كي لا يكون الرقم وجهة نظر

تحليلات كثيرة تتوالى في الفترة الأخيرة حول شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالنظر إلى مواقفه الغريبة وقراراته المتسرّعة والمتناقضة في البعض منها. فبعد التهديد والوعيد الذي رافق علاقته برئيس كوريا الشمالية، حوّل جون كيم يونغ إلى زعيم نزيه بعد اللقاء التاريخي في قمة سنغافورة. ورغم التهديد بحرب تجارية قد تنطلق مع ارتفاع العقوبات الأميركية على كل من إيران والصين من جهة ورضوخ الدول الأوروبية، طارت التكهنات، وجدد أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيون الالتزام بزيادة مساهماتهم في الإنفاق العسكري لحلف شمال الأطلسي، بضغط من ترامب في منتصف شهر تموز – يوليو 2018.

في جعبة الرئيس الأميركي ذخائر عديدة لإشعال الحرب الإقتصادية، يستعملها بالتدرّج إلى أن يحقق غايته فينتقل إلى خطة أخرى.. وفي آخر “خرطوشة” أطلقها،  تصريحه في أواخر شهر تموز- يوليو  بأن الاتحاد الأوروبي يدرس احتمال بناء موانئ في أراضي دوله استعدادا لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة الأميركية !!

ما هي خلفية هذا القرار وأهدافه؟ هل يمكن تطبيقه وما هي تداعياته؟  الخبير في الشؤون الأوروبية أنطوان شربانتييه ، يلخّص في حديث لـ”الإعمار والإقتصاد” ، ما لهذا القرار وما عليه ويضعه في خانة الحرب الإقتصادية التي يشنّها الرئيس الأميركي ويؤكّد على أن نهج ترامب غير العارف بالأمور الاقتصادية هو فرض العقوبات على الأعداء والاصدقاء ، ومن ثم العودة للتفاوض بشكل يخدم المصالح الإقتصادية الأميركية او بالأحرى مصالح أصدقائه، ويتساءل هل الشعب الأميركي مستفيد من سياسة ترامب؟

مايا نادر 

في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي في البيت الأبيض في أواخر شهر تموز – يوليو قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب : “نجري محادثات مع الإتحاد الأوروبي حول بناء ما بين 9 و11 ميناء ستستقبل الغاز السائل من الولايات المتحدة”. كما أشار إلى أن كلفة بناء هذه المنشآت سيتم دفعها من ميزانية الإتحاد الأوروبي. من جانبه قال الناطق باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، منتصف الشهر نفسه ، إن هجمات الإدارة الأميركية على مشروع “السيل الشمالي – 2” الروسي تعد محاولة لإجبار الدول الأوروبية على شراء الغاز المسال الأميركي !!

حرب مع الأعداء

لا يختلف هذا القرار عن أسلافه، بل أن “ترامب يعمل منذ تولّيه الرئاسة على إقامة الحروب الإقتصادية والسياسية في العالم، وما القرار الذي اتخذ حول موانىء الغاز إلا وسيلة من الوسائل لتحقيق مآربه، وكل هذا في ظل عراك وتضارب أميركي داخلي!”

هذه الجملة هي خلاصة ما يتحدّث عنه شربانتييه مشدّداً على أن المنظمات الاستخباراتية الأميركية تحاول و معها عدة سياسيين أميركيين من الصقور تطويق الرئيس ترامب، و محاولة الحد من نشاطه السياسي، لأنهم يعتبرون أن كثيرا من تصرفاته لا تخدم المصالح الأميركية في العالم.

في هذا الإطار، يفصّل شاربانتييه خطوات ترامب غير المدروسة التي يتدرّج بها لتحقيق مبتغاه، وأوّلها :

مضي الرئيس الأميركي بمحاولة كسر الإتفاق النووي الإيراني، بهدف ضرب إيران و معها خط المقاومة و خصوصاً حزب الله، خدمة لاسرائيل. من هذا المنطلق نفهم دعم اللوبي الصهيوني المتأخر لترامب خلال حملته الانتخابية.

لكن إيران انفتحت  على أسواق أخرى، كالهند، الصين و روسيا. و يجب القول أنها  اعتادت بعض الشيء العيش وتأقلمت مع العقوبات، التي هي في الوقت الحاضر  بحسب شاربانتييه عقوبات خارجة عن نطاق الشرعية الدولية و الأمم المتحدة.

الانسحاب من الإتفاق النووي الإيراني  هو أيضأ بحسب شاربانتييه  إعلان  ترامب الحرب على حلفائه الأوروبيين. لكن لن يستطيع إخضاعهم كليا، و لو أنهم لا يملكون إلا خيار التماهي مع السياسة الأميركية الخارجية. لا بل أن ترامب أجبر نوعاً ما حلفائه الأوروبيين  بالإستدارة نحو بلدان تعتبر بعض الشيء معادية أو على خلاف في عدة مواضيع أساسية مع أوروبا  ومنها الصين.

إستطراداً، يقول شاربانتييه أن: “إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي الإيراني هو لإعلان الحرب الإقتصادية العالمية الأميركية، و ليست العسكرية. ما يهم ترامب هي الحروب الإقتصادية، فحتى الحروب العسكرية هي لخدمة الإقتصاد الأميركي.  وان نظرنا بواقعية نرى أن أميركا تبرم صفقات الأسلحة دون إقامة أية حرب مباشرة. فاليمن تحارب بالوكالة بواسطة العربية السعودية و الإمارات و تبيعهم الأسلحة وفي الوقت عينه تأخذ مالهم و تنصب لهم الفخ. في سوريا تحارب الولايات المتحدة الأميركية بواسطة المنظمات الإرهابية و العصابات المسلحة التي أتت بهم من كل أصقاع الأرض.   لكن أميركا تحارب أيضأ بواسطة الحلف الأطلسي ما يعني حروب بالوكالة بواسطة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي”.

في المحصّلة ، يقول شاربانتييه: ” إن مضت الولايات المتحدة الأميركية في سياستها العوجاء ، فقد يؤدي ذلك إلى خلق نظام إقتصادي جديد خارج عن الهيمنة الأميركية، و هذا ما سيعمل في المستقبل ترامب على تفاديه”

حرب مع الحلفاء 

لم يكتف ترامببحروب تشنّ على الأعداء، بل يشنّ نوعاً آخر من الحروب الإقتصادية على الحلفاء، وأكبر دليل على ذلك ما يحصل مع أوروبا. في التفاصيل، يشير شاربانتييه إلى أن أوروبا تعاني من هيمنة الدولار الأميركي، ومن مطالبة ترامب بتسديد ما يتوجب على الاوروبيين من مدفوعات إلى الحلف الأطلسي وزيادة شراكتهم المالية من 2% إلى 4%. فيقول: ” يجب التنويه أن مشاركة الاوروبيين في الحلف الأطلسي تكلفهم كثيرا.  فترامب يجبرهم على سبيل المثال محاصرة روسيا عسكريا، هناك ما يقارب ال 300 جندي فرنسي موجودون منذ ال 2017 و معهم العدد نفسه من الجنود البريطانيين في استونيا بحجة تدريب الجيش الاستوني.  لكن في الحقيقة استونيا، لاتفيا، او ليتونيا يظهرون خوفاً كبيراً من روسيا، الأمر الذي يجعلهم يفتحون المجال للحلف الأطلسي لمحاصرة روسيا بذريعة حمايتهم من شر هذه الاخيرة. و ما يجعل أميركا تستغل هذه الفرصة لبيع السلاح، لنشر الصواريخ باتجاه روسيا و التي يتوجب على الدول المذكورة دفع التكاليف المتوجبة لتحقيق هذه العملية”

الحرب الأوكرانية تسجل أيضا في هذا المنحى لبيع الأسلحة، إخضاع الشعوب بحجة حمايتهم من الشر الروسي،  وهي فكرة ليس لها اي أساس، إذ    نرى أن الولايات المتحدة الأميركية برئاسة ترامب تخوض حربا شنيعة ضد روسيا و هي إقتصادية بالحد الادنى، قبل أن تكون سياسية أو عسكرية.

حرب على الخليج! 

للخايج حصة كبيرة، فيشير شاربانتييه إلى أن ترامب يسير في نفس النهج مع دول الخليج والدولة العربية السعودية،  في حجة حمايتهم من الخطر الإيراني و بالوقت عينه يأخذ مالهم. و يعتبر أن غباء هؤلاء هو في تصديق ترامب ، حتى ولو أن ليس لهم أي خيار آخر.

بناء الموانىء

تدّرّج شاربانتييه بهذه الخطوات وفصّلها لكي يصل إلى النقطة الأهم وهي إعلان ترامب بناء موانىء في أوروبا لتصدير الغاز المشال، في هذا الإطار، يربط شاربانتييه بين هذا القرار وبين محاربة أميركا لمشروع السيل الشمالي ويقول: ” ترامب يحارب روسيا إقتصاديا، خصوصا مشروع ما يسمى السيل الشمالي 2 لإجبار أوروبا شراء المسال الأميركي.  فهو شن هجوما عنيفا على المانيا و رئيسة وزرائها أنجيلا ميركل لأنها تستورد 60 % من احتياجاتها للطاقة من روسيا . واتهمها انها خاضعة لروسيا.  ألمانيا لا تتماهى مع شخصية و سياسة ترامب و هي التي تعتبر البلد الأقوى إقتصاديا داخل الإتحاد الأوروبي. بالوقت عينه تخوض ألمانيا حربا خفية مع فرنسا صديقة أميركا للسيطرة على الإتحاد الأوروبي. فترامب يضرب الاوروبيين بعضهم ببعض. “

أما عن رغبة ترامب بناء الموانىء، يقول شاربانتييه:” ان كلفة بناء  هذه الموانىء  ستكون على حساب الاوروبيين، وفي الوقت عينه سيكون سعر الغاز الاميركي أغلى بكثير من الاسعار الروسية، ما يجعل بعض القادة الاوروبيين يرفعون الصوت بوجه ترامب، لكن الخوف أن لا يردّد الأوروبيون مقولة ” ما في اليد حيلة” فإما التماهي مع أميركا أو إما حروب أميركا على أراضيهم. وبالتالي فإن أوروبا في مأزق لا مثيل له في كل تاريخها. ترامب يستبد بها و هي لا تستطيع بالوقت الحاضر إلا الانصياع.

فضلاً عن “أن الخبراء يؤكدون و منهم ماريا بيلوفا، أن هناك ١١ دولة أوروبية و معهم تركيا يمتلكون ٣٣ محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال بطاقة إجمالية تبلغ ٢٢٧ مليار متر مكعب و التي استغل فقط في ٢٠١٧ ، ٢٧%.”

في الإطار نفسه، يشدّد شاربانتييه على أن الخبراء العسكريين يؤكدون أن هناك عصابات مسلحة من نوع داعش و أخواتها نقلت من سوريا و العراق، بواسطة الأميركيين،  وهم الآن موجودون في منطقة البلقان والجوار، يعتقد الخبراء أن هؤلاء على إستعداد إن أعطي لهم الأمر أن يدخلوا أوروبا من شرقها، لإشعال الحروب فيها!!

تهديد ثم خنوع؟؟

على ما يبدو فإن تهديدات ترامب لم تعد تنطلي على أحد، فيشير شاربانتييه إلى تغيرات سريعة وجذرية في مواقف ساكن البيت الأبيض تجعله يتهاوى مع مرور الزمن، فيقول: ” تهاوى السيد ترامب على أعتاب كوريا الشمالية ، فبعد أن اعتقد العالم بأسره أن حرباً نووية ستقع قريبا، ها هو الرئيس الأميركي ينعت نظيره الكوري بالنزيه، و يذهب للقائه في القمة التاريخية التي عقدت في كوريا الجنوبية. في المقابل،  تهاوى ترامب على أقدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة هلسنكي . مضى ترامب منذ إنتخابه ومعه إدارته السياسية بإطلاق الخطابات والمواقف المعادية والتهديد و الوعيد لروسيا الإتحادية . فذهب ترامب الى قمة هلسنكي و ولم يكن على مستوى العداء الذي أعلنه منذ وقت على روسيا.”

تململ في الداخل الأميركي

تصرفات ومواقف ترامب خلقت له مشاكل مع إدارته، مع القوى السياسية و الاستخبارية الأميركية، التي اعتبرت أن هلسنكي هي قمة الذل، هم الذين يفتشون بحسب شاربانتييه على خلق معادلة شبيهة بالحرب  الباردة و كانوا ينتظرون أن يثبت ترامب من جديد هذه المعادلة الدولية، لكنه فشل.

“يا ليت ترامب لم ينتخب”، هذا ما بدأ يقولوه الأميركيون ، و لو هناك شريحة كبيرة ما زالت تؤيد الرئيس الأميركي الحالي، و تأمل بتحسين الاقتصاد أكثر فأكثر.  لكنها قد تخسر بأي وقت ما جنته اقتصاديا في عهد ترامب.

في المحصّلة، وبحسب ما يقوله شاربانتييه لـ “الإعمار والإقتصاد”، سيتهاوى ترامب مجددا في الانتخابات النصفية التشريعية التي ستقام في غضون ثلاثة اشهر، و ما سيبقى من حكمه  سيعبّر عن هشاشة المنظومة السياسية الأميركية . أما ترامب، فسيتقلص دوره على الساحة الدولية، و سيبقى على وقاحته و خطابه السياسي الخالي من كل معايير الاحترام، مرافقا ببعض التغريدات التوترية.

من هذا المنطلق على محور المقاومة استغلال الفرص للتقدم على عدة أصعدة وجبهات وميادين عندما تأتي الإدارة الأميركية الجديدة بعد  ترامب أو في حال استلمت القوى المعارضة السلطة. فيجب أن يكونوا هؤلاء مقيضون أكثر ما هم عليه على أمل ولادة نظام اقتصادي جديد بالتوازي مع نهاية ولاية ترامب.

 

 

 

 

تحليلات كثيرة تتوالى في الفترة الأخيرة حول شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالنظر إلى مواقفه الغريبة وقراراته المتسرّعة والمتناقضة في البعض منها. فبعد التهديد والوعيد الذي رافق علاقته برئيس كوريا الشمالية، حوّل جون كيم يونغ إلى زعيم نزيه بعد اللقاء التاريخي في قمة سنغافورة. ورغم التهديد بحرب تجارية قد تنطلق مع ارتفاع العقوبات الأميركية على كل من إيران والصين من جهة ورضوخ الدول الأوروبية، طارت التكهنات، وجدد أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيون الالتزام بزيادة مساهماتهم في الإنفاق العسكري لحلف شمال الأطلسي، بضغط من ترامب في منتصف شهر تموز – يوليو 2018.

في جعبة الرئيس الأميركي ذخائر عديدة لإشعال الحرب الإقتصادية، يستعملها بالتدرّج إلى أن يحقق غايته فينتقل إلى خطة أخرى.. وفي آخر “خرطوشة” أطلقها،  تصريحه في أواخر شهر تموز- يوليو  بأن الاتحاد الأوروبي يدرس احتمال بناء موانئ في أراضي دوله استعدادا لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة الأميركية !!

ما هي خلفية هذا القرار وأهدافه؟ هل يمكن تطبيقه وما هي تداعياته؟  الخبير في الشؤون الأوروبية أنطوان شربانتييه ، يلخّص في حديث لـ”الإعمار والإقتصاد” ، ما لهذا القرار وما عليه ويضعه في خانة الحرب الإقتصادية التي يشنّها الرئيس الأميركي ويؤكّد على أن نهج ترامب غير العارف بالأمور الاقتصادية هو فرض العقوبات على الأعداء والاصدقاء ، ومن ثم العودة للتفاوض بشكل يخدم المصالح الإقتصادية الأميركية او بالأحرى مصالح أصدقائه، ويتساءل هل الشعب الأميركي مستفيد من سياسة ترامب؟

مايا نادر 

في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي في البيت الأبيض في أواخر شهر تموز – يوليو قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب : “نجري محادثات مع الإتحاد الأوروبي حول بناء ما بين 9 و11 ميناء ستستقبل الغاز السائل من الولايات المتحدة”. كما أشار إلى أن كلفة بناء هذه المنشآت سيتم دفعها من ميزانية الإتحاد الأوروبي. من جانبه قال الناطق باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، منتصف الشهر نفسه ، إن هجمات الإدارة الأميركية على مشروع “السيل الشمالي – 2” الروسي تعد محاولة لإجبار الدول الأوروبية على شراء الغاز المسال الأميركي !!

حرب مع الأعداء

لا يختلف هذا القرار عن أسلافه، بل أن “ترامب يعمل منذ تولّيه الرئاسة على إقامة الحروب الإقتصادية والسياسية في العالم، وما القرار الذي اتخذ حول موانىء الغاز إلا وسيلة من الوسائل لتحقيق مآربه، وكل هذا في ظل عراك وتضارب أميركي داخلي!”

هذه الجملة هي خلاصة ما يتحدّث عنه شربانتييه مشدّداً على أن المنظمات الاستخباراتية الأميركية تحاول و معها عدة سياسيين أميركيين من الصقور تطويق الرئيس ترامب، و محاولة الحد من نشاطه السياسي، لأنهم يعتبرون أن كثيرا من تصرفاته لا تخدم المصالح الأميركية في العالم.

في هذا الإطار، يفصّل شاربانتييه خطوات ترامب غير المدروسة التي يتدرّج بها لتحقيق مبتغاه، وأوّلها :

مضي الرئيس الأميركي بمحاولة كسر الإتفاق النووي الإيراني، بهدف ضرب إيران و معها خط المقاومة و خصوصاً حزب الله، خدمة لاسرائيل. من هذا المنطلق نفهم دعم اللوبي الصهيوني المتأخر لترامب خلال حملته الانتخابية.

لكن إيران انفتحت  على أسواق أخرى، كالهند، الصين و روسيا. و يجب القول أنها  اعتادت بعض الشيء العيش وتأقلمت مع العقوبات، التي هي في الوقت الحاضر  بحسب شاربانتييه عقوبات خارجة عن نطاق الشرعية الدولية و الأمم المتحدة.

الانسحاب من الإتفاق النووي الإيراني  هو أيضأ بحسب شاربانتييه  إعلان  ترامب الحرب على حلفائه الأوروبيين. لكن لن يستطيع إخضاعهم كليا، و لو أنهم لا يملكون إلا خيار التماهي مع السياسة الأميركية الخارجية. لا بل أن ترامب أجبر نوعاً ما حلفائه الأوروبيين  بالإستدارة نحو بلدان تعتبر بعض الشيء معادية أو على خلاف في عدة مواضيع أساسية مع أوروبا  ومنها الصين.

إستطراداً، يقول شاربانتييه أن: “إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي الإيراني هو لإعلان الحرب الإقتصادية العالمية الأميركية، و ليست العسكرية. ما يهم ترامب هي الحروب الإقتصادية، فحتى الحروب العسكرية هي لخدمة الإقتصاد الأميركي.  وان نظرنا بواقعية نرى أن أميركا تبرم صفقات الأسلحة دون إقامة أية حرب مباشرة. فاليمن تحارب بالوكالة بواسطة العربية السعودية و الإمارات و تبيعهم الأسلحة وفي الوقت عينه تأخذ مالهم و تنصب لهم الفخ. في سوريا تحارب الولايات المتحدة الأميركية بواسطة المنظمات الإرهابية و العصابات المسلحة التي أتت بهم من كل أصقاع الأرض.   لكن أميركا تحارب أيضأ بواسطة الحلف الأطلسي ما يعني حروب بالوكالة بواسطة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي”.

في المحصّلة ، يقول شاربانتييه: ” إن مضت الولايات المتحدة الأميركية في سياستها العوجاء ، فقد يؤدي ذلك إلى خلق نظام إقتصادي جديد خارج عن الهيمنة الأميركية، و هذا ما سيعمل في المستقبل ترامب على تفاديه”

حرب مع الحلفاء 

لم يكتف ترامببحروب تشنّ على الأعداء، بل يشنّ نوعاً آخر من الحروب الإقتصادية على الحلفاء، وأكبر دليل على ذلك ما يحصل مع أوروبا. في التفاصيل، يشير شاربانتييه إلى أن أوروبا تعاني من هيمنة الدولار الأميركي، ومن مطالبة ترامب بتسديد ما يتوجب على الاوروبيين من مدفوعات إلى الحلف الأطلسي وزيادة شراكتهم المالية من 2% إلى 4%. فيقول: ” يجب التنويه أن مشاركة الاوروبيين في الحلف الأطلسي تكلفهم كثيرا.  فترامب يجبرهم على سبيل المثال محاصرة روسيا عسكريا، هناك ما يقارب ال 300 جندي فرنسي موجودون منذ ال 2017 و معهم العدد نفسه من الجنود البريطانيين في استونيا بحجة تدريب الجيش الاستوني.  لكن في الحقيقة استونيا، لاتفيا، او ليتونيا يظهرون خوفاً كبيراً من روسيا، الأمر الذي يجعلهم يفتحون المجال للحلف الأطلسي لمحاصرة روسيا بذريعة حمايتهم من شر هذه الاخيرة. و ما يجعل أميركا تستغل هذه الفرصة لبيع السلاح، لنشر الصواريخ باتجاه روسيا و التي يتوجب على الدول المذكورة دفع التكاليف المتوجبة لتحقيق هذه العملية”

الحرب الأوكرانية تسجل أيضا في هذا المنحى لبيع الأسلحة، إخضاع الشعوب بحجة حمايتهم من الشر الروسي،  وهي فكرة ليس لها اي أساس، إذ    نرى أن الولايات المتحدة الأميركية برئاسة ترامب تخوض حربا شنيعة ضد روسيا و هي إقتصادية بالحد الادنى، قبل أن تكون سياسية أو عسكرية.

حرب على الخليج! 

للخايج حصة كبيرة، فيشير شاربانتييه إلى أن ترامب يسير في نفس النهج مع دول الخليج والدولة العربية السعودية،  في حجة حمايتهم من الخطر الإيراني و بالوقت عينه يأخذ مالهم. و يعتبر أن غباء هؤلاء هو في تصديق ترامب ، حتى ولو أن ليس لهم أي خيار آخر.

بناء الموانىء

تدّرّج شاربانتييه بهذه الخطوات وفصّلها لكي يصل إلى النقطة الأهم وهي إعلان ترامب بناء موانىء في أوروبا لتصدير الغاز المشال، في هذا الإطار، يربط شاربانتييه بين هذا القرار وبين محاربة أميركا لمشروع السيل الشمالي ويقول: ” ترامب يحارب روسيا إقتصاديا، خصوصا مشروع ما يسمى السيل الشمالي 2 لإجبار أوروبا شراء المسال الأميركي.  فهو شن هجوما عنيفا على المانيا و رئيسة وزرائها أنجيلا ميركل لأنها تستورد 60 % من احتياجاتها للطاقة من روسيا . واتهمها انها خاضعة لروسيا.  ألمانيا لا تتماهى مع شخصية و سياسة ترامب و هي التي تعتبر البلد الأقوى إقتصاديا داخل الإتحاد الأوروبي. بالوقت عينه تخوض ألمانيا حربا خفية مع فرنسا صديقة أميركا للسيطرة على الإتحاد الأوروبي. فترامب يضرب الاوروبيين بعضهم ببعض. “

أما عن رغبة ترامب بناء الموانىء، يقول شاربانتييه:” ان كلفة بناء  هذه الموانىء  ستكون على حساب الاوروبيين، وفي الوقت عينه سيكون سعر الغاز الاميركي أغلى بكثير من الاسعار الروسية، ما يجعل بعض القادة الاوروبيين يرفعون الصوت بوجه ترامب، لكن الخوف أن لا يردّد الأوروبيون مقولة ” ما في اليد حيلة” فإما التماهي مع أميركا أو إما حروب أميركا على أراضيهم. وبالتالي فإن أوروبا في مأزق لا مثيل له في كل تاريخها. ترامب يستبد بها و هي لا تستطيع بالوقت الحاضر إلا الانصياع.

فضلاً عن “أن الخبراء يؤكدون و منهم ماريا بيلوفا، أن هناك ١١ دولة أوروبية و معهم تركيا يمتلكون ٣٣ محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال بطاقة إجمالية تبلغ ٢٢٧ مليار متر مكعب و التي استغل فقط في ٢٠١٧ ، ٢٧%.”

في الإطار نفسه، يشدّد شاربانتييه على أن الخبراء العسكريين يؤكدون أن هناك عصابات مسلحة من نوع داعش و أخواتها نقلت من سوريا و العراق، بواسطة الأميركيين،  وهم الآن موجودون في منطقة البلقان والجوار، يعتقد الخبراء أن هؤلاء على إستعداد إن أعطي لهم الأمر أن يدخلوا أوروبا من شرقها، لإشعال الحروب فيها!!

تهديد ثم خنوع؟؟

على ما يبدو فإن تهديدات ترامب لم تعد تنطلي على أحد، فيشير شاربانتييه إلى تغيرات سريعة وجذرية في مواقف ساكن البيت الأبيض تجعله يتهاوى مع مرور الزمن، فيقول: ” تهاوى السيد ترامب على أعتاب كوريا الشمالية ، فبعد أن اعتقد العالم بأسره أن حرباً نووية ستقع قريبا، ها هو الرئيس الأميركي ينعت نظيره الكوري بالنزيه، و يذهب للقائه في القمة التاريخية التي عقدت في كوريا الجنوبية. في المقابل،  تهاوى ترامب على أقدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة هلسنكي . مضى ترامب منذ إنتخابه ومعه إدارته السياسية بإطلاق الخطابات والمواقف المعادية والتهديد و الوعيد لروسيا الإتحادية . فذهب ترامب الى قمة هلسنكي و ولم يكن على مستوى العداء الذي أعلنه منذ وقت على روسيا.”

تململ في الداخل الأميركي

تصرفات ومواقف ترامب خلقت له مشاكل مع إدارته، مع القوى السياسية و الاستخبارية الأميركية، التي اعتبرت أن هلسنكي هي قمة الذل، هم الذين يفتشون بحسب شاربانتييه على خلق معادلة شبيهة بالحرب  الباردة و كانوا ينتظرون أن يثبت ترامب من جديد هذه المعادلة الدولية، لكنه فشل.

“يا ليت ترامب لم ينتخب”، هذا ما بدأ يقولوه الأميركيون ، و لو هناك شريحة كبيرة ما زالت تؤيد الرئيس الأميركي الحالي، و تأمل بتحسين الاقتصاد أكثر فأكثر.  لكنها قد تخسر بأي وقت ما جنته اقتصاديا في عهد ترامب.

في المحصّلة، وبحسب ما يقوله شاربانتييه لـ “الإعمار والإقتصاد”، سيتهاوى ترامب مجددا في الانتخابات النصفية التشريعية التي ستقام في غضون ثلاثة اشهر، و ما سيبقى من حكمه  سيعبّر عن هشاشة المنظومة السياسية الأميركية . أما ترامب، فسيتقلص دوره على الساحة الدولية، و سيبقى على وقاحته و خطابه السياسي الخالي من كل معايير الاحترام، مرافقا ببعض التغريدات التوترية.

من هذا المنطلق على محور المقاومة استغلال الفرص للتقدم على عدة أصعدة وجبهات وميادين عندما تأتي الإدارة الأميركية الجديدة بعد  ترامب أو في حال استلمت القوى المعارضة السلطة. فيجب أن يكونوا هؤلاء مقيضون أكثر ما هم عليه على أمل ولادة نظام اقتصادي جديد بالتوازي مع نهاية ولاية ترامب.

 

 

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!