كي لا يكون الرقم وجهة نظر

قد تكون الصحة أغلى ما يملكه الإنسان، ولكن للأسف بات الحفاظ عليها يتطلّب ثروة!  ففي بلد صغير نسبياً كلبنان، مقارنة بجيرانه، إن تكلفة الفاتورة الصحية فيه مرتفعة وهي من أعلى الفواتير في العالم.

فتشير الأرقام الاخيرة إلى أن تكلفة هذه الفاتورة في لبنان تقدر بنحو 10%  إلى 12 % من الناتج المحلي الإجمالي الذي ينتج فيه القطاع الخاص نحو 95% من الخدمات الصحية حسب تقرير البنك الدولي، وهي ثاني  أعلى فاتورة صحية في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتفوق تكلفة الاتحاد الاوروبي التي تصل الى 8%. ومع ذلك فان الخدمات الصحية تعاني سوءا في التوزيع ونقصا في العدالة، لناحية حصول كل المواطنين على الخدمات الصحية الاساسية . مع العلم الى أن  لبنان يحتل المرتبة 97 عالمياً لناحية السرعة وجودة الخدمات الصحية بحسب دراسة لمنظمة الصحة العالمية.

من جانب آخر، تصل فاتورة الدواء في لبنان إلى نصف مليار دولار سنوياً كمعدل وسطي بحسب أرقام لجنة الصحة البرلمانية، وتشكل هذه الفاتورة 30-35% من الإنفاق على الصحة و36% من دخل الاسر الاكثر فقراً، هذا من دون احتساب الادوية المهرّبة التي تشكل 25% من سوق الادوية في لبنان، ومن دون أن ننسى أيضاً أدوية الأمراض المزمنة والسرطانية الباهظة الثمن.

في ظل المراكز العالية التي يحتلّها الطب في لبنان، تنعكس كلفة الفاتورة الصجية على المواطنين بشكل كبير فيموت الكثير على أبواب المستشفيات بسبب عدم تمكّنهم من دفع كلفة العلاج من جهة ويذلّ البعض الآخر على أبواب الضمان ووزارة الصحة للإستحصال على إذن للدخول واللمعالجة على حساب الجهات الضامنة!! وإن تحدّثنا عن شركات التأمين، فهي حكر على ذوي الدخل المرتفع والحالة الميسورة بما فيها من تجارة مربحة وخدمات لا تكون كاملة في غالبية الأحيان!!

ما هي الأسباب الرئيسية لارتفاع كلفة الفاتورة الصحية وهل من إمكانية لخفضها؟ أين تكمن أماكن الهدر والفساد وكيف السبيل للسيطرة عليها؟ أسئلة توجّهت بها الإعمار والإقتصاد للنائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية الذي انتخب مؤخراً رئيسا للهيئة الإدارية في الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية، ففصّل نقاط الضعف والقوة في النظام الإستشفائي اللبناني وطرح رؤيته للإصلاحات المطلوبة..

تناقضات .. ومعالم انهيار ! 

بداية، يشدّد الدكتور اسماعيل سكرية على أن القطاع الصحي في لبنان يعيش التناقضات، فهناك الوجه الإيجابي منه المتمثّل ببعض الاطباء الذين يفتخر بهم على مستوى المنطقة فضلاً عن بعض المراكز الطبية المهمّة، في مقابل النظام الصحي الذي يعيش أزمة كبيرة ناتجة عن آثار تتوالى منذ عقود من الزمن تجعله يسير في خطّ استهلاكي بامتياز، مبتعدا عن ثلاثية الدور الذي حدده قانون انشاء وزارة الصحة عام 1946 ، وهو ” التوعية والوقاية والرعاية” ، بحيث تحولت الى “مصرف مالي” يغذي القطاع الخاص بنسبة 80%، مما وضع النظام الصحي في مأزق يزداد حجمه يوما بعد يوم، وذلك بسبب ارتفاع الكلفة مع تطور العلم والتكنولوجيا وادوية الامراض المستعصية ، وازدياد الضغط السكاني ، واعمال الفساد المتزايدة.

اذا استمرّ هذا النظام في الطريق الاستهلاكي نفسه، فهو يتّجه حتماً نحو التأزّم وربما الإنهيار ، أما أبرز معالم الإنهيار التي بدأت تلوح في الأفق فيفصّلها سكرية بالحديث بداية عن غياب الدور الرئيسي للمستشفيات الحكومية فضلاً عن الديون المترتبة من المستشفيات الخاصة على الدولة وشلل عمل بعض المستوصفات إضافة إلى عدم ضمان حق المضمون وغياب بعض أنواع الأدوية وانتشار الرشاوى والبرطلات..

بين هذه المشكلات وتلك، يشدّد سكرية إلى أن الخلل الأكبر في السياسة الاستشفائية يمكن في غياب المختبر الرسمي لفحص الأدوية لضمان الدولة تركيبة وصحة الدواء وصوابية استعماله، فيشير إلى وجود 6 إلى 7 آلاف نوع في السوق لا ندرك ماهية تركيبتها في حين أن فاتورة الأدوية قاربت المليوني دولار عام 2018 وهي تعتبر مهولة لبلد مثل لبنان يمثّل فيه الإستيراد نسبة 92% في حين تحصّل الصناعة المحلية نسبة 7 في المائة لا اكثر.

واقع استهلاكي .. وخلل يتضاعف

في توصيف للواقع الإستشفائي، يقول سكرية: هو نظام استهلاكي لا محالة، والخلل في هذه المعادلة الإستهلاكية يكبر سنة بعد سنة بسبب التطوّر العلمي والصناعة التكنولوجية الذي ترتفع فاتورته وتكاليفه ويقابله باستمرار تراجع الوضع الإقتصادي وتراجع المناعة الصحية للنظام الصحي، الأمر الذي يرفع من نسبة السرقة والاستهلاك المادي. “

تتعدد مظاهر الأستهلاك والنتيجة واحدة، فيتساءل  سكرية عن حاجة لبنان الى 450 جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي  بمعدّل جهاز لكل 80 و90 الف مواطن، في حين ان في فرنسا جهاز واحد لكل نصف مليون نسمة والحصول عليه يتطلب خطوات كبيرة وقد يكون الطلب قابل للرفض!

اما الاستثمار الاكبر فيتمثّل بطلب صورة الرنين المغناطيسي من المرضى لحاجة أو بدونها وكأن الاستثمار هو العنوان الاكبر. والأمر نفسه ينطبق على عمليات تمييل القلب التي تحتلّ  في لبنان اعلى النسب في العالم، وغياب الرقابة والمحاسبة هو السبب الرئيسي في الاستفحال في النظام الاستشفائي الاستهلاكي، ناهيك عن وجود اعداد هائلة من الاطباء في لبنان ، حوالى 14 الف طبيب، تتخطى النسبة العالمية بثلاثة اضعاف. الآلاف منهم لا يتخطى مدخولهم الشهري الألف دولار أميركي فيتجهون نحو الوصفات والتقارير الطبية التي لا ضرورة لها ويتعاونون مع شركات أدوية أو مختبرات معينة  فيصفون ادوية لا لزوم لها أو فحوصات غير ضرورية.

كل ما سبق وضعه سكرية في خانة النظام الاستشفائي الإستهلاكي المستمرّ في ظل غياب المراقبة والمحاسبة، والمتخفي تحت شعار “الإقتصاد الحر” الذي اعتبره كلمة حق يراد فيها باطل، فيقول: ” نحن طبعاً مع الإقتصاد الحر لكن بوجود ضوابط تحمي المريض، فالتفلّت بات سيّد الموقف، أعمال طبية غير مشروعة، وقد أثبتت الموضوع في عام 1998 حيث تم تسجيل عملية قلب مفتوح  لمريض لم يقم له الطبيب بأي شيء .. هذه جريمة مرت والجريمة الأكبر تكمن في عدم المحاسبة.”

لا يتناسى سكرية الوجه الايجابي في المجال الصحي اللبناني والمتمثل بوجود أطباء ترفع لهم القبعة إلا انه ينتقد طريقة التعامل مع المريض الذي يثق بهؤلاء وخصوصاً العرب منهم، فيسرقونهم ويهشّلونهم، والامر واضح بتوجّه غالبية العرب الى دول أخرى كالأردن لتلقي العلاج كبديل عن لبنان.

كلفة الإستشفاء .. والفساد! 

غلاء كلفة الاستشفاء لا تقتصر على العرب بل على أهل البلد نفسه، أما السبب فيعود بحسب سكرية إلى فوضوية التسعير في لبنان والفساد المستشري  ويعتبر أنه يمكن توفير نصف الفاتورة لو ضبطت منابع الهدر،  فيقول: ” في حين ان الفاتورة الصحية لعام 2018  بلغت حوالى 3  مليارات و 900 مليون دولار، فإنني أقدّر أن الهدر والفساد يطال نسبة 50% منها، وبالتالي فإن فاتورة الدواء التي تمثّل نسبة 42 % تقريباً نصفها لا حاجة علاجية لها، ولو أن لبنان مجهّز بمختبرات طبية تفحصها لكان تم الاستغناء عن عشرات الأصناف منها. فضلاً عن الاسعار الجائرة والظالمة وخصوصاً للأمراض المستعصية التي نوفّر 40%  من سعرها ان تم قبول الاستيراد المباشر من دولة الى دولة “.

من فساد الأدوية ننتقل إلى ما سمّاهم سكرية ” مرضى الويك أند” الذين يدخلون الى المستشفيات وتسجّل لهم الاعمال الطبية دون الحاجة لها ودون القيام بها ، وهي حالات تصل الى 7500 من اصل 10 آلاف فاتورة ضمان! فهنالك الدخول غير الضروري تماماً كتمديد إقامة لا حاجة لها للإستفادة من الجهات الضامنة مقابل رفض كل من لا يملك المال ليتعالج!!

الإصلاحات المطلوبة؟

الفساد بحسب سكرية هو ” أخطر من الإحتلال، هو مرض سرطان قضى على مناعة الدولة وفكّككها، والآتي أعظم فمحاكاة هموم الناس يجب ان تحصل عبر السياسة لتأمين الحقوق والأهداف التي أوصت بها الأديان، وبالتالي ما على المسؤولين إلا أن ينسجموا مع شعاراتهم بالفعل لا بالقول”.

الإصلاحات كثيرة، وإذ نستبشر خيراً بوزير الصحة الجديد، يتخوّف سكرية من عدم إمكانية التغيير خصوصاً وان تبعيّة جميل جبق لحزب الله قد تجعله غير قادر على المواجهة بسبب سياسة الضغط المستمرّة على الحزب وحاجة هذا الأخير للتهدئة حرصاً على عدم تفسّخ المجتمع.

أما المطلوب اليوم لإنقاذ الواقع الصحي الإستشفائي في لبنان فهو وبشكل ملحّ :

  • قرار سياسي وطني، غير موجود اليوم، الأمر الذي أقفل الطريق أمام الإصلاح الإداري الذي راكم ولا يزال فساد سبع سنوات على الأقل أوصل القطاع الحكومي الصحي إلى ما هو عليه.
  • تشديد الرقابة على التخزين والصيدليات وتحديد سياسة تسعير منصفة وعادلة للادوية
  • تجديد الرقابة على المستشفيات الخاصة وفواتيرها قبل إطلاق الوعود برفع السقوف والبطاقة الصحية
  • تجديد الرقابة على الأطباء والإفراج عن ملفات متراكمة وعن التفتيش المركزي
  • الإصلاح الإداري البشري
  • تفعيل المستشفيات الحكومية لأنها الكفيلة بتطبيق مفاعيل ما يعدون به عبر البطاقة الصحية التي تحتاج أساساً لقاعدة اقتصادية معيّنة .. وهذه مطالب لا يمكن أن تتحقق بحسب سكرية إلا بقرار سياسي وطني.

في مقابل كل الإصلاحات المطلوبة، وكل الإهانات والإذلال الذي يعاني منه المواطن للحفاظ على صحته، آن الأوان لهذا الأخير أن يمارس دوره، فيقول سكرية: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، علينا الاتحاد ورفع الصوت لصالح حقوقنا وكرامتنا بمعزل عن العواطف السياسية. الصحة لا دين لها ولا لون، وإذا لم نفعل ذلك فـ “الله لا يقيمنا” “

نضال سنوات .. مستمرّ

حماسة سكرية تفرض السؤال حول ماذا تحقّق من مكافحته اليومية على مدى سنوات طوال؟ فيقول: ” لا يمكن توقّع التغيير من دون مطالبة ومراقبة، وبالتالي فإن الكثير تحقق جرّاء رفع الصوت قد يكون الاهم عودة العمل بالتفاهم الحاصل عام 1998 بضرورة معالجة المستشفى لأي مريض طوارىء لإبعاد الخطر عنه على الأقل قبل رفضها استقباله، وقد تم تجميد هذا التفاهم همساً عام 2002  من قبل نقابة المستشفيات، ولدى تكراري الامر على مسامع وزير الصحة غسان حاصباني أعيد التعميم مع التشديد بالمراقبة. ناهيك عن ذلك، اختفى منذ فترة دواء الحمى المالطية الرخيص وتم تلزيم آخر باهظ الثمن لصيدلية محدّدة، الامر الذي دفعني للقيام بمؤتمر صحافي أعلنت فيه عن الأمر فعاد الدواء الرخيص إلى الأسواق بعد أسبوعين فقط. “

خلاصة الموضوع يؤكّد فيها سكرية على قدرة المواطن على التغييرخصوصاً عندما يتحصّن بالإرادة والتصميم والمعلومات الكافية للمواجهة. وفي ما لو نصّب وزيراً للصحة، يتحدث عن أنه كان ليطلب صلاحيات استثنائية لتطبيق برنامج قد يعرضه، إذا تمت الموافقة عليه يتحمّل مسؤولية التغيير وإن لم يدعمه أحد يستقيل مباشرة، فهو حامل لواء القضية ولن يخسر مصداقيته ورصيده مقابل مقعد وزاري لا يخدم فيه بلده!

قد تكون الصحة أغلى ما يملكه الإنسان، ولكن للأسف بات الحفاظ عليها يتطلّب ثروة!  ففي بلد صغير نسبياً كلبنان، مقارنة بجيرانه، إن تكلفة الفاتورة الصحية فيه مرتفعة وهي من أعلى الفواتير في العالم.

فتشير الأرقام الاخيرة إلى أن تكلفة هذه الفاتورة في لبنان تقدر بنحو 10%  إلى 12 % من الناتج المحلي الإجمالي الذي ينتج فيه القطاع الخاص نحو 95% من الخدمات الصحية حسب تقرير البنك الدولي، وهي ثاني  أعلى فاتورة صحية في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتفوق تكلفة الاتحاد الاوروبي التي تصل الى 8%. ومع ذلك فان الخدمات الصحية تعاني سوءا في التوزيع ونقصا في العدالة، لناحية حصول كل المواطنين على الخدمات الصحية الاساسية . مع العلم الى أن  لبنان يحتل المرتبة 97 عالمياً لناحية السرعة وجودة الخدمات الصحية بحسب دراسة لمنظمة الصحة العالمية.

من جانب آخر، تصل فاتورة الدواء في لبنان إلى نصف مليار دولار سنوياً كمعدل وسطي بحسب أرقام لجنة الصحة البرلمانية، وتشكل هذه الفاتورة 30-35% من الإنفاق على الصحة و36% من دخل الاسر الاكثر فقراً، هذا من دون احتساب الادوية المهرّبة التي تشكل 25% من سوق الادوية في لبنان، ومن دون أن ننسى أيضاً أدوية الأمراض المزمنة والسرطانية الباهظة الثمن.

في ظل المراكز العالية التي يحتلّها الطب في لبنان، تنعكس كلفة الفاتورة الصجية على المواطنين بشكل كبير فيموت الكثير على أبواب المستشفيات بسبب عدم تمكّنهم من دفع كلفة العلاج من جهة ويذلّ البعض الآخر على أبواب الضمان ووزارة الصحة للإستحصال على إذن للدخول واللمعالجة على حساب الجهات الضامنة!! وإن تحدّثنا عن شركات التأمين، فهي حكر على ذوي الدخل المرتفع والحالة الميسورة بما فيها من تجارة مربحة وخدمات لا تكون كاملة في غالبية الأحيان!!

ما هي الأسباب الرئيسية لارتفاع كلفة الفاتورة الصحية وهل من إمكانية لخفضها؟ أين تكمن أماكن الهدر والفساد وكيف السبيل للسيطرة عليها؟ أسئلة توجّهت بها الإعمار والإقتصاد للنائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية الذي انتخب مؤخراً رئيسا للهيئة الإدارية في الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية، ففصّل نقاط الضعف والقوة في النظام الإستشفائي اللبناني وطرح رؤيته للإصلاحات المطلوبة..

تناقضات .. ومعالم انهيار ! 

بداية، يشدّد الدكتور اسماعيل سكرية على أن القطاع الصحي في لبنان يعيش التناقضات، فهناك الوجه الإيجابي منه المتمثّل ببعض الاطباء الذين يفتخر بهم على مستوى المنطقة فضلاً عن بعض المراكز الطبية المهمّة، في مقابل النظام الصحي الذي يعيش أزمة كبيرة ناتجة عن آثار تتوالى منذ عقود من الزمن تجعله يسير في خطّ استهلاكي بامتياز، مبتعدا عن ثلاثية الدور الذي حدده قانون انشاء وزارة الصحة عام 1946 ، وهو ” التوعية والوقاية والرعاية” ، بحيث تحولت الى “مصرف مالي” يغذي القطاع الخاص بنسبة 80%، مما وضع النظام الصحي في مأزق يزداد حجمه يوما بعد يوم، وذلك بسبب ارتفاع الكلفة مع تطور العلم والتكنولوجيا وادوية الامراض المستعصية ، وازدياد الضغط السكاني ، واعمال الفساد المتزايدة.

اذا استمرّ هذا النظام في الطريق الاستهلاكي نفسه، فهو يتّجه حتماً نحو التأزّم وربما الإنهيار ، أما أبرز معالم الإنهيار التي بدأت تلوح في الأفق فيفصّلها سكرية بالحديث بداية عن غياب الدور الرئيسي للمستشفيات الحكومية فضلاً عن الديون المترتبة من المستشفيات الخاصة على الدولة وشلل عمل بعض المستوصفات إضافة إلى عدم ضمان حق المضمون وغياب بعض أنواع الأدوية وانتشار الرشاوى والبرطلات..

بين هذه المشكلات وتلك، يشدّد سكرية إلى أن الخلل الأكبر في السياسة الاستشفائية يمكن في غياب المختبر الرسمي لفحص الأدوية لضمان الدولة تركيبة وصحة الدواء وصوابية استعماله، فيشير إلى وجود 6 إلى 7 آلاف نوع في السوق لا ندرك ماهية تركيبتها في حين أن فاتورة الأدوية قاربت المليوني دولار عام 2018 وهي تعتبر مهولة لبلد مثل لبنان يمثّل فيه الإستيراد نسبة 92% في حين تحصّل الصناعة المحلية نسبة 7 في المائة لا اكثر.

واقع استهلاكي .. وخلل يتضاعف

في توصيف للواقع الإستشفائي، يقول سكرية: هو نظام استهلاكي لا محالة، والخلل في هذه المعادلة الإستهلاكية يكبر سنة بعد سنة بسبب التطوّر العلمي والصناعة التكنولوجية الذي ترتفع فاتورته وتكاليفه ويقابله باستمرار تراجع الوضع الإقتصادي وتراجع المناعة الصحية للنظام الصحي، الأمر الذي يرفع من نسبة السرقة والاستهلاك المادي. “

تتعدد مظاهر الأستهلاك والنتيجة واحدة، فيتساءل  سكرية عن حاجة لبنان الى 450 جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي  بمعدّل جهاز لكل 80 و90 الف مواطن، في حين ان في فرنسا جهاز واحد لكل نصف مليون نسمة والحصول عليه يتطلب خطوات كبيرة وقد يكون الطلب قابل للرفض!

اما الاستثمار الاكبر فيتمثّل بطلب صورة الرنين المغناطيسي من المرضى لحاجة أو بدونها وكأن الاستثمار هو العنوان الاكبر. والأمر نفسه ينطبق على عمليات تمييل القلب التي تحتلّ  في لبنان اعلى النسب في العالم، وغياب الرقابة والمحاسبة هو السبب الرئيسي في الاستفحال في النظام الاستشفائي الاستهلاكي، ناهيك عن وجود اعداد هائلة من الاطباء في لبنان ، حوالى 14 الف طبيب، تتخطى النسبة العالمية بثلاثة اضعاف. الآلاف منهم لا يتخطى مدخولهم الشهري الألف دولار أميركي فيتجهون نحو الوصفات والتقارير الطبية التي لا ضرورة لها ويتعاونون مع شركات أدوية أو مختبرات معينة  فيصفون ادوية لا لزوم لها أو فحوصات غير ضرورية.

كل ما سبق وضعه سكرية في خانة النظام الاستشفائي الإستهلاكي المستمرّ في ظل غياب المراقبة والمحاسبة، والمتخفي تحت شعار “الإقتصاد الحر” الذي اعتبره كلمة حق يراد فيها باطل، فيقول: ” نحن طبعاً مع الإقتصاد الحر لكن بوجود ضوابط تحمي المريض، فالتفلّت بات سيّد الموقف، أعمال طبية غير مشروعة، وقد أثبتت الموضوع في عام 1998 حيث تم تسجيل عملية قلب مفتوح  لمريض لم يقم له الطبيب بأي شيء .. هذه جريمة مرت والجريمة الأكبر تكمن في عدم المحاسبة.”

لا يتناسى سكرية الوجه الايجابي في المجال الصحي اللبناني والمتمثل بوجود أطباء ترفع لهم القبعة إلا انه ينتقد طريقة التعامل مع المريض الذي يثق بهؤلاء وخصوصاً العرب منهم، فيسرقونهم ويهشّلونهم، والامر واضح بتوجّه غالبية العرب الى دول أخرى كالأردن لتلقي العلاج كبديل عن لبنان.

كلفة الإستشفاء .. والفساد! 

غلاء كلفة الاستشفاء لا تقتصر على العرب بل على أهل البلد نفسه، أما السبب فيعود بحسب سكرية إلى فوضوية التسعير في لبنان والفساد المستشري  ويعتبر أنه يمكن توفير نصف الفاتورة لو ضبطت منابع الهدر،  فيقول: ” في حين ان الفاتورة الصحية لعام 2018  بلغت حوالى 3  مليارات و 900 مليون دولار، فإنني أقدّر أن الهدر والفساد يطال نسبة 50% منها، وبالتالي فإن فاتورة الدواء التي تمثّل نسبة 42 % تقريباً نصفها لا حاجة علاجية لها، ولو أن لبنان مجهّز بمختبرات طبية تفحصها لكان تم الاستغناء عن عشرات الأصناف منها. فضلاً عن الاسعار الجائرة والظالمة وخصوصاً للأمراض المستعصية التي نوفّر 40%  من سعرها ان تم قبول الاستيراد المباشر من دولة الى دولة “.

من فساد الأدوية ننتقل إلى ما سمّاهم سكرية ” مرضى الويك أند” الذين يدخلون الى المستشفيات وتسجّل لهم الاعمال الطبية دون الحاجة لها ودون القيام بها ، وهي حالات تصل الى 7500 من اصل 10 آلاف فاتورة ضمان! فهنالك الدخول غير الضروري تماماً كتمديد إقامة لا حاجة لها للإستفادة من الجهات الضامنة مقابل رفض كل من لا يملك المال ليتعالج!!

الإصلاحات المطلوبة؟

الفساد بحسب سكرية هو ” أخطر من الإحتلال، هو مرض سرطان قضى على مناعة الدولة وفكّككها، والآتي أعظم فمحاكاة هموم الناس يجب ان تحصل عبر السياسة لتأمين الحقوق والأهداف التي أوصت بها الأديان، وبالتالي ما على المسؤولين إلا أن ينسجموا مع شعاراتهم بالفعل لا بالقول”.

الإصلاحات كثيرة، وإذ نستبشر خيراً بوزير الصحة الجديد، يتخوّف سكرية من عدم إمكانية التغيير خصوصاً وان تبعيّة جميل جبق لحزب الله قد تجعله غير قادر على المواجهة بسبب سياسة الضغط المستمرّة على الحزب وحاجة هذا الأخير للتهدئة حرصاً على عدم تفسّخ المجتمع.

أما المطلوب اليوم لإنقاذ الواقع الصحي الإستشفائي في لبنان فهو وبشكل ملحّ :

  • قرار سياسي وطني، غير موجود اليوم، الأمر الذي أقفل الطريق أمام الإصلاح الإداري الذي راكم ولا يزال فساد سبع سنوات على الأقل أوصل القطاع الحكومي الصحي إلى ما هو عليه.
  • تشديد الرقابة على التخزين والصيدليات وتحديد سياسة تسعير منصفة وعادلة للادوية
  • تجديد الرقابة على المستشفيات الخاصة وفواتيرها قبل إطلاق الوعود برفع السقوف والبطاقة الصحية
  • تجديد الرقابة على الأطباء والإفراج عن ملفات متراكمة وعن التفتيش المركزي
  • الإصلاح الإداري البشري
  • تفعيل المستشفيات الحكومية لأنها الكفيلة بتطبيق مفاعيل ما يعدون به عبر البطاقة الصحية التي تحتاج أساساً لقاعدة اقتصادية معيّنة .. وهذه مطالب لا يمكن أن تتحقق بحسب سكرية إلا بقرار سياسي وطني.

في مقابل كل الإصلاحات المطلوبة، وكل الإهانات والإذلال الذي يعاني منه المواطن للحفاظ على صحته، آن الأوان لهذا الأخير أن يمارس دوره، فيقول سكرية: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، علينا الاتحاد ورفع الصوت لصالح حقوقنا وكرامتنا بمعزل عن العواطف السياسية. الصحة لا دين لها ولا لون، وإذا لم نفعل ذلك فـ “الله لا يقيمنا” “

نضال سنوات .. مستمرّ

حماسة سكرية تفرض السؤال حول ماذا تحقّق من مكافحته اليومية على مدى سنوات طوال؟ فيقول: ” لا يمكن توقّع التغيير من دون مطالبة ومراقبة، وبالتالي فإن الكثير تحقق جرّاء رفع الصوت قد يكون الاهم عودة العمل بالتفاهم الحاصل عام 1998 بضرورة معالجة المستشفى لأي مريض طوارىء لإبعاد الخطر عنه على الأقل قبل رفضها استقباله، وقد تم تجميد هذا التفاهم همساً عام 2002  من قبل نقابة المستشفيات، ولدى تكراري الامر على مسامع وزير الصحة غسان حاصباني أعيد التعميم مع التشديد بالمراقبة. ناهيك عن ذلك، اختفى منذ فترة دواء الحمى المالطية الرخيص وتم تلزيم آخر باهظ الثمن لصيدلية محدّدة، الامر الذي دفعني للقيام بمؤتمر صحافي أعلنت فيه عن الأمر فعاد الدواء الرخيص إلى الأسواق بعد أسبوعين فقط. “

خلاصة الموضوع يؤكّد فيها سكرية على قدرة المواطن على التغييرخصوصاً عندما يتحصّن بالإرادة والتصميم والمعلومات الكافية للمواجهة. وفي ما لو نصّب وزيراً للصحة، يتحدث عن أنه كان ليطلب صلاحيات استثنائية لتطبيق برنامج قد يعرضه، إذا تمت الموافقة عليه يتحمّل مسؤولية التغيير وإن لم يدعمه أحد يستقيل مباشرة، فهو حامل لواء القضية ولن يخسر مصداقيته ورصيده مقابل مقعد وزاري لا يخدم فيه بلده!

Share This

Share This

Share this post with your friends!