كي لا يكون الرقم وجهة نظر

كتب المحرر السياسي:

بعد مخاض طويل استمر 9 أشهر، ومعارك كسر عظم سياسية، وحملات ترهيب وتهويل من انهيار اقتصادي قريب، وبعد “أخطاء” وزارية كلّفت الخزينة مليارات الدولارات، وبعد تراجع التصنيف السيادي للبلاد وهبوط أسعار السندات، ولدت الحكومة الجديدة دون تغيير يذكر عن الحكومة السابقة.

9 أشهر والحديث عن عرقلة خارجية ومعارك داخلية. 9 أشهر من استثمار التهويل بـ”الانهيار” بين القوى السياسية، والنداءات المتتالية بضرورة التغيير على الصعيد الاقتصادي. 9 أشهر من الشعارات الرنّانة حول كسر احتكار الريع وتحويل الاقتصاد الى منتج. 9 أشهر انتهت الى إعادة التأكيد على السير بالنهج الاقتصادي ذاته الذي ما فتئنا غارقين في نتائجه منذ ربع قرن وأكثر.

في اليوم الأخير من الشهر الأول للعام 2019، قدّم الرئيس سعد الحريري تشكيلة حكومته الى رئيس الجمهورية ميشال عون الذي وقّع المراسيم التي جعلت منها حكومة “الى العمل”.

التشكيلة التي حوت عديد الأسماء المستعادة من الحكومة السابقة، ضمّت 17 وزيراً جديداً دون الإعلان عن أي برنامج اقتصادي أو اجتماعي واحد يأتي الوزراء لتطبيقه. ولعلّ أوضح ما نتجت عنه الولادة الحكومية هو الإصرار على تثبيت الخيارات الاقتصادية ذاتها المتبعة منذ نهاية الحرب الأهلية، والقائمة على ضرب القطاعات الانتاجية والقطاع العام خدمة لإعلاء الريع والتوجّه نحو خصخصة المرافق تحت ستار “الشراكة بين القطاع العام والخاص”، وتحديداً بعد تأكيد الرئيس الحريري على وجود بند “الالتزام بمقرّرات سيدر” في صلب البيان الوزاري لحكومته، مترافقاً مع تأكيد وزراء جدد على أهمية الأخذ بـ”رؤية ماكنزي” لنبني عليها خطة اقتصادية !

ولعلّ الدليل الأبرز على إصرار السلطة على إعادة إتّباع النهج الاقتصادي نفسه توّجها تعيين رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير وزيراً للاتصالات، وهو المعروف عنه تأييده للخصخصة ومطالباته الدائمة بالتراجع عن سلسلة الرتب والرواتب، وهو الذي يحمّل القطاع العام مسؤولية “الركود والمشاكل الاقتصادية” !

وفيما تأخّر الإعلان عن الحكومة 9 اشهر بحجة الصراع على التوجّهات التي يفترض ان تتبناها الحكومة، لا تزال برامج الوزراء غامضة في ظلّ تعيينات سياسية لا خطط عمل واضحة.

وإن كان الصراع على الحقائب في الأيام الأخيرة قبل الولادة الحكومية أظهر أنّ السباق كان محتدماً على الوزارات التي رصد لها “سيدر” الحصة الأكبر من الأموال، يبدو أنّ الطبقة السياسية تناست من جهة الطرح السابق بضرورة قيام وزارة تخطيط، وارتأت من جهة أخرى أنّ الفساد ما عاد يشكّل مشكلة، وهو ما أظهره بوضوح إلغاء وزارة الدولة لشؤون مكافحة الفساد !

وفي حين كان الرهان معقوداً في فترة ما قبل الولادة الحكومية على رئيس الجمهورية وخطابه القائل بتحويل الاقتصاد من ريعي الى منتج مع انطلاق “حكومة العهد الأولى”، وكذلك على دخول حزب الله معترك الاقتصاد بغية مكافحة الفساد وإعادة تصحيح بوصلة الإقتصاد من خلال التخطيط، يبدو أنّ التغيير المنشود ذهب مع الريح في ظلّ إخراج حكومي أبقى الخيارات القديمة على قدمها، لا بل شدّد عليها وعمّقها.

نقطة إضافية لا بدّ من التطرّق إليها وهي شكّلت حجّة لقوى السلطة لتأجيل إعلان الحكومة هي قضية العلاقة مع سوريا. فعلى الرغم من وجود عديد الوزراء في الحكومة ممن لم تنقطع علاقاتهم بسوريا ويستطيعون الحديث مع نظرائهم السوريين، لا يزال موقف الحكومة الجديدة من الحديث مع سوريا غامضاً، خصوصاً في ظلّ تشبّث الرئيس الحريري وحزب القوات وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط برفض الانفتاح على سوريا، علماّ أنّ العلاقة معها ضرورة وطنية واقتصادية للبنان في ظلّ وجود عدد كبير من النازحين في أرضه، الى كون سوريا معبر التصدير البري الوحيد للبنان الى الخليج العربي، بالإضافة طبعاً الى التأكيدات اللبنانية على ضرورة، لا بل حتمية، مشاركة لبنان في إعادة إعمار سوريا، وهو ما لن يتحقّق إلّا بعودة العلاقات الطبيعية بين البلدين.

تهديدات أميركية في بيروت !

جدير بالذكر أنّ الحكومة، التي جاءت على شاكلة سابقتها التي لم تنعقد مرّة لنقاش العقوبات الاقتصادية الأميركية على لبنان،  أعلنت بعد يومين من انطلاق زيارة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي ولقائه الرؤساء الثلاثة ووزيري المال والأشغال، وهو الآتي الى بيروت للتأكيد على ضرورة التشدّد في إبقاء كلّ من يمتّ بصلة، مهما كانت بعيدة، الى المقاومة خارج المنظومة المصرفية.

ولعلّ وقاحة بيلنغسلي تجلّت في حديثه أمام جمعية المصارف حيث حذّر من مغبّة التعاون مع حزب الله، مطالباً بعزل المقاومة اللبنانية، ومتوعّداً، علماّ أن الولايات المتحدة تستخدم علانية اليوم سلاح المال والاقتصاد لترهيب اللبنانيين وتأليبهم على حزب الله وتحميله مسؤولية أي عقوبات تفرضها الإدارة الأميركية وتؤثّر على البلاد ككلّ، بذريعة عدم مواجهة الدولة اللبنانية والقوى السياسية للحزب.

وتشير مصادر مصرفية عليمة لـ”الإعمار والإقتصاد” أنّ بيلنغسلي حاول أن يوحي بإمكانية قبول الولايات المتحدة بمبادلة المكاسب السياسية التي يمكن أن تحصل عليها من التضييق على حزب الله في مقابل إبداء مرونة بتطبيق قانون العقوبات، وهو ما فُهم تماماً من قبل الحاضرين.

المسؤول الأميركي كشف امام الجمعية عن توجّه خلال العام الحالي، في وزارة الخزانة وفي وزارة الخارجية بتعليمات من الرئيس دونالد ترامب، لمراقبة كل حركة يقوم بها ليس فقط حزب الله، لكن لبنان ككلّ و”سنركز على كل شاردة وواردة في هذا البلد”!

وأضاف بيلينغسلي أمام الحاضرين أنّ لديه معلومات عن أن المصارف لا تزال تتعاون مع حزب الله ومع حسابات وهميّة، مطالباً إياها بمصادرة الأموال من الحسابات المشبوهة لا تجميدها فحسب، قبل أن يشير مستهزئاً الى أنّ الولايات المتحدة ترى “ماذا تعملون أنتم اللبنانيون لمنع حزب الله من اختطافكم!”

وقاحة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب لم تقف عند هذا الحدّ، بل تجلّت حين آثر التدّخل في تشكيلة الحكومة عبر تحذيره من مغبّة حصول حزب الله على وزارة الصّحة، مردّداً الحديث الأميركي عن وجود شحّ مالي لدى الحزب، وفاتورة صحية لا تُحتمل جراء عدد الشهداء (سمّاهم قتلى) والجرحى وأولادهم، مع تأكيده أنّ حصول الحزب على وزارة الصّحة هو الطريقة الوحيدة لتعويض خسائره. وادعى بيلنغسلي أنّ حزب الله سيغرق لبنان بالأدوية الإيرانية قائلاً لمن حضر من جمعية المصارف: “كلّكم تعرفون فعاليتها ومدة صلاحيتها والمال الذي يرغب أن يجنيه الحزب من ورائها”!

ولم يتوقّف تدخّل المسؤول الأميركي السافر في الشأن الحكومي هنا، بل أضاف مستهزئاً أنّ بلاده عرفت مسبقاً نحو 90% من الخيارات الوزارية والأسماء المطروحة، مشيراً الى أنّ بعض الأسماء المرشحّة للوزارة “مثيرة للشفقة”!

تهديدات بيلنغسلي استكملتها وزارة الخارجية الأميركية التي أصدرت بياناً إثر تشكيل الحكومة عبّرت فيه عن قلقها من تبوّء حزب الله مناصب وزارية، أبرزها وزارة الصّحة، مطالبة الحكومة الجديدة بعدم السماح للحزب من الاستفادة من مقدّرات الوزارات، داعية الحكومة الى الالتزام بالنأي بالنفس عن أزمات المنطقة، والإيفاء بالالتزامات الدولية بما فيها قرارا مجلس الأمن الدولي 1559 و1701.

بطبيعة الحال، لم يخرج صوت رسمي واحد يدين هذه التهديدات الأميركية التي شكّلت تدخّلاً سافراً في الشؤون الداخلية للبنان، في حين تتوقّع مصادر مطّلعة لـ”الإعمار والاقتصاد” خلوّ البيان الوزاري من أي ذكر لمضوع العقوبات الأميركية التي تستهدف لبنان، في استكمال لسياسة طمر الرأس في الرمل التي انتهجتها الحكومة الماضية في ما خصّ هذا الملفّ !

 

ملفات كبيرة ينتظر أن تواجهها حكومة العهد الأولى تبدأ من الوضع المالي الصعب والاقتصادي الأصعب، ولا تنتهي مع مقرّرات سيدر وصولاً الى التشدّد الأميركي الواضح في موضوع العقوبات ضدّ حزب الله والتي تستهدف البلاد ككلّ.

وفي حين انتظر اللبنانيون تسعة أشهر لولادة حكومة تتجرّأ على اتخاذ خطوات جذرية تضع لبنان على سكّة التغيير الحقيقي في ما يتعلّق بالبنيان الاقتصادي والمالي، جاءت تشكيلة “الى العمل” لتؤكّد بقاء الخيارات الاقتصادية التي أوصلت بالبلاد الى ما سمّاه مدير البنك الدولي قبل 18 عاماً “المركب المثقوب”، والذي بات الثقب فيه اليوم بحجم البلد.

كتب المحرر السياسي:

بعد مخاض طويل استمر 9 أشهر، ومعارك كسر عظم سياسية، وحملات ترهيب وتهويل من انهيار اقتصادي قريب، وبعد “أخطاء” وزارية كلّفت الخزينة مليارات الدولارات، وبعد تراجع التصنيف السيادي للبلاد وهبوط أسعار السندات، ولدت الحكومة الجديدة دون تغيير يذكر عن الحكومة السابقة.

9 أشهر والحديث عن عرقلة خارجية ومعارك داخلية. 9 أشهر من استثمار التهويل بـ”الانهيار” بين القوى السياسية، والنداءات المتتالية بضرورة التغيير على الصعيد الاقتصادي. 9 أشهر من الشعارات الرنّانة حول كسر احتكار الريع وتحويل الاقتصاد الى منتج. 9 أشهر انتهت الى إعادة التأكيد على السير بالنهج الاقتصادي ذاته الذي ما فتئنا غارقين في نتائجه منذ ربع قرن وأكثر.

في اليوم الأخير من الشهر الأول للعام 2019، قدّم الرئيس سعد الحريري تشكيلة حكومته الى رئيس الجمهورية ميشال عون الذي وقّع المراسيم التي جعلت منها حكومة “الى العمل”.

التشكيلة التي حوت عديد الأسماء المستعادة من الحكومة السابقة، ضمّت 17 وزيراً جديداً دون الإعلان عن أي برنامج اقتصادي أو اجتماعي واحد يأتي الوزراء لتطبيقه. ولعلّ أوضح ما نتجت عنه الولادة الحكومية هو الإصرار على تثبيت الخيارات الاقتصادية ذاتها المتبعة منذ نهاية الحرب الأهلية، والقائمة على ضرب القطاعات الانتاجية والقطاع العام خدمة لإعلاء الريع والتوجّه نحو خصخصة المرافق تحت ستار “الشراكة بين القطاع العام والخاص”، وتحديداً بعد تأكيد الرئيس الحريري على وجود بند “الالتزام بمقرّرات سيدر” في صلب البيان الوزاري لحكومته، مترافقاً مع تأكيد وزراء جدد على أهمية الأخذ بـ”رؤية ماكنزي” لنبني عليها خطة اقتصادية !

ولعلّ الدليل الأبرز على إصرار السلطة على إعادة إتّباع النهج الاقتصادي نفسه توّجها تعيين رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير وزيراً للاتصالات، وهو المعروف عنه تأييده للخصخصة ومطالباته الدائمة بالتراجع عن سلسلة الرتب والرواتب، وهو الذي يحمّل القطاع العام مسؤولية “الركود والمشاكل الاقتصادية” !

وفيما تأخّر الإعلان عن الحكومة 9 اشهر بحجة الصراع على التوجّهات التي يفترض ان تتبناها الحكومة، لا تزال برامج الوزراء غامضة في ظلّ تعيينات سياسية لا خطط عمل واضحة.

وإن كان الصراع على الحقائب في الأيام الأخيرة قبل الولادة الحكومية أظهر أنّ السباق كان محتدماً على الوزارات التي رصد لها “سيدر” الحصة الأكبر من الأموال، يبدو أنّ الطبقة السياسية تناست من جهة الطرح السابق بضرورة قيام وزارة تخطيط، وارتأت من جهة أخرى أنّ الفساد ما عاد يشكّل مشكلة، وهو ما أظهره بوضوح إلغاء وزارة الدولة لشؤون مكافحة الفساد !

وفي حين كان الرهان معقوداً في فترة ما قبل الولادة الحكومية على رئيس الجمهورية وخطابه القائل بتحويل الاقتصاد من ريعي الى منتج مع انطلاق “حكومة العهد الأولى”، وكذلك على دخول حزب الله معترك الاقتصاد بغية مكافحة الفساد وإعادة تصحيح بوصلة الإقتصاد من خلال التخطيط، يبدو أنّ التغيير المنشود ذهب مع الريح في ظلّ إخراج حكومي أبقى الخيارات القديمة على قدمها، لا بل شدّد عليها وعمّقها.

نقطة إضافية لا بدّ من التطرّق إليها وهي شكّلت حجّة لقوى السلطة لتأجيل إعلان الحكومة هي قضية العلاقة مع سوريا. فعلى الرغم من وجود عديد الوزراء في الحكومة ممن لم تنقطع علاقاتهم بسوريا ويستطيعون الحديث مع نظرائهم السوريين، لا يزال موقف الحكومة الجديدة من الحديث مع سوريا غامضاً، خصوصاً في ظلّ تشبّث الرئيس الحريري وحزب القوات وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط برفض الانفتاح على سوريا، علماّ أنّ العلاقة معها ضرورة وطنية واقتصادية للبنان في ظلّ وجود عدد كبير من النازحين في أرضه، الى كون سوريا معبر التصدير البري الوحيد للبنان الى الخليج العربي، بالإضافة طبعاً الى التأكيدات اللبنانية على ضرورة، لا بل حتمية، مشاركة لبنان في إعادة إعمار سوريا، وهو ما لن يتحقّق إلّا بعودة العلاقات الطبيعية بين البلدين.

تهديدات أميركية في بيروت !

جدير بالذكر أنّ الحكومة، التي جاءت على شاكلة سابقتها التي لم تنعقد مرّة لنقاش العقوبات الاقتصادية الأميركية على لبنان،  أعلنت بعد يومين من انطلاق زيارة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي ولقائه الرؤساء الثلاثة ووزيري المال والأشغال، وهو الآتي الى بيروت للتأكيد على ضرورة التشدّد في إبقاء كلّ من يمتّ بصلة، مهما كانت بعيدة، الى المقاومة خارج المنظومة المصرفية.

ولعلّ وقاحة بيلنغسلي تجلّت في حديثه أمام جمعية المصارف حيث حذّر من مغبّة التعاون مع حزب الله، مطالباً بعزل المقاومة اللبنانية، ومتوعّداً، علماّ أن الولايات المتحدة تستخدم علانية اليوم سلاح المال والاقتصاد لترهيب اللبنانيين وتأليبهم على حزب الله وتحميله مسؤولية أي عقوبات تفرضها الإدارة الأميركية وتؤثّر على البلاد ككلّ، بذريعة عدم مواجهة الدولة اللبنانية والقوى السياسية للحزب.

وتشير مصادر مصرفية عليمة لـ”الإعمار والإقتصاد” أنّ بيلنغسلي حاول أن يوحي بإمكانية قبول الولايات المتحدة بمبادلة المكاسب السياسية التي يمكن أن تحصل عليها من التضييق على حزب الله في مقابل إبداء مرونة بتطبيق قانون العقوبات، وهو ما فُهم تماماً من قبل الحاضرين.

المسؤول الأميركي كشف امام الجمعية عن توجّه خلال العام الحالي، في وزارة الخزانة وفي وزارة الخارجية بتعليمات من الرئيس دونالد ترامب، لمراقبة كل حركة يقوم بها ليس فقط حزب الله، لكن لبنان ككلّ و”سنركز على كل شاردة وواردة في هذا البلد”!

وأضاف بيلينغسلي أمام الحاضرين أنّ لديه معلومات عن أن المصارف لا تزال تتعاون مع حزب الله ومع حسابات وهميّة، مطالباً إياها بمصادرة الأموال من الحسابات المشبوهة لا تجميدها فحسب، قبل أن يشير مستهزئاً الى أنّ الولايات المتحدة ترى “ماذا تعملون أنتم اللبنانيون لمنع حزب الله من اختطافكم!”

وقاحة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب لم تقف عند هذا الحدّ، بل تجلّت حين آثر التدّخل في تشكيلة الحكومة عبر تحذيره من مغبّة حصول حزب الله على وزارة الصّحة، مردّداً الحديث الأميركي عن وجود شحّ مالي لدى الحزب، وفاتورة صحية لا تُحتمل جراء عدد الشهداء (سمّاهم قتلى) والجرحى وأولادهم، مع تأكيده أنّ حصول الحزب على وزارة الصّحة هو الطريقة الوحيدة لتعويض خسائره. وادعى بيلنغسلي أنّ حزب الله سيغرق لبنان بالأدوية الإيرانية قائلاً لمن حضر من جمعية المصارف: “كلّكم تعرفون فعاليتها ومدة صلاحيتها والمال الذي يرغب أن يجنيه الحزب من ورائها”!

ولم يتوقّف تدخّل المسؤول الأميركي السافر في الشأن الحكومي هنا، بل أضاف مستهزئاً أنّ بلاده عرفت مسبقاً نحو 90% من الخيارات الوزارية والأسماء المطروحة، مشيراً الى أنّ بعض الأسماء المرشحّة للوزارة “مثيرة للشفقة”!

تهديدات بيلنغسلي استكملتها وزارة الخارجية الأميركية التي أصدرت بياناً إثر تشكيل الحكومة عبّرت فيه عن قلقها من تبوّء حزب الله مناصب وزارية، أبرزها وزارة الصّحة، مطالبة الحكومة الجديدة بعدم السماح للحزب من الاستفادة من مقدّرات الوزارات، داعية الحكومة الى الالتزام بالنأي بالنفس عن أزمات المنطقة، والإيفاء بالالتزامات الدولية بما فيها قرارا مجلس الأمن الدولي 1559 و1701.

بطبيعة الحال، لم يخرج صوت رسمي واحد يدين هذه التهديدات الأميركية التي شكّلت تدخّلاً سافراً في الشؤون الداخلية للبنان، في حين تتوقّع مصادر مطّلعة لـ”الإعمار والاقتصاد” خلوّ البيان الوزاري من أي ذكر لمضوع العقوبات الأميركية التي تستهدف لبنان، في استكمال لسياسة طمر الرأس في الرمل التي انتهجتها الحكومة الماضية في ما خصّ هذا الملفّ !

 

ملفات كبيرة ينتظر أن تواجهها حكومة العهد الأولى تبدأ من الوضع المالي الصعب والاقتصادي الأصعب، ولا تنتهي مع مقرّرات سيدر وصولاً الى التشدّد الأميركي الواضح في موضوع العقوبات ضدّ حزب الله والتي تستهدف البلاد ككلّ.

وفي حين انتظر اللبنانيون تسعة أشهر لولادة حكومة تتجرّأ على اتخاذ خطوات جذرية تضع لبنان على سكّة التغيير الحقيقي في ما يتعلّق بالبنيان الاقتصادي والمالي، جاءت تشكيلة “الى العمل” لتؤكّد بقاء الخيارات الاقتصادية التي أوصلت بالبلاد الى ما سمّاه مدير البنك الدولي قبل 18 عاماً “المركب المثقوب”، والذي بات الثقب فيه اليوم بحجم البلد.

Share This

Share This

Share this post with your friends!