كي لا يكون الرقم وجهة نظر

يمرّ أيار ومعه عيد المقاومة والتحرير الذي انتصر فيه الشعب اللبناني على عدوّ جثم ولا زال على أرضنا قبل أن تطرده سواعد مقاومين من مختلف المشارب عن أرض الجنوب والبقاع الغربي (باستثناء مزارع شبعا المحتلة وتلال كفرشوبا وقرية الغجر)، في وقت أقّرت فيه الحكومة مشروع قانون موازنة الدولة اللبنانية للعام 2019، وقد مضى نصفه. ولعلّ التناقض يظهر بوضوح بين احتفال الشعب اللبناني بالعيد التاسع عشر لتحرير الأرض، في مقابل استمرار السياسيين برهْن اقتصاد البلاد ومقدّراتها للخارج، ولمقرّرات مؤتمر “سيدر”، بعيداً عن المصلحة اللبنانية الحقّة. فأي حرية وسيادة هذه ؟

بين مشروع موازنة العام 2019 الذي أقرّته حكومة الرئيس الحريري، مروراً بقرار المحكمة العسكرية تبرئة سوزان الحاج، والتوتر القائم بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل من جهة، والتراشق السياسي بين مؤيدي التسوية الرئاسية ومعارضيها على ضفة رئيس الحكومة من جهة أخرى، وصولاً الى الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، تعيش البلاد حالة انعدام ثقة وتخوف من مستقبل اقتصدي قاتم زاده التهويل العبثي من مختلف القوى السياسية من انهيار محتمل.

في الاقتصاد، لا تزال حال البلاد على ما كانت عليه رغم وعود القوى السياسية كلّها وشعاراتها الرنّانة بضرورة مكافحة الفساد وتنشيط الاقتصاد والتعويل على الانتاج.. لم نشهد ولو لمرّة واحدة مقاربة مختلفة عن تلك التي حكمت البلد منذ الاستقلال حتى اليوم، وعن المقاربة الفعلية التي حكمت لبنان منذ اتفاق الطائف وصولاً الى يومنا هذا.. حتى النقاش الذي دار خلال جلسات الحكومة لإقرار مشروع الموازنة كان نقاشاً حول من يشغل دور المحاسب “الأشطر” تحت السقف المتفق عليه ! لكن هل من قدّم مقاربة اقتصادية مختلفة عمّا نعيشه منذ 29 عام ؟

ربما بات واضحاً أنّ أحداً من القوى السياسية لم يهتمّ بجوهر القضية في مشروع الموازنة، بقدر الاهتمام بالشكل، أي التبيان للخارج أنّ الأرقام ستتحسّن، في وقت لم يتبقّ للموازنة سوى 5 أشهر، في حال إقرارها في البرلمان نهاية حزيران او مطلع تموز !

تسع عشرة جلسة عقدتها حكومة “الى العمل” خلصت فيها الى مشروع موازنة محاسبي بكلّ ما للكلمة من معنى. بحث في الأرقام ومحاولة تخفيض النفقات بعيداً عن أي سياسة اقتصادية تشي بأهمية خفض هذا الرقم أو ذاك، هو ما خلص اليه مجلس الوزراء بعد تأخّر 8 اشهر عن الموعد الدستوري لتقديم مشروع الموازنة الى البرلمان لدرسه.

مع نهاية شهر أيار، خرجت الحكومة الى اللبنانيين بإعلانها عن خفض العجز بنسبة 7.58 في المئة، وهو خفض يفوق ما كانت تعهّدت به في مؤتمر “سيدر”. طبعاً، التقديرات المدرجة في مشروع الموازنة مرتبطة بزيادة الواردات وتقليص النفقات خلال 12 شهراً، أي إن الحسبة ستكون مختلفة خلال ستة أشهر، لكنّ ذلك لم يغيّر من الدعاية الحكومية الموجّهة بشكل أساسي الى الخارج، وتحديداً الدول المانحة.

يشير مصدر اقتصادي مطلّع لـ”الإعمار والاقتصاد” أنّه “لو أراد القيّمون على الملف الوصول حقيقة الى خفض العجز الى 7.5 في المئة، قثمّة مداخل تؤدّي الى ذلك. أولاً، بحسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة المالية، كان مستوى التهرب الجمركي في 2014 – 2015 مليار و600 مليون دولار. زاد الاستيراد في عام 2015 أربع مليارات و200 مليون دولار، بينما انخفضت العائدات الجمركية بقيمة 300 مليون دولار ! أي أنّ التهرّب الجمركي على الرقم الثابت، لا زيادة الـ 4 مليارات دولار، جعل من التهرّب الجمركي يقفز الى الملياري دولار.

لقد سمعنا في الفترة الأخيرة أحاديث عن توجّه وزير الدفاع الى إغلاق المعابر غير الشرعية بغية مكافحة التهريب، علماً أنّ المعابر وإن كانت مفتوحة على مدار الساعة لا تشكّل 10% من قيمة التهرّب الجمركي ! فالتهرّب كما تعلم جميع القوى السياسية هو تهّرب رسمي ومقونن في المرافئ والمطار، وهو محمي سياسياً. ولعلّ أبسط قضية تبيّن هذه الحقيقة هي فضيحة الواردات من الصين، حيث أعلنت بكين أنّها تصدّر للبنان 4 مليارات دولار، بينما لا نجد في الدفاتر الجمركية اللبنانية أثراً إلّا لملياري دولار من الصادرات الصينية !

لو كان أصحاب السلطة جّديين في خفض العجز ومكافحة التهرب لكانوا خفّضوا التهرّب الجمركي الذي تقوم به الشركات التي يحمونها بنسبة 50 في المئة، وهو ما كان ليؤمّن للخزينة مليار دولار ! وهذه القيمة أكبر طبعاً من كلّ الواردات التي ممكن أن تتأتّى عن الرسوم التي وضعوها لاستهداف الطبقات الوسطى والفقيرة، مثل الرسوم على النرجيلة والبحص، وزيادة سعر جواز السفر”..

الى ذلك، يضيف المصدر عينه أنّ “استيراد النفط لمؤسسة كهرباء لبنان يكلّف الخزينة مليارين و400 مليون دولار سنوياً. لو أرادت الطبقة السياسية فعلاً خفض هذا الرقم، فليتمّ تطبيق الاتفاقات من دولة الى دولة بدلاً عن الاتكال على الوسطاء الذين يكلّفون سنويا بين مئة و300 مليون دولار !

من جهة أخرى، يمكن الاتفاق مع مستوردي النفط، وهم طبعاً شركاء اللاعبين السياسيين، على تلزيمهم الاستيراد لخمس سنوات شرط ان يقبضوا قيمتها بسند خزينة بالليرة اللبنانية مؤجلاً 18 شهر. هذه الصيغة تؤدي بالحد الأدنى الى توفير مليارين و400 مليون دولار يفترض بمصرف لبنان ان يؤمّنها. عند إزالة مليارين و400 مليون دولار عن دفاتر الموازنة عبر تأجيل الدفع 18 شهراً، يعني ذلك خفض عجز الموازنة بنسبة 50 في المئة، ما يعني فائضاً أولياً للمرة الأولى منذ قرابة عقد، وما يؤدي الى تغيير تصنيف لبنان المالي. حينها، يمكن الطلب الى مصرف لبنان خفض الفائدة نقطة واحدة، ما يعني خفض النفقات حوالي 900 مليون دولار إضافية ! هذه الثلاث مليارات و300 مليون دولار أكبر من كلّ هذه “الورشة” التي تحاول الحكومة إقناعنا بجدواها !”.

ثالث المداخل بحسب المصدر الاقتصادي العليم هو ملف الدواء حيث “نستورد سنوياً مليار و200 مليون دولار، وثلثي هذا الستيراد من الأردن ومصر والهند. في المقابل، نصدّر دواءاً مصنوعاً في لبنان بقيمة 50 مليون دولار ونصنّع 20 مليون دولار للاستهلاك الداخلي. المفارقة أنّ الدواء المستورد الى لبنان معفي من الضريبة على القيمة المضافة، بينما الدواء المصنّع في لبنان يخضع لهذه الضريبة ! اذا فرضت الحكومة على تعاونية موظفي الدولة والضمان الاجتماعي والطبابة العسكرية شراء الدواء اللبناني بالأفضلية، تنخفض كلفة الاستيراد بنسبة 500 مليون دولار خلال 6 أشهر في مقابل ضخّ المبلغ عينه في الدورة الاقتصادية، ويتغيّر وجه قطاع الدواء في البلاد !

لو أراد السياسيون فعلاً دعم الصناعة كما يعلنون جهاراً، لدعموا الصناعيين عبر خطوات جدية كهذه، لا عبر وضع ضريبة الـ2% على كلّ المستوردات من الخارج”.

ختاماً يشير المصدر الى أنّ “جلّ ما تتطلّبه هذه الاجراءات هو قرار سياسي لا يزال حتى الساعة مفقوداً لكونه يعني اتخاذ السياسيين قراراً بضرب جزء من مصالحهم، وهو ما يرفضونه ولو أدّى الأمر الى عظائم الأمور !”.

 

قد يكون انعدام الرؤية الاقتصادية رؤية، فإن قلنا أنّ في مشروع الموازنة المطروح هذا رؤية أو مقاربة أو برنامج نكون بعيدين كلّ البعد عن الواقع. لكن إذا كان أطراف الحكم مقتنعون فعلاً بخيارات سيدر وماكينزي، كما يدّعون، فهذا يعني أنّهم مقتنعون بنفس الخيارات الاقتصادية القائمة منذ عام 1992، وهذه رؤية. لكن في هذه الحالة، فليكفّوا إذاً عن انتقاد المرحلة السابقة والدعوة للتغيير، فالقرار بيدهم، وهم من يعود لتبنّي الخيارات ذاتها ! حال البلاد اليوم هي نتيجة رؤية معيّنة، ومن غير المعقول أن تنغمس هذه الطبقة السياسية في تبنّي نفس الخيارات من جهة، وتخبرنا من جهة أخرى أنّها ماضية في التغيير !

للتغيير في البلاد أبواب واضحة يعرفها السياسيون ويختارون الابتعاد عنها لمساسها بمصالحهم المباشرة، بداية عبر معالجة التهرّب الجمركي، ثانياً عبر اقرار سياسة نفطية على مستوى الدولة، ثالثاً عبر مكافحة التهرّب الضريبي، ورابعاً عبر خطة كهرباء ترتكز على معملين على الطاقة الشمسية يوضعان في الخدمة خلال 6 أشهر.

ثمة خيارين لخفض العجز في الموازنة. واحدهما يطال الطبقات المتوسطة والفقيرة بالمباشر، وهو استكمال لانعدام الخطة الاقتصادية للدولة اللبنانية، وثانيهما يتطلّب قراراً سياسياً شجاعاً بخفض حجم المحاصصة والفساد بما يوازي النصف، بالإضافة الى توجّه جدّي لوضع سياسة اقتصادية وسياسة مالية قادرتان على إنقاذ “المركب المثقوب”. مشروع الموازنة يعتمد طبعاً الخيار الأول، لكنّ الأمل موجود بقوىً سياسية أعلنت منذ فترة نيتها الدخول الى الشقّ الاقتصادي من المعادلة اللبنانية وما زالت لم تفعل، وبتوجّه رئاسي اعتبر مع مطلع العهد تحويل الاقتصاد من الريع الى الانتاج ضرورة. سيكون “المستقبل” هو الحكم..

يمرّ أيار ومعه عيد المقاومة والتحرير الذي انتصر فيه الشعب اللبناني على عدوّ جثم ولا زال على أرضنا قبل أن تطرده سواعد مقاومين من مختلف المشارب عن أرض الجنوب والبقاع الغربي (باستثناء مزارع شبعا المحتلة وتلال كفرشوبا وقرية الغجر)، في وقت أقّرت فيه الحكومة مشروع قانون موازنة الدولة اللبنانية للعام 2019، وقد مضى نصفه. ولعلّ التناقض يظهر بوضوح بين احتفال الشعب اللبناني بالعيد التاسع عشر لتحرير الأرض، في مقابل استمرار السياسيين برهْن اقتصاد البلاد ومقدّراتها للخارج، ولمقرّرات مؤتمر “سيدر”، بعيداً عن المصلحة اللبنانية الحقّة. فأي حرية وسيادة هذه ؟

بين مشروع موازنة العام 2019 الذي أقرّته حكومة الرئيس الحريري، مروراً بقرار المحكمة العسكرية تبرئة سوزان الحاج، والتوتر القائم بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل من جهة، والتراشق السياسي بين مؤيدي التسوية الرئاسية ومعارضيها على ضفة رئيس الحكومة من جهة أخرى، وصولاً الى الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، تعيش البلاد حالة انعدام ثقة وتخوف من مستقبل اقتصدي قاتم زاده التهويل العبثي من مختلف القوى السياسية من انهيار محتمل.

في الاقتصاد، لا تزال حال البلاد على ما كانت عليه رغم وعود القوى السياسية كلّها وشعاراتها الرنّانة بضرورة مكافحة الفساد وتنشيط الاقتصاد والتعويل على الانتاج.. لم نشهد ولو لمرّة واحدة مقاربة مختلفة عن تلك التي حكمت البلد منذ الاستقلال حتى اليوم، وعن المقاربة الفعلية التي حكمت لبنان منذ اتفاق الطائف وصولاً الى يومنا هذا.. حتى النقاش الذي دار خلال جلسات الحكومة لإقرار مشروع الموازنة كان نقاشاً حول من يشغل دور المحاسب “الأشطر” تحت السقف المتفق عليه ! لكن هل من قدّم مقاربة اقتصادية مختلفة عمّا نعيشه منذ 29 عام ؟

ربما بات واضحاً أنّ أحداً من القوى السياسية لم يهتمّ بجوهر القضية في مشروع الموازنة، بقدر الاهتمام بالشكل، أي التبيان للخارج أنّ الأرقام ستتحسّن، في وقت لم يتبقّ للموازنة سوى 5 أشهر، في حال إقرارها في البرلمان نهاية حزيران او مطلع تموز !

تسع عشرة جلسة عقدتها حكومة “الى العمل” خلصت فيها الى مشروع موازنة محاسبي بكلّ ما للكلمة من معنى. بحث في الأرقام ومحاولة تخفيض النفقات بعيداً عن أي سياسة اقتصادية تشي بأهمية خفض هذا الرقم أو ذاك، هو ما خلص اليه مجلس الوزراء بعد تأخّر 8 اشهر عن الموعد الدستوري لتقديم مشروع الموازنة الى البرلمان لدرسه.

مع نهاية شهر أيار، خرجت الحكومة الى اللبنانيين بإعلانها عن خفض العجز بنسبة 7.58 في المئة، وهو خفض يفوق ما كانت تعهّدت به في مؤتمر “سيدر”. طبعاً، التقديرات المدرجة في مشروع الموازنة مرتبطة بزيادة الواردات وتقليص النفقات خلال 12 شهراً، أي إن الحسبة ستكون مختلفة خلال ستة أشهر، لكنّ ذلك لم يغيّر من الدعاية الحكومية الموجّهة بشكل أساسي الى الخارج، وتحديداً الدول المانحة.

يشير مصدر اقتصادي مطلّع لـ”الإعمار والاقتصاد” أنّه “لو أراد القيّمون على الملف الوصول حقيقة الى خفض العجز الى 7.5 في المئة، قثمّة مداخل تؤدّي الى ذلك. أولاً، بحسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة المالية، كان مستوى التهرب الجمركي في 2014 – 2015 مليار و600 مليون دولار. زاد الاستيراد في عام 2015 أربع مليارات و200 مليون دولار، بينما انخفضت العائدات الجمركية بقيمة 300 مليون دولار ! أي أنّ التهرّب الجمركي على الرقم الثابت، لا زيادة الـ 4 مليارات دولار، جعل من التهرّب الجمركي يقفز الى الملياري دولار.

لقد سمعنا في الفترة الأخيرة أحاديث عن توجّه وزير الدفاع الى إغلاق المعابر غير الشرعية بغية مكافحة التهريب، علماً أنّ المعابر وإن كانت مفتوحة على مدار الساعة لا تشكّل 10% من قيمة التهرّب الجمركي ! فالتهرّب كما تعلم جميع القوى السياسية هو تهّرب رسمي ومقونن في المرافئ والمطار، وهو محمي سياسياً. ولعلّ أبسط قضية تبيّن هذه الحقيقة هي فضيحة الواردات من الصين، حيث أعلنت بكين أنّها تصدّر للبنان 4 مليارات دولار، بينما لا نجد في الدفاتر الجمركية اللبنانية أثراً إلّا لملياري دولار من الصادرات الصينية !

لو كان أصحاب السلطة جّديين في خفض العجز ومكافحة التهرب لكانوا خفّضوا التهرّب الجمركي الذي تقوم به الشركات التي يحمونها بنسبة 50 في المئة، وهو ما كان ليؤمّن للخزينة مليار دولار ! وهذه القيمة أكبر طبعاً من كلّ الواردات التي ممكن أن تتأتّى عن الرسوم التي وضعوها لاستهداف الطبقات الوسطى والفقيرة، مثل الرسوم على النرجيلة والبحص، وزيادة سعر جواز السفر”..

الى ذلك، يضيف المصدر عينه أنّ “استيراد النفط لمؤسسة كهرباء لبنان يكلّف الخزينة مليارين و400 مليون دولار سنوياً. لو أرادت الطبقة السياسية فعلاً خفض هذا الرقم، فليتمّ تطبيق الاتفاقات من دولة الى دولة بدلاً عن الاتكال على الوسطاء الذين يكلّفون سنويا بين مئة و300 مليون دولار !

من جهة أخرى، يمكن الاتفاق مع مستوردي النفط، وهم طبعاً شركاء اللاعبين السياسيين، على تلزيمهم الاستيراد لخمس سنوات شرط ان يقبضوا قيمتها بسند خزينة بالليرة اللبنانية مؤجلاً 18 شهر. هذه الصيغة تؤدي بالحد الأدنى الى توفير مليارين و400 مليون دولار يفترض بمصرف لبنان ان يؤمّنها. عند إزالة مليارين و400 مليون دولار عن دفاتر الموازنة عبر تأجيل الدفع 18 شهراً، يعني ذلك خفض عجز الموازنة بنسبة 50 في المئة، ما يعني فائضاً أولياً للمرة الأولى منذ قرابة عقد، وما يؤدي الى تغيير تصنيف لبنان المالي. حينها، يمكن الطلب الى مصرف لبنان خفض الفائدة نقطة واحدة، ما يعني خفض النفقات حوالي 900 مليون دولار إضافية ! هذه الثلاث مليارات و300 مليون دولار أكبر من كلّ هذه “الورشة” التي تحاول الحكومة إقناعنا بجدواها !”.

ثالث المداخل بحسب المصدر الاقتصادي العليم هو ملف الدواء حيث “نستورد سنوياً مليار و200 مليون دولار، وثلثي هذا الستيراد من الأردن ومصر والهند. في المقابل، نصدّر دواءاً مصنوعاً في لبنان بقيمة 50 مليون دولار ونصنّع 20 مليون دولار للاستهلاك الداخلي. المفارقة أنّ الدواء المستورد الى لبنان معفي من الضريبة على القيمة المضافة، بينما الدواء المصنّع في لبنان يخضع لهذه الضريبة ! اذا فرضت الحكومة على تعاونية موظفي الدولة والضمان الاجتماعي والطبابة العسكرية شراء الدواء اللبناني بالأفضلية، تنخفض كلفة الاستيراد بنسبة 500 مليون دولار خلال 6 أشهر في مقابل ضخّ المبلغ عينه في الدورة الاقتصادية، ويتغيّر وجه قطاع الدواء في البلاد !

لو أراد السياسيون فعلاً دعم الصناعة كما يعلنون جهاراً، لدعموا الصناعيين عبر خطوات جدية كهذه، لا عبر وضع ضريبة الـ2% على كلّ المستوردات من الخارج”.

ختاماً يشير المصدر الى أنّ “جلّ ما تتطلّبه هذه الاجراءات هو قرار سياسي لا يزال حتى الساعة مفقوداً لكونه يعني اتخاذ السياسيين قراراً بضرب جزء من مصالحهم، وهو ما يرفضونه ولو أدّى الأمر الى عظائم الأمور !”.

 

قد يكون انعدام الرؤية الاقتصادية رؤية، فإن قلنا أنّ في مشروع الموازنة المطروح هذا رؤية أو مقاربة أو برنامج نكون بعيدين كلّ البعد عن الواقع. لكن إذا كان أطراف الحكم مقتنعون فعلاً بخيارات سيدر وماكينزي، كما يدّعون، فهذا يعني أنّهم مقتنعون بنفس الخيارات الاقتصادية القائمة منذ عام 1992، وهذه رؤية. لكن في هذه الحالة، فليكفّوا إذاً عن انتقاد المرحلة السابقة والدعوة للتغيير، فالقرار بيدهم، وهم من يعود لتبنّي الخيارات ذاتها ! حال البلاد اليوم هي نتيجة رؤية معيّنة، ومن غير المعقول أن تنغمس هذه الطبقة السياسية في تبنّي نفس الخيارات من جهة، وتخبرنا من جهة أخرى أنّها ماضية في التغيير !

للتغيير في البلاد أبواب واضحة يعرفها السياسيون ويختارون الابتعاد عنها لمساسها بمصالحهم المباشرة، بداية عبر معالجة التهرّب الجمركي، ثانياً عبر اقرار سياسة نفطية على مستوى الدولة، ثالثاً عبر مكافحة التهرّب الضريبي، ورابعاً عبر خطة كهرباء ترتكز على معملين على الطاقة الشمسية يوضعان في الخدمة خلال 6 أشهر.

ثمة خيارين لخفض العجز في الموازنة. واحدهما يطال الطبقات المتوسطة والفقيرة بالمباشر، وهو استكمال لانعدام الخطة الاقتصادية للدولة اللبنانية، وثانيهما يتطلّب قراراً سياسياً شجاعاً بخفض حجم المحاصصة والفساد بما يوازي النصف، بالإضافة الى توجّه جدّي لوضع سياسة اقتصادية وسياسة مالية قادرتان على إنقاذ “المركب المثقوب”. مشروع الموازنة يعتمد طبعاً الخيار الأول، لكنّ الأمل موجود بقوىً سياسية أعلنت منذ فترة نيتها الدخول الى الشقّ الاقتصادي من المعادلة اللبنانية وما زالت لم تفعل، وبتوجّه رئاسي اعتبر مع مطلع العهد تحويل الاقتصاد من الريع الى الانتاج ضرورة. سيكون “المستقبل” هو الحكم..

Share This

Share This

Share this post with your friends!