كي لا يكون الرقم وجهة نظر

كتب المحرر السياسي

يبدو أنّ الانفصام السياسي في البلد وصل لمرحلة غير مسبوقة، مترافقاً مع حفلة مزايدات عند الأطراف المكوّنة للحكومة لا تتوقف عند الحديث عن الانهيار، بل تصل الى كيفية توزيعه، بالإضافة الى موجة متصاعدة من الحديث عن “القرارات الموجعة” والقرارات “غير الشعبية”، وكأنّ ثمّة تسليم رسمي أنّ الانهيار أمر واقع.

محاولات التهويل هذه تجاوزت التهويل اللفظي لتُطرح  سيناريوهات لها علاقة بدور القطاع العام وسلسلة الرتب والرواتب، في محاولة للقول أنّ هذه القرارات لن تطال أساساً إلّا الناس، أي الحلقة الأضعف في النظام السياسي، وفي الاستفادة من كلّ ما حصل في البلد طوال الثلاث عقود الماضية. فكم نسبة سلّة الأجور، أو الإدارة العامة، بالمقارنة مع نسب الأرباح المجمّعة على فوائد الدين وتمويل العمل السياسي في البلد وعلى الصفقات العمومية وغير العمومية؟ فالهدر نفسه اليوم مستمرّ !

وعند الحديث عن الانفصام، الدليل الأبرز هو أنّ شركات محظية مملوكة لسياسيين أعفيت من دفع الضرائب على الأرباح لأكثر من عشرين عاماً كسوليدير، ومصارف أعطيت ما لا يمكن تخيّله من حوافز وهندسات وكلّ أنواع الدعم الممكن، يتبيّن اليوم أنّ ثمة محاولة لتقديم هديّة لها، على طاولة مجلس الوزراء، من خلال إعفاءات جديدة! فهل لأنّ هذه الشركات خالفت القانون تكرّم، بينما من التزم القانون يدفع الأثمان ؟!

فكيف يستقيم الحديث عن انهيار و”قرارات موجعة”، وفي الآن عينه يتّجهون لإهداء إعفاءات لشركات محظيّة بقيمة 115 مليون دولار؟ فهل من انفصام أكبر من هذا القائم ؟!

 

شعارات رنانة، لا مقاربات جدية

اليوم، انقضى شهران على تشكيل الحكومة، وتسعة أشهر سبقتها في مفاوضات التشكيل، أي مرّ تقريباً عام كامل منذ الانتخابات النيابية الماضية. منذ تشرين الأول من عام 2017، كان حديث المسؤولين ذاتهم أنّ الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد لن يتحمّل سوى عشرين يوماً الى شهر في الحدّ الأقصى قبل الانهيار. مرّ عام ونصف منذ ذاك التاريخ، و 11 شهراً منذ الانتخابات التي أعادت هؤلاء المسؤولين الى مراكز السلطة، ولا تزال اللغة هي ذاتها، بفارق أنّهم لم يقوموا بأي إجراء لتجنيب البلاد “الانهيار” المزعوم، بل جلّ ما فعلوه هو إطلاق شعارات رنّانة متعلّقة بمؤتمر “سيدر” وخطة “ماكينزي” وبيع أملاك الدولة، وصولاً الى كلامٍ بقي لفظياً عن مكافحة الفساد، في وقت بات الانغماس فيه كاملاً، الى أن وصلت البلاد اليوم الى نقطة أصبح فيها الوقت المتاح ربما غير كافٍ لتجنّب الكأس المرّة.

لكن، ورغم سوداوية المشهد، فالانطلاق من نقطة معيّنة لا زال قادراً أن يوصلنا الى برّ آمن. ولكن متى هذه الانطلاقة؟ فالواضح حتى اللحظة، أنّ الأطراف السياسية لا زالت لم تقتنع بضرورة البدء بتطبيق شعار مكافحة الفساد ومحاولة الإصلاح الحقيقي. على انّ عدم اقتناعهم بضرورة انطلاقة قطار الإصلاح أنّما يعود الى فلسفة ومقاربة خاصة بكلّ طرف سياسي، بينما يجمعهم التفاهم على مصالحهم التي يرفضون المساس بها.

 

الكهرباء: البحث في خطة أرسيت قواعدها قبل عقدين

في هذا السياق، أوّل سؤال يطرح فعلياً هو: إذا كان مكمن الهدر الأساسي مردّه الكهرباء، فهل من المعقول أنّه بعد 30 عاماً على انتهاء الحرب، وبعد إقرار القواعد الأساسية للخطة التي يجري نقاشها اليوم منذ العام 2000، وبعد 9 سنوات على إعادة وضعها بالشكل الذي هي عليه اليوم، فهل من المعقول أن نعود اليوم الى تشكيل لجان وزارية تبحث في الخطة نفسها، وتختلف ! فهل أنّ اللبنانيين يخترعون الكهرباء ؟!

الكهرباء في كلّ دول العالم هي إنتاج وتوزيع بالدرجة الأولى. فعلامَ الإختلاف؟ هل على المعايير التي يجب اعتمادها للحصول على طاقة رخيصة؟ فليصِر الى إقامة مناقصات دولية واستدراج عروض دولي وفق معايير عالية ليتبيّن أي الحلول هو الأوفر !

وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة الى أنّ حجم المتغيّرات في قطاع الطاقة، ما بين العام 2000، والعام 2010 تاريخ وضع الخطة بشكلها الحالي، وبين الوقت الحالي، هو حجم كبير جداً، حيث بات إنشاء المعامل يحتاج الى وقت أقلّ بكثير، كما أدّت المتغيّرات الى هبوط كلفة إنتاج الميغاوات في العالم بشكل هائل !

من جهة أخرى، لا بدّ من السؤال اليوم: هل نحتاج فعلاً الى معامل على الغاز؟ ثمّة أمكانية حالياً لتغطية لبنان كلّه بالاعتماد على معامل قائمة على الطاقة الشمسية، علماً أنّه، ضمن المساحات الممكنة والمتاحة في لبنان، ثمة امكانية فعلية وحقيقية أن تبدأ هذه المعامل بإنتاج الطاقة خلال ستّة أشهر كحدّ أقصى ! ثمة قدرة إذاً على بناء معمل يقوم على الطاقة الشمسية بقوة 2000 ميغاواط بحيث ينتج بطاقته القصوى خلال 6 أشهر، هو حكماً أوفر وأسرع من إنشاء معامل حرارية وغازية ! هذا الحديث ليس كلاماً في الهواء، بل هو نتيجة نقاشات مطوّلة وعروض ملموسة مقدّمة من شركات قادرة على الالتزام به.
في حال أراد أحدهم البحث عن حلول فعلية، فهذا أحد هذه الحلول. وهذه التقنيات باتت اليوم موجودة في العالم، ما على الإنسان إلّا أن يبحث ليجدها. لكن هذا يفترض أنّ علينا بالدرجة الأولى أن نتعاطى من منطلق أنّ ثمّة إمكانات لحلّ الأزمات، بعيداً عن البحث عن كيفية الاستفادة السياسية والمناطقية والمالية من الحل! ولكن هل ثمة من جهة سياسية وصلت اليوم الى قناعة أنّ البد بات على حافة الانهيار، ما يستوجب اتخاذ خطوات غير مسبوقة للمعالجة ؟!

بغضّ النظر عن المنطلقات الايديولوجية أو العملية أو المشارب الفكرية المختلفة، قد يكون الأداء بعد 30 سنة من تحطيم الدولة المتواصل، دفع بالبعض الى القبول بأي حلّ. المشكلة أنّ هذا الـ “أي حلّ” المطروح، لا يقبل الجميع المضي فيه ! فسواء ذهبنا الى تحويل القطاع الى شراكة مع القطاع الخاص، على نظام الـ BOT، أو الى علاقة تشاركية حقيقية، لا على الطريقة اللبنانية حيث يصبح لكلّ قوة سياسية قطاعها الخاص الذي تلزّمه أو حيث تتفق القوى السياسية على شركة منظّمة (كما نرى اليوم في نموذجين كيف اتفق الجميع على جهة واحدة، باستثناء قوتين، واحدة رفضت الدخول في البازار، وقوة حاولت الدخول ولكن فشلت)، ثمّة مسؤولية تنظيمية على الدولة لوضع ضوابطها ومعاييرها. أمّا طروحات البنك الدولي القائلة بخصخصة القطاع بأي طريقة، فهي تنطلق من واقع أنّ كلفة الكهرباء المباشرة على خزينة الدولة تبلغ مليارين و200 مليون دولار سنوياً، وإذا رُفعت هذه الكلفة عن الخزينة وألقيت على عاتق الشعب اللبناني فهي لن تغيّر شيئاً. لهذا السبب، ثمّة ضرورة اليوم في البحث عن كيفية الوصول الى آلية انتاج كهرباء تخفّض فعلياً كلفة المليارين و200 مليون دولار.

 

روسيا والصين مستعدّتان.. ولبنان غارق في زواريب الصراعات الداخلية

هذا الحديث يعيدنا الى المربّع الأول. إذا كانت كل القوى السياسية اليوم تتخوّف من انهيار، فهذا يعني أنّها سلّمت أنّ النموذج الذي قام طوال السنوات الماضية كان نموذجاّ خاطئاً، وأوصلنا الى هذا الدرك، فهل يكون الحلّ اليوم على طريقة “داوني بالتي كانت هي الداء” ؟ هل يكون الحلّ باللجوء الى “سيدر” على نفس الآلية التي كانت قائمة ؟ هذه القوى السياسية التي تعجز اليوم عن الذهاب الى مناقصات حقيقية وترفض اللجوء الى دائرة المناقصات، لا بل تمعن تهميشاً بها، هل لديها قدرة فعلية على الذهاب الى علاقة تشاركية بين القطاعين العام والخاص، وهي العلاقة التي تلجأ لها الدول بعد أن تكون المناقصات لديها أمر مفروغ، وشأن إداري لا علاقة للسلطة السياسية به؟

علماً، أنّ مصادر عليمة تشير لـ”الاعمار والاقتصاد” أنّ “ثمة معلومات أكيدة تتحدّث عن توافق أولي على توزيع القطاعات بين القوى السياسية، وما يحصل اليوم ما هو إلّا خلاف نتج عن تبدّل أحجام القوى، بحيث ثمة من يحاول اليوم تعديل النسب المتفق عليها، بعيداً عن أي خلاف على المبدأ المتفق عليه سابقاً والذي لا علاقة له بإنقاذ البلاد أو الإصلاح”.

من جهة أخرى، لا يمكن لمن يتحدّث عن وصول البلاد الى شفير الانهيار ألّا يأخذ بعين الاعتبار وجود عرضٍ ايراني بالليرة اللبنانية لإنتاج الكهرباء. فإذا كنا امام شبح الانهيار، لا بدّ على الأقلّ من التفكير بهذا العرض، لكي تقوم القوى التي تمنعنا من الأخذ به، سواء كانت عربية خليجية أو أميركية أو اوروبية، بتقديم بدائل عنه، ولكن لا بدّ من وضع الموضوع على الطاولة على الأقل.

كذلك، فإن لبنان الذي ينوي أصلاً الدخول في الربط السداسي والسباعي، لو أجرى منذ عامين عملية توسيع الخطوط، لكان بإمكانه اليوم استجرار كهرباء من سوريا، أو من الأردن، أو من تركيا أو مصر، لكنّ رفض التعاطي مع الدولة السورية حتى الآن يكلّفنا أثماناً باهظة. علماً أنّ الاستجرار من أي بلد، لا بد أن يسبقه حديث مع سوريا التي ستمرّ الكهرباء عبرها لتصل لبنان !

كذلك، ثمّة كلام روسي اليوم عن استعداد لمساعدة لبنان في ما خصّ إنتاج الكهرباء وبناء معامل عصرية، علماّ أنّ مصادر واكبت زيارة الرئيس عون الى موسكو تؤكّد أنّ “الطرف اللبناني وافق في النقاشات على الاستثمارات الروسية في قطاع الطاقة في لبنان”، وهو أمر طبيعي بعد أن أصبح لهم يد في الغاز والنفط في لبنان. لمَ إذاً لا يتمّ التفكير بالعروض الروسية المتعلّقة بإنتاج الطاقة؟

بالإضافة الى كلّ ما سبق، فإنّ أكبر قوة على مستوى العالم في الاستثمار في قطاع الكهرباء اليوم هي الصين، وهي تقدّم مجموعة عروضات منها إمكانية تمويل لآفاق طويلة إما عبر علاقة تشاركية أو على صيغة الـ BOT، فلمَ النقاش الخاص بالخطة الوزارية يحيّد هذه العروض ولا يأخذها بعين الاعتبار، طالما نحن أمام انهيار محتمل؟

هذا الموضوع يشمل كافة المشروعات الضرورية كقطاع المياه وقطاع النقل ومشروع القطار، لا فقط قطاع الكهرباء. اليوم، وفي هذه الحالة، من استقرّ على أنّ أفضل شكل للخروج من الأزمة هو استدانة 11 مليار دولار عبر مؤتمر “سيدر”، والتخلّص من القطاع العام؟ من قرّر عدم الذهاب الى الـ BOT أو العلاقة التشاركية القادرة هذه المرة أن ترفد الدولة بمال على قاعدة الاستثمار لا الدين، طالما ثمة قوى عالمية، كروسيا والصين تحديداً،  على استعداد للاستثمار في لبنان؟ لمَ لم يجرِ البحث مع الهند التي تملك طاقة استثمارية هائلة والجاهزة للاستثمار في لبنان؟  طالما لا زال التفكير في لبنان منحصر في القالب عينه ووفق الطريقة ذاتها، لا يبدو أنّ ثمة إمكانية حقيقية لتجاوز الأزمات الحاصلة.

المشكلة الأكبر انّ السلطة مجتمعة تتصرّف كما لو أن لا مسؤولية عليها في اتخاذ قرارات إنقاذية في البلاد، لا بل ثمّة من لا زال يتصرّف كما لو أنّه في المعارضة علماً أنّه يشكلّ أساس الحكم اليوم، وهو مطالب قبل غيره بالقيام بمبادرات لا مجرّد التوصيف والقيام بردّات فعل !

ولعلّ الأطراف السياسية كلّها تتناسى أنّ هذا العجز والجدل المرافق له يلغي اليوم أي امكانية فعلية لاستقدام استثمارات خارجية أو داخلية، لكي تحاول هذه القوى نفسها أن تستثمر أو لتضع أجندتها الخاصة، وأكبر دليل على ذلك هو أنّ بعض المجموعات التي كانت مصمّمة على جعل لبنان مركزاً اقليمياً لها للانطلاق الى العراق وسوريا، بدأت اليوم إعادة حساباتها لأنّها كانت آتية الى لبنان بحجة التسهيلات المالية والمصرفية للانطلاق الى الخارج، والحديث اليوم عن انهيار في ظل الخلافات القائمة بين القوى السياسية جعلها تعود للتفكير بتحويل اتجاهها الى دبي، أو حتى الى العراق ليكون نقطة انطلاقتها بدلاً من لبنان.

بين العقوبات الأميركية وزيارة عون الى موسكو

من ناحية أخرى، تشير كافة المعطيات الى أنّه مع بداية شهر أيار المقبل سيبدأ تطبيق القرار الأميركي بمحاولة خنق قطاع النفط الايراني بشكل كامل. ويترافق ذلك مع كلام عن قرب توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقانون “قيصر” الذي عبر الكونغرس ومجلس الشيوخ وينتظر التوقيع النهائي عليه ليصبح نافذاً، بالاضافة الى التهديدات التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي بومبيو من بيروت حول موجة عقوبات جديدة ضدّ حزب الله.

أمام هكذا تحدّيات، ومستوىً غير مسبوق من الضغط، وأمام قلّة مسؤولية فاقعة لأطراف الحكم، ورغم اعتبار البعض أنّ الاستحقاقات هذه مؤقتة ربما لستة أشهر أو حتى مطلع العام المقبل قبل انفراجات متوقّعة، يبقى السؤال عن كيفية إدارة هذه الأزمات في ظلّ هكذا ضغوطات إضافية؟ هنا، يبان الفارق الكبير في لبنان بين نمط التحدّيات المقبلة، وبين طريقة المعالجة التي تنتهجها القوى السياسية!

خلال اللقاءات مع الأميركيين، شرح هؤلاء بوضوح موقفهم القائل بأنّ لبنان ممنوع أن تكون له حالياً علاقة طبيعية مع سوريا، كما ممنوع عليه المشاركة في ورشة إعادة الإعمار الآن. بين هذه المواقف الأميركية التي ترفض حتى اللحظة مساعدة لبنان كما ترفض السماح له بتلقّي المساعدة من جهات أخرى، وبين زيارة الرئيس عون الى روسيا التي شهدت تفاهمات ووعود كثيرة، وبين خيارات لبنان المتاحة، وبين زيارة الرئيس بري الى العراق والقادرة على فتح آفاق جديدة للتعاون، بات من الضروري تنسيق هذه الجهود بالوصول الى خيارات ملموسة، لا إبقائها ضمن الفضاء الإعلامي. والسؤال الجدي المطروح اليوم: لمَ لا زال لبنان حتى اليوم لم يفتح خطًّاً مع سوريا في ظلّ حديث جدي عن إمكانات للتعاون، من ضمن المتاح حاليا قبل صدور قانون “قيصر”، في المجال الاقتصادي والتجاري والإعماري.

كتب المحرر السياسي

يبدو أنّ الانفصام السياسي في البلد وصل لمرحلة غير مسبوقة، مترافقاً مع حفلة مزايدات عند الأطراف المكوّنة للحكومة لا تتوقف عند الحديث عن الانهيار، بل تصل الى كيفية توزيعه، بالإضافة الى موجة متصاعدة من الحديث عن “القرارات الموجعة” والقرارات “غير الشعبية”، وكأنّ ثمّة تسليم رسمي أنّ الانهيار أمر واقع.

محاولات التهويل هذه تجاوزت التهويل اللفظي لتُطرح  سيناريوهات لها علاقة بدور القطاع العام وسلسلة الرتب والرواتب، في محاولة للقول أنّ هذه القرارات لن تطال أساساً إلّا الناس، أي الحلقة الأضعف في النظام السياسي، وفي الاستفادة من كلّ ما حصل في البلد طوال الثلاث عقود الماضية. فكم نسبة سلّة الأجور، أو الإدارة العامة، بالمقارنة مع نسب الأرباح المجمّعة على فوائد الدين وتمويل العمل السياسي في البلد وعلى الصفقات العمومية وغير العمومية؟ فالهدر نفسه اليوم مستمرّ !

وعند الحديث عن الانفصام، الدليل الأبرز هو أنّ شركات محظية مملوكة لسياسيين أعفيت من دفع الضرائب على الأرباح لأكثر من عشرين عاماً كسوليدير، ومصارف أعطيت ما لا يمكن تخيّله من حوافز وهندسات وكلّ أنواع الدعم الممكن، يتبيّن اليوم أنّ ثمة محاولة لتقديم هديّة لها، على طاولة مجلس الوزراء، من خلال إعفاءات جديدة! فهل لأنّ هذه الشركات خالفت القانون تكرّم، بينما من التزم القانون يدفع الأثمان ؟!

فكيف يستقيم الحديث عن انهيار و”قرارات موجعة”، وفي الآن عينه يتّجهون لإهداء إعفاءات لشركات محظيّة بقيمة 115 مليون دولار؟ فهل من انفصام أكبر من هذا القائم ؟!

 

شعارات رنانة، لا مقاربات جدية

اليوم، انقضى شهران على تشكيل الحكومة، وتسعة أشهر سبقتها في مفاوضات التشكيل، أي مرّ تقريباً عام كامل منذ الانتخابات النيابية الماضية. منذ تشرين الأول من عام 2017، كان حديث المسؤولين ذاتهم أنّ الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد لن يتحمّل سوى عشرين يوماً الى شهر في الحدّ الأقصى قبل الانهيار. مرّ عام ونصف منذ ذاك التاريخ، و 11 شهراً منذ الانتخابات التي أعادت هؤلاء المسؤولين الى مراكز السلطة، ولا تزال اللغة هي ذاتها، بفارق أنّهم لم يقوموا بأي إجراء لتجنيب البلاد “الانهيار” المزعوم، بل جلّ ما فعلوه هو إطلاق شعارات رنّانة متعلّقة بمؤتمر “سيدر” وخطة “ماكينزي” وبيع أملاك الدولة، وصولاً الى كلامٍ بقي لفظياً عن مكافحة الفساد، في وقت بات الانغماس فيه كاملاً، الى أن وصلت البلاد اليوم الى نقطة أصبح فيها الوقت المتاح ربما غير كافٍ لتجنّب الكأس المرّة.

لكن، ورغم سوداوية المشهد، فالانطلاق من نقطة معيّنة لا زال قادراً أن يوصلنا الى برّ آمن. ولكن متى هذه الانطلاقة؟ فالواضح حتى اللحظة، أنّ الأطراف السياسية لا زالت لم تقتنع بضرورة البدء بتطبيق شعار مكافحة الفساد ومحاولة الإصلاح الحقيقي. على انّ عدم اقتناعهم بضرورة انطلاقة قطار الإصلاح أنّما يعود الى فلسفة ومقاربة خاصة بكلّ طرف سياسي، بينما يجمعهم التفاهم على مصالحهم التي يرفضون المساس بها.

 

الكهرباء: البحث في خطة أرسيت قواعدها قبل عقدين

في هذا السياق، أوّل سؤال يطرح فعلياً هو: إذا كان مكمن الهدر الأساسي مردّه الكهرباء، فهل من المعقول أنّه بعد 30 عاماً على انتهاء الحرب، وبعد إقرار القواعد الأساسية للخطة التي يجري نقاشها اليوم منذ العام 2000، وبعد 9 سنوات على إعادة وضعها بالشكل الذي هي عليه اليوم، فهل من المعقول أن نعود اليوم الى تشكيل لجان وزارية تبحث في الخطة نفسها، وتختلف ! فهل أنّ اللبنانيين يخترعون الكهرباء ؟!

الكهرباء في كلّ دول العالم هي إنتاج وتوزيع بالدرجة الأولى. فعلامَ الإختلاف؟ هل على المعايير التي يجب اعتمادها للحصول على طاقة رخيصة؟ فليصِر الى إقامة مناقصات دولية واستدراج عروض دولي وفق معايير عالية ليتبيّن أي الحلول هو الأوفر !

وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة الى أنّ حجم المتغيّرات في قطاع الطاقة، ما بين العام 2000، والعام 2010 تاريخ وضع الخطة بشكلها الحالي، وبين الوقت الحالي، هو حجم كبير جداً، حيث بات إنشاء المعامل يحتاج الى وقت أقلّ بكثير، كما أدّت المتغيّرات الى هبوط كلفة إنتاج الميغاوات في العالم بشكل هائل !

من جهة أخرى، لا بدّ من السؤال اليوم: هل نحتاج فعلاً الى معامل على الغاز؟ ثمّة أمكانية حالياً لتغطية لبنان كلّه بالاعتماد على معامل قائمة على الطاقة الشمسية، علماً أنّه، ضمن المساحات الممكنة والمتاحة في لبنان، ثمة امكانية فعلية وحقيقية أن تبدأ هذه المعامل بإنتاج الطاقة خلال ستّة أشهر كحدّ أقصى ! ثمة قدرة إذاً على بناء معمل يقوم على الطاقة الشمسية بقوة 2000 ميغاواط بحيث ينتج بطاقته القصوى خلال 6 أشهر، هو حكماً أوفر وأسرع من إنشاء معامل حرارية وغازية ! هذا الحديث ليس كلاماً في الهواء، بل هو نتيجة نقاشات مطوّلة وعروض ملموسة مقدّمة من شركات قادرة على الالتزام به.
في حال أراد أحدهم البحث عن حلول فعلية، فهذا أحد هذه الحلول. وهذه التقنيات باتت اليوم موجودة في العالم، ما على الإنسان إلّا أن يبحث ليجدها. لكن هذا يفترض أنّ علينا بالدرجة الأولى أن نتعاطى من منطلق أنّ ثمّة إمكانات لحلّ الأزمات، بعيداً عن البحث عن كيفية الاستفادة السياسية والمناطقية والمالية من الحل! ولكن هل ثمة من جهة سياسية وصلت اليوم الى قناعة أنّ البد بات على حافة الانهيار، ما يستوجب اتخاذ خطوات غير مسبوقة للمعالجة ؟!

بغضّ النظر عن المنطلقات الايديولوجية أو العملية أو المشارب الفكرية المختلفة، قد يكون الأداء بعد 30 سنة من تحطيم الدولة المتواصل، دفع بالبعض الى القبول بأي حلّ. المشكلة أنّ هذا الـ “أي حلّ” المطروح، لا يقبل الجميع المضي فيه ! فسواء ذهبنا الى تحويل القطاع الى شراكة مع القطاع الخاص، على نظام الـ BOT، أو الى علاقة تشاركية حقيقية، لا على الطريقة اللبنانية حيث يصبح لكلّ قوة سياسية قطاعها الخاص الذي تلزّمه أو حيث تتفق القوى السياسية على شركة منظّمة (كما نرى اليوم في نموذجين كيف اتفق الجميع على جهة واحدة، باستثناء قوتين، واحدة رفضت الدخول في البازار، وقوة حاولت الدخول ولكن فشلت)، ثمّة مسؤولية تنظيمية على الدولة لوضع ضوابطها ومعاييرها. أمّا طروحات البنك الدولي القائلة بخصخصة القطاع بأي طريقة، فهي تنطلق من واقع أنّ كلفة الكهرباء المباشرة على خزينة الدولة تبلغ مليارين و200 مليون دولار سنوياً، وإذا رُفعت هذه الكلفة عن الخزينة وألقيت على عاتق الشعب اللبناني فهي لن تغيّر شيئاً. لهذا السبب، ثمّة ضرورة اليوم في البحث عن كيفية الوصول الى آلية انتاج كهرباء تخفّض فعلياً كلفة المليارين و200 مليون دولار.

 

روسيا والصين مستعدّتان.. ولبنان غارق في زواريب الصراعات الداخلية

هذا الحديث يعيدنا الى المربّع الأول. إذا كانت كل القوى السياسية اليوم تتخوّف من انهيار، فهذا يعني أنّها سلّمت أنّ النموذج الذي قام طوال السنوات الماضية كان نموذجاّ خاطئاً، وأوصلنا الى هذا الدرك، فهل يكون الحلّ اليوم على طريقة “داوني بالتي كانت هي الداء” ؟ هل يكون الحلّ باللجوء الى “سيدر” على نفس الآلية التي كانت قائمة ؟ هذه القوى السياسية التي تعجز اليوم عن الذهاب الى مناقصات حقيقية وترفض اللجوء الى دائرة المناقصات، لا بل تمعن تهميشاً بها، هل لديها قدرة فعلية على الذهاب الى علاقة تشاركية بين القطاعين العام والخاص، وهي العلاقة التي تلجأ لها الدول بعد أن تكون المناقصات لديها أمر مفروغ، وشأن إداري لا علاقة للسلطة السياسية به؟

علماً، أنّ مصادر عليمة تشير لـ”الاعمار والاقتصاد” أنّ “ثمة معلومات أكيدة تتحدّث عن توافق أولي على توزيع القطاعات بين القوى السياسية، وما يحصل اليوم ما هو إلّا خلاف نتج عن تبدّل أحجام القوى، بحيث ثمة من يحاول اليوم تعديل النسب المتفق عليها، بعيداً عن أي خلاف على المبدأ المتفق عليه سابقاً والذي لا علاقة له بإنقاذ البلاد أو الإصلاح”.

من جهة أخرى، لا يمكن لمن يتحدّث عن وصول البلاد الى شفير الانهيار ألّا يأخذ بعين الاعتبار وجود عرضٍ ايراني بالليرة اللبنانية لإنتاج الكهرباء. فإذا كنا امام شبح الانهيار، لا بدّ على الأقلّ من التفكير بهذا العرض، لكي تقوم القوى التي تمنعنا من الأخذ به، سواء كانت عربية خليجية أو أميركية أو اوروبية، بتقديم بدائل عنه، ولكن لا بدّ من وضع الموضوع على الطاولة على الأقل.

كذلك، فإن لبنان الذي ينوي أصلاً الدخول في الربط السداسي والسباعي، لو أجرى منذ عامين عملية توسيع الخطوط، لكان بإمكانه اليوم استجرار كهرباء من سوريا، أو من الأردن، أو من تركيا أو مصر، لكنّ رفض التعاطي مع الدولة السورية حتى الآن يكلّفنا أثماناً باهظة. علماً أنّ الاستجرار من أي بلد، لا بد أن يسبقه حديث مع سوريا التي ستمرّ الكهرباء عبرها لتصل لبنان !

كذلك، ثمّة كلام روسي اليوم عن استعداد لمساعدة لبنان في ما خصّ إنتاج الكهرباء وبناء معامل عصرية، علماّ أنّ مصادر واكبت زيارة الرئيس عون الى موسكو تؤكّد أنّ “الطرف اللبناني وافق في النقاشات على الاستثمارات الروسية في قطاع الطاقة في لبنان”، وهو أمر طبيعي بعد أن أصبح لهم يد في الغاز والنفط في لبنان. لمَ إذاً لا يتمّ التفكير بالعروض الروسية المتعلّقة بإنتاج الطاقة؟

بالإضافة الى كلّ ما سبق، فإنّ أكبر قوة على مستوى العالم في الاستثمار في قطاع الكهرباء اليوم هي الصين، وهي تقدّم مجموعة عروضات منها إمكانية تمويل لآفاق طويلة إما عبر علاقة تشاركية أو على صيغة الـ BOT، فلمَ النقاش الخاص بالخطة الوزارية يحيّد هذه العروض ولا يأخذها بعين الاعتبار، طالما نحن أمام انهيار محتمل؟

هذا الموضوع يشمل كافة المشروعات الضرورية كقطاع المياه وقطاع النقل ومشروع القطار، لا فقط قطاع الكهرباء. اليوم، وفي هذه الحالة، من استقرّ على أنّ أفضل شكل للخروج من الأزمة هو استدانة 11 مليار دولار عبر مؤتمر “سيدر”، والتخلّص من القطاع العام؟ من قرّر عدم الذهاب الى الـ BOT أو العلاقة التشاركية القادرة هذه المرة أن ترفد الدولة بمال على قاعدة الاستثمار لا الدين، طالما ثمة قوى عالمية، كروسيا والصين تحديداً،  على استعداد للاستثمار في لبنان؟ لمَ لم يجرِ البحث مع الهند التي تملك طاقة استثمارية هائلة والجاهزة للاستثمار في لبنان؟  طالما لا زال التفكير في لبنان منحصر في القالب عينه ووفق الطريقة ذاتها، لا يبدو أنّ ثمة إمكانية حقيقية لتجاوز الأزمات الحاصلة.

المشكلة الأكبر انّ السلطة مجتمعة تتصرّف كما لو أن لا مسؤولية عليها في اتخاذ قرارات إنقاذية في البلاد، لا بل ثمّة من لا زال يتصرّف كما لو أنّه في المعارضة علماً أنّه يشكلّ أساس الحكم اليوم، وهو مطالب قبل غيره بالقيام بمبادرات لا مجرّد التوصيف والقيام بردّات فعل !

ولعلّ الأطراف السياسية كلّها تتناسى أنّ هذا العجز والجدل المرافق له يلغي اليوم أي امكانية فعلية لاستقدام استثمارات خارجية أو داخلية، لكي تحاول هذه القوى نفسها أن تستثمر أو لتضع أجندتها الخاصة، وأكبر دليل على ذلك هو أنّ بعض المجموعات التي كانت مصمّمة على جعل لبنان مركزاً اقليمياً لها للانطلاق الى العراق وسوريا، بدأت اليوم إعادة حساباتها لأنّها كانت آتية الى لبنان بحجة التسهيلات المالية والمصرفية للانطلاق الى الخارج، والحديث اليوم عن انهيار في ظل الخلافات القائمة بين القوى السياسية جعلها تعود للتفكير بتحويل اتجاهها الى دبي، أو حتى الى العراق ليكون نقطة انطلاقتها بدلاً من لبنان.

بين العقوبات الأميركية وزيارة عون الى موسكو

من ناحية أخرى، تشير كافة المعطيات الى أنّه مع بداية شهر أيار المقبل سيبدأ تطبيق القرار الأميركي بمحاولة خنق قطاع النفط الايراني بشكل كامل. ويترافق ذلك مع كلام عن قرب توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقانون “قيصر” الذي عبر الكونغرس ومجلس الشيوخ وينتظر التوقيع النهائي عليه ليصبح نافذاً، بالاضافة الى التهديدات التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي بومبيو من بيروت حول موجة عقوبات جديدة ضدّ حزب الله.

أمام هكذا تحدّيات، ومستوىً غير مسبوق من الضغط، وأمام قلّة مسؤولية فاقعة لأطراف الحكم، ورغم اعتبار البعض أنّ الاستحقاقات هذه مؤقتة ربما لستة أشهر أو حتى مطلع العام المقبل قبل انفراجات متوقّعة، يبقى السؤال عن كيفية إدارة هذه الأزمات في ظلّ هكذا ضغوطات إضافية؟ هنا، يبان الفارق الكبير في لبنان بين نمط التحدّيات المقبلة، وبين طريقة المعالجة التي تنتهجها القوى السياسية!

خلال اللقاءات مع الأميركيين، شرح هؤلاء بوضوح موقفهم القائل بأنّ لبنان ممنوع أن تكون له حالياً علاقة طبيعية مع سوريا، كما ممنوع عليه المشاركة في ورشة إعادة الإعمار الآن. بين هذه المواقف الأميركية التي ترفض حتى اللحظة مساعدة لبنان كما ترفض السماح له بتلقّي المساعدة من جهات أخرى، وبين زيارة الرئيس عون الى روسيا التي شهدت تفاهمات ووعود كثيرة، وبين خيارات لبنان المتاحة، وبين زيارة الرئيس بري الى العراق والقادرة على فتح آفاق جديدة للتعاون، بات من الضروري تنسيق هذه الجهود بالوصول الى خيارات ملموسة، لا إبقائها ضمن الفضاء الإعلامي. والسؤال الجدي المطروح اليوم: لمَ لا زال لبنان حتى اليوم لم يفتح خطًّاً مع سوريا في ظلّ حديث جدي عن إمكانات للتعاون، من ضمن المتاح حاليا قبل صدور قانون “قيصر”، في المجال الاقتصادي والتجاري والإعماري.

Share This

Share This

Share this post with your friends!