتج الوطني من خلال العمل على تحديد الحد الأدنى للمستوردات.

ثالثاً:         وضع أسعار استرشادية تأشيرية للمواد التي لها مثيل من الإنتاج المحلي، كما تسعى الوزارة إلى إعادة النظر بالرسوم الجمركية المفروضة على المواد الأولية مع الاستمرار بسياسة ترشيد الاستيراد.

رابعاً:     تقديم كل التّسهيلات لتكون ضمانة لعودة الصناعيين إلى وطنهم، وتشغيل معاملهم.

خامساً:      ضرورة توطين الصناعة وترويج المنتج الوطني، وفتح آفاق تصديرية له وإحلال بدائل للمستوردات.

سادساً:      توجيه الإهتمام الحكومي نحو استنهاض الصناعة الوطنية، والعمل على ايجاد تعاون بين القطاعين العام والخاص للوصول إلى قطاع وطني.

سابعاً:ضرورة توفير كل احتياجات الصناعة ومستلزمات الإنتاج (المواد الأولية، مصادر الطاقة، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالاستيراد..وغيرها) والسماح باستيرادها بطرق نظامية.

أخيراً: الإسراع بإطلاق قانون الإستثمار الجديد، و تطوير آلية دعم التصدير، وتغيير طريق الدفع وتسريعها.

 

 

القفل والمفتاح!!

 

تعيش عدة عائلات في المناطق الحدودية، من عائدات التهريب، ويُمثل التهريب في بعض الحالات مصدر الرزق الوحيد للعائلة، حيث يشارك كل فردٍ بجزءٍ من العملية (يتختصص بها)، بعضهم مسؤول عن عملية تامين البضائع في الجانب الأخر للحدود، والآخر مسؤول عن  النقل عبر الحدود، وثالث يعمل على تسويق البضاعة، كما يكون لأحدهم دور الوسيط او السّمسار بين المهرب وتجار الجملة، من جهة، وبين المهرب والمسؤولون في الجمارك والتموين. من جهة أخرى، وتجار الجملة هؤلاء هم مفتاح القفل الذي تمثله أفراد العائلة التي تمتهن التهريب!!

 

بارقةُ أمل!!

 

على عكس ما يراه الخبير الإقتصادي “محمد كمال الجفا” من صعوبات تجعل الصورة تميل الى السواد أكثر، قائلاً في حديثه مع  “الإعمار والإقتصاد” : الصناعة السورية أمام تحديات كبيرة جداً، فبالأضافة الى ما تُعانيه من دمارٍ شديد، نقص سيولةٍ ، ندرة اليد العاملة وعدم توفر مستلزماتها والوقود الصناعي ( المازوت والفيول) ومصادر الطاقة الأخرى (الكهرباء)، وصعوبة أستيراد المواد الأولية والتحويلات المالية، وعمليات النقل والتوزيع المعقدة داخل المدن السورية، تواجه اليوم آفة التهريب القاتلة. يُضيء عضو مجلس الشعب السوري و رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس “فارس الشهابي” في حديثه للــ “الإعمار والإقتصاد”، على الصورة السوداوية عن الإقتصاد السوري قائلاً: ” طبعاً لدينا القدرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي، لأننا نُنتج تقريباً كل شيء نحتاجه من غذاء و دواء و لباس و مفروشات و سلع رئيسية و الكثير من السلع الكمالية، واليوم لدينا فقط اربعة آلاف منشأة متوقفة بعد أن كان العدد 35 ألفاً في عام 2011، وهناك حوالي 15 ألف منشآة تعمل بطاقتها الكاملة.”

ويبقى السّؤال الذي يطرح نفسه : الى متى سيبقى المواطن السوري بين سندان التهريب ومطرقة الفقر الأعمى، منتظراً تحقيق خطط (حلم) الحكومة في القضاء على التهريب، قبل القضاء على الفساد المستشري في كل مؤسسات الدولة (تقريباً)؟

Share This

Share This

Share this post with your friends!