كي لا يكون الرقم وجهة نظر

بين الحقيقة والواقع، وبين الصعب والمستحيل، وبين الدقة والمسؤولية، يدخل الوضع اللبناني بكل جوانبه الاقتصاديّة والماليّة والنقديّة في مرحلة هي الأدق، ويضحى أمام مفترق طريق يصعب التحكم بنتائجه!

لنتخيّل واقع وكلفة إنشاء نظام مالي ونقدي جديد، يكون الخاسر الأساسي فيه الطبقة الوسطى، إذا وجدت، والطبقة الفقيرة التي ستزيد فقرًا. أمّا أصحاب الثروات الضخمة من الطبقة السياسيّة الحاكمة، الذين استفادوا من النظام المالي الحالي من خلال الفوائد والسمسرات والصفقات والتراضي وتقاسم الحصص، سيكونون من حيث يعلمون أو لا يعلمون، في خطر كبير، ويصبحون عاجزين عن تغيير أو معالجة أزمة من صنع أيديهم، حيث وصل لبنان بفضل السياسات الماليّة العشوائيّة التي مارستها هذه الطبقة منذ العام 1992 إلى اهتراء اقتصادي كامل.

هذا هو الواقع الاقتصادي اليوم، والذي لم يكن يحتاج إلى تحذيرات البنك الدولي لادراكه حجم خطورته، خاصة ان البنك المذكور كان يوزّع قلادات تكريم لأصحاب هذه السياسات الماليّة التي بدأت مع الحكومة الأولى لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.

وبناء عليه، نعرض بعض التفاصيل التي تبيّن كيفية إدارة الدولة للملفات الأساسية، بما يؤكد عجزها وضعفها وسوء تقديراتها وفشلها.

 

1- ملف الكهرباء

يبلغ إجمالي عجز الكهرباء المتراكم خلال 26 عامًا (من العام 1992 وحتى نهاية العام 2017) 36 مليار دولار أميركي، ما يمثّل حوالى 45% من إجمالي الدين العام الذي بلغ 79.5 مليار دولار مع نهاية كانون الأوّل 2017.

في المقابل، بلغت التحويلات من مصرف لبنان لتغطية عجز الكهرباء 1.295 مليار دولار خلال العام 2017، ما يمثل 2.4% من اجمالي الناتج المحلي او 6.8% اذا إضيفت الفوائد السنوية المقدّرة بـ2.4 مليار دولار الناتجة عن العجز المتراكم.

وتلحظ موازنة العام 2018، عجزًا بقيمة 1.4 مليار دولار قابل للازدياد في حال وافقت الحكومة على شراء 850 ميغاوات لتأمين الجزء الأكبر من النقص الحالي.

وكان من شأن حل مشكلة الكهرباء في اواسط التسعينات، خفض حجم الدين العام الى 43 مليار دولار مع نهاية العام 2017، وتوفير كلفة هائلة على المواطنين تتجاوز الـ17 مليار دولار (تقدّر حاليًّا بين 1.1 و1,2 مليار دولار) تُدفع لأصحاب المولدات الخاصة علاوة عن الأضرار والمشكلات البيئيّة، وتحقيق نموّ إضافي للاقتصاد الوطني بمعدل يتراوح ما بين 1 و1.5% سنويًّا وفق تقرير البنك الدولي، وانخفاض نسبة الدين العام للناتج المحلي إلى حدود 80% بدلًا من حوالى 147% للعام 2017.

ويزداد الطلب على الطاقة الكهربائية 5% سنويًّا فيما تتراجع القوّة الانتاجيّة للمعامل الكهربائيّة بنسبة 3% سنويًّا، أي أنّ هناك فارق يبلغ 8% بين العرض والطلب. أما زيادة إنتاج الطاقة من 1500 ميغاواط إلى 3000 ميغاواط سيكلّف الخزينة خسائر سنويّة تصل إلى أربع مليارات دولار، فكلما إرتفعت الطاقة الإنتاجية كلما زادت فاتورة الهدر.

 

2- ملف الاتصالات

منذ العام 2012، صارت النفقات التشغيلية لشركتي الخلوي على عاتق الدولة. هذا الأمر فتح شهيّة وزراء الاتصالات على باب من أبواب هذه النفقات، ألا وهو عقود الرعاية. ما أدى إلى سحب أموال طائلة من ماليّة الدولة دون حسيب أو رقيب، وهي تزداد عامًا بعد عام، حتى وصلت إلى 16 مليون دولار في العام 2018. أما توزيعها، فبحسب الولاءات والمصالح السياسيّة والانتخابيّة.

الموازنة التشغيلية ليست بسيطة، بل تناهز قيمتها الـ 250 مليون دولار بالنسبة إلى الشركتين، معظمها مصاريف ثابتة، أبرزها الرواتب والإيجارات والصيانة والفيول وقطع الغيار.

تنفق وزارة الاتصالات 750 مليار ليرة سنويًّا، أي ما يساوي 500 مليون دولار. إنفاق هذا المبلغ، يدفع إلى الاعتقاد بأن البنية التحتيّة لقطاع الاتصالات متطورة وحديثة وتنافس دولًا متقدّمة! إلا أنّ الواقع مختلف، حيث هناك نصف مليار دولار تنفقها الوزارة سنويًّا دون أن تعرف وجهتها ولا جدوى إنفاقها، ولا نعلم شيئًا عن مردودها سوى أنّ شبكة الاتصالات متهالكة وغير متطوّرة.

إنّ هذا الإنفاق يساوي 42% من حصّة الدولة من إيرادات الاتصالات الصافية، وهي إيرادات لا يدخل فيها ما تنفقه وزارة الاتصالات بواسطة شركتي الخلوي من خلال هيئة المالكين التي تقع تحت سيطرة وزير الاتصالات، أيًّا تكن هويته.

وبحسب تقديرات وزارة الاتصالات المذكورة في مشروع موازنة 2017، فإنّ مجموع الدخل المقدر من إيرادات الاتصالات للعام نفسه يبلغ 2880 مليار ليرة (1.910 مليار دولار)، وتبلغ حصّة الرسم البلدي وضريبة القيمة المضافة 264 مليار ليرة، ما يعني أنّ الرصيد الصافي من الإيرادات يبلغ 2.615 مليار ليرة. أمّا حصّة الدولة من هذه الإيرادات فتبلغ 1.784 مليار ليرة، فيما حصّة رواتب وأجور العاملين في الوزارة تبلغ 81 مليار ليرة.

 

3- ملف سلسلة الرتب والرواتب

عندما أقرّت الحكومة السلسلة، وأحالتها إلى مجلس النواب، قدّرت كلفتها بـ 1669 مليار ليرة، وكانت تستثني منها اشتراكات الضمان والتعويضات العائلية والمساهمات في المؤسسات العامة، ما يرفعها إلى 2290 مليار ليرة.

أما اللجنة الفرعيّة، المنبثقة من اللجان المشتركة المكلّفة درس مشروع قانون السلسلة، فقدّرتها بـ 3150 مليار ليرة.

وبعد مناقشتها في الهيئة العامة، ثم إحالتها إلى لجنة فرعيّة جديدة رأسها النائب جورج عدوان، قدّرت الكلفة بـ1807 مليارات ليرة. لكن هذه اللجنة أسقطت من حساباتها 205 مليارات ليرة تتعلّق بزيادة التعويضات العائليّة. وبناءً عليه، فإنّ الكلفة الفعليّة لن تقلّ عن 2012 مليار ليرة.

ختامًا، في ملف سلسلة الرتب والرواتب هناك اسئلة مشروعة ومهمة جدًّا إن كان على صعيد الضرائب التي تم فرضها، أو ما تبعها من تداعيات وانعكسات على زيادة أقساط المدارس وارتفاع في الاسعار وغيرها من الارتدادات. فهل المطلوب سحب السلسلة تحت وطأة ضغط المؤتمرات الدوليّة لتسهيل بيع القطاع العام للقطاع الخاص؟

بين الحقيقة والواقع، وبين الصعب والمستحيل، وبين الدقة والمسؤولية، يدخل الوضع اللبناني بكل جوانبه الاقتصاديّة والماليّة والنقديّة في مرحلة هي الأدق، ويضحى أمام مفترق طريق يصعب التحكم بنتائجه!

لنتخيّل واقع وكلفة إنشاء نظام مالي ونقدي جديد، يكون الخاسر الأساسي فيه الطبقة الوسطى، إذا وجدت، والطبقة الفقيرة التي ستزيد فقرًا. أمّا أصحاب الثروات الضخمة من الطبقة السياسيّة الحاكمة، الذين استفادوا من النظام المالي الحالي من خلال الفوائد والسمسرات والصفقات والتراضي وتقاسم الحصص، سيكونون من حيث يعلمون أو لا يعلمون، في خطر كبير، ويصبحون عاجزين عن تغيير أو معالجة أزمة من صنع أيديهم، حيث وصل لبنان بفضل السياسات الماليّة العشوائيّة التي مارستها هذه الطبقة منذ العام 1992 إلى اهتراء اقتصادي كامل.

هذا هو الواقع الاقتصادي اليوم، والذي لم يكن يحتاج إلى تحذيرات البنك الدولي لادراكه حجم خطورته، خاصة ان البنك المذكور كان يوزّع قلادات تكريم لأصحاب هذه السياسات الماليّة التي بدأت مع الحكومة الأولى لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.

وبناء عليه، نعرض بعض التفاصيل التي تبيّن كيفية إدارة الدولة للملفات الأساسية، بما يؤكد عجزها وضعفها وسوء تقديراتها وفشلها.

 

1- ملف الكهرباء

يبلغ إجمالي عجز الكهرباء المتراكم خلال 26 عامًا (من العام 1992 وحتى نهاية العام 2017) 36 مليار دولار أميركي، ما يمثّل حوالى 45% من إجمالي الدين العام الذي بلغ 79.5 مليار دولار مع نهاية كانون الأوّل 2017.

في المقابل، بلغت التحويلات من مصرف لبنان لتغطية عجز الكهرباء 1.295 مليار دولار خلال العام 2017، ما يمثل 2.4% من اجمالي الناتج المحلي او 6.8% اذا إضيفت الفوائد السنوية المقدّرة بـ2.4 مليار دولار الناتجة عن العجز المتراكم.

وتلحظ موازنة العام 2018، عجزًا بقيمة 1.4 مليار دولار قابل للازدياد في حال وافقت الحكومة على شراء 850 ميغاوات لتأمين الجزء الأكبر من النقص الحالي.

وكان من شأن حل مشكلة الكهرباء في اواسط التسعينات، خفض حجم الدين العام الى 43 مليار دولار مع نهاية العام 2017، وتوفير كلفة هائلة على المواطنين تتجاوز الـ17 مليار دولار (تقدّر حاليًّا بين 1.1 و1,2 مليار دولار) تُدفع لأصحاب المولدات الخاصة علاوة عن الأضرار والمشكلات البيئيّة، وتحقيق نموّ إضافي للاقتصاد الوطني بمعدل يتراوح ما بين 1 و1.5% سنويًّا وفق تقرير البنك الدولي، وانخفاض نسبة الدين العام للناتج المحلي إلى حدود 80% بدلًا من حوالى 147% للعام 2017.

ويزداد الطلب على الطاقة الكهربائية 5% سنويًّا فيما تتراجع القوّة الانتاجيّة للمعامل الكهربائيّة بنسبة 3% سنويًّا، أي أنّ هناك فارق يبلغ 8% بين العرض والطلب. أما زيادة إنتاج الطاقة من 1500 ميغاواط إلى 3000 ميغاواط سيكلّف الخزينة خسائر سنويّة تصل إلى أربع مليارات دولار، فكلما إرتفعت الطاقة الإنتاجية كلما زادت فاتورة الهدر.

 

2- ملف الاتصالات

منذ العام 2012، صارت النفقات التشغيلية لشركتي الخلوي على عاتق الدولة. هذا الأمر فتح شهيّة وزراء الاتصالات على باب من أبواب هذه النفقات، ألا وهو عقود الرعاية. ما أدى إلى سحب أموال طائلة من ماليّة الدولة دون حسيب أو رقيب، وهي تزداد عامًا بعد عام، حتى وصلت إلى 16 مليون دولار في العام 2018. أما توزيعها، فبحسب الولاءات والمصالح السياسيّة والانتخابيّة.

الموازنة التشغيلية ليست بسيطة، بل تناهز قيمتها الـ 250 مليون دولار بالنسبة إلى الشركتين، معظمها مصاريف ثابتة، أبرزها الرواتب والإيجارات والصيانة والفيول وقطع الغيار.

تنفق وزارة الاتصالات 750 مليار ليرة سنويًّا، أي ما يساوي 500 مليون دولار. إنفاق هذا المبلغ، يدفع إلى الاعتقاد بأن البنية التحتيّة لقطاع الاتصالات متطورة وحديثة وتنافس دولًا متقدّمة! إلا أنّ الواقع مختلف، حيث هناك نصف مليار دولار تنفقها الوزارة سنويًّا دون أن تعرف وجهتها ولا جدوى إنفاقها، ولا نعلم شيئًا عن مردودها سوى أنّ شبكة الاتصالات متهالكة وغير متطوّرة.

إنّ هذا الإنفاق يساوي 42% من حصّة الدولة من إيرادات الاتصالات الصافية، وهي إيرادات لا يدخل فيها ما تنفقه وزارة الاتصالات بواسطة شركتي الخلوي من خلال هيئة المالكين التي تقع تحت سيطرة وزير الاتصالات، أيًّا تكن هويته.

وبحسب تقديرات وزارة الاتصالات المذكورة في مشروع موازنة 2017، فإنّ مجموع الدخل المقدر من إيرادات الاتصالات للعام نفسه يبلغ 2880 مليار ليرة (1.910 مليار دولار)، وتبلغ حصّة الرسم البلدي وضريبة القيمة المضافة 264 مليار ليرة، ما يعني أنّ الرصيد الصافي من الإيرادات يبلغ 2.615 مليار ليرة. أمّا حصّة الدولة من هذه الإيرادات فتبلغ 1.784 مليار ليرة، فيما حصّة رواتب وأجور العاملين في الوزارة تبلغ 81 مليار ليرة.

 

3- ملف سلسلة الرتب والرواتب

عندما أقرّت الحكومة السلسلة، وأحالتها إلى مجلس النواب، قدّرت كلفتها بـ 1669 مليار ليرة، وكانت تستثني منها اشتراكات الضمان والتعويضات العائلية والمساهمات في المؤسسات العامة، ما يرفعها إلى 2290 مليار ليرة.

أما اللجنة الفرعيّة، المنبثقة من اللجان المشتركة المكلّفة درس مشروع قانون السلسلة، فقدّرتها بـ 3150 مليار ليرة.

وبعد مناقشتها في الهيئة العامة، ثم إحالتها إلى لجنة فرعيّة جديدة رأسها النائب جورج عدوان، قدّرت الكلفة بـ1807 مليارات ليرة. لكن هذه اللجنة أسقطت من حساباتها 205 مليارات ليرة تتعلّق بزيادة التعويضات العائليّة. وبناءً عليه، فإنّ الكلفة الفعليّة لن تقلّ عن 2012 مليار ليرة.

ختامًا، في ملف سلسلة الرتب والرواتب هناك اسئلة مشروعة ومهمة جدًّا إن كان على صعيد الضرائب التي تم فرضها، أو ما تبعها من تداعيات وانعكسات على زيادة أقساط المدارس وارتفاع في الاسعار وغيرها من الارتدادات. فهل المطلوب سحب السلسلة تحت وطأة ضغط المؤتمرات الدوليّة لتسهيل بيع القطاع العام للقطاع الخاص؟

Share This

Share This

Share this post with your friends!