كي لا يكون الرقم وجهة نظر

تزدحم الملفات والقضايا المرتبطة بتشكيل الحكومة الأولى بعد الانتخابات النيابية في ايار الماضي، وما افرزته من نتائج. لكن ملف النفايات “الطارئ” دائماً منذ اول حكومة شكلت بعد انتهاء الحرب الاهلية، يعيد الى الاذهان سيناريوهات مشابهة تماماً لما يتوقع حدوثه في غضون الأشهر المقبل. نستحضر من الذاكرة ازمة مكب برج حمود عام 1996 التي ادت الى الانتقال لمطمر الناعمة، والذي بدوره اعاد بعد 18 عاماً رمي كرة النفايات مجدداً الى برج حمود مع توسع اضافي في منطقة نهر الغدير في الشويفات، وها هي المطامر البحرية التي كانت خيار “الإفلاس السياسي” لحكومة الرئيس تمام سلام، تقترب من انتاج نفس المشهد، مطامر ممتلئة بكل انواع النفايات واشكالها، ومطامر سياسية تدفن بشكل مستمر الفضيحة تلو الأخرى.

لنتذكر جيداً مقررات جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في السرايا الحكومي بتاريخ  11  كانون الثاني 2018 :

 

توسعة مطمر الغدير وتجاهل برج حمود

 

اولى هذه المقررات الموافقة على اقتراح مجلس الإنماء والإعمار توسعة مطمر الغدير، أي الكوستابرافا، وفقا للبيانات والخرائط التي اعدها الاستشاري رفيق خوري وتم تعديلها بالاستناد الى “مزايدات” وزارية حدثت داخل الجلسة.

يلحظ هذا الخيار الذي تم تلزيمه بالتراضي الى شركة الجهاد للمقاولات استحداث مساحة غرب مطمر الكوستابرافا الحالي تتصل مباشرة بهذا المطمر وذلك من خلال انشاء حاجز بحري، بهدف تكوين مساحة كافية لطمر النفايات لمدة لا تقل عن اربع سنوات اضافية اعتباراً من تاريخ تكوين أول خلية طمر والمتوقع حصوله عند بداية شهر أيلول من العام 2018. ويقول الاستشاري انه باعتماد هذا الخيار تبقى المنطقة الواقعة شمال مصب نهر الغدير حرة بهدف انشاء عليها، في وقت لاحق، محطة لتكرير المياه المبتذلة. قدر الاستشاري رفيق خوري وشركاه كلفة هذا الحل بمبلغ 131.5 مليون دولار اميركي، باعتماد الاسعار التعاقدية للمقاول الحالي، ويشمل هذا المبلغ كلفة تنفيذ اعمال الحماية البحرية بطول حوالي 1600 متر، وكلفة اعمال الردم وانشاء وتشغيل الخلايا بقدرة استيعابية حوالي 1.75 مليون طن، مع الاشارة الى ان ارتفاع كلفة تنفيذ هذا الحل تعود الى طول وعمق الحاجز البحري المطلوب انجازه ( من 3 الى 9 امتار).

سارع المقاول جهاد العرب ببدء اعمال تنفيذ الحاجز البحري فور تبلغه قرار مجلس الوزراء وقبل الحصول على اذن مباشرة من قبل مجلس الانماء والاعمار، ولم تفلح المحاولات المتكررة لمجموعة من المحاميين وقف اعمال الردم من خلال قضاء العجلة، على قاعدة ان انشاء المطامر في لبنان “قضاء وقدر” لا يمكن وقفه او رده مهما كانت الكلفة وحتى لو توفرت الخيارات البديلة.

في المقابل، نجحت المزايدات الانتخابية والحسابات السياسية الدقيقة لدائرة المتن في ابعاد “كأس” توسيع مطمر الجديدة – برج حمود في جلسة 11 كانون الثاني. وكانت الحجة التي سمحت بتمرير قرار سحب توسيع المطمر من التداول ان هناك فترة كافية لاتخاذ قرار بشان توسيع هذا المطمر كون طاقته الاستيعابية لا تنتهي قبل اواخر شباط 2019، بحسب المعطيات التي قدمها  الاستشاري ليبان كونسلت.

عرض الاستشاري خيارين لتوسعة مطمر برج حمود – الجديدة. الأول يتضمن امكانية ردم المساحة المائية الواقعة بين مطمر برج حمود والجديدة واستعمالها لانشاء خلية لطمر النفايات ، ما يعني عملياً نقل انابيب النفط المتواجدة في هذه المنطقة والغاء مرفأ الصيادين الموجود حالياً في هذه المنطقة وتأمين بديل عنه. يقول الاستشاري ان هذا الخيار يؤمن مساحة كافية لطمر النفايات لمدة لا تقل عن اربع سنوات اضافية اعتباراً من اذار 2019 ، في حال تم تشغيل معملي الكورال والكوستابرافا للتسبيخ ضمن المهل المحددة. ويقدر الاستشاري كلفة هذا الحل بحوالي 60 مليون دولار اميركي، باعتماد الاسعار التعاقدية للمقاول الحالي (خوري للمقاولات) ، ويشمل هذا المبلغ كلفة اعمال الحماية البحرية (حاجز بحري بطول 200 متر) وكلفة اعمال الردم وانشاء وتشغيل الخلايات بقدرة استيعابية بحوالي 1.65 مليون طن ، علماً ان هذه الكلفة لا تشمل كلفة انشاء مرفأ جديد للصيادين وكلفة نقل انابيب النفط (المرفوض بشكل قاطع من قبل شركات النفط). الخيار الثاني الذي طرحه ليبان كونسلت، يشمل امكانية استعمال مساحة الاملاك العامة التي تم استحداثها في الجديدة لطمر النفايات. وفي هذه الحالة يجب التخلص من كمية بحوالي 650 الف متر مكعب من ناتج جبل النفايات القديم في برج حمود، التي تم وضعها ضمن هذه المساحة لاستيعاب اكبر قدر ممكن من النفايات الجديدة. ولا يمكن تطبيق هذا الخيار الا بعد نقل هذه الكمية من الردميات الى خارج هذا الموقع، علماً بانه يمكن استعمال هذه الكمية من الردميات في توسعة مطمر الكوستابرافا ! ويقول الاستشاري ان هذا الحل يؤمن مساحة كافية لطمر النفايات لا تقل عن 34 شهراً اضافياً اعتباراً من أول اذار 2019، في حال تم تشغيل معملي الكورال والكوستابرافا للتسبيخ ضمن المهل المحددة. قدر الاستشاري كلفة هذا الحل بحوالي 30 مليون دولار اميركي باعتماد الاسعار التعاقدية للمتعهد الحالي. ويشمل هذا المبلغ كلفة اعمال انشاء وتشغيل خلايا اضافية بقدر استيعابية بحوالي مليون وثمانين الف طن، علماً بان هذه الكلفة لا تشمل كلفة نقل كمية الردميات الى خارج الموقع.

وفي حين لا تزال مفاوضات تشكيل الحكومة تطبخ على نار هادئة باتت الخيارات التي طرحها  الاستشاري ليبان كونسلت، خارج التداول، كون قرار مجلس الوزراء استبعد نهائياً الخيار الثاني بنقل جزء من نفايات برج حمود الى الكوستابرافا، لا بل اشترط ان لا يدخله إلا 1000 طن يومياً بدءا من مطلع العام 2019.

وفي حين تتصاعد الحملة السياسية الرافضة لتوسيع مطمر برج حمود، فان الحسابات الدقيقة تشير الى ان خيار التوسيع لن يكون مجدياً حتى لو اقر في اول جلسة بعد نيل الحكومة الثقة، اذ ان اعمال الردم والتوسيع تحتاج الى اشهر قبل البدء باعمال الطمر ، اي ان مهلة شباط 2019 التي وضعها الاستشاري لاستنفاذ مطمر برج حمود الجديدة طاقته الاستيعابية ، باتت صاعق تفجير في وجه جميع القوى السياسية التي ستجد نفسها في مروحة واسعة من التنقاضات والتجاذبات والحملات المضادة على وقع عودة شبهة مؤكد للنفايات الى اجزاء من بيروت وكامل قضاء المتن وصولاً الى كسروان.

 

 

الكورال ينتظر الكهرباء ومعمل الكوستابرافا في الادراج

 

البند الثاني الذي صدر عن جلسة 11  كانون الثاني 2018 ، يقضي بالموافقة على اقتراحات مجلس الإنماء والإعمار بشأن إنشاء وتشغيل معمل تسبيخ جديد في موقع الكوستابرافا نفسه، وتطوير معملي الفرز في العمروسية والكرنتينا. والموافقة على ضم قضائي الشوف وعالية إلى نطاق هذه الخطة المرحلية. والطلب إلى مجلس الإنماء والإعمار اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للتقيد بما يلي:

‌أ.       أن ينجز تطوير معملي الفرز في العمروسية والكرنتينا خلال 9 أشهر، اعتبارا من تاريخ هذا القرار، وفي حال عدم الإنجاز، يمكن لبلدية الشويفات أن تتقدم بمشروع إنشاء معمل إضافي للفرز في موقع الكوستابرافا.

‌ب.  أن لا يستقبل معمل العمروسية للفرز بعد تطويره أكثر من الكميات التي يستقبلها حاليا، أي بمعدل 1400 طن يوميا.

 

‌ج.    أن لا تزيد كمية النفايات المطمورة في الكوستابرافا عن ألف طن يوميا اعتبارا من مطلع العام 2019.

وينص القرار على ان تكون قدرة معمل التسبيخ الجديد في موقع الكوستابرافا 750 طن يومياً، وان يكون  مطابق لمعمل الكورال الحالي في برج حمود، وذلك لتقليص كمية النفايات قبل طمرها.

ويقترح الاستشاري خوري ان يكون معمل التسبيخ في الكوستابرافا عند مدخل المطمر، كونه لا يتعارض مع اعمال الطمر الحالية. كما اقترح خيارين بالنسبة للتقنيات، الاول يعتمد تقنية التخمير الهوائي التي يجري اعتمادها في الكورال Tunnel Technology. قدر الاستشاري كلفة هذا الحل بحوالي 29 مليون دولار أميركي. اما الخيار الثاني فيعتمد تقنية التسبيخ بالاضافة الى التجفيف البيولوجي Biodrying ، وبحسب تقدير الاستشاري فان هذه التقنية يمكن ان تنتج نفس نوعية السماد العضوي الذي ينتج من خلال اعتماد الخيار الأول، في حين ان التجفيف البيولوجي ينتج مواداً صالحة للاستعمال في عملية الحرق عند بدء تطبيق خطة التفكك الحراري، كما ان هذه العملية تستلزم وقتاً اقل من الوقت اللازم لتسبيخها، اما كلفة هذه التقنية فقدرت بحوالي 36 مليون دولار اميركي.

وفي حين وافق مجلس الوزراء على خيار التجفيف البيولوجي Biodrying، مر سبعة اشهر على هذا القرار، لكن معمل التسبيخ في الكوستابرافا لم يبصر النور بعد. وليزيد الطين بلة فان قرار تاهيل وتوسيع معمل التسبيخ في الكورال المتخذ في اذار العام  2016 لا يزال معطلاً، بحجة عدم امداد المعمل بالكهرباء. ويفترض ان هذا المعمل بات قادر على استيعاب 750 طن من النفايات العضوية يومياً، تذهب حالياً الى الطمر دون اي معالجة وتفاقم من قدرة معامل الفرز على استرداد نفايات قابلة لاعادة التدوير ، كون هذه النفايات تبقى مختطلة بالمواد العضوية الملوثة والسائلة في حين يدفع المكلف اللبناني ما لا يقل عن 50 دولار عن كل طن كلفة اعمال الفرز والتفريق غير المجدية طالما ان حلقة ادارة النفايات لا تستكمل بالتسبيخ واعادة تدوير جميع المواد المفرزة. يحدث كل ذلك في وقت لا تزال قرارات صرف الحوافز المالية للبلديات المحيطة بالمطمرين، مجرد وعود وزارية لم تقترن بمراسيم صادرة عن وزارة المالية، لتبرهن من جديد ان الحكومات المتعاقبة مستعدة لدفع الملايين من اجل انشاء مطمر، لكنها غير مستعدة لصرف اي مبلغ مالي وعدت به البلديات المحيطة بهذه المطامر، ثم تخرج اصوات متسائلة لماذا ترفض البلديات انشاء المطامر !! ؟؟

 


مناقصة
التفكك الحراري … تتفكك


اعاد مجلس الوزراء في جلسة  11  كانون الثاني 2018 التأكيد على الالتزام بإطلاق مناقصة لمعامل التفكك الحراري، وذلك خلال ستة أشهر، مع تحديد المناطق. ولقد خضع هذا البند للمزيادة الانتخابية والسياسية ايضاً اذ ان مهلة الستة اشهر التي اعطيت لدراسة الاثر البيئي لدفتر الشروط الذي وضعه الاستشاري الدنماركي رامبول ، كان “مزحة سمجة” تم تمريرها دون اي معارضة تذكر، علماً ان من بديهيات دراسة الاثر البيئي تحديد موقع انشاء معمل التفكك الحراري ، وهذا الموقع لا يزال احجية ترفض الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ العام 2010 الاجابة عليها.

وفي حين يقف مجلس الانماء والاعمار مكتوف الايدي في موضوع مناقصة المحارق، اطلقت يد المجلس البلدي لبيروت من اجل اعلان مناقصة عالمية لتلزيم انشاء محرقة بقدرة استيعابية تصل الى 650 طن، اي انها محصورة ببيروت الادارية ، وبالتالي فان موقع انشاء المحرقة سيكون محصوراً ضمن هذا النطاق الاداري ايضاً. ولقد كان من المقرر ان اطلاق المناقصة مطلع شهر اب الجاري، لكن المعارضة المدنية والشعبية التي يقودها ائتلاف ادارة النفايات دفع المجلس البلدي الى التمهل في اتخاذ هذا الخيار، علماً ان بورصة الشركات المؤهلة للتقدم الى هذه المناقصة انحصرت باربعة ائتلافات. ويسمع في الصالونات السياسية همساً وعلانية ترجيح كفة شركة مقابل اخرى. وهنا لا بد من التذكير بهوية هذه الشركات ومن يقف ورائها.

يبرز الى الواجهة الائتلاف الأبرز ضمن القائمة النهائية، الذي يضم شركة الجهاد للمقاولات (المملوكة من قبل جهاد العرب)، الى جانب – مجموعة CNIM الفرنسية، وهي من أبرز الشركات المتخصصة بتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، ولديها عقود تشغيل في العديد من الدول حول العالم. ويفترض أن تتولى مجموعة CNIM الفرنسية دور الهندسة والإشراف، كما يضم الائتلاف مجموعة SUEZ الفرنسية، التي فازت مع شركة الجهاد للمقاولات بعقد إعادة تأهيل مكبّ صيدا العشوائي لمصلحة وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويفترض أن تتولى مجموعة SUEZ العمليات والصيانة.

الائتلاف الثاني يضم مجموعة MAN Enterprise (رئيس مجلس إدارتها ميشيل أبي نادر) وهي شركة لبنانية لديها فروع في عدة دول عربية وتملك خبرة واسعة في مجال الإنشاءات والأبنية. وتتولى مجموعة VINCI الفرنسية، وهي أيضاً من كبريات الشركات المتخصصة بتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، دور الهندسة والإشراف. ويتولى مهام العمليات والصيانة ضمن هذا الائتلاف شركة Urbaser الأسبانية، التي لديها خبرة واسعة في مجال إدارة النفايات. ولقد استحذوت شركة Firion Investments الصينية على هذه الشركة في أيلول (سبتمبر) 2016 بصفقة بلغت 1.4 مليار دولار من مالكها الرئيسي (ACS.MC) الأسبانية.

الائتلاف الثالث يضم شركة رامكو (المملوكة من وسيم عماش) وهي تتولى حالياً أعمال جمع ونقل النفايات في بيروت والمتن وكسروان بالائتلاف مع “شركة Atlas Yapı San” التركية. ولقد اختارت الشركة التقدم الى مناقصة معالجة النفايات في بيروت مع مجموعة Doosan Lentjes وهي ائتلاف لشركتين نمساوية وكورية، تشكلت عام 2011، ولديها مشاريع عدة لتحويل النفايات إلى طاقة حول العالم. الائتلاف الرابع يضم أكثر من شركة لبنانية، الأولى هي Lavajet – Batco (المملوكة من أنطوان أزعور)، تتولى حالياً إدارة مكب النفايات في طرابلس المفترض اقفاله وانشاء مطمر صحي بقربه، إلى جانب شركة Butec (المملوكة من نزار يونس). اما الشريك الأجنبي في هذا الائتلاف هو مجموعة Hitachi Zosen Inova السويسرية، وهي أيضاً من كبريات الشركات المتخصصة بتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة.

وفي حين لم يعرف بعد ما اذا كانت الظروف السياسية والشعبية ستسمح للبلدية بتمرير هذه المناقصة، فان الأكيد ان ملف النفايات قد عاد مجدداً الى واجهة الازمة من باب المهل الضائعة بين  حكومة واخرى وانتخابات نيابية وما يليها من “مخاض” تأليف حكومة جديدة. في ظل فوضى لا مركزية غير مسبوقة  لمشاريع ظهرت الى العلن من بيت مري الى بلاط مروراً بالشوف وكسروان تحت مسمى “التحول والتغويز الحراري”. اما قانون النفايات الذي اقرته اللجان المشتركة ، فسوف يخرج من القاعة العامة لمجلس النواب الى سلة المهملات كون الصفقات التي يتم ترتيبها قبل اقراره سيجعله غير قابل للانفاذ اقله في السنوات العشرين المقبلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تزدحم الملفات والقضايا المرتبطة بتشكيل الحكومة الأولى بعد الانتخابات النيابية في ايار الماضي، وما افرزته من نتائج. لكن ملف النفايات “الطارئ” دائماً منذ اول حكومة شكلت بعد انتهاء الحرب الاهلية، يعيد الى الاذهان سيناريوهات مشابهة تماماً لما يتوقع حدوثه في غضون الأشهر المقبل. نستحضر من الذاكرة ازمة مكب برج حمود عام 1996 التي ادت الى الانتقال لمطمر الناعمة، والذي بدوره اعاد بعد 18 عاماً رمي كرة النفايات مجدداً الى برج حمود مع توسع اضافي في منطقة نهر الغدير في الشويفات، وها هي المطامر البحرية التي كانت خيار “الإفلاس السياسي” لحكومة الرئيس تمام سلام، تقترب من انتاج نفس المشهد، مطامر ممتلئة بكل انواع النفايات واشكالها، ومطامر سياسية تدفن بشكل مستمر الفضيحة تلو الأخرى.

لنتذكر جيداً مقررات جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في السرايا الحكومي بتاريخ  11  كانون الثاني 2018 :

 

توسعة مطمر الغدير وتجاهل برج حمود

 

اولى هذه المقررات الموافقة على اقتراح مجلس الإنماء والإعمار توسعة مطمر الغدير، أي الكوستابرافا، وفقا للبيانات والخرائط التي اعدها الاستشاري رفيق خوري وتم تعديلها بالاستناد الى “مزايدات” وزارية حدثت داخل الجلسة.

يلحظ هذا الخيار الذي تم تلزيمه بالتراضي الى شركة الجهاد للمقاولات استحداث مساحة غرب مطمر الكوستابرافا الحالي تتصل مباشرة بهذا المطمر وذلك من خلال انشاء حاجز بحري، بهدف تكوين مساحة كافية لطمر النفايات لمدة لا تقل عن اربع سنوات اضافية اعتباراً من تاريخ تكوين أول خلية طمر والمتوقع حصوله عند بداية شهر أيلول من العام 2018. ويقول الاستشاري انه باعتماد هذا الخيار تبقى المنطقة الواقعة شمال مصب نهر الغدير حرة بهدف انشاء عليها، في وقت لاحق، محطة لتكرير المياه المبتذلة. قدر الاستشاري رفيق خوري وشركاه كلفة هذا الحل بمبلغ 131.5 مليون دولار اميركي، باعتماد الاسعار التعاقدية للمقاول الحالي، ويشمل هذا المبلغ كلفة تنفيذ اعمال الحماية البحرية بطول حوالي 1600 متر، وكلفة اعمال الردم وانشاء وتشغيل الخلايا بقدرة استيعابية حوالي 1.75 مليون طن، مع الاشارة الى ان ارتفاع كلفة تنفيذ هذا الحل تعود الى طول وعمق الحاجز البحري المطلوب انجازه ( من 3 الى 9 امتار).

سارع المقاول جهاد العرب ببدء اعمال تنفيذ الحاجز البحري فور تبلغه قرار مجلس الوزراء وقبل الحصول على اذن مباشرة من قبل مجلس الانماء والاعمار، ولم تفلح المحاولات المتكررة لمجموعة من المحاميين وقف اعمال الردم من خلال قضاء العجلة، على قاعدة ان انشاء المطامر في لبنان “قضاء وقدر” لا يمكن وقفه او رده مهما كانت الكلفة وحتى لو توفرت الخيارات البديلة.

في المقابل، نجحت المزايدات الانتخابية والحسابات السياسية الدقيقة لدائرة المتن في ابعاد “كأس” توسيع مطمر الجديدة – برج حمود في جلسة 11 كانون الثاني. وكانت الحجة التي سمحت بتمرير قرار سحب توسيع المطمر من التداول ان هناك فترة كافية لاتخاذ قرار بشان توسيع هذا المطمر كون طاقته الاستيعابية لا تنتهي قبل اواخر شباط 2019، بحسب المعطيات التي قدمها  الاستشاري ليبان كونسلت.

عرض الاستشاري خيارين لتوسعة مطمر برج حمود – الجديدة. الأول يتضمن امكانية ردم المساحة المائية الواقعة بين مطمر برج حمود والجديدة واستعمالها لانشاء خلية لطمر النفايات ، ما يعني عملياً نقل انابيب النفط المتواجدة في هذه المنطقة والغاء مرفأ الصيادين الموجود حالياً في هذه المنطقة وتأمين بديل عنه. يقول الاستشاري ان هذا الخيار يؤمن مساحة كافية لطمر النفايات لمدة لا تقل عن اربع سنوات اضافية اعتباراً من اذار 2019 ، في حال تم تشغيل معملي الكورال والكوستابرافا للتسبيخ ضمن المهل المحددة. ويقدر الاستشاري كلفة هذا الحل بحوالي 60 مليون دولار اميركي، باعتماد الاسعار التعاقدية للمقاول الحالي (خوري للمقاولات) ، ويشمل هذا المبلغ كلفة اعمال الحماية البحرية (حاجز بحري بطول 200 متر) وكلفة اعمال الردم وانشاء وتشغيل الخلايات بقدرة استيعابية بحوالي 1.65 مليون طن ، علماً ان هذه الكلفة لا تشمل كلفة انشاء مرفأ جديد للصيادين وكلفة نقل انابيب النفط (المرفوض بشكل قاطع من قبل شركات النفط). الخيار الثاني الذي طرحه ليبان كونسلت، يشمل امكانية استعمال مساحة الاملاك العامة التي تم استحداثها في الجديدة لطمر النفايات. وفي هذه الحالة يجب التخلص من كمية بحوالي 650 الف متر مكعب من ناتج جبل النفايات القديم في برج حمود، التي تم وضعها ضمن هذه المساحة لاستيعاب اكبر قدر ممكن من النفايات الجديدة. ولا يمكن تطبيق هذا الخيار الا بعد نقل هذه الكمية من الردميات الى خارج هذا الموقع، علماً بانه يمكن استعمال هذه الكمية من الردميات في توسعة مطمر الكوستابرافا ! ويقول الاستشاري ان هذا الحل يؤمن مساحة كافية لطمر النفايات لا تقل عن 34 شهراً اضافياً اعتباراً من أول اذار 2019، في حال تم تشغيل معملي الكورال والكوستابرافا للتسبيخ ضمن المهل المحددة. قدر الاستشاري كلفة هذا الحل بحوالي 30 مليون دولار اميركي باعتماد الاسعار التعاقدية للمتعهد الحالي. ويشمل هذا المبلغ كلفة اعمال انشاء وتشغيل خلايا اضافية بقدر استيعابية بحوالي مليون وثمانين الف طن، علماً بان هذه الكلفة لا تشمل كلفة نقل كمية الردميات الى خارج الموقع.

وفي حين لا تزال مفاوضات تشكيل الحكومة تطبخ على نار هادئة باتت الخيارات التي طرحها  الاستشاري ليبان كونسلت، خارج التداول، كون قرار مجلس الوزراء استبعد نهائياً الخيار الثاني بنقل جزء من نفايات برج حمود الى الكوستابرافا، لا بل اشترط ان لا يدخله إلا 1000 طن يومياً بدءا من مطلع العام 2019.

وفي حين تتصاعد الحملة السياسية الرافضة لتوسيع مطمر برج حمود، فان الحسابات الدقيقة تشير الى ان خيار التوسيع لن يكون مجدياً حتى لو اقر في اول جلسة بعد نيل الحكومة الثقة، اذ ان اعمال الردم والتوسيع تحتاج الى اشهر قبل البدء باعمال الطمر ، اي ان مهلة شباط 2019 التي وضعها الاستشاري لاستنفاذ مطمر برج حمود الجديدة طاقته الاستيعابية ، باتت صاعق تفجير في وجه جميع القوى السياسية التي ستجد نفسها في مروحة واسعة من التنقاضات والتجاذبات والحملات المضادة على وقع عودة شبهة مؤكد للنفايات الى اجزاء من بيروت وكامل قضاء المتن وصولاً الى كسروان.

 

 

الكورال ينتظر الكهرباء ومعمل الكوستابرافا في الادراج

 

البند الثاني الذي صدر عن جلسة 11  كانون الثاني 2018 ، يقضي بالموافقة على اقتراحات مجلس الإنماء والإعمار بشأن إنشاء وتشغيل معمل تسبيخ جديد في موقع الكوستابرافا نفسه، وتطوير معملي الفرز في العمروسية والكرنتينا. والموافقة على ضم قضائي الشوف وعالية إلى نطاق هذه الخطة المرحلية. والطلب إلى مجلس الإنماء والإعمار اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للتقيد بما يلي:

‌أ.       أن ينجز تطوير معملي الفرز في العمروسية والكرنتينا خلال 9 أشهر، اعتبارا من تاريخ هذا القرار، وفي حال عدم الإنجاز، يمكن لبلدية الشويفات أن تتقدم بمشروع إنشاء معمل إضافي للفرز في موقع الكوستابرافا.

‌ب.  أن لا يستقبل معمل العمروسية للفرز بعد تطويره أكثر من الكميات التي يستقبلها حاليا، أي بمعدل 1400 طن يوميا.

 

‌ج.    أن لا تزيد كمية النفايات المطمورة في الكوستابرافا عن ألف طن يوميا اعتبارا من مطلع العام 2019.

وينص القرار على ان تكون قدرة معمل التسبيخ الجديد في موقع الكوستابرافا 750 طن يومياً، وان يكون  مطابق لمعمل الكورال الحالي في برج حمود، وذلك لتقليص كمية النفايات قبل طمرها.

ويقترح الاستشاري خوري ان يكون معمل التسبيخ في الكوستابرافا عند مدخل المطمر، كونه لا يتعارض مع اعمال الطمر الحالية. كما اقترح خيارين بالنسبة للتقنيات، الاول يعتمد تقنية التخمير الهوائي التي يجري اعتمادها في الكورال Tunnel Technology. قدر الاستشاري كلفة هذا الحل بحوالي 29 مليون دولار أميركي. اما الخيار الثاني فيعتمد تقنية التسبيخ بالاضافة الى التجفيف البيولوجي Biodrying ، وبحسب تقدير الاستشاري فان هذه التقنية يمكن ان تنتج نفس نوعية السماد العضوي الذي ينتج من خلال اعتماد الخيار الأول، في حين ان التجفيف البيولوجي ينتج مواداً صالحة للاستعمال في عملية الحرق عند بدء تطبيق خطة التفكك الحراري، كما ان هذه العملية تستلزم وقتاً اقل من الوقت اللازم لتسبيخها، اما كلفة هذه التقنية فقدرت بحوالي 36 مليون دولار اميركي.

وفي حين وافق مجلس الوزراء على خيار التجفيف البيولوجي Biodrying، مر سبعة اشهر على هذا القرار، لكن معمل التسبيخ في الكوستابرافا لم يبصر النور بعد. وليزيد الطين بلة فان قرار تاهيل وتوسيع معمل التسبيخ في الكورال المتخذ في اذار العام  2016 لا يزال معطلاً، بحجة عدم امداد المعمل بالكهرباء. ويفترض ان هذا المعمل بات قادر على استيعاب 750 طن من النفايات العضوية يومياً، تذهب حالياً الى الطمر دون اي معالجة وتفاقم من قدرة معامل الفرز على استرداد نفايات قابلة لاعادة التدوير ، كون هذه النفايات تبقى مختطلة بالمواد العضوية الملوثة والسائلة في حين يدفع المكلف اللبناني ما لا يقل عن 50 دولار عن كل طن كلفة اعمال الفرز والتفريق غير المجدية طالما ان حلقة ادارة النفايات لا تستكمل بالتسبيخ واعادة تدوير جميع المواد المفرزة. يحدث كل ذلك في وقت لا تزال قرارات صرف الحوافز المالية للبلديات المحيطة بالمطمرين، مجرد وعود وزارية لم تقترن بمراسيم صادرة عن وزارة المالية، لتبرهن من جديد ان الحكومات المتعاقبة مستعدة لدفع الملايين من اجل انشاء مطمر، لكنها غير مستعدة لصرف اي مبلغ مالي وعدت به البلديات المحيطة بهذه المطامر، ثم تخرج اصوات متسائلة لماذا ترفض البلديات انشاء المطامر !! ؟؟

 


مناقصة
التفكك الحراري … تتفكك


اعاد مجلس الوزراء في جلسة  11  كانون الثاني 2018 التأكيد على الالتزام بإطلاق مناقصة لمعامل التفكك الحراري، وذلك خلال ستة أشهر، مع تحديد المناطق. ولقد خضع هذا البند للمزيادة الانتخابية والسياسية ايضاً اذ ان مهلة الستة اشهر التي اعطيت لدراسة الاثر البيئي لدفتر الشروط الذي وضعه الاستشاري الدنماركي رامبول ، كان “مزحة سمجة” تم تمريرها دون اي معارضة تذكر، علماً ان من بديهيات دراسة الاثر البيئي تحديد موقع انشاء معمل التفكك الحراري ، وهذا الموقع لا يزال احجية ترفض الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ العام 2010 الاجابة عليها.

وفي حين يقف مجلس الانماء والاعمار مكتوف الايدي في موضوع مناقصة المحارق، اطلقت يد المجلس البلدي لبيروت من اجل اعلان مناقصة عالمية لتلزيم انشاء محرقة بقدرة استيعابية تصل الى 650 طن، اي انها محصورة ببيروت الادارية ، وبالتالي فان موقع انشاء المحرقة سيكون محصوراً ضمن هذا النطاق الاداري ايضاً. ولقد كان من المقرر ان اطلاق المناقصة مطلع شهر اب الجاري، لكن المعارضة المدنية والشعبية التي يقودها ائتلاف ادارة النفايات دفع المجلس البلدي الى التمهل في اتخاذ هذا الخيار، علماً ان بورصة الشركات المؤهلة للتقدم الى هذه المناقصة انحصرت باربعة ائتلافات. ويسمع في الصالونات السياسية همساً وعلانية ترجيح كفة شركة مقابل اخرى. وهنا لا بد من التذكير بهوية هذه الشركات ومن يقف ورائها.

يبرز الى الواجهة الائتلاف الأبرز ضمن القائمة النهائية، الذي يضم شركة الجهاد للمقاولات (المملوكة من قبل جهاد العرب)، الى جانب – مجموعة CNIM الفرنسية، وهي من أبرز الشركات المتخصصة بتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، ولديها عقود تشغيل في العديد من الدول حول العالم. ويفترض أن تتولى مجموعة CNIM الفرنسية دور الهندسة والإشراف، كما يضم الائتلاف مجموعة SUEZ الفرنسية، التي فازت مع شركة الجهاد للمقاولات بعقد إعادة تأهيل مكبّ صيدا العشوائي لمصلحة وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويفترض أن تتولى مجموعة SUEZ العمليات والصيانة.

الائتلاف الثاني يضم مجموعة MAN Enterprise (رئيس مجلس إدارتها ميشيل أبي نادر) وهي شركة لبنانية لديها فروع في عدة دول عربية وتملك خبرة واسعة في مجال الإنشاءات والأبنية. وتتولى مجموعة VINCI الفرنسية، وهي أيضاً من كبريات الشركات المتخصصة بتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، دور الهندسة والإشراف. ويتولى مهام العمليات والصيانة ضمن هذا الائتلاف شركة Urbaser الأسبانية، التي لديها خبرة واسعة في مجال إدارة النفايات. ولقد استحذوت شركة Firion Investments الصينية على هذه الشركة في أيلول (سبتمبر) 2016 بصفقة بلغت 1.4 مليار دولار من مالكها الرئيسي (ACS.MC) الأسبانية.

الائتلاف الثالث يضم شركة رامكو (المملوكة من وسيم عماش) وهي تتولى حالياً أعمال جمع ونقل النفايات في بيروت والمتن وكسروان بالائتلاف مع “شركة Atlas Yapı San” التركية. ولقد اختارت الشركة التقدم الى مناقصة معالجة النفايات في بيروت مع مجموعة Doosan Lentjes وهي ائتلاف لشركتين نمساوية وكورية، تشكلت عام 2011، ولديها مشاريع عدة لتحويل النفايات إلى طاقة حول العالم. الائتلاف الرابع يضم أكثر من شركة لبنانية، الأولى هي Lavajet – Batco (المملوكة من أنطوان أزعور)، تتولى حالياً إدارة مكب النفايات في طرابلس المفترض اقفاله وانشاء مطمر صحي بقربه، إلى جانب شركة Butec (المملوكة من نزار يونس). اما الشريك الأجنبي في هذا الائتلاف هو مجموعة Hitachi Zosen Inova السويسرية، وهي أيضاً من كبريات الشركات المتخصصة بتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة.

وفي حين لم يعرف بعد ما اذا كانت الظروف السياسية والشعبية ستسمح للبلدية بتمرير هذه المناقصة، فان الأكيد ان ملف النفايات قد عاد مجدداً الى واجهة الازمة من باب المهل الضائعة بين  حكومة واخرى وانتخابات نيابية وما يليها من “مخاض” تأليف حكومة جديدة. في ظل فوضى لا مركزية غير مسبوقة  لمشاريع ظهرت الى العلن من بيت مري الى بلاط مروراً بالشوف وكسروان تحت مسمى “التحول والتغويز الحراري”. اما قانون النفايات الذي اقرته اللجان المشتركة ، فسوف يخرج من القاعة العامة لمجلس النواب الى سلة المهملات كون الصفقات التي يتم ترتيبها قبل اقراره سيجعله غير قابل للانفاذ اقله في السنوات العشرين المقبلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!