كي لا يكون الرقم وجهة نظر

قرأت في جريدة (الوطن) الدمشقية، مقالة بقلم (المحرر الاقتصادي) بتاريخ 11/7/2018 بعنوان (كيف ستُعيد الحكومة أموال السوريين من المصارف اللبنانية)؟

وكان يمكن أن تمر هذه المقالة (دون تعليق)، كما يمكن ألا يقرأها أحد أو يلتفت إليها- كما قد يقرأها البعض دون اكتراث، ولكنه حتماً حظي باهتمام العديد من الاقتصاديين الجادين والذين شعروا بخطورة الفكرة المطروحة في المقالة.

وقد قرأتها أكثر من مرة، لا لأني لم أفهمها منذ القراءة الأولى، ولكني أعدت قراءتها لأتأكد، ولأحاول أن أتبين أبعادها وخلفياتها، ومن يقف خلف الفكرة المحورية فيها، وما الرسالة المراد إيصالها، ولمن؟!

والفكرة المطروحة قد تبدو للبعض بريئة، إذ تنطلق من أن أموالاً سورية قد جرى إيداعها في المصارف اللبنانية قبل الحرب على سورية، وخلالها، وأن (الحري بالحكومة التفكير بطرق اقتصادية سليمة، لإحداث تغيير جذري، ليس في هيكلية المصارف العامة فقط، وإنما في العقلية التي تدير القطاع، وتأمين بيئة اقتصادية مناسبة، تخدم المنافسة في القطاع المصرفي على مستوى الإقليم، وفق مخطط زمني تدريجي مدروس).

إن التوجه لاستقطاب رؤوس الأموال يتطلب إجراءات سريعة تقتضي (تحرير حركة رؤوس الأموال، وتضمن استقرار سعر الصرف)، مقابل (التضحية باستقلالية المصرف المركزي)!

بتصوير المسألة على أنها (مصرفية) يبدو هذا الطرح (منطقياً)، فالمسألة تتعلق بأموال (خرجت) إلى لبنان، وعلى الحكومة (استعادتها) إلى البلاد من خلال عملية مصرفية تقوم على فكرة (بسيطة) هي (تحرير حركة رؤوس الأموال)، والتضحية باستقلالية المصرف المركزي.

بمعنى التركيز على مسألة (حرية حركة رأسمال) و(التضحية باستقلالية المصرف المركزي)، بالقفز فوق ركام الدمار الذي أصاب سورية خلال حوالي ثماني سنوات، وبتجاهل تام لدماء الشهداء وآلام الجرحى ومآسي المهجرين والنازحين، وفوق هذا وذلك تقديم (شهادة حسن سلوك) ومكافأة من أسهم في ذلك كله، من خلال سرقة أموال الشعب، وتهريبها للخارج، في (تناغم وتناسق) مع العمليات الإرهابية.

الواضح من الاقتراح (الموصى به) أن المقصود هو منح الذين (سرقوا وهربوا الأموال) الأمان لإعادة مسروقاتهم، بتسهيل حركتها وحركتهم، أي تسهيل إعادة الأموال وإدخالها إلى البلاد، ومنحها (حق ضخها مع الأرباح و(المسروقات الجديدة) إلى الخارج، ذلك أن (حرية حركة الرأسمال) تعني بقاموس (رأس المال العالمي) الذي تروج له المؤسسات المالية الدولية، دخول وخروج، أي حرية الحركة بالاتجاهين.

وهذا يتضمن هدفاً آخراً وهو (غسيل الأموال القذرة) دون السؤال عن مصدرها، فالمهم هو ذلك السلاح السري (المال)!

هذا من حيث المبدأ.

أما بعد التحقق والتفكير في (أصول) فكرة (تحرير حركة رؤوس الأموال)، فهي تندرج في أجندة (وفاق واشنطن) وتوصيات ووصفات الصندوق والبنك الدوليين، تحت عنوان (التحول نحو اقتصاد السوق) الذي يهدف إلى تسليم مقاليد الاقتصاد الوطني إلى القطاع الخاص، فهو (الأقدر) على قيادة الدفة باتجاه الاندماج بالاقتصاد الرأسمالي الاحتكاري العالمي والالتحاق بالعولمة.

والفكرة المحورية من وراء (تحرير حركة رأسمال) هي أنها من خلال حزمة التوصيات وبرنامج التحول إلى اقتصاد السوق، تتضمن إطلاق العنان لقوى السوق العاتية، وهي تندرج ضمن السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، والهادفة إلى إلحاق الاقتصاد الوطني بدورة الرأسمال الاحتكاري العالمي من جهة، وما يترتب عليه من أسباب وعوامل تضعف اقتصاد الدولة، وبالتالي تضعف الدولة، وجعلها أكثر قابلية لتنفيذ متطلبات الخارج، حتى وإن كان على حساب الاقتصاد الوطني، ويأتي ذلك من خلال (فكرة محورية) تقوم على أوهام إمكانيات السوق وقوانينه السحرية في تحقيق النمو الاقتصادي الذي سيعم الجميع وتحقيق توزيع (إلهيّ) أفضل للموارد الاقتصادية.

وقد كان (تحرير) حركة رأسمال المال من بين الأوهام التي أدخلها (الفريق الاقتصادي) الذي قاد الاقتصاد الوطني قبل عام 2011، فقد تضمنت الخطة الخمسية العاشرة (2006-2010) التي رسخت عملية التحول نحو اقتصاد السوق، أوهاماً عديدة، منها أن تتحول سورية إلى سوق إقليمي مالي، يستقطب الأموال، وينافس الأسواق الإقليمية الأخرى مثل لبنان وقبرص ودبي، وقد استطاع الفريق الاقتصادي الترويج لهذه الفكرة بعقد عشرات المؤتمرات (الاستشارية) في الداخل والخارج، وبذل (الجهود الجبارة) بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوربي، من أجل إقناع أصحاب رأسمال (خاصة من الخليج) بأن المناخ الاستثماري في سورية أصبح جاهزاً لاستقبال الرأسمال (الأجنبي)، ومنحه التسهيلات المناسبة للتمتع بخبرات (الواحة الاستثمارية) السورية، بحيث يمكن احتضان الرأسمال و(تربيته وتسمينه) بالأرباح وإعادة تصديره مع أرباحه.

اقتنع (البعض من هوامش أصحاب رأسمال المال، ومن المحتاجين إلى (تبييض) أموالهم، فاستقدموا (بعض) الأموال إلى سورية، لتصب هذه الأموال في مجالات المضاربة بالعملة والعقارات والخدمات المالية، فأسهم ذلك في أزمة السكن، وحقق اختراقاً في نظامنا المصرفي والمالي، دون أن تسهم هذه الأموال في تحقيق تنمية حقيقية أو تتجه إلى القطاعات المنتجة.

والآن، نسمع بين حين وآخر من ينادي باقتصاد السوق، وتحرير الاقتصاد والانفتاح، والحجة (دائماً) جاهزة، الحاجة إلى رؤوس الأموال، كان ذلك سابقاً من أجل التنمية، وأضيف الآن من أجل (إعادة الإعمار).

إن أشد ما يؤلم هو الإصرار على عدم الاستفادة من الدروس، أو من التجارب الذاتية. ففي عام 1997 حصلت أزمة ما يدعى (النمور الآسيوية) التي كادت أن تعصف بالاقتصاد العالمي كله، وكانت أسباب الأزمة (حرية حركة رؤوس الأموال) التي تسببت في انسحاب رؤوس الأموال الأجنبية على نحو متدرج وسريع، مستفيدة من حرية الحركة في الخروج، كما دخلت مع أرباحها، الامر الذي أدى إلى انهيار اقتصادات النمور، فيما عدا ماليزيا، التي استطاعت تلافي الأزمة عندما وضعت القيود على حركة رأسمال، فتجنبت الأزمة.

وما يؤلم ويؤسف له أيضاً هو استمرار حالة (الإنكار) لدى البعض في سورية، عن الدور الذي لعبه الاقتصاد في (المؤامرة) على سورية، فالموقف الصلب الذي وقفته سورية في مواجهة المشروع الأمريكي – الصهيوني- الأوربي – الرجعي، قد أثار حفيظة أصحاب المشروع ومناصريه، فتكاثفت جهودهم من أجل إسقاط سورية، وقد تمثل ذلك المشروع أمريكياً في مشروع الشرق الأوسط الكبير والواسع الذي طرحه الرئيس الأمريكي بوش الابن بعد احتلال العراق، كما تمثل المشروع (أوربياً) في مشروع الشراكة الأوربية، و(صهيونياً) في مشروع الاستسلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

وفي هذه المؤامرة القذرة استخدم العامل الاقتصادي من أجل إضعاف الاقتصاد الوطني، وبالتالي إضعاف الدولة وإضعاف قدرتها على مواجهة تهديدات الخارج ومصالحه، وذلك عن طريق الدفع إلى انتهاج اقتصاد السوق الحر والأخذ بالسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، التي أدت، فيما أدت، إلى البطالة وإغلاق آلاف الورش والمعامل وتخريب الريف والتسبب في الهجرة منه إلى المدينة، وإشاعة أجواء فوضى السوق والأسعار، وأسهم الفساد في ذلك كله إلى جانب الدعاوى التكفيرية وخلق المناخ المناسب للمؤامرة.

المشكلة هنا أن هناك حالة (إنكار) لدور العامل الاقتصادي في المؤامرة، ويقع خلف هذه الحالة استمرار تأثير سياسات اقتصاد حرية السوق، مما يجعل من طرح أفكار مثل (تحرير حركة رأسمال) مسألة عادية وتحصيل حاصل، فهي تأتي في سياق عدم الشعور بمسؤولية تلك الأفكار عن الإسهام في خلق الظروف المناسبة للمؤامرة.

قد لا يكون (المحرر الاقتصادي) في جريدة (الوطن) مدركاً لأبعاد دعوته إلى تحرير حركة رأسمال، أو مدركاً لمخاطر تلك الدعوة، ولكن وإن انطلقت هذه الدعوة كفكرة، لابد من وضعها في إطارها وتبيان حقيقة أهدافها ومراميها الحقيقية، والتي هي أبعد من (استعادة) الأموال المهربة إلى لبنان و(غيره)، فهذه الفكرة تندرج في إطار برنامج كامل للتحول إلى اقتصاد السوق، وتمكينه من الإطباق على الاقتصاد الوطني ومحاصرته، فضلاً عن أن ذلك يعني تحويل سورية إلى (وعاء) لغسيل الأموال المدنّسة من أنحاء العالم.

قد أكون ذهبت بعيداً في مواجهة هذه الفكرة، ولكن الأمر لم يعد بالإمكان السكوت عنه أو تجاوزه، بل لابد لنا ولكل المخلصين من التصدي لكل ما يمكن أن يوقعنا مرة أخرى في الشباك أو الفخاخ المنصوبة لسورية ولشعبها واقتصادها الوطني، فالسكوت أو التغاضي عن مثل هذه الأفكار لم يعد مجدياً أو مفيداً أمام ما حدث من دماء ودمار.

قرأت في جريدة (الوطن) الدمشقية، مقالة بقلم (المحرر الاقتصادي) بتاريخ 11/7/2018 بعنوان (كيف ستُعيد الحكومة أموال السوريين من المصارف اللبنانية)؟

وكان يمكن أن تمر هذه المقالة (دون تعليق)، كما يمكن ألا يقرأها أحد أو يلتفت إليها- كما قد يقرأها البعض دون اكتراث، ولكنه حتماً حظي باهتمام العديد من الاقتصاديين الجادين والذين شعروا بخطورة الفكرة المطروحة في المقالة.

وقد قرأتها أكثر من مرة، لا لأني لم أفهمها منذ القراءة الأولى، ولكني أعدت قراءتها لأتأكد، ولأحاول أن أتبين أبعادها وخلفياتها، ومن يقف خلف الفكرة المحورية فيها، وما الرسالة المراد إيصالها، ولمن؟!

والفكرة المطروحة قد تبدو للبعض بريئة، إذ تنطلق من أن أموالاً سورية قد جرى إيداعها في المصارف اللبنانية قبل الحرب على سورية، وخلالها، وأن (الحري بالحكومة التفكير بطرق اقتصادية سليمة، لإحداث تغيير جذري، ليس في هيكلية المصارف العامة فقط، وإنما في العقلية التي تدير القطاع، وتأمين بيئة اقتصادية مناسبة، تخدم المنافسة في القطاع المصرفي على مستوى الإقليم، وفق مخطط زمني تدريجي مدروس).

إن التوجه لاستقطاب رؤوس الأموال يتطلب إجراءات سريعة تقتضي (تحرير حركة رؤوس الأموال، وتضمن استقرار سعر الصرف)، مقابل (التضحية باستقلالية المصرف المركزي)!

بتصوير المسألة على أنها (مصرفية) يبدو هذا الطرح (منطقياً)، فالمسألة تتعلق بأموال (خرجت) إلى لبنان، وعلى الحكومة (استعادتها) إلى البلاد من خلال عملية مصرفية تقوم على فكرة (بسيطة) هي (تحرير حركة رؤوس الأموال)، والتضحية باستقلالية المصرف المركزي.

بمعنى التركيز على مسألة (حرية حركة رأسمال) و(التضحية باستقلالية المصرف المركزي)، بالقفز فوق ركام الدمار الذي أصاب سورية خلال حوالي ثماني سنوات، وبتجاهل تام لدماء الشهداء وآلام الجرحى ومآسي المهجرين والنازحين، وفوق هذا وذلك تقديم (شهادة حسن سلوك) ومكافأة من أسهم في ذلك كله، من خلال سرقة أموال الشعب، وتهريبها للخارج، في (تناغم وتناسق) مع العمليات الإرهابية.

الواضح من الاقتراح (الموصى به) أن المقصود هو منح الذين (سرقوا وهربوا الأموال) الأمان لإعادة مسروقاتهم، بتسهيل حركتها وحركتهم، أي تسهيل إعادة الأموال وإدخالها إلى البلاد، ومنحها (حق ضخها مع الأرباح و(المسروقات الجديدة) إلى الخارج، ذلك أن (حرية حركة الرأسمال) تعني بقاموس (رأس المال العالمي) الذي تروج له المؤسسات المالية الدولية، دخول وخروج، أي حرية الحركة بالاتجاهين.

وهذا يتضمن هدفاً آخراً وهو (غسيل الأموال القذرة) دون السؤال عن مصدرها، فالمهم هو ذلك السلاح السري (المال)!

هذا من حيث المبدأ.

أما بعد التحقق والتفكير في (أصول) فكرة (تحرير حركة رؤوس الأموال)، فهي تندرج في أجندة (وفاق واشنطن) وتوصيات ووصفات الصندوق والبنك الدوليين، تحت عنوان (التحول نحو اقتصاد السوق) الذي يهدف إلى تسليم مقاليد الاقتصاد الوطني إلى القطاع الخاص، فهو (الأقدر) على قيادة الدفة باتجاه الاندماج بالاقتصاد الرأسمالي الاحتكاري العالمي والالتحاق بالعولمة.

والفكرة المحورية من وراء (تحرير حركة رأسمال) هي أنها من خلال حزمة التوصيات وبرنامج التحول إلى اقتصاد السوق، تتضمن إطلاق العنان لقوى السوق العاتية، وهي تندرج ضمن السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، والهادفة إلى إلحاق الاقتصاد الوطني بدورة الرأسمال الاحتكاري العالمي من جهة، وما يترتب عليه من أسباب وعوامل تضعف اقتصاد الدولة، وبالتالي تضعف الدولة، وجعلها أكثر قابلية لتنفيذ متطلبات الخارج، حتى وإن كان على حساب الاقتصاد الوطني، ويأتي ذلك من خلال (فكرة محورية) تقوم على أوهام إمكانيات السوق وقوانينه السحرية في تحقيق النمو الاقتصادي الذي سيعم الجميع وتحقيق توزيع (إلهيّ) أفضل للموارد الاقتصادية.

وقد كان (تحرير) حركة رأسمال المال من بين الأوهام التي أدخلها (الفريق الاقتصادي) الذي قاد الاقتصاد الوطني قبل عام 2011، فقد تضمنت الخطة الخمسية العاشرة (2006-2010) التي رسخت عملية التحول نحو اقتصاد السوق، أوهاماً عديدة، منها أن تتحول سورية إلى سوق إقليمي مالي، يستقطب الأموال، وينافس الأسواق الإقليمية الأخرى مثل لبنان وقبرص ودبي، وقد استطاع الفريق الاقتصادي الترويج لهذه الفكرة بعقد عشرات المؤتمرات (الاستشارية) في الداخل والخارج، وبذل (الجهود الجبارة) بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوربي، من أجل إقناع أصحاب رأسمال (خاصة من الخليج) بأن المناخ الاستثماري في سورية أصبح جاهزاً لاستقبال الرأسمال (الأجنبي)، ومنحه التسهيلات المناسبة للتمتع بخبرات (الواحة الاستثمارية) السورية، بحيث يمكن احتضان الرأسمال و(تربيته وتسمينه) بالأرباح وإعادة تصديره مع أرباحه.

اقتنع (البعض من هوامش أصحاب رأسمال المال، ومن المحتاجين إلى (تبييض) أموالهم، فاستقدموا (بعض) الأموال إلى سورية، لتصب هذه الأموال في مجالات المضاربة بالعملة والعقارات والخدمات المالية، فأسهم ذلك في أزمة السكن، وحقق اختراقاً في نظامنا المصرفي والمالي، دون أن تسهم هذه الأموال في تحقيق تنمية حقيقية أو تتجه إلى القطاعات المنتجة.

والآن، نسمع بين حين وآخر من ينادي باقتصاد السوق، وتحرير الاقتصاد والانفتاح، والحجة (دائماً) جاهزة، الحاجة إلى رؤوس الأموال، كان ذلك سابقاً من أجل التنمية، وأضيف الآن من أجل (إعادة الإعمار).

إن أشد ما يؤلم هو الإصرار على عدم الاستفادة من الدروس، أو من التجارب الذاتية. ففي عام 1997 حصلت أزمة ما يدعى (النمور الآسيوية) التي كادت أن تعصف بالاقتصاد العالمي كله، وكانت أسباب الأزمة (حرية حركة رؤوس الأموال) التي تسببت في انسحاب رؤوس الأموال الأجنبية على نحو متدرج وسريع، مستفيدة من حرية الحركة في الخروج، كما دخلت مع أرباحها، الامر الذي أدى إلى انهيار اقتصادات النمور، فيما عدا ماليزيا، التي استطاعت تلافي الأزمة عندما وضعت القيود على حركة رأسمال، فتجنبت الأزمة.

وما يؤلم ويؤسف له أيضاً هو استمرار حالة (الإنكار) لدى البعض في سورية، عن الدور الذي لعبه الاقتصاد في (المؤامرة) على سورية، فالموقف الصلب الذي وقفته سورية في مواجهة المشروع الأمريكي – الصهيوني- الأوربي – الرجعي، قد أثار حفيظة أصحاب المشروع ومناصريه، فتكاثفت جهودهم من أجل إسقاط سورية، وقد تمثل ذلك المشروع أمريكياً في مشروع الشرق الأوسط الكبير والواسع الذي طرحه الرئيس الأمريكي بوش الابن بعد احتلال العراق، كما تمثل المشروع (أوربياً) في مشروع الشراكة الأوربية، و(صهيونياً) في مشروع الاستسلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

وفي هذه المؤامرة القذرة استخدم العامل الاقتصادي من أجل إضعاف الاقتصاد الوطني، وبالتالي إضعاف الدولة وإضعاف قدرتها على مواجهة تهديدات الخارج ومصالحه، وذلك عن طريق الدفع إلى انتهاج اقتصاد السوق الحر والأخذ بالسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، التي أدت، فيما أدت، إلى البطالة وإغلاق آلاف الورش والمعامل وتخريب الريف والتسبب في الهجرة منه إلى المدينة، وإشاعة أجواء فوضى السوق والأسعار، وأسهم الفساد في ذلك كله إلى جانب الدعاوى التكفيرية وخلق المناخ المناسب للمؤامرة.

المشكلة هنا أن هناك حالة (إنكار) لدور العامل الاقتصادي في المؤامرة، ويقع خلف هذه الحالة استمرار تأثير سياسات اقتصاد حرية السوق، مما يجعل من طرح أفكار مثل (تحرير حركة رأسمال) مسألة عادية وتحصيل حاصل، فهي تأتي في سياق عدم الشعور بمسؤولية تلك الأفكار عن الإسهام في خلق الظروف المناسبة للمؤامرة.

قد لا يكون (المحرر الاقتصادي) في جريدة (الوطن) مدركاً لأبعاد دعوته إلى تحرير حركة رأسمال، أو مدركاً لمخاطر تلك الدعوة، ولكن وإن انطلقت هذه الدعوة كفكرة، لابد من وضعها في إطارها وتبيان حقيقة أهدافها ومراميها الحقيقية، والتي هي أبعد من (استعادة) الأموال المهربة إلى لبنان و(غيره)، فهذه الفكرة تندرج في إطار برنامج كامل للتحول إلى اقتصاد السوق، وتمكينه من الإطباق على الاقتصاد الوطني ومحاصرته، فضلاً عن أن ذلك يعني تحويل سورية إلى (وعاء) لغسيل الأموال المدنّسة من أنحاء العالم.

قد أكون ذهبت بعيداً في مواجهة هذه الفكرة، ولكن الأمر لم يعد بالإمكان السكوت عنه أو تجاوزه، بل لابد لنا ولكل المخلصين من التصدي لكل ما يمكن أن يوقعنا مرة أخرى في الشباك أو الفخاخ المنصوبة لسورية ولشعبها واقتصادها الوطني، فالسكوت أو التغاضي عن مثل هذه الأفكار لم يعد مجدياً أو مفيداً أمام ما حدث من دماء ودمار.

Share This

Share This

Share this post with your friends!