كي لا يكون الرقم وجهة نظر

 

يعيش لبنان في الفترة الأخيرة، في مرحلة حرجة جداً على كافة الأصعدة، ومن بين أسباب هذا الوضع، التأخير الكبير في تشكيل الحكومة، مما يفاقم الأمور العالقة ويعطّل الحركة في البلد.

الأمر الذي  أدى إلى أن تعلو أصوات المواطنين، والمعنيين وبعض المسؤولين، نتيجة تردّي الوضع الذي وصلنا أو يمكن أن نصل إليه.

بناءً عليه وعلى وقع الوضع المأساوي ، نشطت حركة الإحتجاجات الشعبيّة ، وإن تعدّدت أسبابها وأهدافها، لكل فريق من الأفرقاء المعتصمين، إلاّ أنّ الهدف الموّحد يبقى “الحق بالعيش الكريم”.

 

إضراب في كل لبنان

دعا الإتحاد العمالي العام في الرابع من الشهر الحالي إلى إضرابٍ عام، للمطالبة بإسراع تشكيل الحكومة. وقد تعرض هذا الإحتجاج إلى عدّة إنتقادات من عدّة جهات. أما عن الأهداف الرئيسية لهذا التحرك، يقول حسن فقيه نائب رئيس الإتحاد العمالي العام لـ immarwaiktissad ” مطلبنا كإتحاد عمالي هو الإسراع في تشكيل الحكومة، لما لهذا التأخير من ضررٍ، على مصالح العمال وأصحاب العمل، والشأن العام “.

يتابع “هذا الهدف واحد  عملنا عليه مع  أصحاب العمل ، وخلال اللقاء الكبير الذي عقدناه أعلنّا بشكل جماعي، حاجتنا إلى حكومة في ظل  تدهور الوضع الإقتصادي السائد في البلد”.

أما عن طبيعة الإضراب الذي لم يأت على شكل نزول إلى الشارع، أو تسكير طرقات فيوضح فقيه “نحن لم نرد أن يكون الإضراب تجمعات ، أو إقفال مرافق أو إيذاء أي مواطن . بل أردنا أن نصدر صرخة لتشكيل الحكومة والإنتهاء من هذا الموضوع”. يستطرد  “ولكن أصبح هناك تفسير مغاير لحقيقة الأمور، و إعطاء أبعاد للإضراب كلٍ من منظاره الخاص”.

إتهامات بتسيس الإضراب

تعرض  إضراب الإتحاد العمالي إلى عدّة إتهامات من قبل عدّة جهات، إذ إعتبره البعض مسيّساً. في هذا السياق، يؤكد فقيه  “إننّا نؤكد أنّ هذا الإضراب غير مسيّس، وغير موّجه ضد أحد ، بل فقط هو لضغط على الطبقة السياسية، بأكملها للإسراع في تشكيل الحكومة، لأنّ الأمور غير جيّدة.”

يضيف ” وأكبر مثال ما تعرضنا له بالأمس، من تداعيات العاصفة حيث ظهرت الفضائح . لذلك نريد حكومة جديّة، ومواظبة من قبل الوزراء للقيام بواجباتهم (كالموازنات…). فمن المؤسف  أننا مقبلون على إستضافة القمة الإقتصادية، في ظل غياب الحكومة، فحكومة تصريف الأعمال تعمل بالحد الأدنى”.

أما عن الإتهامات بوجود أحزاب داعمة للإضراب، الأمر الذي أعطاه صبغة التسييس، فيوضح فقيه “عندما أعلن عن قيامنا بإضراب سلمي وحضاري، للمطالبة بتشكيل الحكومة اليوم قبل الغد، تضامن معنا  الشيخ سامي الجميّل ووفد من حزب الكتائب، ووفد من اللقاء الديمقراطي. و نحن ممنونين لهم وإلى أي شخص تضامن معنا، فأين المشكلة في ذلك ، فهم متنبهون إلى معاناة الناس والتجار”.

يستطرد فقيه “نحن نتصرف بمسؤولية كاملة، ونعلم أن الوضع في لبنان دقيق بكافة أشكاله.  لذلك نحن لم نثر في إضرابنا أن نتحرك أو نقيم تظاهرات على الأرض، أو إعتصامات أو تجمعات كي لا تنزلق الأمور إلى أماكن لا نريدها، ونحن  لدينا كل الجرأة الأدبية، وقد نفذنا الخطوة الأولى، والخطوات اللاحقة ستكون تباعاً وتصاعدية”.

المشاركة في الإحتجاجات الشعبية

لن يكون الإتحاد العمالي العام، أول أو أخر من سيدعو إلى وقفة إحتجاجية، لإطلاق صرخة بشأن الوضع القائم في البلد، فقد سبق تحركه وسيليه تحركات أخرى من مختلف القوى. في هذا المجال يقول فقيه ” أما عن  تحرك الثالث عشر من هذا الشهر، فهناك قوى عقائدية داعية للإضراب، وقد يكون لديها مطالب أخرى غير تشكيل الحكومة، فالبعض  يقول أن الهدف من النزول إلى الشارع، هو من أجل إسقاط الحكومة وليس تشكيلها.”  يتابع “فيما نحن متواضعون وموضوعيون نطالب، أوًلاً بتشكيل الحكومة من أجل حل المشاكل القائمة، ونحن نعتبر أنفسنا حالة مسؤولة  ونفكر بمسؤولية،  فلدينا عمال يعملون في المصانع والمؤوسسات التجارية، ونحن حريصون عليهم وعلى أرباب العمل أيضاً، وعلى الأملاك العامة”.

ويختم فقيه بالقول ” قمنا بكل السبل السلميّة، الآيلة إلى التهدئة ونيل ما نتمنى بالأسلوب الحضاري، كي لا نفقد السيطرة على الوضع .إذ أنّ هناك بعض الأماكن التي تخرج عن السيطرة، وتؤدي إلى تفلت الأمور  نحو أماكن لا نتمناها”.

الهيئات الإقتصادية تحتج

لاقى إضراب الإتحاد العمالي العديد من الإنتقادات، وقد رفضت الهيئات الإقتصادية المشاركة فيه لعدّة إعتبارات، منها عدم التوقيت المناسب للتحرك.  وفي هذا الإطار، يقول الأمين العام للهيئات الإقتصادية ورئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشماس لـ immarwaiktissad ” في لبنان الإقتصاد يتأثر بالسياسة ولا يؤثر فيها، بخلاف الدول العالمية حيث تكون السياسة في خدمة الإقتصاد.  والإضرابات بشكلٍ عام في لبنان لا تنجح، فإذا ما نظرنا إلى  تاريخه الحديث أي منذ خمسين إلى ستين سنة، فإن عدد الإضرابات الناجحة لا يتعدى أصابع اليد الواحدة” . يضيف ” لذلك لا يجب الإستسهال  بالإضراب العام، فكي ينجح هو يحتاج إلى شروط كثيرة ومهمة”.

ويتابع في السياق عينه، “نحن من أول المطالبين بإعادة تكوين السلطة وتفعيل الإقتصاد، وبالتالي يهمنا توافر الشروط ، كي لا تكون الكلفة أكبر من المردود. لذلك كتجار وإختصاصين في السياحة والترفية، فمن المتعارف عليه أنّه بين 20 كانون الأول والثامن من كانون الثاني ، هذه الفترة التي تمتد نحو أسبوعين ونصف، تمثل ما لا يقل عن 20% من نشاطنا السنوي.”

ليوضح “لسنا مستعدين لكسر هذه الديناميكية الناشئة، خاصة مع ظهور طلائع السيّاح  العرب، وعودتهم إلى لبنان، إضافة إلى أنّه بعد  أسبوعين من المقرر أن نستضيف مؤتمر عربي إقتصادي، فليس من المفيد نشر غسيلنا  الداخلي أمام الغير “.

 

التحرك بطريقة أخرى

تعتبر الهيئات الإقتصادية أن الإضراب لم يكن ناجحاً، أما عن الأسباب فيوضح شماس “المشكلة أولاً تكمن في توقيت الإضراب، ثانياُ موضوع التنظيم . فهكذا أمور  تحتاج إلى تخطيط وجدولة الأمور لوضعها على السكة الصحيحة، لكن قبل ذلك يجب منع التسييس” .

وفي هذا السياق يضيف شماس “أنا خاطبت السيد بشارة (رئيس الإتحاد العمالي العام)، وقلت له غلطة الشاطر بألف، وأنا أعتبره كفوء . إلاّ أنّه نجح من خلال الإضراب، في شطر المجتمع الإقتصادي وقسمه ، بمجرد أن جلس بجانب ممثل عن حزب ناشىء. في حين نحن نبتعد كل البعد عن السياسة والأحزاب والطوائف والمذاهب، إذ كهيئات إقتصادية فإنّ مصداقيتنا وحرصنا على الإقتصاد، ووحدتنا ونجاحنا مبني على إبتعادنا عن السياسة”.

أما عن ضرورة إتخاذ موقف من الوضع الحرج الذي نمر به، فيقول شماس “نحن تحركنا في الماضي وسنتابع تحركنا، وكان آخر مؤتمر لنا مع الإتحاد العمالي والمهن الحرة، في الخامس والعشرين من شهر أيلول الفائت”.

 

شروط نجاح الإضراب

يتابع في المجال عينه “أنا لا أحبذ تحرك الشارع، بل أفضل التحرك مؤسساتياُ، إذ لدينا مجلس نواب منتخب منذ أقل من ثمانية شهور، ومجلس إقتصادي إجتماعي وظيفته، إمتصاص هذا الإحتقان وأن يجعل الحوار مزخم بين جميع الأطراف الإنتاج. فإذا ما اضطر أحد إلى  إقامة تحرك يجب أن يكون مدروساً، خاصة مع وجود جدول مكثف للتحركات  القادمة في الشارع”.

أما عن شروط نجاح أي إضراب فيعتبر شماس ” أنّ إقتصاد لبنان واقف على حافة الهاوية، لذلك يجب أن نكون حكيمين جداُ ومسؤولين، فكثرة التحركات تشتت الإنتباه. أما التحرك الناجح فيجب أن تتوافر فية ثلاث تاءات وهي، أولاُ التوقيت الصائب، ثانياً التنظيم، وثالثاُ التجيش”.

ويؤكد في هذا الصدد، “يجب أن يكون الداعي إلى الإضراب واقعي، وأن يعرف تنظيم الأمور، كذلك  معرفة الشريك الحقيقي،  ومنذ خمسين سنة فائتة ولخمسين سنة قادمة، الشريك الحقيقي هو الهيئات الإقتصادية”.

ويختم شماس بالقول “نحن نمثل 80% من النشاط الإقتصادي، فإذا كان لا بد من تحركٍ ميدانيٍ، فليكن طبشة موضوعية ومدويّة، و ليس أن تكون عملية بشكلٍ يومي. وذلك من أجل أن  نكون فعالين في قلب المقاييس، لا أن تقلبنا هذه المقايس”.

 

التحركات تغزو لبنان

شهد لبنان في الآونة الأخيرة، وسيشهد سلسلة تحركات إحتجاجية، تهدف إلى تحسين الوضع المعيشي للمواطن. وتحت شعار “إلى الشارع” دعا الحزب الشيوعي اللبناني، والتنظيم الشعبي الناصري ، وقوى نقابية ومجتمعية متعددة، إلى تظاهرة في الثالث عشر من الشهر الحالي، للمطالبة بعدّة أمور.

وفي هذا المجال، تواصلنا مع عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني عمر ديب الذي قال للـ immarwaiktissad “مطالبنا ليست مطالب صغيرة كزيادة أجور أو تخفيض أسعار الدواء، بل مطالبنا أكبر من ذلك بكثير، فنحن نريد أن نقول أنّه  إذا كان إقتصاد البلد واصل إلى مرحلة إنهيار، فهذا الإنهيار يحتاج إلى معالجات، وهذه المعالجات يجب أن يتحمل مسؤوليتها أشخاص معيّنين”.

يتابع  “نحن نريد القول على أن من يملك المال عليه أن يدفع ، فمن إستفاد على مدة ثلاثون عاماُ من الإمتيازات ، ومن وجوده في السلطة ومن الإعفاءات ، ومن الهندسات المالية التي أطلقها مصرف لبنان،   ومن الفساد … وغيرها . أي  من راكم  هذه الأموال عليه أن يتحمل مسؤولية هذا الإنهيار”.

ليؤكد “ذلك فعليهم أن يدفعوا فنحن لا نريد دفع زيادة ضريبة القيمة المضافة الـ TVA ، والخمسة آلاف الإضافية على البنزين، ولا نريد أن نتحمل طرد موظفين من القطاع العام،…. وغيرها من الأمور. هناك طبقة في لبنان وفئة إجتماعية معيّنه، عليها أن تتحمل أكثر من غيرها، فقد حان الوقت أن يدفعوا هم وليس نحن لأنّهم أصحاب الأموال.”

 

توحيد التحركات

على ما يبدو فإن مطالب التحركات الشعبية، هي على مستويات عالية ومختلفة، وبالتالي تحتاج إلى جهدٍ ووقتٍ، فهي ليست محصورة بفترة زمنية معيّنة. وفي هذا السياق يوضح ديب “نعتبر في جميع الحالات الوضع سيء، فإذا ما تشكلت الحكومة فإن البلد ذاهب إلى المزيد من المراوحة والتعطيل، وإذا تشكلت فهي  ستتشكل على أساس معروف ألا وهو الهجوم علينا. لذلك نعتبر أنفسنا في حالة مواجهة معها، فهي ستفرض ضرائب ، وترفع الدعم عن الكهرباء، وتطبق شروط مؤتمر سيدر، لرفع الدين العام وتزيد من نسبة السرقة”. ليوضح “فمن المؤكد أن مطلبنا ليس تشكيل الحكومة بالشكل المطروح، بل على العكس نرى أنّه بوجود الحكومة أو عدمه، ذات الأشخاص يحكمون البلد وسوف نواجههم”.

هذا الأمر يحتاج بالتأكيد إلى تحرك ووفاق شعبوي كبير، هذا ما أكد عليه ديب “عندما  نكون قادرين على بناء موازين قوى، و تتحرك الناس ويكون هناك كتلة شعبية كبيرة تواجه، فمن المؤكد أننا نستطيع تحقيق ما نريد”. يتابع” أكيد نستطيع بدل أن يتم إضافة 5 آلاف ليرة على البنزين، أن نضيف عليهم الودائع المصرفية،  وبدل أن يرفعوا الضريبة على القيمة المضافة الـ TVA  من 11 إلى 15%، نستطيع أن نفرض زيادة على الضريبة التصاعدية على الدخل والأرباح، وعندما يلجأون إلى طرد موظفين نستطع في المقابل، أن نطالب بمحاسبة الفاسدين  وطردهم. هذا الأمر مرتبط بمدى قدرة الناس على المواجهة، وتشكيل كتلة شعبية كبيرة”.

مما لا شك فيه أن بناء هذه القوّة الشعبية يحتاج على الأقل إلى توحيد هذه التحركات، وهذا ما يؤكد عليه ديب بالقول “نحن نسعى إلى توحيد التظاهرات، وهناك نوعين من التحركات التي تحصل في لبنان، منها العفوي من أجل المطالب والحقوق، و بالتالي نسعى لتنسيق معهم.  وقد تحركوا أكثر من مرة في الشارع،  وأغلقوا طرقات، وهم موجودون في عدة أماكن سواء أكانوا، أفراداً أوهيئات أو جمعيات أو قوى”.

يستطرد “في المقابل هناك فريق آخر نعتبر تحركاته، في التوقيت والمضمون مشبوه، أي أنّها تحركات من قلب قوى السلطة، من أجل تعطيل حركة الشارع”.

 

مرحلة مواجهة طويلة

أما عن الإضراب الذي دعا إليه الإتحاد العمالي، فهو أيضاً في خانة التشكيك، كما يوضح ديب “فحين يكون الإتحاد العمالي العام، الذي هو شريك السلطة منذ عشرين عاماً، ويدعو إلى إضراب وهمي بالتنسيق مع أحزاب وهميّة، فقط من أجل تنفيذ إضراب.” يستطرد “هذا الأمر يثير شكوكاً، فكيف لنا أن نتعاون مع الإتحاد العمالي المطالب بتشكيل الحكومة، وهو الذي رفض تصحيح الأجور، من ثلاث سنوات حين كان وزير العمل يطرح تعديلها . فكيف يمكن لنا أن نتعاون مع إتحاد مبني على تزوير نقابات . لذلك نصنف تحركه بالمشبوه، و كإحدى مناورات السلطة لضرب التحرك الشعبيّ”.

ويختم ديب بالقول “نحن مستمرون من خلال تظاهرة يوم الأحد  في الثالث عشر من الشهر الحالي، في كافة  المناطق اللبنانية صيدا ،النبطية، الشوف، عاليه، جونيه، طرابلس، عكار، بعلبك، و زحلة. من بعدها بأسبوع  أي نهار الأحد في العشرين من الشهر الحالي، سنتوجه بمظاهرة مركزية وكبيرة في بيروت.” يتابع”خلال هذه الفترة سنضع خطة للإستكمال، فهذه المواجهة ذات أمد طويل ، فالبلد ذاهب نحو حالة صراعية. فعند تشكيل الحكومة سوف يبادرون إلى  إتخاذ إجراءات، في المقابل نحن سنتخذ إجراءات لنتصدى لهم، وسيستمر هذا التحرك لوقتٍ طويلٍ”.

في ظل الوضع السيء المتجه نحو الأسوأ، الذي يدفع ثمنه المواطن اللبناني من زيادة على الضرائب، ومن طرد تعسفي من المؤسسات دون أدنى تعويضات، في مقابل حرمانه من أدنى حقه في العيش اللائق. فقد يكون لبنان بحاجة إلى أكثر من صرخة، بل إلى معجزة إلهية تنتشل أبناءه من وحل الفساد، الذي أُغرقوا و أُغرقوا نفسهم فيه.

 

يعيش لبنان في الفترة الأخيرة، في مرحلة حرجة جداً على كافة الأصعدة، ومن بين أسباب هذا الوضع، التأخير الكبير في تشكيل الحكومة، مما يفاقم الأمور العالقة ويعطّل الحركة في البلد.

الأمر الذي  أدى إلى أن تعلو أصوات المواطنين، والمعنيين وبعض المسؤولين، نتيجة تردّي الوضع الذي وصلنا أو يمكن أن نصل إليه.

بناءً عليه وعلى وقع الوضع المأساوي ، نشطت حركة الإحتجاجات الشعبيّة ، وإن تعدّدت أسبابها وأهدافها، لكل فريق من الأفرقاء المعتصمين، إلاّ أنّ الهدف الموّحد يبقى “الحق بالعيش الكريم”.

 

إضراب في كل لبنان

دعا الإتحاد العمالي العام في الرابع من الشهر الحالي إلى إضرابٍ عام، للمطالبة بإسراع تشكيل الحكومة. وقد تعرض هذا الإحتجاج إلى عدّة إنتقادات من عدّة جهات. أما عن الأهداف الرئيسية لهذا التحرك، يقول حسن فقيه نائب رئيس الإتحاد العمالي العام لـ immarwaiktissad ” مطلبنا كإتحاد عمالي هو الإسراع في تشكيل الحكومة، لما لهذا التأخير من ضررٍ، على مصالح العمال وأصحاب العمل، والشأن العام “.

يتابع “هذا الهدف واحد  عملنا عليه مع  أصحاب العمل ، وخلال اللقاء الكبير الذي عقدناه أعلنّا بشكل جماعي، حاجتنا إلى حكومة في ظل  تدهور الوضع الإقتصادي السائد في البلد”.

أما عن طبيعة الإضراب الذي لم يأت على شكل نزول إلى الشارع، أو تسكير طرقات فيوضح فقيه “نحن لم نرد أن يكون الإضراب تجمعات ، أو إقفال مرافق أو إيذاء أي مواطن . بل أردنا أن نصدر صرخة لتشكيل الحكومة والإنتهاء من هذا الموضوع”. يستطرد  “ولكن أصبح هناك تفسير مغاير لحقيقة الأمور، و إعطاء أبعاد للإضراب كلٍ من منظاره الخاص”.

إتهامات بتسيس الإضراب

تعرض  إضراب الإتحاد العمالي إلى عدّة إتهامات من قبل عدّة جهات، إذ إعتبره البعض مسيّساً. في هذا السياق، يؤكد فقيه  “إننّا نؤكد أنّ هذا الإضراب غير مسيّس، وغير موّجه ضد أحد ، بل فقط هو لضغط على الطبقة السياسية، بأكملها للإسراع في تشكيل الحكومة، لأنّ الأمور غير جيّدة.”

يضيف ” وأكبر مثال ما تعرضنا له بالأمس، من تداعيات العاصفة حيث ظهرت الفضائح . لذلك نريد حكومة جديّة، ومواظبة من قبل الوزراء للقيام بواجباتهم (كالموازنات…). فمن المؤسف  أننا مقبلون على إستضافة القمة الإقتصادية، في ظل غياب الحكومة، فحكومة تصريف الأعمال تعمل بالحد الأدنى”.

أما عن الإتهامات بوجود أحزاب داعمة للإضراب، الأمر الذي أعطاه صبغة التسييس، فيوضح فقيه “عندما أعلن عن قيامنا بإضراب سلمي وحضاري، للمطالبة بتشكيل الحكومة اليوم قبل الغد، تضامن معنا  الشيخ سامي الجميّل ووفد من حزب الكتائب، ووفد من اللقاء الديمقراطي. و نحن ممنونين لهم وإلى أي شخص تضامن معنا، فأين المشكلة في ذلك ، فهم متنبهون إلى معاناة الناس والتجار”.

يستطرد فقيه “نحن نتصرف بمسؤولية كاملة، ونعلم أن الوضع في لبنان دقيق بكافة أشكاله.  لذلك نحن لم نثر في إضرابنا أن نتحرك أو نقيم تظاهرات على الأرض، أو إعتصامات أو تجمعات كي لا تنزلق الأمور إلى أماكن لا نريدها، ونحن  لدينا كل الجرأة الأدبية، وقد نفذنا الخطوة الأولى، والخطوات اللاحقة ستكون تباعاً وتصاعدية”.

المشاركة في الإحتجاجات الشعبية

لن يكون الإتحاد العمالي العام، أول أو أخر من سيدعو إلى وقفة إحتجاجية، لإطلاق صرخة بشأن الوضع القائم في البلد، فقد سبق تحركه وسيليه تحركات أخرى من مختلف القوى. في هذا المجال يقول فقيه ” أما عن  تحرك الثالث عشر من هذا الشهر، فهناك قوى عقائدية داعية للإضراب، وقد يكون لديها مطالب أخرى غير تشكيل الحكومة، فالبعض  يقول أن الهدف من النزول إلى الشارع، هو من أجل إسقاط الحكومة وليس تشكيلها.”  يتابع “فيما نحن متواضعون وموضوعيون نطالب، أوًلاً بتشكيل الحكومة من أجل حل المشاكل القائمة، ونحن نعتبر أنفسنا حالة مسؤولة  ونفكر بمسؤولية،  فلدينا عمال يعملون في المصانع والمؤوسسات التجارية، ونحن حريصون عليهم وعلى أرباب العمل أيضاً، وعلى الأملاك العامة”.

ويختم فقيه بالقول ” قمنا بكل السبل السلميّة، الآيلة إلى التهدئة ونيل ما نتمنى بالأسلوب الحضاري، كي لا نفقد السيطرة على الوضع .إذ أنّ هناك بعض الأماكن التي تخرج عن السيطرة، وتؤدي إلى تفلت الأمور  نحو أماكن لا نتمناها”.

الهيئات الإقتصادية تحتج

لاقى إضراب الإتحاد العمالي العديد من الإنتقادات، وقد رفضت الهيئات الإقتصادية المشاركة فيه لعدّة إعتبارات، منها عدم التوقيت المناسب للتحرك.  وفي هذا الإطار، يقول الأمين العام للهيئات الإقتصادية ورئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشماس لـ immarwaiktissad ” في لبنان الإقتصاد يتأثر بالسياسة ولا يؤثر فيها، بخلاف الدول العالمية حيث تكون السياسة في خدمة الإقتصاد.  والإضرابات بشكلٍ عام في لبنان لا تنجح، فإذا ما نظرنا إلى  تاريخه الحديث أي منذ خمسين إلى ستين سنة، فإن عدد الإضرابات الناجحة لا يتعدى أصابع اليد الواحدة” . يضيف ” لذلك لا يجب الإستسهال  بالإضراب العام، فكي ينجح هو يحتاج إلى شروط كثيرة ومهمة”.

ويتابع في السياق عينه، “نحن من أول المطالبين بإعادة تكوين السلطة وتفعيل الإقتصاد، وبالتالي يهمنا توافر الشروط ، كي لا تكون الكلفة أكبر من المردود. لذلك كتجار وإختصاصين في السياحة والترفية، فمن المتعارف عليه أنّه بين 20 كانون الأول والثامن من كانون الثاني ، هذه الفترة التي تمتد نحو أسبوعين ونصف، تمثل ما لا يقل عن 20% من نشاطنا السنوي.”

ليوضح “لسنا مستعدين لكسر هذه الديناميكية الناشئة، خاصة مع ظهور طلائع السيّاح  العرب، وعودتهم إلى لبنان، إضافة إلى أنّه بعد  أسبوعين من المقرر أن نستضيف مؤتمر عربي إقتصادي، فليس من المفيد نشر غسيلنا  الداخلي أمام الغير “.

 

التحرك بطريقة أخرى

تعتبر الهيئات الإقتصادية أن الإضراب لم يكن ناجحاً، أما عن الأسباب فيوضح شماس “المشكلة أولاً تكمن في توقيت الإضراب، ثانياُ موضوع التنظيم . فهكذا أمور  تحتاج إلى تخطيط وجدولة الأمور لوضعها على السكة الصحيحة، لكن قبل ذلك يجب منع التسييس” .

وفي هذا السياق يضيف شماس “أنا خاطبت السيد بشارة (رئيس الإتحاد العمالي العام)، وقلت له غلطة الشاطر بألف، وأنا أعتبره كفوء . إلاّ أنّه نجح من خلال الإضراب، في شطر المجتمع الإقتصادي وقسمه ، بمجرد أن جلس بجانب ممثل عن حزب ناشىء. في حين نحن نبتعد كل البعد عن السياسة والأحزاب والطوائف والمذاهب، إذ كهيئات إقتصادية فإنّ مصداقيتنا وحرصنا على الإقتصاد، ووحدتنا ونجاحنا مبني على إبتعادنا عن السياسة”.

أما عن ضرورة إتخاذ موقف من الوضع الحرج الذي نمر به، فيقول شماس “نحن تحركنا في الماضي وسنتابع تحركنا، وكان آخر مؤتمر لنا مع الإتحاد العمالي والمهن الحرة، في الخامس والعشرين من شهر أيلول الفائت”.

 

شروط نجاح الإضراب

يتابع في المجال عينه “أنا لا أحبذ تحرك الشارع، بل أفضل التحرك مؤسساتياُ، إذ لدينا مجلس نواب منتخب منذ أقل من ثمانية شهور، ومجلس إقتصادي إجتماعي وظيفته، إمتصاص هذا الإحتقان وأن يجعل الحوار مزخم بين جميع الأطراف الإنتاج. فإذا ما اضطر أحد إلى  إقامة تحرك يجب أن يكون مدروساً، خاصة مع وجود جدول مكثف للتحركات  القادمة في الشارع”.

أما عن شروط نجاح أي إضراب فيعتبر شماس ” أنّ إقتصاد لبنان واقف على حافة الهاوية، لذلك يجب أن نكون حكيمين جداُ ومسؤولين، فكثرة التحركات تشتت الإنتباه. أما التحرك الناجح فيجب أن تتوافر فية ثلاث تاءات وهي، أولاُ التوقيت الصائب، ثانياً التنظيم، وثالثاُ التجيش”.

ويؤكد في هذا الصدد، “يجب أن يكون الداعي إلى الإضراب واقعي، وأن يعرف تنظيم الأمور، كذلك  معرفة الشريك الحقيقي،  ومنذ خمسين سنة فائتة ولخمسين سنة قادمة، الشريك الحقيقي هو الهيئات الإقتصادية”.

ويختم شماس بالقول “نحن نمثل 80% من النشاط الإقتصادي، فإذا كان لا بد من تحركٍ ميدانيٍ، فليكن طبشة موضوعية ومدويّة، و ليس أن تكون عملية بشكلٍ يومي. وذلك من أجل أن  نكون فعالين في قلب المقاييس، لا أن تقلبنا هذه المقايس”.

 

التحركات تغزو لبنان

شهد لبنان في الآونة الأخيرة، وسيشهد سلسلة تحركات إحتجاجية، تهدف إلى تحسين الوضع المعيشي للمواطن. وتحت شعار “إلى الشارع” دعا الحزب الشيوعي اللبناني، والتنظيم الشعبي الناصري ، وقوى نقابية ومجتمعية متعددة، إلى تظاهرة في الثالث عشر من الشهر الحالي، للمطالبة بعدّة أمور.

وفي هذا المجال، تواصلنا مع عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني عمر ديب الذي قال للـ immarwaiktissad “مطالبنا ليست مطالب صغيرة كزيادة أجور أو تخفيض أسعار الدواء، بل مطالبنا أكبر من ذلك بكثير، فنحن نريد أن نقول أنّه  إذا كان إقتصاد البلد واصل إلى مرحلة إنهيار، فهذا الإنهيار يحتاج إلى معالجات، وهذه المعالجات يجب أن يتحمل مسؤوليتها أشخاص معيّنين”.

يتابع  “نحن نريد القول على أن من يملك المال عليه أن يدفع ، فمن إستفاد على مدة ثلاثون عاماُ من الإمتيازات ، ومن وجوده في السلطة ومن الإعفاءات ، ومن الهندسات المالية التي أطلقها مصرف لبنان،   ومن الفساد … وغيرها . أي  من راكم  هذه الأموال عليه أن يتحمل مسؤولية هذا الإنهيار”.

ليؤكد “ذلك فعليهم أن يدفعوا فنحن لا نريد دفع زيادة ضريبة القيمة المضافة الـ TVA ، والخمسة آلاف الإضافية على البنزين، ولا نريد أن نتحمل طرد موظفين من القطاع العام،…. وغيرها من الأمور. هناك طبقة في لبنان وفئة إجتماعية معيّنه، عليها أن تتحمل أكثر من غيرها، فقد حان الوقت أن يدفعوا هم وليس نحن لأنّهم أصحاب الأموال.”

 

توحيد التحركات

على ما يبدو فإن مطالب التحركات الشعبية، هي على مستويات عالية ومختلفة، وبالتالي تحتاج إلى جهدٍ ووقتٍ، فهي ليست محصورة بفترة زمنية معيّنة. وفي هذا السياق يوضح ديب “نعتبر في جميع الحالات الوضع سيء، فإذا ما تشكلت الحكومة فإن البلد ذاهب إلى المزيد من المراوحة والتعطيل، وإذا تشكلت فهي  ستتشكل على أساس معروف ألا وهو الهجوم علينا. لذلك نعتبر أنفسنا في حالة مواجهة معها، فهي ستفرض ضرائب ، وترفع الدعم عن الكهرباء، وتطبق شروط مؤتمر سيدر، لرفع الدين العام وتزيد من نسبة السرقة”. ليوضح “فمن المؤكد أن مطلبنا ليس تشكيل الحكومة بالشكل المطروح، بل على العكس نرى أنّه بوجود الحكومة أو عدمه، ذات الأشخاص يحكمون البلد وسوف نواجههم”.

هذا الأمر يحتاج بالتأكيد إلى تحرك ووفاق شعبوي كبير، هذا ما أكد عليه ديب “عندما  نكون قادرين على بناء موازين قوى، و تتحرك الناس ويكون هناك كتلة شعبية كبيرة تواجه، فمن المؤكد أننا نستطيع تحقيق ما نريد”. يتابع” أكيد نستطيع بدل أن يتم إضافة 5 آلاف ليرة على البنزين، أن نضيف عليهم الودائع المصرفية،  وبدل أن يرفعوا الضريبة على القيمة المضافة الـ TVA  من 11 إلى 15%، نستطيع أن نفرض زيادة على الضريبة التصاعدية على الدخل والأرباح، وعندما يلجأون إلى طرد موظفين نستطع في المقابل، أن نطالب بمحاسبة الفاسدين  وطردهم. هذا الأمر مرتبط بمدى قدرة الناس على المواجهة، وتشكيل كتلة شعبية كبيرة”.

مما لا شك فيه أن بناء هذه القوّة الشعبية يحتاج على الأقل إلى توحيد هذه التحركات، وهذا ما يؤكد عليه ديب بالقول “نحن نسعى إلى توحيد التظاهرات، وهناك نوعين من التحركات التي تحصل في لبنان، منها العفوي من أجل المطالب والحقوق، و بالتالي نسعى لتنسيق معهم.  وقد تحركوا أكثر من مرة في الشارع،  وأغلقوا طرقات، وهم موجودون في عدة أماكن سواء أكانوا، أفراداً أوهيئات أو جمعيات أو قوى”.

يستطرد “في المقابل هناك فريق آخر نعتبر تحركاته، في التوقيت والمضمون مشبوه، أي أنّها تحركات من قلب قوى السلطة، من أجل تعطيل حركة الشارع”.

 

مرحلة مواجهة طويلة

أما عن الإضراب الذي دعا إليه الإتحاد العمالي، فهو أيضاً في خانة التشكيك، كما يوضح ديب “فحين يكون الإتحاد العمالي العام، الذي هو شريك السلطة منذ عشرين عاماً، ويدعو إلى إضراب وهمي بالتنسيق مع أحزاب وهميّة، فقط من أجل تنفيذ إضراب.” يستطرد “هذا الأمر يثير شكوكاً، فكيف لنا أن نتعاون مع الإتحاد العمالي المطالب بتشكيل الحكومة، وهو الذي رفض تصحيح الأجور، من ثلاث سنوات حين كان وزير العمل يطرح تعديلها . فكيف يمكن لنا أن نتعاون مع إتحاد مبني على تزوير نقابات . لذلك نصنف تحركه بالمشبوه، و كإحدى مناورات السلطة لضرب التحرك الشعبيّ”.

ويختم ديب بالقول “نحن مستمرون من خلال تظاهرة يوم الأحد  في الثالث عشر من الشهر الحالي، في كافة  المناطق اللبنانية صيدا ،النبطية، الشوف، عاليه، جونيه، طرابلس، عكار، بعلبك، و زحلة. من بعدها بأسبوع  أي نهار الأحد في العشرين من الشهر الحالي، سنتوجه بمظاهرة مركزية وكبيرة في بيروت.” يتابع”خلال هذه الفترة سنضع خطة للإستكمال، فهذه المواجهة ذات أمد طويل ، فالبلد ذاهب نحو حالة صراعية. فعند تشكيل الحكومة سوف يبادرون إلى  إتخاذ إجراءات، في المقابل نحن سنتخذ إجراءات لنتصدى لهم، وسيستمر هذا التحرك لوقتٍ طويلٍ”.

في ظل الوضع السيء المتجه نحو الأسوأ، الذي يدفع ثمنه المواطن اللبناني من زيادة على الضرائب، ومن طرد تعسفي من المؤسسات دون أدنى تعويضات، في مقابل حرمانه من أدنى حقه في العيش اللائق. فقد يكون لبنان بحاجة إلى أكثر من صرخة، بل إلى معجزة إلهية تنتشل أبناءه من وحل الفساد، الذي أُغرقوا و أُغرقوا نفسهم فيه.

Share This

Share This

Share this post with your friends!