كي لا يكون الرقم وجهة نظر

كتب المحرر السياسي:

قبل الإنتخابات النيابية وخلالها، لم تنأ قوة سياسية واحدة بنفسها عن الحديث عن انهيار مالي ووضع اقتصادي مأزوم. القوى السياسية عينها “بشّرت” اللبنانيين أنّ ما بعد الانتخابات غير ما قبلها.

من فخامة الرئيس الذي اعتبر أنّ حكومة ما بعد الانتخابات هي حكومة العهد الاولى، التي سنشهد على يدها تغييرات جوهرية تبدأ بمكافحة الفساد ولا تنتهي بتحويل الاقتصاد من ريعي الى منتج، الى رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري الذي أخبر اللبنانيين أنّهم سيرون وجهاً مغايراً له بعد الانتخابات، مع بدء ورشة إعمار جديدة. ومن الرئيس نبيه بري الذي أعادت الإنتخابات الأخيرة تكريسه رئيساً للبرلمان، والذي اعتبر أنّ التعامل مع الملفات سيختلف بعد الإستحقاق الدستوري، وأنّ الزمن تغيّر، وصولاً الى حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرلله الذي أعلن أنّ الحزب سيدخل ميدان الإقتصاد للمرة الأولى بعد الإنتخابات، متعهّداً بمكافحة الفساد واعتماد مقاربة إقتصادية إصلاحية حقّاً.

إذا كانت القوى السياسية الأساسية في البلاد كرّرت هذا الكلام في كلّ مهرجان انتخابي، فهل من المعقول أن يكون وضع البلاد اليوم في أسوأ حال؟

مجلس النواب معطّل. وإن كانت اللجان تجتمع وتعمل، فالهيئة العامة القادمة بشرعية انتخابية ممنوعة عن العمل، ما يعني عمليًا أنّ البرلمان خارج الخدمة. ف

الحكومة معطّلة، في وقت كان الجميع يطالب بتشكيلها بأسرع وقت، الى حدّ أنّ القوى السياسية سمحت بتجاوز الأعراف والتقاليد والقوانين باختيار سعد الحريري رئيساً للحكومة سلفاً، من خلال مؤتمر سيدر / باريس، بحجّة أنّه الوحيد القادر على تطبيق مقرّرات المؤتمر، وإعادة النهوض بالإقتصاد.

حتى اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر، كلّ من تكلّم ولا يزال عن موضوع الإنهيار الإقتصادي، لم يتّخذوا أي إجراء حتى الآن في موضوع الحكومة وتشكيلها.

أمام هذه اللوحة، حيث تبرز الخلافات بين هذه القوى يومياً، وحيث التصارع على مقعد وزاري هنا، وحقيبة خدماتية هناك، يسيطر اليوم على الأجواء خوف من المجهول المقبل، وأزمات قطاعية متلاحقة في ظلّ تراجع في المؤشرات وإفلاسات.

أمام كلّ ما يحدث: عن أي طبقة سياسية نتكلّم؟ وأي أفق يمكن أن يفتح أمام اللبنانيين اليوم في ظلّ ما يجري؟

في ظلّ هذه المراوحة المستمرّة منذ أكثر من 100 يوم، ما التوجهات المطروحة؟

ثمّة اليوم من يراهن أنّ الولايات المتحدة الأميركية قرّرت ألّا تتنازل للروس على صعيد المنطقة. هؤلاء أنفسهم يراهنون في الوقت نفسه أنّه نتيجة الأزمة مع ايران، ثمّة عقوبات جديدة ستفرضها واشنطن على طهران في تشرين الأول المقبل، وهذه العقوبات ستضع ايران، بنظرهم، في موقف صعب. يرى المراهنون إيّاهم أنّه بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، وبنتيجتها، ثمّة عقوبات أميركية ستطال لبنان. هذه الجهة تراهن على أنّ من فاز في الانتخابات النيابية لأوّل مرة منذ عام 2005 سيتمّ سحب البساط من تحت قدميه، بحيث يصبح نصره البرلماني دون مفعول يذكر.

وتعتبر الجهة عينها أنّ الخاسر الأكبر من المراوحة الحالية هما العهد، الذي يخسر من رصيده، وقوى ما كان يعرف بـ 8 آذار، والتي يظهر اليوم انّ حجمها الكامل يتلخّص بـ6 وزراء شيعة، بينما معظم حلفائها غير ممثلين، ولا هي تطالب بتمثيلهم، وأكبر دليل على ذلك الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان له مقعد وزاري ثابت منذ اتفاق الدوحة، بينما اليوم لم يطرح أحد موضوع توزير ممثّل له.

في المقابل، تعتبر قوى مناوئة أنّ ما يحصل اليوم في سوريا ينبئ بذهاب الأمورنحو الحسم، ولهذا السبب، فالوقت لن يسبّب ضرراً فعلياً، فكلّ النتائج التي ستنعكس من سوريا ستكون ايجابية على هذا الفريق. لذلك، يراهن هؤلاء على انّ انتصار دمشق على الإرهاب سيسمح لهم بفرض شروطهم على حلفاء السعودية التي هزمت في سوريا وما تزال غير قادرة على قلب الموازين في اليمن الذي غرقت في وحوله.

بين الطرح الأول والثاني، ما هي الخيارات الفعلية اليوم أمام الشعب اللبناني؟ خاصة أنّ أيلول هو شهر المدارس والمونة والاستحقاقات،علماً أنّ الكثير من القضايا التي كان يُنظر لها باعتبارها تسهّل حياة الناس، باتت اليوم تعيش أزمة حقيقية نتيجة غياب الدولة، من قروض الإسكان وصولاً الى أي وسيلة أخرى مساعِدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعية.

هل ثمة أفق اليوم للتغيير ولخلط الأوراق السياسية؟

هل سيكون للشأن الخارجي والإقليمي انعكاسات فعلية لجهة حسم بعض القرارات والإجراءات الداخلية؟

هل يقلب تشرين والعقوبات على ايران موازين القوى في البلاد؟

وهل يسمح الحسم المنتظر في سوريا لحلفاء دمشق بفرض رأيهم على معارضيهم؟

هل يذهب الوضع الى اهتراء متباطئ؟ وكم من الوقت يستطيع البلد وشعبه أن يستحملا؟

أسئلة تنتظر اقتناع الطبقة السياسية بأنّ قالب الجبنة الذي يحلمون باقتسامه يصغر يوماً بعد يوم، والطريقة الوحيدة لإنقاذ ما تبقّى من بلد هو الاعتراف بأن الخلل بنيوي، ولا يعالج إلّا بعودة المؤسسات الى العمل من خلال تشكيل حكومة وانعقاد الهيئة العام لمجلس النواب والذهاب نحو إعادة هيكلة الاقتصاد وإحياء قطاعات الإنتاج التي تمّ التضييق عليها لسنين خلت.

كتب المحرر السياسي:

قبل الإنتخابات النيابية وخلالها، لم تنأ قوة سياسية واحدة بنفسها عن الحديث عن انهيار مالي ووضع اقتصادي مأزوم. القوى السياسية عينها “بشّرت” اللبنانيين أنّ ما بعد الانتخابات غير ما قبلها.

من فخامة الرئيس الذي اعتبر أنّ حكومة ما بعد الانتخابات هي حكومة العهد الاولى، التي سنشهد على يدها تغييرات جوهرية تبدأ بمكافحة الفساد ولا تنتهي بتحويل الاقتصاد من ريعي الى منتج، الى رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري الذي أخبر اللبنانيين أنّهم سيرون وجهاً مغايراً له بعد الانتخابات، مع بدء ورشة إعمار جديدة. ومن الرئيس نبيه بري الذي أعادت الإنتخابات الأخيرة تكريسه رئيساً للبرلمان، والذي اعتبر أنّ التعامل مع الملفات سيختلف بعد الإستحقاق الدستوري، وأنّ الزمن تغيّر، وصولاً الى حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرلله الذي أعلن أنّ الحزب سيدخل ميدان الإقتصاد للمرة الأولى بعد الإنتخابات، متعهّداً بمكافحة الفساد واعتماد مقاربة إقتصادية إصلاحية حقّاً.

إذا كانت القوى السياسية الأساسية في البلاد كرّرت هذا الكلام في كلّ مهرجان انتخابي، فهل من المعقول أن يكون وضع البلاد اليوم في أسوأ حال؟

مجلس النواب معطّل. وإن كانت اللجان تجتمع وتعمل، فالهيئة العامة القادمة بشرعية انتخابية ممنوعة عن العمل، ما يعني عمليًا أنّ البرلمان خارج الخدمة. ف

الحكومة معطّلة، في وقت كان الجميع يطالب بتشكيلها بأسرع وقت، الى حدّ أنّ القوى السياسية سمحت بتجاوز الأعراف والتقاليد والقوانين باختيار سعد الحريري رئيساً للحكومة سلفاً، من خلال مؤتمر سيدر / باريس، بحجّة أنّه الوحيد القادر على تطبيق مقرّرات المؤتمر، وإعادة النهوض بالإقتصاد.

حتى اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر، كلّ من تكلّم ولا يزال عن موضوع الإنهيار الإقتصادي، لم يتّخذوا أي إجراء حتى الآن في موضوع الحكومة وتشكيلها.

أمام هذه اللوحة، حيث تبرز الخلافات بين هذه القوى يومياً، وحيث التصارع على مقعد وزاري هنا، وحقيبة خدماتية هناك، يسيطر اليوم على الأجواء خوف من المجهول المقبل، وأزمات قطاعية متلاحقة في ظلّ تراجع في المؤشرات وإفلاسات.

أمام كلّ ما يحدث: عن أي طبقة سياسية نتكلّم؟ وأي أفق يمكن أن يفتح أمام اللبنانيين اليوم في ظلّ ما يجري؟

في ظلّ هذه المراوحة المستمرّة منذ أكثر من 100 يوم، ما التوجهات المطروحة؟

ثمّة اليوم من يراهن أنّ الولايات المتحدة الأميركية قرّرت ألّا تتنازل للروس على صعيد المنطقة. هؤلاء أنفسهم يراهنون في الوقت نفسه أنّه نتيجة الأزمة مع ايران، ثمّة عقوبات جديدة ستفرضها واشنطن على طهران في تشرين الأول المقبل، وهذه العقوبات ستضع ايران، بنظرهم، في موقف صعب. يرى المراهنون إيّاهم أنّه بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، وبنتيجتها، ثمّة عقوبات أميركية ستطال لبنان. هذه الجهة تراهن على أنّ من فاز في الانتخابات النيابية لأوّل مرة منذ عام 2005 سيتمّ سحب البساط من تحت قدميه، بحيث يصبح نصره البرلماني دون مفعول يذكر.

وتعتبر الجهة عينها أنّ الخاسر الأكبر من المراوحة الحالية هما العهد، الذي يخسر من رصيده، وقوى ما كان يعرف بـ 8 آذار، والتي يظهر اليوم انّ حجمها الكامل يتلخّص بـ6 وزراء شيعة، بينما معظم حلفائها غير ممثلين، ولا هي تطالب بتمثيلهم، وأكبر دليل على ذلك الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان له مقعد وزاري ثابت منذ اتفاق الدوحة، بينما اليوم لم يطرح أحد موضوع توزير ممثّل له.

في المقابل، تعتبر قوى مناوئة أنّ ما يحصل اليوم في سوريا ينبئ بذهاب الأمورنحو الحسم، ولهذا السبب، فالوقت لن يسبّب ضرراً فعلياً، فكلّ النتائج التي ستنعكس من سوريا ستكون ايجابية على هذا الفريق. لذلك، يراهن هؤلاء على انّ انتصار دمشق على الإرهاب سيسمح لهم بفرض شروطهم على حلفاء السعودية التي هزمت في سوريا وما تزال غير قادرة على قلب الموازين في اليمن الذي غرقت في وحوله.

بين الطرح الأول والثاني، ما هي الخيارات الفعلية اليوم أمام الشعب اللبناني؟ خاصة أنّ أيلول هو شهر المدارس والمونة والاستحقاقات،علماً أنّ الكثير من القضايا التي كان يُنظر لها باعتبارها تسهّل حياة الناس، باتت اليوم تعيش أزمة حقيقية نتيجة غياب الدولة، من قروض الإسكان وصولاً الى أي وسيلة أخرى مساعِدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعية.

هل ثمة أفق اليوم للتغيير ولخلط الأوراق السياسية؟

هل سيكون للشأن الخارجي والإقليمي انعكاسات فعلية لجهة حسم بعض القرارات والإجراءات الداخلية؟

هل يقلب تشرين والعقوبات على ايران موازين القوى في البلاد؟

وهل يسمح الحسم المنتظر في سوريا لحلفاء دمشق بفرض رأيهم على معارضيهم؟

هل يذهب الوضع الى اهتراء متباطئ؟ وكم من الوقت يستطيع البلد وشعبه أن يستحملا؟

أسئلة تنتظر اقتناع الطبقة السياسية بأنّ قالب الجبنة الذي يحلمون باقتسامه يصغر يوماً بعد يوم، والطريقة الوحيدة لإنقاذ ما تبقّى من بلد هو الاعتراف بأن الخلل بنيوي، ولا يعالج إلّا بعودة المؤسسات الى العمل من خلال تشكيل حكومة وانعقاد الهيئة العام لمجلس النواب والذهاب نحو إعادة هيكلة الاقتصاد وإحياء قطاعات الإنتاج التي تمّ التضييق عليها لسنين خلت.

Share This

Share This

Share this post with your friends!