كي لا يكون الرقم وجهة نظر

السوريون ينظرون بقلق بالغ إلى النتائج المدمرة التي خلفتها الأزمة السورية، التي تحولت، بعد التدخل الأجنبي المتعدد الأشكال، من حركة احتجاجات سلمية إلى حرب خاضتها المجموعات الإرهابية الإقصائية، الآتية من الكهوف السوداء، ضد سورية دولةً وكياناً، يضم نسيجاً اجتماعياً ودينياً متنوعاً ومتآلفاً، مدعومة من تحالف دولي تزعمته الإمبريالية الأميركية وشركاؤها الأوروبيون، وحكام النفط والعثمانيون الجدد. هذا القلق متشعب بتشعب الأضرار المرشحة للتفاقم مادام النزيف مستمراً، ومادامت أعمال التخريب والهدم هدفاً للمجموعات الإرهابية، ويتحول القلق إلى تخوف جدّي كلما تضاءلت فرص الحلول السياسية، خاصة بعد افتضاح السياسة الأمريكية (البهلوانية) التي تسوّق للحلول السياسية قولاً، لكنها تدعم فعلياً المنظمات الإرهابية الإقصائية في السر والعلن، في سياق تنفيذ مخططها الرامي إلى إنشاء شرق أوسط جديد، يحقق استمرار هيمنتها على ثروات المنطقة، ويحابي أطماع الصهيونية في التوسع ضمن النسيج العربي، بتسهيل من حكام السعودية، خاصة بعد الرحلة التي قام بها (ترامب) إلى الرياض، وعاد منها محملاً بالمليارات، وبزعامة مطلقة لحلف إسلامي دولي جديد.

لن ندخل في تفاصيل الأسباب التي أدت إلى نشوب الأزمة، وغزو الإرهاب، لكننا نوضح هنا أن حزمة من العوامل الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومخططات خارجية، لتشكيل شرق أوسط جديد، محابٍ لأطماع الولايات المتحدة وشركائها الأوربيين في المنطقة، ومساير لسعي الكيان الصهيوني للتغلغل في المنطقة العربية، واستغلال حالة الانقسام العربي، شكلت العامل الأبرز لاندلاع هذه الأزمة، ولسنوات الجمر السبع التي بدأت منذ عام 2011، وأدت إلى تهدم الحجر، وإحراق الشجر، ومعاناة مرهقة ومتشعبة للبشر.

وتلوح في الأفق اليوم، بعد النجاحات التي أحرزها الجيش السوري في مكافحة التنظيمات الإرهابية، وبعد لقاءات أستانا وجنيف، ونتيجة لتفاهمات روسية وأمريكية، إمكانية وقف الأعمال القتالية (عدا داعش والنصرة)، واللجوء إلى الحوار بهدف التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، وشهدت البلاد بعد تحديد مناطق تخفيف التصعيد، واستمرار الهدوء حالة من الاستقرار، وهذا ما سبب اتساع مساحات التفاؤل بين السوريين، ودفعهم إلى بدء التفكير في مرحلة ما بعد الأزمة.

خلال سنوات الأزمة والغزو الإرهابي، لم يهدأ السجال بين السوريين حول أهمية الاستفادة مما جرى، وضرورة توافق السوريين بجميع مكوناتهم، السياسية والاجتماعية والإثنية، على سبل بناء مستقبل سورية الديمقراطي، الخالي من الإرهاب، وفكره الإقصائي، وطرحت بعض الاقتراحات لمحاربة الفكر الإرهابي، لكنها بقيت في إطار العموميات، وركزت على بعض الإجراءات، دون التطرق إلى الأساس الاقتصادي والاجتماعي، الذي سمح بوجود بيئات تتحول شيئاً فشيئاً إلى حواضن اجتماعية لنمو الأفكار المستندة إلى الإرهاب بجميع أشكاله،تمدّه بالقوة المادية البشرية لتحقيق أغراضه المعادية لتطلعات أكثرية فئات المجتمع.

ونعتقد أن المكافحة الجديّة للفكر الإرهابي يجب أن تستند إلى معالجة العوامل التي سمحت بوجود هذه البيئات والحواضن، ودون ذلك ستبقى مكافحة الإرهاب مجرد دراسة هنا، ومقالة هناك، وندوة يهتم بها عدد محدود من المثقفين.

سنحاول هنا تأكيد العلاقة المتداخلة بين فقدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة، ونمو العوامل التي تؤدي إلى انتشار الفكر الإرهابي، وأي فكر إقصائي آخر، وذلك استناداً إلى مراجعة سريعة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بادئين بمرور سريع على مفهوم الإرهاب، وأشكاله، بالاعتماد على الأحداث السورية بالدرجة الأولى.

أولاً- مفهوم الإرهاب

الإرهاب الفردي المستخدم من قبل أفراد بمواجهة أفراد آخرين معروف في المجتمعات الإنسانية، لأسباب متعددة، أهمها الحصول على منافع بالقوة، أما الإرهاب المنظم فهو سلوك جماعي منظم يهدف إلى فرض العقائد والأفكار والسياسات، عن طرق الإكراه والقوة والقتل، وهو سلوك قديم، اتخذ أشكالاً متعددة، لكنها جميعاً تأخذ طابعاً واحداً، هو تحدّي القوانين والأعراف وإرادة الأكثرية، من قبل الأقلية، باستخدام القوة، أما أشد أنواع الإرهاب معاداة للإنسانية فهو الإرهاب وقد تحول إلى نهج دولة، كما في السلوك الإرهابي للكيان الصهيوني، الذي لم يكتفِ بتشريد ملايين الفلسطينيين، بل عمد إلى تدمير الحجر، وإحراق الشجر، وتحويل المناطق الفلسطينية إلى سجن كبير.

السمات الخاصة للمجتمعات الشرقية أظهرت ارتباط الإرهاب بفرض العقائد الدينية بالقوة، لكنها في مجتمعات أخرى اتخذت منحى فرض العقائد الفكرية والسياسية، كما في إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، والمظهر الأكثر دلالة على السلوك الإجرامي الفظيع للمنظمات الإرهابية، ظهر في الغزو الإرهابي لسورية، الذي حظي بدعم وتشجيع ومساندة من قوى التحالف المعادي لسورية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومشاركة الدول الأوربية وحكام النفط الخليجيين وتركيا أردوغان.

هنا اندمجت مصالح المنظمات الإرهابية التي اتخذت العقائد الدينية ستاراً، مع المصالح السياسية والاقتصادية لهذا التحالف، من أجل فرض واقع إقليمي جديد، يستجيب لمصالح الطرفين، عن طريق الغزو الإرهابي المنظم.

ورغم الشكل (الجهادي) الذي حاولت المنظمات الإرهابية إضفاءه على غزوها لسورية، فإن الوقائع أظهرت بطلان هذه الواجهة المرتبطة بالدين الإسلامي، بعد إدراك الكثيرين، ممن خُدعوا بداية، الطبيعة الإجرامية لحربهم في سورية، خاصة بعد استقدام مجموعات المرتزقة من جميع البلدان، هذه المجموعات التي لا علاقة لها لا بالدين الإسلامي، ولا بالجهاد، بل تبحث عن المال، وإرواء عطشها للدماء، وهذا ما يفسر القسوة والهمجية التي اتسمت بها جرائم الإرهابيين في سورية، والتي لم تعرف البشرية مثيلاً لها في التاريخ المعاصر.

كشف تقرير أعدّته الأمم المتحدة في سورية، ونشر منذ أسابيع، أن معظم المقاتلين الشباب الذين يغادرون بلادهم من أجل الانضمام لصفوف الجماعات (الإرهابية) في سورية (مبتدئين) في دينهم، وكشف التقرير أن (معظم الشباب الذين يغادرون منازلهم للقتال من أجل الجماعات الإرهابية في سورية مهمشون اجتماعياً وسياسياً، ومستوى تعليمهم منخفض، ويفتقرون إلى أي فهم أساسي للمعنى الحقيقي للجهاد، أو حتى للعقيدة الإسلامية).

معدو التقرير استندوا في تقريرهم إلى مقابلات أجريت مع 43 شخصاً من 12 بلداً، وكانت (رؤية معظمهم عن الدين من حيث العدالة والظلم، وليس من حيث التقوى والروحانية)، وبحسب التقرير، فإن ثلاثة أرباع الأشخاص الذين جرت مقابلتهم في سورية، قرروا العودة إلى بلادهم، واعتُرض بعضهم من قبل حكوماتهم، وأسند إجراء تلك الحوارات مع المقاتلين إلى البروفيسور حامد السعيد، من جامعة (مانشستر متروبوليتان)، والخبير في شؤون (الإرهاب) ريتشارد باريت، وقد جرت تلك المقابلات داخل السجون، أو تحت إجراءات أمنية مشددة.

وأشار التقرير إلى أن (غالبية المقاتلين الذين جرت مقابلتهم، والذين حاولوا الالتحاق بالعديد من التنظيمات المتشددة، مثل داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام، ينتمون إلى أسر كبيرة في مناطق مختلفة ومتفرقة من العالم، ولكن ما جمعهم هو الانعزال عن التيار الاجتماعي والاقتصادي والنشاط السياسي).

وأكدت الدراسة أن (العامل الديني يؤدي دوراً ضئيلاً في تحفيز الشباب للالتحاق بالتنظيمات المسلحة، وأن العامل الاقتصادي أسهم بشكل أكبر في جذب الملتحقين بالتنظيمات المذكورة، التي أغرتهم بالرواتب والمنازل والزوجات)، وأفادت الدراسة بأن معظم الوثائق المُسربة من تنظيم داعش تشير إلى أن معظم المقاتلين معرفتهم سطحية بالشريعة الإسلامية. (1)

الإرهاب الاقتصادي

الإرهاب والإكراه لا يقتصران على استخدام القوة والسلاح، بل في كثير من الأحيان يأتي إرهاب المتحكمين بالاقتصاد العالمي أشد ضرراً على الشعوب والحكومات المعارضة لسيطرة (القِطع الكبيرة) على التبادل العالمي للمنتجات.

يقول جون (وهو مزارع أمريكي): قررت استخدام البذار الخاص بي، وقمت بتخزينه في مزرعتي، لكن مراقبي الشركة المنتشرين في أنحاء الولايات المتحدة، وبتفويض من القوانين الأمريكية، دخلوا إلى المزرعة وصادروا البذار، ولا بديل أمامي سوى استخدام بذار الشركة، أما والتر ديك، فيستعيد ما حصل لأحد أصدقائه عندما تحدى الشركة واستخدم بذاره الخاص في زراعة الصويا، بقي المحصول مخزناً في المزرعة، فما من مشتر يتجرأ على تحدي قرارات الشركة.

في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبعد إثارة الصحافة الأمريكية لمسألة علف الأبقار المعالج هرمونياً، ذكرت مقدمة البرامج الشهيرة أوبرا وينفري في إحدى حلقات برامجها، بأنها ستستغني عن شريحة لحم البقر بعد الآن، لكنها لم تدرك أن تصريحها هذا سيرتب عليها المثول أمام القضاء الأمريكي بادعاء من الشركة، بتهمة الإساءة إلى سمعتها مما أدى إلى انخفاض مبيعات لحم البقر في الولايات المتحدة، وقد تطلب الأمر من أوبرا أربع سنوات، ومليون دولار كأتعاب للمحامين، لتتبين المحكمة براءتها من هذه التهمة. (2)

إنها شركة مونسانتو العملاقة المسيطرة على تقنيات الزراعة الحديثة، والهندسة الجينية الزراعية في العالم، ذات الأذرع الأخطبوطية الممتدة حتى إلى حقول إفريقيا، وسواحل الفلبين!

ثانياً – البيئات الحاضنة للفكر الإرهابي

كانت تجمعات الفئات الفقيرة العاطلة عن العمل على الدوام، هي الحاضن الرئيسي للإرهاب الفردي والمنظم، وكانت التنظيمات الإرهابية تنطلق من مدن الصفيح التي كانت تزنّر المدن الكبرى في العديد من الدول، في أوربا وأمريكا الجنوبية واللاتينية، وظهرت كردّ فعل على فقدان الأمان المجتمعي، وزيادة نسبة الفقر والبطالة في هذه التجمعات.

في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، أدت السياسات الاقتصادية والاجتماعية الموجهة إلى تحسين الأوضاع في الأرياف والمدن الصغيرة، وخاصة في جزيرة (صقلية)، إلى تراجع عمليات عصابات القتل والتهريب، وتحولت بعض هذه المناطق إلى تجمعات صناعية وزراعية هامة، أما في البرازيل، خلال فترة حكم الرئيس دي سيلفا، فقد جرت معالجة أوضاع السكان الفقراء في بعض المدن الصغيرة التي تحيط بسان باولو وريو دي جانيرو، وكانت النتيجة تراجع الكثير من أعمال العنف والخطف والإرهاب في هاتين المدينتين.

من مراجعة التجربة السورية مع المنظمات الإرهابية، يتبين لنا أن الحاضن الاجتماعي للإرهاب الذي تستّر بالعقائد الدينية، كان يتركز ضمن الأحياء الأكثر فقراً في المدن، لكن البيئة الأكثر اتساعاً كانت في أرياف المدن الكبرى، خاصة الأرياف التي شهدت تهميشاً من قبل الحكومات المتعاقبة منذ ما بعد الاستقلال حتى يومنا هذا، وخاصة في المنطقة الشرقية والشمالية، والسبب هنا يبدو واضحاً، فالمنظمات الإرهابية كانت تستغل الفقر والبطالة والتخلف لتطرح مشروعها(الجهادي) من أجل العدالة ورد الظلم، أمام مجموعة كبيرة من الناس المؤمنين البسطاء، وربما اليائسين من عدالة الأنظمة السياسية، وبالطبع فإن هذا لا يعني بالضرورة عدم وجود مؤيدين وأتباع للفكر الإرهابي في المدن الكبرى، بل وفي الأحياء الأكثر ثراء ضمن هذه المدن.

جاء في تقرير الفقر متعدد الأبعاد في سورية بين أعوام 2001و2009، الذي صدر في عام 2014، ضمن خطة التعاون بين المكتب المركزي للإحصاء، وهيئة تخطيط الدولة في سورية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أن نتائج دليل الفقر على مستوى المحافظات كانت متباينة، وكانت المناطق الشرقية والشمالية، وإلى حد أقل ريف دمشق في المنطقة الجنوبية، تضم أعلى نسبة ممن يعانون الفقر في عام 2009.

مؤشرات اجتماعية

لقد انتشر الفقر بشكل عام في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية، وبلغت نسبته 62% في المناطق الريفية، وارتفعت معدلات الفقر وعمقه وحدّته في الإقليم الشمالي الشرقي (إدلب- حلب- الرقة- دير الزور- الحسكة)، وبينت الدراسة المعدة من قبل برنامج الأمم المتحدة، بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة والمكتب المركزي للإحصاء عام 2004، أن نسبة 11.4% من إجمالي عدد السكان لم يتمكنوا من الحصول على حاجاتهم الأساسية الغذائية وغير الغذائية، كما أن نسبة 30% من السكان أي ما يعادل 5.3 ملايين شخص لم يتمكنوا من تأمين احتياجاتهم الغذائية وغير الغذائية، وتشير التقديرات الواردة في هذه الدراسة إلى أن (ما يقارب 19% من السوريين معرضون لفترةٍ عابرةٍ من الفقر على أقل تقدير). (3)

في عام 2007، أجرت الهيئة السورية لشؤون الأسرة، بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق مسحاً من خلال استطلاع آراء 1400 عائلة تنتمي إلى جميع محافظات القطر، وكانت نتائج المسح على الشكل التالي:

1 – انخفاض الأجور، إذ تبيّن أن 48% من الأسر السورية لا يتجاوز دخلها 15 ألف ليرة سورية، ويتجاوز دخل 31% من الأسر 20 ألفاً، أما نسبة الأسر التي يقل دخلها عن 5000 ليرة، فبلغت نسبتها 4.5%، ويترافق انخفاض الأجور مع ارتفاع نسبة الإعالة، فكل عامل لقاء أجر مسؤول عن إعالة ثلاثة أشخاص آخرين.

2 – احتلت مشكلة ارتفاع الأسعار المرتبة الأولى بين مشاكل الأسرة السورية، تليها مشكلة الديون المتراكمة، ثم جاءت مشكلات زيادة الضرائب، وارتفاع قيمة الفواتير الشهرية، وارتفاع كلفة العلاج في المشافي والعيادات الخاصة.

3 – وتتّبع الأسر السورية الأساليب التالية للتعامل مع الظروف الاقتصادية:

أ- 81.9% من الأسر تلجأ إلى ترشيد الاستهلاك الدائم.

ب- 70% تتبع أسلوب الاستدانة من الآخرين.

ج- 55.7% تلجأ إلى العمل الإضافي لتحسين الدخل.

د-49.1% تقوم باستهلاك مدخراتها.

و- 56.2% تتأخر بسداد الالتزامات المالية، كأجرة المنزل والأقساط والفواتير والديون.

ط- 46.5% تعتمد على حرمان أفرادها من بعض الحاجات كالتعليم والسكن اللائق مراعاة للظروف الاقتصادية.

ز- 32.8% تلجأ إلى بيع الممتلكات الثمينة.

معاناة الأسر السورية ازدادت منذ عام 2007، حتى عام 2011، إذ شهد عام 2008 ارتفاعاً لأسعار المواد والسلع الضرورية لمعيشة هذه الأسر، بلغت نسبته نحو60%، إضافة إلى زيادة عدد المتعطلين عن العمل، واتساع بؤر الفقر، وتراجع الإنتاج الزراعي، وهو النشاط الرئيسي لغالبية السكان، كما شهدت الشهور المنصرمة من عام 2009، تأثر البلاد بتداعي الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عقر دار الرأسمالية الأمريكية في 15/9/2008، وما خلفته تلك التداعيات من انخفاض للصادرات السورية، وإغلاق لعدد من المصانع، وتراجع للاستثمارات الخاصة، وانخفاض لتحويلات السوريين من الخارج.

وبكلمة أخرى، فإن معاناة الأسر السورية تضاعفت حسب اعتقادنا، قياساً بالفترة التي أُجري فيها المسح المذكور.

قبل بداية الأزمة السورية، وفي عام 2010 بالتحديد، طرحت هيئة تخطيط الدولة مشروعاً لتطوير أفقر 100 قرية في البلاد، تتوزع على المناطق الشرقية والشمالية، وتشترك بمؤشرات مرعبة، إذ تبلغ فيها نسبة البطالة نحو90%، ونسبة الفقر 80%، ونسبة الأمية نحو75%، لكن هذا المشروع لم يكتب له الاستمرار، ولا نعلم مصيره.

في قلب الأزمة

واجهت بلادنا الأزمة بهياكل اقتصادية منهكة، وقطاع صناعي وخدمي ضعيف ومتخلف، إثر عقد من الزمن سادت فيه رؤية اقتصادية نيوليبرالية همّشت الاقتصاد الحقيقي وحفزت القطاعات الريعية، فتوقفت العديد من المصانع والمعامل والورش الخاصة، وفرضت قوى التحالف المعادي لسورية حصاراً اقتصادياً أدى إلى فقدان مستلزمات إنتاج الصناعات السورية، وغذاء المواطن السوري ودوائه، وصار الأمن الغذائي للبلاد مهدداً، بعد تراجع الإنتاج الزراعي، وتراجع سعر صرف الليرة السورية مقارنة بالقطع الأجنبي، وارتفعت أسعار جميع السلع والخدمات بنسب تراوحت بين 100 و900%، وفقد نحو3 ملايين مواطن فرص عملهم، وارتفعت نسبة البطالة إلى نحو58%، وازداد عدد الفقراء والمهجرين، وتوقفت المشاريع الاستثمارية، وجرى تدمير إرهابي ممنهج للبنية التحتية، كقطاعات الكهرباء والمياه وسكك الحديد والمنشآت الصناعية وآبار النفط والجسور والطرق الدولية.

وحسب المصادر الحكومية والخاصة، فقد بلغ مجمل الخسائر التي تسببت بها الأزمة، من دون الأخذ بالحسبان خسائر المواطنين، نحو350 مليار دولار.

خسائر مؤلمة

معاون وزير الإدارة المحلية صرح مؤخراً بأن قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة في سورية حتى نهاية عام 2016، تقدر بنحو360 تريليون ليرة سورية (الدولار يعادل حوالي 500 ليرة) في حين تقدر الأضرار غير المباشرة بـ 540 تريليون ليرة سورية.

لم ينتهِ حتى الآن حصر الخسائر النهائية للقطاع الصناعي، وذلك بسبب استمرار الأزمة والأعمال المسلحة، ما يعني عدم تمكّن الجهات المعنية العامة والخاصة من الوصول إلى عدد غير قليل من المنشآت الصناعية لحصر الأضرار التي لحقت بها، ولذلك فإن خسائر القطاع الصناعي المعلنة حالياً نتيجة هذه الأزمة هي أرقام أولية، وحسب ما أعلنته وزارة الصناعة، بلغت خسائر القطاع الصناعي لغاية الربع الأول من عام 2017 نحو905 مليارات ليرة سورية.

الأزمة دفعت الرساميل إلى الهجرة خارج سورية، فأدخل السوريون أكثر من مليار دولار إلى الأردن، وسجّلت فيه أكثر من 500 شركة سورية، كما بلغت الأموال السورية التي دخلت إلى لبنان نحو11 مليار دولار، وظّف منها فقط مليار دولار في النشاط الاقتصادي اللبناني (4)

لقد بلغ عدد الشركات السورية التي تأسست في مصر 365 شركة في عام 2012 فقط، ونعتقد أن عددها ارتفع بعد ذلك، وانتقل 80 مصنعاً سورية إليها، وتقدر الاستثمارات السورية في مصر بنحو مليارَيْ دولار.

أما الصناعة النفطية فقد بلغت خسائرها، حسب أرقام وزارة النفط السورية، نحو66 مليار دولار بسبب الأزمة والحرب.

الأزمة على الصعيد الاجتماعي

1ـ ارتفعت أسعار جميع السلع والمنتجات الحيوانية والنباتية والحبوب والأدوات المنزلية والمحروقات بنحو 5 أضعاف، حسب دراسة لغرفة تجارة دمشق، لكنها ارتفعت بعد ذلك إلى نحو7 أضعاف.

2ـ خسرت القوى العاملة ما يقارب مليوني فرصة عمل، وارتفع معدل البطالة إلى نحو62%.

3ـ انضم نحو5 ملايين مواطن إلى خانة الفقر، منهم نحو3 ملايين مواطن في حالة أقرب إلى الفقر المدقع.

4ـ تراجع الأجور الحقيقية والدخول لجميع العاملين في الدولة والقطاع الخاص قياساً إلى ارتفاعات الأسعار المستمرة، في حين بلغ متوسط الإنفاق الشهري للعائلة السورية قبل الأزمة- حسب دراسات الهيئة السورية لشؤون الأسرة- 30 ألف ليرة سورية، فقد ارتفع خلال هذه الأزمة بنسبة 500%، أما الأجور التي طرأ عليها زيادة حكومية فلم يتجاوز متوسطها في القطاع العام 20 ألف ليرة سورية، وفي القطاع الخاص 15 ألف ليرة سورية.

5ـ بلغ عدد من هاجروا من سورية نحو4 ملايين مواطن، ونصف مليون من المقيمين.

6ـ استغل تجار الأزمات وأثرياء الحروب وبعض المحتكرين من التجار والسماسرة، والمضاربين بالعملة والأسواق السوداء، استغلوا الأوضاع السائدة خلال الأزمة، فمارسوا أشكالاً متعددة من الاستغلال، ساعدهم في ذلك قصور التشريعات التي سُنّت في العقد الماضي، والتي تركت الأسواق رهناً لإرادة أسياد السوق (الحر) وقوانين العرض والطلب! مما فاقم معاناة الجماهير الشعبية، وأصبح تأمين لقمة عيشها وغذاء أطفالها أمراً بالغ الصعوبة.

بداية النهاية

في ظروف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ما قبل الأزمة، وفي ظل التدمير الممنهج لقطاعات الإنتاج والأراضي الزراعية، والبنية التحتية في جميع المناطق والمدن السورية، ومع النجاحات التي أحرزها الجيش السوري، في المناطق المتاخمة للعاصمة، وقبلها بتحرير حلب من قبضة الإرهاب، وتوصل الحكومة إلى عقد مصالحات وطنية في مناطق أخرى قريبة من دمشق.

ومع نجاح الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا)، بدعم علني من الأمم المتحدة، وتفاهم معلن بين روسيا والولايات المتحدة، في تثبيت وقف إطلاق النار في سورية- باستثناء تنظيمي داعش والنصرة الإرهابيين – تم إنشاء مناطق (تخفيف التصعيد)، ويشهد المواطن السوري نوعاً من الهدوء الحذر، وبدأت بعض قطاعات الإنتاج بالعودة إلى العمل،كذلك وبفعل حالة الاستقرار النسبي، استأنفت بعض المراكز المالية العالمية وضع سيناريوهات خاصة بعملية (إعادة إعمار) سورية، خاصة بعد تحرير مدينة حلب من وجود الإرهاب، إذ يشكل المشهد الجديد واقعاً يسمح بالشروع بإعداد العدة لإعادة إنهاض الاقتصاد السوري.

كذلك أعلن الاتحاد الأوربي في شهر أيار المنصرم أن سيناريوهات يجري إعدادها لإعادة إعمار سورية، بمشاركة المصارف والشركات الأوربية الكبرى، وأعلنت حزمة من المصارف وصناديق المال العالمية عن عزمها على وضع خطط خاصة بتمويل هذه العملية، وبشكل عام فإن شعوراً بقرب الانتصار النهائي على الإرهاب، ينتاب المواطنين السوريين، مما يفسح المجال لحوار واسع حول الاستفادة من دروس ما جرى، وخاصة في مسألة مكافحة الفكر الإرهابي، بعد اندحار المنظمات الإرهابية التي روجت له، واستغلت مكامن الضعف في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمجتمعنا السوري.

إن الفقر والبطالة وفقدان الأمن الغذائي، وانعدام الأمل بغد أفضل، إضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية، كلها مظاهر تشجع على مخالفة القيم العليا المجتمع، وتفسح المجال أمام قادة التيارات الإقصائية، والمنظمات الإرهابية المتسترة بالدين، لاستغلالها من أجل جذب جميع المهمشين اقتصادياً واجتماعياً.

هذا ما نود طرحه في ندوتنا هذه، محاولة الاستفادة مما جرى، بهدف التضييق على البيئات، والبؤر التي كانت لأسباب اقتصادية واجتماعية، حواضن لفكر إرهابي إقصائي غريب عن المناخات الفكرية والسياسية التي نشأ في إطارها المواطن السوري.

وحسب اعتقادنا فإن تجاوز الأسباب التي دفعت الكثيرين من أبناء شعبنا في هذه البيئات إلى التعاون، ثم الانخراط في مساعدة المنظمات الإرهابية، سيؤدي شيئاً فشيئاً إلى لجم الفكر الإرهابي، وعودة الحواضن الاجتماعية السابقة التي اعتمد عليها للاندماج في العملية الاقتصادية والاجتماعية الجارية في البلاد.

لقد تبين بشكل جليّ أن رؤية مسؤولي الاقتصاد السوري في الحكومات السابقة للأزمة لم تكن تسعى إلى تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، تُحدث نقلة نوعية في حياة السوريين، في الزمن الذي اتسم بالتحولات العاصفة، وثورة المعلومات وعولمة الاقتصاد، بل عمدت إلى الاكتفاء بوصفة قديمة.. جديدة، روّجها الليبراليون الجدد والمؤسسات الدولية الدائرة في فلكهم، هي ترك الأمر للسوق، ولآليات السوق، وللرساميل الريعية.

أي ببساطة شديدة التحول باتجاه نظام اقتصادي رأسمالي ريعي، يلبي مصالح الأقلية الثرية المستثمِرة في المصارف والتأمين ومشاريع السياحة والعقارات، ويهمش القطاعات المنتجة كالصناعة والزراعة، ويزيد الأعباء المعيشية التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة، ويهمل إنجاز التطوير والتنمية للمناطق المتخلفة في البلاد.

التنمية حق من حقوق الإنسان

إنه حق أساسي، على قدم المساواة مع حقوق الإنسان الأخرى التي أقرها المجتمع الدولي، إنه حق الإنسان في التنمية الذي صدر عن الأمم المتحدة في عام 1986 ، التي استندت في إصداره إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويشكل هذا الحق للإنسان توسيعاً لحقوقه لتشمل الظروف المادية التي تحد من إمكانات غالبية البشر من المساهمة، والانتفاع بثمار تـنمية المجتمعات، وعلى ذلك فإن التنمية التي تضمن للإنسان حقوقه هي (عملية اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم دون تمييز على أساس مشاركتهم النشيطة والحرة في هذه العملية، وأيضاً في التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها). (5)

لن ندخل في الأسباب التي جعلت بلداناً مثل ماليزيا وفييتنام علامات مؤثرة في الاقتصاد العالمي، ولا في الدواعي التي ما تزال تدفعنا حتى اليوم للدعوة إلى تحقيق التنمية الشاملة، بعد أكثر من 70 عاماً على استقلال بلادنا !!! بل نسعى مع غيرنا من المخلصين لسورية إلى وضع نموذج لتنمية حقيقية، اقتصادية واجتماعية شاملة ومتوازنة، تنهض اقتصادنا الوطني بعد الأضرار التي لحقت به من جهة، وتتوجه إلى سحب البساط من تحت أقدام أصحاب الفكر الإرهابي، الذين يستغلون تهميش الشأن الاجتماعي من جهة ثانية، وذلك عن طريق تنمية اقتصادية- اجتماعية تستهدف جميع المؤشرات الاجتماعية، الفقر والبطالة والأمراض والأمية والتخلف المناطقي، وصعوبة الاندماج الاجتماعي، وتدني مستوى التعليم، وعدم تمكين النساء.

عوامل أساسية للنهوض

بعد هذه الإشارات إلى أوجاع الاقتصاد السوري ومعاناة المواطنين السوريين وهمومهم، يمكننا تلمس ما تتوقعه الجماهير الشعبية، وما تتطلبه عملية إنهاض اقتصادنا الوطني، لكننا نسارع هنا إلى توضيح مهم، وهو استحالة تنفيذ أي خطوات اقتصادية جدية، أو تحقيق أي أجندات لإعادة الإعمار، إذا لم تتوفر العوامل السياسية التي تؤسس لإنهاء حالة الركود الاقتصادي. إن استمرار الأزمة السورية، واستمرار غزو الإرهاب، يُعدّ فشلاً للسياسة وتكريساً للسلوك العسكري العنيف، وخرقاً لقوانين المجتمعات المتحضرة.

هنا، نركز على حزمتين من العوامل اللازمة لإنهاض الاقتصاد الوطني:

أولاًـ العوامل السياسية

1- استمرار عمليات المصالحات الوطنية في جميع المناطق، ودفع المجتمعات المحلية إلى ممارسة دورها في هذه المصالحات، توفيراً للدم السوري، والانفتاح على المعارضة السياسية الوطنية في الداخل.

2- الاستمرار في ضرب المجموعات الإرهابية السوداء، وتجفيف بؤر الدعم والمساندة الداخلية لهذه المجموعات، عن طريق تفعيل المجتمعات المحلية في جميع المناطق، وخاصة تلك التي كانت تحتضن هذه المجموعات.

صحيح أننا نتحدث هنا عن إنهاض الاقتصاد السوري، لكننا نرى أن هذه العملية لن تأخذ طابعها الشمولي والمجدي إلا بعد فرض هيبة الدولة على جميع المناطق السورية نظراً لتكامل قطاعات الإنتاج الصناعية والزراعية والنفطية في جميع المحافظات السورية.

3- عقد الحوار الوطني السوري – السوري بمشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية والدينية، والتوافق على سبل إنهاء الأزمة بالطرق السلمية، ووضع أجندة لتنفيذ مطالب السوريين السياسية والاجتماعية، والعمل على إحداث التغيير السلمي ، والتأسيس لبناء سورية المتجددة، الديمقراطية، التعددية، العلمانية، المعادية للإمبريالية الأمريكية والصهيونية والرجعية السوداء.

4- متابعة السعي لإنجاح الجهود السلمية الدولية لإنهاء الأزمة السورية، فرغم أولية الحل السوري_ السوري، فإن التدخل الخارجي الذي قادته الإمبريالية الأمريكية، والدعم المالي واللوجستي الذي قدمه التحالف الدولي المعادي لسورية، إن ذلك كله يتطلب تدخلاً أممياً لضمان توقف الدعم الخارجي للإرهاب، خاصة بعد تشظيه باتجاه دول عربية أخرى، وتهديده للسلم الدولي.

ثانياً – العوامل الاقتصادية

إن حجم الأضرار التي لحقت بقطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي والنفطي يشير إلى صعوبة المهمة التي يتوجب على الحكومة السورية التصدي لها، إذ يتطلب الأمر خطة حكومية محكمة، ومرنة في آن معاً، فمن المستحيل التصدي لهذه المهمة بضربة سيف قاطع، ودفعة واحدة، وأن تحدد هذه الخطة مشكلات كل قطاع على حدة، والأوليات الضرورية لإنهاضه، ومشاريع الإنشاء أو الإصلاح للبنية التحتية التي يحتاجها، وذلك ضمن برنامج زمني شبكي يتقاطع مع المشاريع الأساسية والخدمية الضرورية لجميع القطاعات الأخرى.

هذه الخطة الحكومية (الإنقاذية) يجب أن توضع بالتعاون مع ممثلي الرساميل الوطنية في الداخل وبلاد الاغتراب، وجميع القطاعات المنتجة في القطاعين العام والخاص، وخاصة مع الغرف الصناعية والتجارية، ورجال الأعمال، بعيداً عن فرض الرأي، والأساليب البيروقراطية التي اعتدنا عليها أثناء إعداد الخطط الخمسية في العقد الماضي.

هنا تندمج مهام إعادة إعمار سورية مع مهام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة.

الإعمار من جديد.. إشكالات واقتراحات

بداية نؤكد أن عملية إعمار ما خربته تداعيات الأزمة السورية هي عملية شاقة، وطويلة الأمد، بالنظر إلى ضخامة حجم الخسائر، وهي تتطلب برنامجاً حكومياً يتوافق مع الخطة الحكومية الاقتصادية، ونوضح هنا ونحن ندرك أن هذه العملية تفوق قدرات الدولة، خاصة بعد تناقص إيراداتها العامة، والاستنزاف المقصود للقدرات الاقتصادية والمالية، الذي سعت إليه دول التحالف المعادي لسورية بهدف أخذ سورية من بوابة الاقتصاد.

إن عملية الإعمار تتطلب توفُّر مصادر داخلية لتمويلها بالدرجة الأولى، وهذا يعني، حسب ما نرى، أهمية إنعاش الاقتصاد السوري كي يحقق التراكم الداخلي القادر على التمويل.

وهنا نصطدم بعقبة كبرى: كيف ننعش الاقتصاد الوطني في ظل بنية تحتية مهدمة بفعل جرائم الإرهابيين؟ وهل تستطيع قطاعات الإنتاج الصناعية والزراعية، وقطاع النقل والخدمات والتصدير، الانطلاق، بغياب البنى التحتية اللازمة لعملية الإنعاش؟

السؤال الأبرز هنا: بغياب التمويل الداخلي الآتي من نهوض الاقتصاد السوري، هل يمكن الاعتماد على الدعم والتمويل الخارجي لتنفيذ عملية الإعمار؟

 إن بعض السيناريوهات الخارجية المعدّة لإعادة الإعمار تلجأ إلى تضخيم تكاليف هذه العملية، في محاولة لإظهار استحالة تنفيذها بالقدرات الوطنية السورية، لتصل إلى ضرورة الاعتماد على الخارج (القروض المصرفية – قروض البنك الدولي – قروض الشركات الأجنبية المنفذة – المنح المالية المشروطة – قروض وتسهيلات الدول الصديقة)، وهذا السيناريو يجب أن يترافق مع توجه اقتصادي يتوافق مع هذا السيناريو، أي بكلمة واحدة: تبنِّي سياسات اقتصادية نيوليبرالية ريعية، نخبوية، استناداً إلى آليات السوق الحر، ومنسجمة مع النماذج التي روّجت لها المؤسسات الدولية.

إن عملية الإعمار، بخصوصيتها السورية، تعني أكثر من البناء، والتصنيع، وإنتاج المحاصيل، لقد جعلت مجريات الأزمة السورية هذه العملية، وينبغي – حسب اعتقادنا- أن تجعلها خطة شاملة لبناء الإنسان السوري الجديد أيضاً، الإنسان الإيجابي، الديمقراطي، المتمسك بانسجام مجتمعنا الذي هدَّدتْه دعوات التطرف، والتفتيت الديني والطائفي، والارتقاء إلى مجتمع علماني يعطي (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، وهذه عملية قد تكون أكثر إلحاحاً وأهمية من البناء المادي للحجر والشجر.

تمويل الإعمار

ونحن نرى أن إعمار ما تهدم لن يتحقق بالاستناد إلى سياسات اقتصادية كانت السبب في تحجيم قطاعاتنا المنتجة، وفي إثارة غضب الجماهير الشعبية، بل يتحقق بعد توافق السوريين على نهج اقتصادي تنموي، تعدّدي، استناداً إلى خطة مركزية حكومية، يساهم فيها القطاع الخاص والرساميل الوطنية، ولا تهيمن أو يهيمن عليها، خطة تضمن التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي الناتج عن قطاعات الإنتاج الحقيقي لا الريعي، ومتطلبات التنمية الاجتماعية، تتوزع على مدد زمنية محددة، ولتنفيذ هذه الخطة تُستخدم المواردُ المحلية الحكومية، ومساهماتُ القطاعات الخاصة المنتجة، كما يمكن الاستفادة من قروض الدول الصديقة والشقيقة، وقروض الصناديق المالية الدولية غير الخاضعة لهيمنة الأمريكيين، ومن برامج التنمية التابعة للأمم المتحدة، والمنح والتبرعات غير المشروطة، وسندات الخزينة المخصصة حصراً لتنفيذ مشاريع الإعمار، والاعتماد في تنفيذ هذه المشاريع على الشركات والمؤسسات الحكومية، خاصة شركات الإنشاءات العامة.

ونقول هنا صراحة: إن البعض يستعجل بدء عملية الإعمار، حتى قبل وضع الخطط الحكومية المناسبة، وقبل تدبير مصادر التمويل، وذلك بهدف اقتناص العقود، وتأمين (الشركاء)، وأخذ العملية برمّتها إلى المنحى الذي يُرسم لها في الدوائر الأجنبية و(المحلية) المشبوهة، ونرى ضرورياً أن نقول أيضاً: في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها سورية، وبعد الخسائر الكبيرة التي تحملتها مختلف جهات القطاع الخاص – الذي عمد بعض رموزه إلى تهريب أمواله التي جمعها من أموال السوريين -، وبعد انسحاب الشركات الأجنبية مع أول قرار بالعقوبات وفرض الحصار الاقتصادي على سورية، سيكون من غير السليم الوقوع مرة أخرى في أخطاء دفعنا ثمنها في الماضي وما زلنا نعاني تداعياتها، ولتجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء، نرى ضرورة إحداث صندوق خاص تصب فيه الموارد التالية:

1- مبالغ التعويضات من الدول التي وقفت وراء العمليات التخريبية، وذلك بقرار دولي.

2-الأموال التي سيتم استعادتها من الخارج، والتي نهبت وسرقت أساساً من أموال الدولة والشعب.

3- المنح والمساعدات من الدول الصديقة والداعمة.

وأن يوضع للصندوق نظام خاص، وإدارة ذات صلاحيات واسعة، على أن تتمتع بالنزاهة والشفافية والكفاءة والالتزام الوطني، ويعيّن لهذا الصندوق مجلس أمناء، يضم عدداً من أصحاب الكفاءة، إلى جانب ممثلين عن المتضررين وممثلين عن القطاعات الاقتصادية والخدمية.

وينبغي أن يتلازم إحداث هذا الصندوق مع برنامج شامل لإعادة النظر في التشريعات الاقتصادية، يعتبر الإصلاح الضريبي أهم مجالاته، كما تجرى عملية حصر لأملاك الدولة في القطاع العام والمرافق، بهدف تحسين الأداء فيها، ورفع نسبة إسهام مواردها في عملية التنمية والإعمار.

ستبقى مهمتا إعادة الإعمار، وتحقيق التنمية الشاملة، مسألتين خاضعتين للنقاش والحوار في الداخل والخارج، لكننا كنا، وما زلنا نؤكد ضرورة حلّ هاتين المسألتين في الداخل عبر حوار وطني يشارك فيه جميع خبراء الاقتصاد السوريين، ونعتقد أن جمعية العلوم الاقتصادية السورية قادرة على لعب دور مؤثّر في هذا المجال.

تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة وشاملة:

أولاً – الإطار السياسي:

1 – التمسك بالثوابت الوطنية، وحشد الطاقات لاستعادة الأراضي السورية المحتلة، ومقاومة المخططات الإمبريالية الساعية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة تابعة للنفوذ الأمريكي- الصهيوني.

2 – تعددية سياسية تستند إلى دستور عصري، وصيغة سياسية ديمقراطية، وتداول سلمي للسلطة، وتنافس سلمي بين الأحزاب الوطنية، ومشاركة فاعلة من هيئات المجتمع المدني، وخاصة النقابات.

ثانياً – اقتصاد تنموي تعددي:

يمكن تحديد مضمون هذا النموذج الاقتصادي التنموي استناداً إلى خطة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تضعها الدولة، وتقوم بتنفيذها بالمشاركة مع القطاع الخاص المنتج، والرساميل الوطنية، لتنفيذ الأهداف التالية:

1- تحديث فروع الإنتاج الرئيسية وتطويرها، كالصناعة والزراعة، ومنظومة البنى التحتية، كمشاريع الطرق والنقل السككي ومشاريع الري، وتوليد فرص عمل جديدة، والحفاظ على قطاع عام اقتصادي فاعل، يتدخل في الحياة الاقتصادية جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص المنتج.

2 – إشراف الحكومة على إعادة توزيع عوائد النمو بين الفئات الاجتماعية، عبر شبكة واسعة من الخدمات التي تستهدف الفئات الأقل دخلاً، كالتعليم المجاني المتطور، والضمان الاجتماعي والصحي، وتنمية المناطق المتخلفة، واستهداف بؤر الفقر، وتمكين المرأة.

ثالثاً – مشاركة شعبية ديمقراطية:

إن المشاركة الشعبية الديمقراطية هي شرط جوهري لأي توجه تنموي حقيقي، وذلك عن طريق تفعيل العامل الاجتماعي الداخلي وتنشيطه.

إن نظريات التنمية القائمة على رؤية اقتصادية بحتة، فشلت في تحقيق النقلة النوعية في حياة الناس، فالمفاهيم الكمية والمؤشرات الإحصائية لم تأخذ بالحسبان الإنسان المشارك في عملية التنمية. إن التنمية خاصة في الدول الأقل نمواً هي مسؤولية الدولة، فالمهام الاجتماعية لا يستهدفها القطاع الخاص إلا نادراً، لكن هذه التنمية يجب أن تكون عملية تبادلية، أي من الدولة إلى المجتمع ومن المجتمع إلى الدولة، فالتنمية السلطوية المفروضة من فوق تنتج أزمات اجتماعية.

إنّ توسيع المشاركة الشعبية، عن طريق المجتمعات الأهلية في الريف، وهيئات المجتمع المدني على تنوع تنظيماته، في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية يضمن لهذه العملية سيرورتها المنطقية، الملبية لمصالح الجميع، مما يتطلب تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات، لتأتي تعبيراً عن خيارات المجتمع.

رابعاً – سياسات اقتصادية ملتزمة وفاعلة:

السياسات المتبعة في اقتصاد التنمية يجب أن تتمحور حول تنفيذ بنود الخطة التنموية، إذ لا يجوز هنا أن تتناقض السياسات مع الأهداف المعلنة للخطة، كما حصل في الماضي، عندما كانت الأهداف في وادٍ، وسياسات الطاقم الاقتصادي للحكومة السابقة في وادٍ آخر.

1 – إعادة النظر في سياسات الانفتاح والتحرير، ولا نعني هنا العودة إلى غلق الأبواب، بل الانفتاح على الاقتصاد الإقليمي والدولي، بقدر ما يحقق الفائدة لصناعتنا الوطنية وإنتاجنا الزراعي.

2 – الحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها للمرافق الحيوية والاستراتيجية، كالمرافئ والمطارات وقطاعات الكهرباء والمياه، وتحديث طاقمها الفني والإداري، وإعادة النظر ببعض التشريعات التي تفوح منها رائحة خصخصة هذه المرافق!

3 – مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي وقعتها الحكومات السابقة، وإلغاء ما كان منها مجحفاً وضاراً بقطاعاتنا الإنتاجية.

4 – دعم صناعتنا الوطنية وتحديثها، وتقديم ما يلزم من تسهيلات كي تصبح هذه الصناعة، فعلاً لا قولاً، قاطرة التنمية في البلاد، ووضع برنامج لإصلاح القطاع العام الصناعي.

5 – تحفيز القطاع الخاص المنتج على المساهمة في عملية التنمية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، على إقامة المشاريع الملحوظة في خطة التنمية الشاملة.

6 – ضمان الأمن الغذائي في البلاد، عن طريق الدعم الدائم لقطاع الزراعة، والاستمرار في تنفيذ المشاريع المائية، ومصانع السماد والعلف، وتنمية الثروة الحيوانية، ومنح التسهيلات لمشاركة القطاع الخاص في إقامة المشاريع الصناعية- الزراعية في المحافظات الشرقية.

7 – زيادة حجم الموازنات الاستثمارية، وتوجيهها نحو المشاريع الكبرى، كإقامة صناعات حديثة، ومدّ شبكة متطورة للنقل السككي.

8 – الاهتمام بالشركات الصغيرة والمتوسطة، وبالمصانع الصغيرة والورشات والحرف والمشاغل، التي تشغل الجزء الأكبر من اليد العاملة في البلاد، ومساعدتها على تأمين مستلزمات الإنتاج من مواد أولية وطاقة، وتسهيل حصولها على القروض المصرفية، وإعفاء بعضها من الرسوم والضرائب عند توفيرها لفرص عمل محددة، وتحفيز من كان منها في اقتصاد الظل على التحول إلى الاقتصاد الرسمي والقانوني، وحصر نشاطات الشركات الاستثمارية الكبرى، والشركات القابضة، في المشاريع الأساسية ذات التكاليف الاستثمارية المرتفعة، لا في المطاعم والمنتجعات.

9 – تطوير السياحة الثقافية والدينية والعلاجية، وعدم الاعتماد فقط على السياحة التقليدية (سياحة النخب).

10 – توجيه القطاع المصرفي الخاص والعام نحو المساهمة في المشاريع الكبيرة الملحوظة في خطة التنمية، وإطلاق القروض العامة (سندات الخزينة) لتمويل المشاريع الاستثمارية حصراً.

11 – مكافحة الفساد بجميع أشكاله وتجلياته، فهو يعطل تنفيذ الخطط التنموية، ويحبط آمال الجماهير الشعبية بعملية التنمية برمتها.

خامساً – سياسات اجتماعية هادفة:

1 – تنمية المناطق المتخلفة، وخاصة في المناطق الشرقية والشمالية من البلاد، واستهداف المجتمعات المحلية بحزمة من الخدمات التعليمية والصحية، ومشاريع تحسين الدخل الأسري في هذه المناطق.

2-استعادة الدور الرعائي الداعم للفئات الفقيرة، ووضع سياسة للأجور تقوم على سلم متحرك يتناسب مع غلاء المعيشة، والحفاظ على المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة.

3- وضع خطة شاملة لتجفيف بؤر الفقر، وخلق فرص عمل جديدة في المناطق الفقيرة بالتعاون مع المجتمعات المحلية والأهلية.

4 – الحد من تفشي البطالة، خاصة بين الشباب، ويعد زيادة استثمارات الحكومة في قطاعها العام، والتعاون مع القطاع الخاص، لتوفير فرص عمل جديدة، وتقديم التسهيلات المصرفية للمهنيين والحرفيين الشباب، ودعم الزراعة السورية، هي أبرز الحلول في هذا المجال.

5 – دعم التعليم المجاني وتطويره، ومعالجة تسرب التلاميذ، والاهتمام الخاص بتعليم الفتيات في المناطق الأقل نمواً، وإقامة جامعات حكومية جديدة قادرة على استيعاب الزيادة المضطردة في أعداد الطلاب.

6 – تنفيذ الوعود القديمة الجديدة، التي قطعتها الحكومات، بتمكين المرأة السورية، وزيادة مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية، وسن التشريعات العصرية الهادفة إلى مساواتها الكاملة مع الرجل.

إن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية استناداً إلى نموذج اقتصادي تنموي تعددي، سيمارس تأثيره لا في البنى الاقتصادية وقطاعات الإنتاج، أوفي التبديل الجذري للأوضاع الاجتماعية والمعيشية، لجماهير الشعب السوري فقط، بل ستمتد مفاعيله إلى الأوضاع السياسية في البلاد، إذ يساعد في تحقيق الاستقرار المجتمعي، ويدعم النظام السياسي الديمقراطي، ويعمل على إدماج جميع المناطق في صلب العملية الاقتصادية والاجتماعية، ويقلل إلى حد كبير مخاطر وجود بيئات اجتماعية خارج السياق العام المتناغم في البلاد، وبالتالي تجفيف الحواضن الاجتماعية والمادية التي تشجع وتدعم الفكر الإرهابي في البلاد.

 

عضو جمعية العلوم الاقتصادية

رئيس تحرير صحيفة النور السورية

 

المراجع

1- تقرير الأمم المتحدة المنشور في صحيفة (الإنديبندنت) البريطانية.

2– البرنامج الخاص عن شركة مونسانتو، في قناة دبي.

3- سورية 2025 – الاقتصادي-

4– فؤاد لحام: الصناعة السورية في ظل الأزمة

5 – نشرة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، نيسان 2004.

 

 

السوريون ينظرون بقلق بالغ إلى النتائج المدمرة التي خلفتها الأزمة السورية، التي تحولت، بعد التدخل الأجنبي المتعدد الأشكال، من حركة احتجاجات سلمية إلى حرب خاضتها المجموعات الإرهابية الإقصائية، الآتية من الكهوف السوداء، ضد سورية دولةً وكياناً، يضم نسيجاً اجتماعياً ودينياً متنوعاً ومتآلفاً، مدعومة من تحالف دولي تزعمته الإمبريالية الأميركية وشركاؤها الأوروبيون، وحكام النفط والعثمانيون الجدد. هذا القلق متشعب بتشعب الأضرار المرشحة للتفاقم مادام النزيف مستمراً، ومادامت أعمال التخريب والهدم هدفاً للمجموعات الإرهابية، ويتحول القلق إلى تخوف جدّي كلما تضاءلت فرص الحلول السياسية، خاصة بعد افتضاح السياسة الأمريكية (البهلوانية) التي تسوّق للحلول السياسية قولاً، لكنها تدعم فعلياً المنظمات الإرهابية الإقصائية في السر والعلن، في سياق تنفيذ مخططها الرامي إلى إنشاء شرق أوسط جديد، يحقق استمرار هيمنتها على ثروات المنطقة، ويحابي أطماع الصهيونية في التوسع ضمن النسيج العربي، بتسهيل من حكام السعودية، خاصة بعد الرحلة التي قام بها (ترامب) إلى الرياض، وعاد منها محملاً بالمليارات، وبزعامة مطلقة لحلف إسلامي دولي جديد.

لن ندخل في تفاصيل الأسباب التي أدت إلى نشوب الأزمة، وغزو الإرهاب، لكننا نوضح هنا أن حزمة من العوامل الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومخططات خارجية، لتشكيل شرق أوسط جديد، محابٍ لأطماع الولايات المتحدة وشركائها الأوربيين في المنطقة، ومساير لسعي الكيان الصهيوني للتغلغل في المنطقة العربية، واستغلال حالة الانقسام العربي، شكلت العامل الأبرز لاندلاع هذه الأزمة، ولسنوات الجمر السبع التي بدأت منذ عام 2011، وأدت إلى تهدم الحجر، وإحراق الشجر، ومعاناة مرهقة ومتشعبة للبشر.

وتلوح في الأفق اليوم، بعد النجاحات التي أحرزها الجيش السوري في مكافحة التنظيمات الإرهابية، وبعد لقاءات أستانا وجنيف، ونتيجة لتفاهمات روسية وأمريكية، إمكانية وقف الأعمال القتالية (عدا داعش والنصرة)، واللجوء إلى الحوار بهدف التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، وشهدت البلاد بعد تحديد مناطق تخفيف التصعيد، واستمرار الهدوء حالة من الاستقرار، وهذا ما سبب اتساع مساحات التفاؤل بين السوريين، ودفعهم إلى بدء التفكير في مرحلة ما بعد الأزمة.

خلال سنوات الأزمة والغزو الإرهابي، لم يهدأ السجال بين السوريين حول أهمية الاستفادة مما جرى، وضرورة توافق السوريين بجميع مكوناتهم، السياسية والاجتماعية والإثنية، على سبل بناء مستقبل سورية الديمقراطي، الخالي من الإرهاب، وفكره الإقصائي، وطرحت بعض الاقتراحات لمحاربة الفكر الإرهابي، لكنها بقيت في إطار العموميات، وركزت على بعض الإجراءات، دون التطرق إلى الأساس الاقتصادي والاجتماعي، الذي سمح بوجود بيئات تتحول شيئاً فشيئاً إلى حواضن اجتماعية لنمو الأفكار المستندة إلى الإرهاب بجميع أشكاله،تمدّه بالقوة المادية البشرية لتحقيق أغراضه المعادية لتطلعات أكثرية فئات المجتمع.

ونعتقد أن المكافحة الجديّة للفكر الإرهابي يجب أن تستند إلى معالجة العوامل التي سمحت بوجود هذه البيئات والحواضن، ودون ذلك ستبقى مكافحة الإرهاب مجرد دراسة هنا، ومقالة هناك، وندوة يهتم بها عدد محدود من المثقفين.

سنحاول هنا تأكيد العلاقة المتداخلة بين فقدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة، ونمو العوامل التي تؤدي إلى انتشار الفكر الإرهابي، وأي فكر إقصائي آخر، وذلك استناداً إلى مراجعة سريعة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بادئين بمرور سريع على مفهوم الإرهاب، وأشكاله، بالاعتماد على الأحداث السورية بالدرجة الأولى.

أولاً- مفهوم الإرهاب

الإرهاب الفردي المستخدم من قبل أفراد بمواجهة أفراد آخرين معروف في المجتمعات الإنسانية، لأسباب متعددة، أهمها الحصول على منافع بالقوة، أما الإرهاب المنظم فهو سلوك جماعي منظم يهدف إلى فرض العقائد والأفكار والسياسات، عن طرق الإكراه والقوة والقتل، وهو سلوك قديم، اتخذ أشكالاً متعددة، لكنها جميعاً تأخذ طابعاً واحداً، هو تحدّي القوانين والأعراف وإرادة الأكثرية، من قبل الأقلية، باستخدام القوة، أما أشد أنواع الإرهاب معاداة للإنسانية فهو الإرهاب وقد تحول إلى نهج دولة، كما في السلوك الإرهابي للكيان الصهيوني، الذي لم يكتفِ بتشريد ملايين الفلسطينيين، بل عمد إلى تدمير الحجر، وإحراق الشجر، وتحويل المناطق الفلسطينية إلى سجن كبير.

السمات الخاصة للمجتمعات الشرقية أظهرت ارتباط الإرهاب بفرض العقائد الدينية بالقوة، لكنها في مجتمعات أخرى اتخذت منحى فرض العقائد الفكرية والسياسية، كما في إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، والمظهر الأكثر دلالة على السلوك الإجرامي الفظيع للمنظمات الإرهابية، ظهر في الغزو الإرهابي لسورية، الذي حظي بدعم وتشجيع ومساندة من قوى التحالف المعادي لسورية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومشاركة الدول الأوربية وحكام النفط الخليجيين وتركيا أردوغان.

هنا اندمجت مصالح المنظمات الإرهابية التي اتخذت العقائد الدينية ستاراً، مع المصالح السياسية والاقتصادية لهذا التحالف، من أجل فرض واقع إقليمي جديد، يستجيب لمصالح الطرفين، عن طريق الغزو الإرهابي المنظم.

ورغم الشكل (الجهادي) الذي حاولت المنظمات الإرهابية إضفاءه على غزوها لسورية، فإن الوقائع أظهرت بطلان هذه الواجهة المرتبطة بالدين الإسلامي، بعد إدراك الكثيرين، ممن خُدعوا بداية، الطبيعة الإجرامية لحربهم في سورية، خاصة بعد استقدام مجموعات المرتزقة من جميع البلدان، هذه المجموعات التي لا علاقة لها لا بالدين الإسلامي، ولا بالجهاد، بل تبحث عن المال، وإرواء عطشها للدماء، وهذا ما يفسر القسوة والهمجية التي اتسمت بها جرائم الإرهابيين في سورية، والتي لم تعرف البشرية مثيلاً لها في التاريخ المعاصر.

كشف تقرير أعدّته الأمم المتحدة في سورية، ونشر منذ أسابيع، أن معظم المقاتلين الشباب الذين يغادرون بلادهم من أجل الانضمام لصفوف الجماعات (الإرهابية) في سورية (مبتدئين) في دينهم، وكشف التقرير أن (معظم الشباب الذين يغادرون منازلهم للقتال من أجل الجماعات الإرهابية في سورية مهمشون اجتماعياً وسياسياً، ومستوى تعليمهم منخفض، ويفتقرون إلى أي فهم أساسي للمعنى الحقيقي للجهاد، أو حتى للعقيدة الإسلامية).

معدو التقرير استندوا في تقريرهم إلى مقابلات أجريت مع 43 شخصاً من 12 بلداً، وكانت (رؤية معظمهم عن الدين من حيث العدالة والظلم، وليس من حيث التقوى والروحانية)، وبحسب التقرير، فإن ثلاثة أرباع الأشخاص الذين جرت مقابلتهم في سورية، قرروا العودة إلى بلادهم، واعتُرض بعضهم من قبل حكوماتهم، وأسند إجراء تلك الحوارات مع المقاتلين إلى البروفيسور حامد السعيد، من جامعة (مانشستر متروبوليتان)، والخبير في شؤون (الإرهاب) ريتشارد باريت، وقد جرت تلك المقابلات داخل السجون، أو تحت إجراءات أمنية مشددة.

وأشار التقرير إلى أن (غالبية المقاتلين الذين جرت مقابلتهم، والذين حاولوا الالتحاق بالعديد من التنظيمات المتشددة، مثل داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام، ينتمون إلى أسر كبيرة في مناطق مختلفة ومتفرقة من العالم، ولكن ما جمعهم هو الانعزال عن التيار الاجتماعي والاقتصادي والنشاط السياسي).

وأكدت الدراسة أن (العامل الديني يؤدي دوراً ضئيلاً في تحفيز الشباب للالتحاق بالتنظيمات المسلحة، وأن العامل الاقتصادي أسهم بشكل أكبر في جذب الملتحقين بالتنظيمات المذكورة، التي أغرتهم بالرواتب والمنازل والزوجات)، وأفادت الدراسة بأن معظم الوثائق المُسربة من تنظيم داعش تشير إلى أن معظم المقاتلين معرفتهم سطحية بالشريعة الإسلامية. (1)

الإرهاب الاقتصادي

الإرهاب والإكراه لا يقتصران على استخدام القوة والسلاح، بل في كثير من الأحيان يأتي إرهاب المتحكمين بالاقتصاد العالمي أشد ضرراً على الشعوب والحكومات المعارضة لسيطرة (القِطع الكبيرة) على التبادل العالمي للمنتجات.

يقول جون (وهو مزارع أمريكي): قررت استخدام البذار الخاص بي، وقمت بتخزينه في مزرعتي، لكن مراقبي الشركة المنتشرين في أنحاء الولايات المتحدة، وبتفويض من القوانين الأمريكية، دخلوا إلى المزرعة وصادروا البذار، ولا بديل أمامي سوى استخدام بذار الشركة، أما والتر ديك، فيستعيد ما حصل لأحد أصدقائه عندما تحدى الشركة واستخدم بذاره الخاص في زراعة الصويا، بقي المحصول مخزناً في المزرعة، فما من مشتر يتجرأ على تحدي قرارات الشركة.

في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبعد إثارة الصحافة الأمريكية لمسألة علف الأبقار المعالج هرمونياً، ذكرت مقدمة البرامج الشهيرة أوبرا وينفري في إحدى حلقات برامجها، بأنها ستستغني عن شريحة لحم البقر بعد الآن، لكنها لم تدرك أن تصريحها هذا سيرتب عليها المثول أمام القضاء الأمريكي بادعاء من الشركة، بتهمة الإساءة إلى سمعتها مما أدى إلى انخفاض مبيعات لحم البقر في الولايات المتحدة، وقد تطلب الأمر من أوبرا أربع سنوات، ومليون دولار كأتعاب للمحامين، لتتبين المحكمة براءتها من هذه التهمة. (2)

إنها شركة مونسانتو العملاقة المسيطرة على تقنيات الزراعة الحديثة، والهندسة الجينية الزراعية في العالم، ذات الأذرع الأخطبوطية الممتدة حتى إلى حقول إفريقيا، وسواحل الفلبين!

ثانياً – البيئات الحاضنة للفكر الإرهابي

كانت تجمعات الفئات الفقيرة العاطلة عن العمل على الدوام، هي الحاضن الرئيسي للإرهاب الفردي والمنظم، وكانت التنظيمات الإرهابية تنطلق من مدن الصفيح التي كانت تزنّر المدن الكبرى في العديد من الدول، في أوربا وأمريكا الجنوبية واللاتينية، وظهرت كردّ فعل على فقدان الأمان المجتمعي، وزيادة نسبة الفقر والبطالة في هذه التجمعات.

في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، أدت السياسات الاقتصادية والاجتماعية الموجهة إلى تحسين الأوضاع في الأرياف والمدن الصغيرة، وخاصة في جزيرة (صقلية)، إلى تراجع عمليات عصابات القتل والتهريب، وتحولت بعض هذه المناطق إلى تجمعات صناعية وزراعية هامة، أما في البرازيل، خلال فترة حكم الرئيس دي سيلفا، فقد جرت معالجة أوضاع السكان الفقراء في بعض المدن الصغيرة التي تحيط بسان باولو وريو دي جانيرو، وكانت النتيجة تراجع الكثير من أعمال العنف والخطف والإرهاب في هاتين المدينتين.

من مراجعة التجربة السورية مع المنظمات الإرهابية، يتبين لنا أن الحاضن الاجتماعي للإرهاب الذي تستّر بالعقائد الدينية، كان يتركز ضمن الأحياء الأكثر فقراً في المدن، لكن البيئة الأكثر اتساعاً كانت في أرياف المدن الكبرى، خاصة الأرياف التي شهدت تهميشاً من قبل الحكومات المتعاقبة منذ ما بعد الاستقلال حتى يومنا هذا، وخاصة في المنطقة الشرقية والشمالية، والسبب هنا يبدو واضحاً، فالمنظمات الإرهابية كانت تستغل الفقر والبطالة والتخلف لتطرح مشروعها(الجهادي) من أجل العدالة ورد الظلم، أمام مجموعة كبيرة من الناس المؤمنين البسطاء، وربما اليائسين من عدالة الأنظمة السياسية، وبالطبع فإن هذا لا يعني بالضرورة عدم وجود مؤيدين وأتباع للفكر الإرهابي في المدن الكبرى، بل وفي الأحياء الأكثر ثراء ضمن هذه المدن.

جاء في تقرير الفقر متعدد الأبعاد في سورية بين أعوام 2001و2009، الذي صدر في عام 2014، ضمن خطة التعاون بين المكتب المركزي للإحصاء، وهيئة تخطيط الدولة في سورية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أن نتائج دليل الفقر على مستوى المحافظات كانت متباينة، وكانت المناطق الشرقية والشمالية، وإلى حد أقل ريف دمشق في المنطقة الجنوبية، تضم أعلى نسبة ممن يعانون الفقر في عام 2009.

مؤشرات اجتماعية

لقد انتشر الفقر بشكل عام في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية، وبلغت نسبته 62% في المناطق الريفية، وارتفعت معدلات الفقر وعمقه وحدّته في الإقليم الشمالي الشرقي (إدلب- حلب- الرقة- دير الزور- الحسكة)، وبينت الدراسة المعدة من قبل برنامج الأمم المتحدة، بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة والمكتب المركزي للإحصاء عام 2004، أن نسبة 11.4% من إجمالي عدد السكان لم يتمكنوا من الحصول على حاجاتهم الأساسية الغذائية وغير الغذائية، كما أن نسبة 30% من السكان أي ما يعادل 5.3 ملايين شخص لم يتمكنوا من تأمين احتياجاتهم الغذائية وغير الغذائية، وتشير التقديرات الواردة في هذه الدراسة إلى أن (ما يقارب 19% من السوريين معرضون لفترةٍ عابرةٍ من الفقر على أقل تقدير). (3)

في عام 2007، أجرت الهيئة السورية لشؤون الأسرة، بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق مسحاً من خلال استطلاع آراء 1400 عائلة تنتمي إلى جميع محافظات القطر، وكانت نتائج المسح على الشكل التالي:

1 – انخفاض الأجور، إذ تبيّن أن 48% من الأسر السورية لا يتجاوز دخلها 15 ألف ليرة سورية، ويتجاوز دخل 31% من الأسر 20 ألفاً، أما نسبة الأسر التي يقل دخلها عن 5000 ليرة، فبلغت نسبتها 4.5%، ويترافق انخفاض الأجور مع ارتفاع نسبة الإعالة، فكل عامل لقاء أجر مسؤول عن إعالة ثلاثة أشخاص آخرين.

2 – احتلت مشكلة ارتفاع الأسعار المرتبة الأولى بين مشاكل الأسرة السورية، تليها مشكلة الديون المتراكمة، ثم جاءت مشكلات زيادة الضرائب، وارتفاع قيمة الفواتير الشهرية، وارتفاع كلفة العلاج في المشافي والعيادات الخاصة.

3 – وتتّبع الأسر السورية الأساليب التالية للتعامل مع الظروف الاقتصادية:

أ- 81.9% من الأسر تلجأ إلى ترشيد الاستهلاك الدائم.

ب- 70% تتبع أسلوب الاستدانة من الآخرين.

ج- 55.7% تلجأ إلى العمل الإضافي لتحسين الدخل.

د-49.1% تقوم باستهلاك مدخراتها.

و- 56.2% تتأخر بسداد الالتزامات المالية، كأجرة المنزل والأقساط والفواتير والديون.

ط- 46.5% تعتمد على حرمان أفرادها من بعض الحاجات كالتعليم والسكن اللائق مراعاة للظروف الاقتصادية.

ز- 32.8% تلجأ إلى بيع الممتلكات الثمينة.

معاناة الأسر السورية ازدادت منذ عام 2007، حتى عام 2011، إذ شهد عام 2008 ارتفاعاً لأسعار المواد والسلع الضرورية لمعيشة هذه الأسر، بلغت نسبته نحو60%، إضافة إلى زيادة عدد المتعطلين عن العمل، واتساع بؤر الفقر، وتراجع الإنتاج الزراعي، وهو النشاط الرئيسي لغالبية السكان، كما شهدت الشهور المنصرمة من عام 2009، تأثر البلاد بتداعي الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عقر دار الرأسمالية الأمريكية في 15/9/2008، وما خلفته تلك التداعيات من انخفاض للصادرات السورية، وإغلاق لعدد من المصانع، وتراجع للاستثمارات الخاصة، وانخفاض لتحويلات السوريين من الخارج.

وبكلمة أخرى، فإن معاناة الأسر السورية تضاعفت حسب اعتقادنا، قياساً بالفترة التي أُجري فيها المسح المذكور.

قبل بداية الأزمة السورية، وفي عام 2010 بالتحديد، طرحت هيئة تخطيط الدولة مشروعاً لتطوير أفقر 100 قرية في البلاد، تتوزع على المناطق الشرقية والشمالية، وتشترك بمؤشرات مرعبة، إذ تبلغ فيها نسبة البطالة نحو90%، ونسبة الفقر 80%، ونسبة الأمية نحو75%، لكن هذا المشروع لم يكتب له الاستمرار، ولا نعلم مصيره.

في قلب الأزمة

واجهت بلادنا الأزمة بهياكل اقتصادية منهكة، وقطاع صناعي وخدمي ضعيف ومتخلف، إثر عقد من الزمن سادت فيه رؤية اقتصادية نيوليبرالية همّشت الاقتصاد الحقيقي وحفزت القطاعات الريعية، فتوقفت العديد من المصانع والمعامل والورش الخاصة، وفرضت قوى التحالف المعادي لسورية حصاراً اقتصادياً أدى إلى فقدان مستلزمات إنتاج الصناعات السورية، وغذاء المواطن السوري ودوائه، وصار الأمن الغذائي للبلاد مهدداً، بعد تراجع الإنتاج الزراعي، وتراجع سعر صرف الليرة السورية مقارنة بالقطع الأجنبي، وارتفعت أسعار جميع السلع والخدمات بنسب تراوحت بين 100 و900%، وفقد نحو3 ملايين مواطن فرص عملهم، وارتفعت نسبة البطالة إلى نحو58%، وازداد عدد الفقراء والمهجرين، وتوقفت المشاريع الاستثمارية، وجرى تدمير إرهابي ممنهج للبنية التحتية، كقطاعات الكهرباء والمياه وسكك الحديد والمنشآت الصناعية وآبار النفط والجسور والطرق الدولية.

وحسب المصادر الحكومية والخاصة، فقد بلغ مجمل الخسائر التي تسببت بها الأزمة، من دون الأخذ بالحسبان خسائر المواطنين، نحو350 مليار دولار.

خسائر مؤلمة

معاون وزير الإدارة المحلية صرح مؤخراً بأن قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة في سورية حتى نهاية عام 2016، تقدر بنحو360 تريليون ليرة سورية (الدولار يعادل حوالي 500 ليرة) في حين تقدر الأضرار غير المباشرة بـ 540 تريليون ليرة سورية.

لم ينتهِ حتى الآن حصر الخسائر النهائية للقطاع الصناعي، وذلك بسبب استمرار الأزمة والأعمال المسلحة، ما يعني عدم تمكّن الجهات المعنية العامة والخاصة من الوصول إلى عدد غير قليل من المنشآت الصناعية لحصر الأضرار التي لحقت بها، ولذلك فإن خسائر القطاع الصناعي المعلنة حالياً نتيجة هذه الأزمة هي أرقام أولية، وحسب ما أعلنته وزارة الصناعة، بلغت خسائر القطاع الصناعي لغاية الربع الأول من عام 2017 نحو905 مليارات ليرة سورية.

الأزمة دفعت الرساميل إلى الهجرة خارج سورية، فأدخل السوريون أكثر من مليار دولار إلى الأردن، وسجّلت فيه أكثر من 500 شركة سورية، كما بلغت الأموال السورية التي دخلت إلى لبنان نحو11 مليار دولار، وظّف منها فقط مليار دولار في النشاط الاقتصادي اللبناني (4)

لقد بلغ عدد الشركات السورية التي تأسست في مصر 365 شركة في عام 2012 فقط، ونعتقد أن عددها ارتفع بعد ذلك، وانتقل 80 مصنعاً سورية إليها، وتقدر الاستثمارات السورية في مصر بنحو مليارَيْ دولار.

أما الصناعة النفطية فقد بلغت خسائرها، حسب أرقام وزارة النفط السورية، نحو66 مليار دولار بسبب الأزمة والحرب.

الأزمة على الصعيد الاجتماعي

1ـ ارتفعت أسعار جميع السلع والمنتجات الحيوانية والنباتية والحبوب والأدوات المنزلية والمحروقات بنحو 5 أضعاف، حسب دراسة لغرفة تجارة دمشق، لكنها ارتفعت بعد ذلك إلى نحو7 أضعاف.

2ـ خسرت القوى العاملة ما يقارب مليوني فرصة عمل، وارتفع معدل البطالة إلى نحو62%.

3ـ انضم نحو5 ملايين مواطن إلى خانة الفقر، منهم نحو3 ملايين مواطن في حالة أقرب إلى الفقر المدقع.

4ـ تراجع الأجور الحقيقية والدخول لجميع العاملين في الدولة والقطاع الخاص قياساً إلى ارتفاعات الأسعار المستمرة، في حين بلغ متوسط الإنفاق الشهري للعائلة السورية قبل الأزمة- حسب دراسات الهيئة السورية لشؤون الأسرة- 30 ألف ليرة سورية، فقد ارتفع خلال هذه الأزمة بنسبة 500%، أما الأجور التي طرأ عليها زيادة حكومية فلم يتجاوز متوسطها في القطاع العام 20 ألف ليرة سورية، وفي القطاع الخاص 15 ألف ليرة سورية.

5ـ بلغ عدد من هاجروا من سورية نحو4 ملايين مواطن، ونصف مليون من المقيمين.

6ـ استغل تجار الأزمات وأثرياء الحروب وبعض المحتكرين من التجار والسماسرة، والمضاربين بالعملة والأسواق السوداء، استغلوا الأوضاع السائدة خلال الأزمة، فمارسوا أشكالاً متعددة من الاستغلال، ساعدهم في ذلك قصور التشريعات التي سُنّت في العقد الماضي، والتي تركت الأسواق رهناً لإرادة أسياد السوق (الحر) وقوانين العرض والطلب! مما فاقم معاناة الجماهير الشعبية، وأصبح تأمين لقمة عيشها وغذاء أطفالها أمراً بالغ الصعوبة.

بداية النهاية

في ظروف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ما قبل الأزمة، وفي ظل التدمير الممنهج لقطاعات الإنتاج والأراضي الزراعية، والبنية التحتية في جميع المناطق والمدن السورية، ومع النجاحات التي أحرزها الجيش السوري، في المناطق المتاخمة للعاصمة، وقبلها بتحرير حلب من قبضة الإرهاب، وتوصل الحكومة إلى عقد مصالحات وطنية في مناطق أخرى قريبة من دمشق.

ومع نجاح الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا)، بدعم علني من الأمم المتحدة، وتفاهم معلن بين روسيا والولايات المتحدة، في تثبيت وقف إطلاق النار في سورية- باستثناء تنظيمي داعش والنصرة الإرهابيين – تم إنشاء مناطق (تخفيف التصعيد)، ويشهد المواطن السوري نوعاً من الهدوء الحذر، وبدأت بعض قطاعات الإنتاج بالعودة إلى العمل،كذلك وبفعل حالة الاستقرار النسبي، استأنفت بعض المراكز المالية العالمية وضع سيناريوهات خاصة بعملية (إعادة إعمار) سورية، خاصة بعد تحرير مدينة حلب من وجود الإرهاب، إذ يشكل المشهد الجديد واقعاً يسمح بالشروع بإعداد العدة لإعادة إنهاض الاقتصاد السوري.

كذلك أعلن الاتحاد الأوربي في شهر أيار المنصرم أن سيناريوهات يجري إعدادها لإعادة إعمار سورية، بمشاركة المصارف والشركات الأوربية الكبرى، وأعلنت حزمة من المصارف وصناديق المال العالمية عن عزمها على وضع خطط خاصة بتمويل هذه العملية، وبشكل عام فإن شعوراً بقرب الانتصار النهائي على الإرهاب، ينتاب المواطنين السوريين، مما يفسح المجال لحوار واسع حول الاستفادة من دروس ما جرى، وخاصة في مسألة مكافحة الفكر الإرهابي، بعد اندحار المنظمات الإرهابية التي روجت له، واستغلت مكامن الضعف في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمجتمعنا السوري.

إن الفقر والبطالة وفقدان الأمن الغذائي، وانعدام الأمل بغد أفضل، إضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية، كلها مظاهر تشجع على مخالفة القيم العليا المجتمع، وتفسح المجال أمام قادة التيارات الإقصائية، والمنظمات الإرهابية المتسترة بالدين، لاستغلالها من أجل جذب جميع المهمشين اقتصادياً واجتماعياً.

هذا ما نود طرحه في ندوتنا هذه، محاولة الاستفادة مما جرى، بهدف التضييق على البيئات، والبؤر التي كانت لأسباب اقتصادية واجتماعية، حواضن لفكر إرهابي إقصائي غريب عن المناخات الفكرية والسياسية التي نشأ في إطارها المواطن السوري.

وحسب اعتقادنا فإن تجاوز الأسباب التي دفعت الكثيرين من أبناء شعبنا في هذه البيئات إلى التعاون، ثم الانخراط في مساعدة المنظمات الإرهابية، سيؤدي شيئاً فشيئاً إلى لجم الفكر الإرهابي، وعودة الحواضن الاجتماعية السابقة التي اعتمد عليها للاندماج في العملية الاقتصادية والاجتماعية الجارية في البلاد.

لقد تبين بشكل جليّ أن رؤية مسؤولي الاقتصاد السوري في الحكومات السابقة للأزمة لم تكن تسعى إلى تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، تُحدث نقلة نوعية في حياة السوريين، في الزمن الذي اتسم بالتحولات العاصفة، وثورة المعلومات وعولمة الاقتصاد، بل عمدت إلى الاكتفاء بوصفة قديمة.. جديدة، روّجها الليبراليون الجدد والمؤسسات الدولية الدائرة في فلكهم، هي ترك الأمر للسوق، ولآليات السوق، وللرساميل الريعية.

أي ببساطة شديدة التحول باتجاه نظام اقتصادي رأسمالي ريعي، يلبي مصالح الأقلية الثرية المستثمِرة في المصارف والتأمين ومشاريع السياحة والعقارات، ويهمش القطاعات المنتجة كالصناعة والزراعة، ويزيد الأعباء المعيشية التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة، ويهمل إنجاز التطوير والتنمية للمناطق المتخلفة في البلاد.

التنمية حق من حقوق الإنسان

إنه حق أساسي، على قدم المساواة مع حقوق الإنسان الأخرى التي أقرها المجتمع الدولي، إنه حق الإنسان في التنمية الذي صدر عن الأمم المتحدة في عام 1986 ، التي استندت في إصداره إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويشكل هذا الحق للإنسان توسيعاً لحقوقه لتشمل الظروف المادية التي تحد من إمكانات غالبية البشر من المساهمة، والانتفاع بثمار تـنمية المجتمعات، وعلى ذلك فإن التنمية التي تضمن للإنسان حقوقه هي (عملية اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم دون تمييز على أساس مشاركتهم النشيطة والحرة في هذه العملية، وأيضاً في التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها). (5)

لن ندخل في الأسباب التي جعلت بلداناً مثل ماليزيا وفييتنام علامات مؤثرة في الاقتصاد العالمي، ولا في الدواعي التي ما تزال تدفعنا حتى اليوم للدعوة إلى تحقيق التنمية الشاملة، بعد أكثر من 70 عاماً على استقلال بلادنا !!! بل نسعى مع غيرنا من المخلصين لسورية إلى وضع نموذج لتنمية حقيقية، اقتصادية واجتماعية شاملة ومتوازنة، تنهض اقتصادنا الوطني بعد الأضرار التي لحقت به من جهة، وتتوجه إلى سحب البساط من تحت أقدام أصحاب الفكر الإرهابي، الذين يستغلون تهميش الشأن الاجتماعي من جهة ثانية، وذلك عن طريق تنمية اقتصادية- اجتماعية تستهدف جميع المؤشرات الاجتماعية، الفقر والبطالة والأمراض والأمية والتخلف المناطقي، وصعوبة الاندماج الاجتماعي، وتدني مستوى التعليم، وعدم تمكين النساء.

عوامل أساسية للنهوض

بعد هذه الإشارات إلى أوجاع الاقتصاد السوري ومعاناة المواطنين السوريين وهمومهم، يمكننا تلمس ما تتوقعه الجماهير الشعبية، وما تتطلبه عملية إنهاض اقتصادنا الوطني، لكننا نسارع هنا إلى توضيح مهم، وهو استحالة تنفيذ أي خطوات اقتصادية جدية، أو تحقيق أي أجندات لإعادة الإعمار، إذا لم تتوفر العوامل السياسية التي تؤسس لإنهاء حالة الركود الاقتصادي. إن استمرار الأزمة السورية، واستمرار غزو الإرهاب، يُعدّ فشلاً للسياسة وتكريساً للسلوك العسكري العنيف، وخرقاً لقوانين المجتمعات المتحضرة.

هنا، نركز على حزمتين من العوامل اللازمة لإنهاض الاقتصاد الوطني:

أولاًـ العوامل السياسية

1- استمرار عمليات المصالحات الوطنية في جميع المناطق، ودفع المجتمعات المحلية إلى ممارسة دورها في هذه المصالحات، توفيراً للدم السوري، والانفتاح على المعارضة السياسية الوطنية في الداخل.

2- الاستمرار في ضرب المجموعات الإرهابية السوداء، وتجفيف بؤر الدعم والمساندة الداخلية لهذه المجموعات، عن طريق تفعيل المجتمعات المحلية في جميع المناطق، وخاصة تلك التي كانت تحتضن هذه المجموعات.

صحيح أننا نتحدث هنا عن إنهاض الاقتصاد السوري، لكننا نرى أن هذه العملية لن تأخذ طابعها الشمولي والمجدي إلا بعد فرض هيبة الدولة على جميع المناطق السورية نظراً لتكامل قطاعات الإنتاج الصناعية والزراعية والنفطية في جميع المحافظات السورية.

3- عقد الحوار الوطني السوري – السوري بمشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية والدينية، والتوافق على سبل إنهاء الأزمة بالطرق السلمية، ووضع أجندة لتنفيذ مطالب السوريين السياسية والاجتماعية، والعمل على إحداث التغيير السلمي ، والتأسيس لبناء سورية المتجددة، الديمقراطية، التعددية، العلمانية، المعادية للإمبريالية الأمريكية والصهيونية والرجعية السوداء.

4- متابعة السعي لإنجاح الجهود السلمية الدولية لإنهاء الأزمة السورية، فرغم أولية الحل السوري_ السوري، فإن التدخل الخارجي الذي قادته الإمبريالية الأمريكية، والدعم المالي واللوجستي الذي قدمه التحالف الدولي المعادي لسورية، إن ذلك كله يتطلب تدخلاً أممياً لضمان توقف الدعم الخارجي للإرهاب، خاصة بعد تشظيه باتجاه دول عربية أخرى، وتهديده للسلم الدولي.

ثانياً – العوامل الاقتصادية

إن حجم الأضرار التي لحقت بقطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي والنفطي يشير إلى صعوبة المهمة التي يتوجب على الحكومة السورية التصدي لها، إذ يتطلب الأمر خطة حكومية محكمة، ومرنة في آن معاً، فمن المستحيل التصدي لهذه المهمة بضربة سيف قاطع، ودفعة واحدة، وأن تحدد هذه الخطة مشكلات كل قطاع على حدة، والأوليات الضرورية لإنهاضه، ومشاريع الإنشاء أو الإصلاح للبنية التحتية التي يحتاجها، وذلك ضمن برنامج زمني شبكي يتقاطع مع المشاريع الأساسية والخدمية الضرورية لجميع القطاعات الأخرى.

هذه الخطة الحكومية (الإنقاذية) يجب أن توضع بالتعاون مع ممثلي الرساميل الوطنية في الداخل وبلاد الاغتراب، وجميع القطاعات المنتجة في القطاعين العام والخاص، وخاصة مع الغرف الصناعية والتجارية، ورجال الأعمال، بعيداً عن فرض الرأي، والأساليب البيروقراطية التي اعتدنا عليها أثناء إعداد الخطط الخمسية في العقد الماضي.

هنا تندمج مهام إعادة إعمار سورية مع مهام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة.

الإعمار من جديد.. إشكالات واقتراحات

بداية نؤكد أن عملية إعمار ما خربته تداعيات الأزمة السورية هي عملية شاقة، وطويلة الأمد، بالنظر إلى ضخامة حجم الخسائر، وهي تتطلب برنامجاً حكومياً يتوافق مع الخطة الحكومية الاقتصادية، ونوضح هنا ونحن ندرك أن هذه العملية تفوق قدرات الدولة، خاصة بعد تناقص إيراداتها العامة، والاستنزاف المقصود للقدرات الاقتصادية والمالية، الذي سعت إليه دول التحالف المعادي لسورية بهدف أخذ سورية من بوابة الاقتصاد.

إن عملية الإعمار تتطلب توفُّر مصادر داخلية لتمويلها بالدرجة الأولى، وهذا يعني، حسب ما نرى، أهمية إنعاش الاقتصاد السوري كي يحقق التراكم الداخلي القادر على التمويل.

وهنا نصطدم بعقبة كبرى: كيف ننعش الاقتصاد الوطني في ظل بنية تحتية مهدمة بفعل جرائم الإرهابيين؟ وهل تستطيع قطاعات الإنتاج الصناعية والزراعية، وقطاع النقل والخدمات والتصدير، الانطلاق، بغياب البنى التحتية اللازمة لعملية الإنعاش؟

السؤال الأبرز هنا: بغياب التمويل الداخلي الآتي من نهوض الاقتصاد السوري، هل يمكن الاعتماد على الدعم والتمويل الخارجي لتنفيذ عملية الإعمار؟

 إن بعض السيناريوهات الخارجية المعدّة لإعادة الإعمار تلجأ إلى تضخيم تكاليف هذه العملية، في محاولة لإظهار استحالة تنفيذها بالقدرات الوطنية السورية، لتصل إلى ضرورة الاعتماد على الخارج (القروض المصرفية – قروض البنك الدولي – قروض الشركات الأجنبية المنفذة – المنح المالية المشروطة – قروض وتسهيلات الدول الصديقة)، وهذا السيناريو يجب أن يترافق مع توجه اقتصادي يتوافق مع هذا السيناريو، أي بكلمة واحدة: تبنِّي سياسات اقتصادية نيوليبرالية ريعية، نخبوية، استناداً إلى آليات السوق الحر، ومنسجمة مع النماذج التي روّجت لها المؤسسات الدولية.

إن عملية الإعمار، بخصوصيتها السورية، تعني أكثر من البناء، والتصنيع، وإنتاج المحاصيل، لقد جعلت مجريات الأزمة السورية هذه العملية، وينبغي – حسب اعتقادنا- أن تجعلها خطة شاملة لبناء الإنسان السوري الجديد أيضاً، الإنسان الإيجابي، الديمقراطي، المتمسك بانسجام مجتمعنا الذي هدَّدتْه دعوات التطرف، والتفتيت الديني والطائفي، والارتقاء إلى مجتمع علماني يعطي (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، وهذه عملية قد تكون أكثر إلحاحاً وأهمية من البناء المادي للحجر والشجر.

تمويل الإعمار

ونحن نرى أن إعمار ما تهدم لن يتحقق بالاستناد إلى سياسات اقتصادية كانت السبب في تحجيم قطاعاتنا المنتجة، وفي إثارة غضب الجماهير الشعبية، بل يتحقق بعد توافق السوريين على نهج اقتصادي تنموي، تعدّدي، استناداً إلى خطة مركزية حكومية، يساهم فيها القطاع الخاص والرساميل الوطنية، ولا تهيمن أو يهيمن عليها، خطة تضمن التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي الناتج عن قطاعات الإنتاج الحقيقي لا الريعي، ومتطلبات التنمية الاجتماعية، تتوزع على مدد زمنية محددة، ولتنفيذ هذه الخطة تُستخدم المواردُ المحلية الحكومية، ومساهماتُ القطاعات الخاصة المنتجة، كما يمكن الاستفادة من قروض الدول الصديقة والشقيقة، وقروض الصناديق المالية الدولية غير الخاضعة لهيمنة الأمريكيين، ومن برامج التنمية التابعة للأمم المتحدة، والمنح والتبرعات غير المشروطة، وسندات الخزينة المخصصة حصراً لتنفيذ مشاريع الإعمار، والاعتماد في تنفيذ هذه المشاريع على الشركات والمؤسسات الحكومية، خاصة شركات الإنشاءات العامة.

ونقول هنا صراحة: إن البعض يستعجل بدء عملية الإعمار، حتى قبل وضع الخطط الحكومية المناسبة، وقبل تدبير مصادر التمويل، وذلك بهدف اقتناص العقود، وتأمين (الشركاء)، وأخذ العملية برمّتها إلى المنحى الذي يُرسم لها في الدوائر الأجنبية و(المحلية) المشبوهة، ونرى ضرورياً أن نقول أيضاً: في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها سورية، وبعد الخسائر الكبيرة التي تحملتها مختلف جهات القطاع الخاص – الذي عمد بعض رموزه إلى تهريب أمواله التي جمعها من أموال السوريين -، وبعد انسحاب الشركات الأجنبية مع أول قرار بالعقوبات وفرض الحصار الاقتصادي على سورية، سيكون من غير السليم الوقوع مرة أخرى في أخطاء دفعنا ثمنها في الماضي وما زلنا نعاني تداعياتها، ولتجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء، نرى ضرورة إحداث صندوق خاص تصب فيه الموارد التالية:

1- مبالغ التعويضات من الدول التي وقفت وراء العمليات التخريبية، وذلك بقرار دولي.

2-الأموال التي سيتم استعادتها من الخارج، والتي نهبت وسرقت أساساً من أموال الدولة والشعب.

3- المنح والمساعدات من الدول الصديقة والداعمة.

وأن يوضع للصندوق نظام خاص، وإدارة ذات صلاحيات واسعة، على أن تتمتع بالنزاهة والشفافية والكفاءة والالتزام الوطني، ويعيّن لهذا الصندوق مجلس أمناء، يضم عدداً من أصحاب الكفاءة، إلى جانب ممثلين عن المتضررين وممثلين عن القطاعات الاقتصادية والخدمية.

وينبغي أن يتلازم إحداث هذا الصندوق مع برنامج شامل لإعادة النظر في التشريعات الاقتصادية، يعتبر الإصلاح الضريبي أهم مجالاته، كما تجرى عملية حصر لأملاك الدولة في القطاع العام والمرافق، بهدف تحسين الأداء فيها، ورفع نسبة إسهام مواردها في عملية التنمية والإعمار.

ستبقى مهمتا إعادة الإعمار، وتحقيق التنمية الشاملة، مسألتين خاضعتين للنقاش والحوار في الداخل والخارج، لكننا كنا، وما زلنا نؤكد ضرورة حلّ هاتين المسألتين في الداخل عبر حوار وطني يشارك فيه جميع خبراء الاقتصاد السوريين، ونعتقد أن جمعية العلوم الاقتصادية السورية قادرة على لعب دور مؤثّر في هذا المجال.

تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة وشاملة:

أولاً – الإطار السياسي:

1 – التمسك بالثوابت الوطنية، وحشد الطاقات لاستعادة الأراضي السورية المحتلة، ومقاومة المخططات الإمبريالية الساعية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة تابعة للنفوذ الأمريكي- الصهيوني.

2 – تعددية سياسية تستند إلى دستور عصري، وصيغة سياسية ديمقراطية، وتداول سلمي للسلطة، وتنافس سلمي بين الأحزاب الوطنية، ومشاركة فاعلة من هيئات المجتمع المدني، وخاصة النقابات.

ثانياً – اقتصاد تنموي تعددي:

يمكن تحديد مضمون هذا النموذج الاقتصادي التنموي استناداً إلى خطة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تضعها الدولة، وتقوم بتنفيذها بالمشاركة مع القطاع الخاص المنتج، والرساميل الوطنية، لتنفيذ الأهداف التالية:

1- تحديث فروع الإنتاج الرئيسية وتطويرها، كالصناعة والزراعة، ومنظومة البنى التحتية، كمشاريع الطرق والنقل السككي ومشاريع الري، وتوليد فرص عمل جديدة، والحفاظ على قطاع عام اقتصادي فاعل، يتدخل في الحياة الاقتصادية جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص المنتج.

2 – إشراف الحكومة على إعادة توزيع عوائد النمو بين الفئات الاجتماعية، عبر شبكة واسعة من الخدمات التي تستهدف الفئات الأقل دخلاً، كالتعليم المجاني المتطور، والضمان الاجتماعي والصحي، وتنمية المناطق المتخلفة، واستهداف بؤر الفقر، وتمكين المرأة.

ثالثاً – مشاركة شعبية ديمقراطية:

إن المشاركة الشعبية الديمقراطية هي شرط جوهري لأي توجه تنموي حقيقي، وذلك عن طريق تفعيل العامل الاجتماعي الداخلي وتنشيطه.

إن نظريات التنمية القائمة على رؤية اقتصادية بحتة، فشلت في تحقيق النقلة النوعية في حياة الناس، فالمفاهيم الكمية والمؤشرات الإحصائية لم تأخذ بالحسبان الإنسان المشارك في عملية التنمية. إن التنمية خاصة في الدول الأقل نمواً هي مسؤولية الدولة، فالمهام الاجتماعية لا يستهدفها القطاع الخاص إلا نادراً، لكن هذه التنمية يجب أن تكون عملية تبادلية، أي من الدولة إلى المجتمع ومن المجتمع إلى الدولة، فالتنمية السلطوية المفروضة من فوق تنتج أزمات اجتماعية.

إنّ توسيع المشاركة الشعبية، عن طريق المجتمعات الأهلية في الريف، وهيئات المجتمع المدني على تنوع تنظيماته، في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية يضمن لهذه العملية سيرورتها المنطقية، الملبية لمصالح الجميع، مما يتطلب تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات، لتأتي تعبيراً عن خيارات المجتمع.

رابعاً – سياسات اقتصادية ملتزمة وفاعلة:

السياسات المتبعة في اقتصاد التنمية يجب أن تتمحور حول تنفيذ بنود الخطة التنموية، إذ لا يجوز هنا أن تتناقض السياسات مع الأهداف المعلنة للخطة، كما حصل في الماضي، عندما كانت الأهداف في وادٍ، وسياسات الطاقم الاقتصادي للحكومة السابقة في وادٍ آخر.

1 – إعادة النظر في سياسات الانفتاح والتحرير، ولا نعني هنا العودة إلى غلق الأبواب، بل الانفتاح على الاقتصاد الإقليمي والدولي، بقدر ما يحقق الفائدة لصناعتنا الوطنية وإنتاجنا الزراعي.

2 – الحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها للمرافق الحيوية والاستراتيجية، كالمرافئ والمطارات وقطاعات الكهرباء والمياه، وتحديث طاقمها الفني والإداري، وإعادة النظر ببعض التشريعات التي تفوح منها رائحة خصخصة هذه المرافق!

3 – مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي وقعتها الحكومات السابقة، وإلغاء ما كان منها مجحفاً وضاراً بقطاعاتنا الإنتاجية.

4 – دعم صناعتنا الوطنية وتحديثها، وتقديم ما يلزم من تسهيلات كي تصبح هذه الصناعة، فعلاً لا قولاً، قاطرة التنمية في البلاد، ووضع برنامج لإصلاح القطاع العام الصناعي.

5 – تحفيز القطاع الخاص المنتج على المساهمة في عملية التنمية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، على إقامة المشاريع الملحوظة في خطة التنمية الشاملة.

6 – ضمان الأمن الغذائي في البلاد، عن طريق الدعم الدائم لقطاع الزراعة، والاستمرار في تنفيذ المشاريع المائية، ومصانع السماد والعلف، وتنمية الثروة الحيوانية، ومنح التسهيلات لمشاركة القطاع الخاص في إقامة المشاريع الصناعية- الزراعية في المحافظات الشرقية.

7 – زيادة حجم الموازنات الاستثمارية، وتوجيهها نحو المشاريع الكبرى، كإقامة صناعات حديثة، ومدّ شبكة متطورة للنقل السككي.

8 – الاهتمام بالشركات الصغيرة والمتوسطة، وبالمصانع الصغيرة والورشات والحرف والمشاغل، التي تشغل الجزء الأكبر من اليد العاملة في البلاد، ومساعدتها على تأمين مستلزمات الإنتاج من مواد أولية وطاقة، وتسهيل حصولها على القروض المصرفية، وإعفاء بعضها من الرسوم والضرائب عند توفيرها لفرص عمل محددة، وتحفيز من كان منها في اقتصاد الظل على التحول إلى الاقتصاد الرسمي والقانوني، وحصر نشاطات الشركات الاستثمارية الكبرى، والشركات القابضة، في المشاريع الأساسية ذات التكاليف الاستثمارية المرتفعة، لا في المطاعم والمنتجعات.

9 – تطوير السياحة الثقافية والدينية والعلاجية، وعدم الاعتماد فقط على السياحة التقليدية (سياحة النخب).

10 – توجيه القطاع المصرفي الخاص والعام نحو المساهمة في المشاريع الكبيرة الملحوظة في خطة التنمية، وإطلاق القروض العامة (سندات الخزينة) لتمويل المشاريع الاستثمارية حصراً.

11 – مكافحة الفساد بجميع أشكاله وتجلياته، فهو يعطل تنفيذ الخطط التنموية، ويحبط آمال الجماهير الشعبية بعملية التنمية برمتها.

خامساً – سياسات اجتماعية هادفة:

1 – تنمية المناطق المتخلفة، وخاصة في المناطق الشرقية والشمالية من البلاد، واستهداف المجتمعات المحلية بحزمة من الخدمات التعليمية والصحية، ومشاريع تحسين الدخل الأسري في هذه المناطق.

2-استعادة الدور الرعائي الداعم للفئات الفقيرة، ووضع سياسة للأجور تقوم على سلم متحرك يتناسب مع غلاء المعيشة، والحفاظ على المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة.

3- وضع خطة شاملة لتجفيف بؤر الفقر، وخلق فرص عمل جديدة في المناطق الفقيرة بالتعاون مع المجتمعات المحلية والأهلية.

4 – الحد من تفشي البطالة، خاصة بين الشباب، ويعد زيادة استثمارات الحكومة في قطاعها العام، والتعاون مع القطاع الخاص، لتوفير فرص عمل جديدة، وتقديم التسهيلات المصرفية للمهنيين والحرفيين الشباب، ودعم الزراعة السورية، هي أبرز الحلول في هذا المجال.

5 – دعم التعليم المجاني وتطويره، ومعالجة تسرب التلاميذ، والاهتمام الخاص بتعليم الفتيات في المناطق الأقل نمواً، وإقامة جامعات حكومية جديدة قادرة على استيعاب الزيادة المضطردة في أعداد الطلاب.

6 – تنفيذ الوعود القديمة الجديدة، التي قطعتها الحكومات، بتمكين المرأة السورية، وزيادة مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية، وسن التشريعات العصرية الهادفة إلى مساواتها الكاملة مع الرجل.

إن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية استناداً إلى نموذج اقتصادي تنموي تعددي، سيمارس تأثيره لا في البنى الاقتصادية وقطاعات الإنتاج، أوفي التبديل الجذري للأوضاع الاجتماعية والمعيشية، لجماهير الشعب السوري فقط، بل ستمتد مفاعيله إلى الأوضاع السياسية في البلاد، إذ يساعد في تحقيق الاستقرار المجتمعي، ويدعم النظام السياسي الديمقراطي، ويعمل على إدماج جميع المناطق في صلب العملية الاقتصادية والاجتماعية، ويقلل إلى حد كبير مخاطر وجود بيئات اجتماعية خارج السياق العام المتناغم في البلاد، وبالتالي تجفيف الحواضن الاجتماعية والمادية التي تشجع وتدعم الفكر الإرهابي في البلاد.

 

عضو جمعية العلوم الاقتصادية

رئيس تحرير صحيفة النور السورية

 

المراجع

1- تقرير الأمم المتحدة المنشور في صحيفة (الإنديبندنت) البريطانية.

2– البرنامج الخاص عن شركة مونسانتو، في قناة دبي.

3- سورية 2025 – الاقتصادي-

4– فؤاد لحام: الصناعة السورية في ظل الأزمة

5 – نشرة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، نيسان 2004.

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!