كي لا يكون الرقم وجهة نظر

ذكرَ “تيودور هيرتزل” المؤسس الأول للكيان الصهيوني، في روايته “الأرض الجديدة..الأرض القديمة”، أن وجود “إسرائيل” متوقف على وجود الموارد المائية، وأن المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة القديمة هم مهندسو المياه، وأن إنشاء ما يُعرف بــ”إسرائيل” يحتاج إلى خطط مائية توفر الكميات اللازمة للزراعة والصناعة ومياه الشرب.

ومنذ ذلك الوقت وضع اليهود جبل الشيخ، الذي يعتبر بالنسبة لكل “اسرائيلي” (أبو المياه)، هدفاً استراتيجياً لهم، وبقوا كذلك حتى قضموا الجزء الأكبر منه.

كما يفضح البند الثالث من المادة السادسة من اتفاقية “وادي عربة” بين الكيان الصهيوني وملك الأردن، السعي الدائم لدى الصهاينة للسيطرة على الثروة المائية في المنطقة، فهو ينص على ما يلي: “يعترف الطرفان بأن مواردهما المائية غير كافية للإيفاء باحتياجاتهما، الأمر الذي يتوجب من خلاله تجهيز كميات إضافية بغية استخدامها، وذلك عبر وسائل وطرق مختلفة بما فيها مشاريع التعاون على الصعيدين الإقليمي والدولي”، وهذا يفضح أن السلام المنصوص عليه في الاتفاقية الآنفة الذكر، كان مشروعاً صهيونياً، أُريدَ له أن يمتد إلى حوض اليرموك السوري – الأردني، بحثاً عن المياه لضمان ديمومة الكيان الصهيوني.

وبناءً على ما تقدم، نجد أن أهمية المعركة الضروس، التي دارت في الجنوب السوري بين الجيش السوري وحلفائه، من جهة، والفصائل المسلحة الإرهابية المدعومة من قوى الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا وفرنسا، ومعها ملوك الخليج من نواطير الكاز)، من جهةٍ أخرى، تكمن في أن المنطقة الجنوبية من سورية ــ وبالأخص “سهل حوران” ــ تتميز بغناها بالمسطحات المائية، والأراضي البازلتية الخصبة، فهي إحدى أهم وأكبر سلال سورية الغذائية (الثانية بعد سهل الجزيرة)، حيث اشتهر بزراعة الحبوب، منذ عصر الرومان، فكان يسمى بـ”أهراءات روما”، وهذا تحديداً أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لــ”إسرائيل” منذ تأسيسها.

وأَعَدّ الإسرائيليون بالتنسيق مع حلفائهم، منذ ثلاث سنوات، مخططاً استعمارياً يقضي بإنهاك الدولة السورية وكسر اقتصادها وإدخالها في فوضى كبيرة، والمطالبة دولياً بالتدخل لإقامة حزام أمني في الجنوب السوري، تحت مسميات إنسانية، واستخدموا لتنفيذ مشروعهم جيوشاً من الارهابيين وشذاذي ألآفاق، بهدف ضمان أمنهم وعزل إيران عن منطقة الشرق الأوسط، وتحجيم حزب الله، ليتمكنوا، بعدها، من ضمّ حوران والسيطرة على حوض اليرموك كله، ومن ثُمَ طيّ ملف الجولان، إلى الأبد.

أواخر الشهر الفائت، بدأت معركة الجنوب السوري، وسط قلقٍ “إسرائيلي” ــ قلق مما سمّوه اقتراب قوات الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله من حدودهم ــ وتحذيرات ترامب واتهامات ساذجة لوزارة خارجيته (تتلخص بأن الدولة السورية تنتهك الإتفاق الدولي لخفض التصعيد في الجنوب)، وتخوّف من الجانب الأردني (خوف من تدفق مئات آلاف اللاجئين، ومن احتدام المعركة، وانتقال الإرهابيين الى الداخل الأردني)، فعملت الفصائل الإرهابية، بعد وصول جحافل الجيش السوري، وبالسرعة القصوى على إنشاء (7) سبعِ غرف عمليات في أرياف درعا، وواحدة في ريف القنيطرة، وتضاعفَ الدعم الصهيوني للمرتزقة بالسلاح (مدرعات، وصواريخ تاو حديثة).

وعلى الرغم من أن المعركة، التي أطلقها الجيش السوري، بدأت فورَ انتهاء مناورات “الأسد المتأهِّب” العسكرية، التي جرت لمدة ثلاثة أسابيع بالقربِ من الحدود السورية الأردنية تحت إشرافٍ أميركيٍّ وبمشاركة قوَّات من (17) دولة، فقد حرر الجيش السوري، في اليوم الأول، عدة بلدات وقرى، فيما انضمت، في اليوم الثاني، فصائل إرهابية الى الجيش السوري النظامي. وفي اليوم الثالث، حرّرَ “اللجاة” و “بصر الحرير” (كان لها ثقلها لموقعها الاستراتيجي)، وتساقطت الفصائل الإرهابية الموالية لــ”إسرائيل” وأميركا، تباعاً، كأحجار “الدومينو”، فكان ذلك من أهم انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه، وقد تحقق بعمليات سريعة وحاسمة، لعدّة أسباب، نذكر منها:

أولاً ــ الخلافات الكبيرة والاقتتال المستمرّ في صفوف الإرهابيين، لاسيما بين مقاتلي ما يسمّى “الجيش الحر” و”جبهة النصرة”، التي ينتمي أغلب عناصرها في درعا إلى التيار السلفيّة الأردنيّة .

ثانياً ــ البيئة الحورانية المُحبَطة، بعد مقتل الآلاف من أبنائها، في معارك فاشلة، مثل “عاصفة الجنوب” و”عامود حوران” وغيرها.

ثالثاً ــ إغلاق الأُردن لحدوده مع سورية، بشكلٍ كاملٍ، وكان قبلها قد جمَّد “غرفة عمليات الموك” بعد هزيمة المرتزقة في معركة “عاصفة الجنوب”، في حزيران/يونيو 2015.

رابعاً: سحب الولايات المتحدة الأميركية، علناً، بعد يومين من بدء المعارك، وسرّاً، قبل عشرة أيام منها، دعمَها لجميع الفصائل الإرهابية في الجنوب، إلى جانب غياب الغطاء الدولي بالشكل الذي كان متوفراً، سابقاً، ما منعها من حشد قواتها على جبهة واحدة، أو التفكير في شن هجوم استباقي.

خامساً ــ انضمام مجموعات إرهابية كبيرة، كانت تسيطر على (11) بلدة في منطقة وقف التصعيد جنوبي سورية، من أبرزها “ألوية العمري” للقتال إلى جانب الجيش السوري ضد “جبهة النصرة”، ما فتح الطريق أمام مجموعات مسلحة أخرى لسلوك الطريق ذاته.

أخيراً، والأهم، هو التنسيق والتعاون بين الجيش السوري، والحلفاء الروس، والذي ترجمتْه “القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية” بالإعلان أنّ القوات الفضائية الجوية الروسية ستشارك في دعم قوات النخبة في الجيش العربي السوري للقضاء على الإرهاب جنوبي البلاد.

أغضب توالي انتصارات الجيش السوري وحلفائه الحكومة الأميركية، فبدأت بإرسال رسائل القلق، شمالاً وجنوباً، فأعرب كلّ من الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ومعهما عدد من مسؤولي البيت الأبيض، كلاً على حدة، عن قلقهم حيال الهجمات، التي يشنها الجيش السوري، في جنوب غرب سوريا، في تمثيليّةٍ توحي أن هذا القلق ينبع من اهتمام الولايات المتحدة بأمن وسلامة المدنيين في جنوب سورية، فيما هي قلقة من حقيقةٍ واحدةٍ، تقول وبناءً على كل تقارير مراكز الدراسات ومعاهد البحث السياسي والاقتصادي الأميركية: إن هذا النصر سينعكس إيجاباً على الحياة الإقتصادية والسياسية والاجتماعية في سورية، وسلباً على أمن ربيبتها “إسرائيل”،وسنلخص، فيما يلي، أهم تلك الانعكاسات:

 

أولاً ــ ستُتيح عودة معبريْ نصيب – جابر (كان يعبره، قبل إغلاقه عام 2015، نحو 6300 شاحنة، يومياً، في كلا الاتجاهين)، و الرمثا الأردني (المقابل لمعبر درعا)، انسياب آلاف الشاحنات المحملة بالبضائع والمواد الأولية من سورية وإليها، وبالتالي سيرتفع حجم التبادل التجاري بين سورية والأردن ولبنان (كان حجم التجارة في المنطقة الحرة قد بلغ (1.4) مليار دولار، عام 2013)، ما سيُشكّل واحدةً من أهم جرعات الإنعاش للحياة الاقتصادية في سورية.

 

ثانياً ــ ستعود آلاف الهكتارات من الأشجار المثمرة كالتفاح والزيتون والعنب، التي تشتهر بها محافظة السويداء (حوالي عشرة آلاف هكتار مزروعة بخمسة ملايين شجرة كرمة) وآلاف أخرى، في درعا، مزروعة بالحبوب (أكثر من 15 ألف هكتار مزروعة بالقمح) وبالخضار (قبل الحرب، وصل إنتاج درعا من البندورة إلى نصف مليون طن، سنوياً، أي بمردودٍ ماديٍ يقارب المليار ونصف المليار ليرة سورية)، ما سيخفف العبء الاستيرادي، الذي يضغط، بلا هوادة، على الليرة السورية.

 

ثالثاً ــ عودة أراضي الجنوب (درعا والقنيطرة) والتي كانت تزوّد البلاد، قبل الحرب، بــ(40) في المئة من الغلة القمحيّة السنويّة، إلى سيطرة الدولة السوريّة (تزرع درعا القمح القاسي فيما تزرع القنيطرة القمح الطري)، سيسدّ حاجة السوق، ويطرح الباقي للتصدير، مايعني دفعة أخرى لعجلة الاقتصاد السوري.

 

رابعاً ــ عودة السيطرة على المسطحات المائية الكثيرة في حوران، سيعيد الحياة الزراعية الى طبيعتها، ما سيوفـر آلاف فرص العمل في المنطقة (قبل الحرب كانت زراعة البندورة، في درعا، وحدها، تستقطب حوالي 150 ألف عامل).

 

خامساً ــ مما لا شك فيه أن إعادة فتح واحد من أهم مسارات الترانزيت الدولية (طريق دمشق –عمان)، والتي تصل إلى بيروت، سيولد حركة نقل تجارية وسياحية من وإلى البلد، الأمر الذي سيدعم بدوره الاقتصاد الوطني.

 

سادساً ــ اتساع مروحة السيطرة التي يفرضها الجيش العربي السوري ( تبلغ مساحة المنطقة الجنوبية في سورية حوالي 12 ألف كيلومتر مربع) وعودته للتمركز في مناطق حساسة، تكمن أهميتها الاستراتيجية في كونها الحزام الأمني الأكبر والأقرب من العدو الصهيوني، سيعيدُ الأمور لنقطة الصفر، بالنسبة إلى الأهداف الصهيونية من الحرب على سورية، وهذه نقطة قوة لسورية، ستزيد ثقة العالم بها، وتساعدُ في تدفّق الاستثمارات إليها من دول العالم، ما سيحسّن وضع الليرة السورية .

 

سابعاً ــ سيؤدي استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية إلى عودة الحياة الى قطاع الإستثمار السياحي في مناطق مثل “بصرى الشام” وبحيرة مزيريب وقرى جبل العرب.

 

ثامناً ــ عودة الأمن والإستقرار الى المنطقة سيدير عجلة الصناعة فيها بسرعة أكبر (كان يوجد في درعا، وحدها، قبل اندلاع الحرب، حوالي 600 منشأة صناعية، وأكثر من 6300 منشأة حرفية ومهنية)، أضف الى ذلك وصول وفود من مئات الشركات الدولية إلى الجنوب السوري، للمشاركة في عملية إعادة الإعمار.

 

لقد أخذت المعارك، في الجنوب السوري، بعداً خاصاً، عند الاصدقاء كما لدى الأعداء، وذلك لوقوعها على خط التماس الأول مع دولة الكيان الصهيوني من الجنوب الغربي، وكونها مركزاً مهماً تتمركز فيه العديد من الفرق والألوية العسكرية التابعة للجيش السوري، ثم إن المنطقة هي بوابة سوريا نحو الأردن وفلسطين ولبنان، وأخيراً لكونها فتحت خاصرة منطقة التنف (من ضمنها القاعدة العسكرية الأميركية) بخنجرِ حارسٍ صاحٍ، لا تنامُ له عينٌ، ولا يغمض له جفن، حارسٍ يصرّ على تحرير الأراضي السورية كاملةً، ويقاتل ضد حشودٍ إرهابية، جنّدها حلف العدوانِ من كل دول العالم، ودعمتها، بكل وقاحة، دول الاستعمار القديم والجديد بالغزو المباشر، وقد كان آخر أشكال هذا الدعم القرار الأميركي القاضي، علناً، بتقديم منحة مالية قدرها (6.6) مليون دولار إلى منظمة “الخوذ البيضاء” الإرهابية.

يُحارب الجيش السوري في خنادق وبمدرعات وصواريخ، فيما يحاول الاقتصاد السوري مواجهة سياسات ومخططات تفرضها الدول الاستعمارية عليه، تحاصره، وتضغط عليه بفرض عقوبات اقتصادية ضدّ أشخاص ومؤسسات سورية وأجنبية صديقة وحليفة، وكل ذلك بهدف كسر شوكة سوريا وعزلها عن العالم، كخدمة صريحة للكيان الصهيوني.

ذكرَ “تيودور هيرتزل” المؤسس الأول للكيان الصهيوني، في روايته “الأرض الجديدة..الأرض القديمة”، أن وجود “إسرائيل” متوقف على وجود الموارد المائية، وأن المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة القديمة هم مهندسو المياه، وأن إنشاء ما يُعرف بــ”إسرائيل” يحتاج إلى خطط مائية توفر الكميات اللازمة للزراعة والصناعة ومياه الشرب.

ومنذ ذلك الوقت وضع اليهود جبل الشيخ، الذي يعتبر بالنسبة لكل “اسرائيلي” (أبو المياه)، هدفاً استراتيجياً لهم، وبقوا كذلك حتى قضموا الجزء الأكبر منه.

كما يفضح البند الثالث من المادة السادسة من اتفاقية “وادي عربة” بين الكيان الصهيوني وملك الأردن، السعي الدائم لدى الصهاينة للسيطرة على الثروة المائية في المنطقة، فهو ينص على ما يلي: “يعترف الطرفان بأن مواردهما المائية غير كافية للإيفاء باحتياجاتهما، الأمر الذي يتوجب من خلاله تجهيز كميات إضافية بغية استخدامها، وذلك عبر وسائل وطرق مختلفة بما فيها مشاريع التعاون على الصعيدين الإقليمي والدولي”، وهذا يفضح أن السلام المنصوص عليه في الاتفاقية الآنفة الذكر، كان مشروعاً صهيونياً، أُريدَ له أن يمتد إلى حوض اليرموك السوري – الأردني، بحثاً عن المياه لضمان ديمومة الكيان الصهيوني.

وبناءً على ما تقدم، نجد أن أهمية المعركة الضروس، التي دارت في الجنوب السوري بين الجيش السوري وحلفائه، من جهة، والفصائل المسلحة الإرهابية المدعومة من قوى الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا وفرنسا، ومعها ملوك الخليج من نواطير الكاز)، من جهةٍ أخرى، تكمن في أن المنطقة الجنوبية من سورية ــ وبالأخص “سهل حوران” ــ تتميز بغناها بالمسطحات المائية، والأراضي البازلتية الخصبة، فهي إحدى أهم وأكبر سلال سورية الغذائية (الثانية بعد سهل الجزيرة)، حيث اشتهر بزراعة الحبوب، منذ عصر الرومان، فكان يسمى بـ”أهراءات روما”، وهذا تحديداً أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لــ”إسرائيل” منذ تأسيسها.

وأَعَدّ الإسرائيليون بالتنسيق مع حلفائهم، منذ ثلاث سنوات، مخططاً استعمارياً يقضي بإنهاك الدولة السورية وكسر اقتصادها وإدخالها في فوضى كبيرة، والمطالبة دولياً بالتدخل لإقامة حزام أمني في الجنوب السوري، تحت مسميات إنسانية، واستخدموا لتنفيذ مشروعهم جيوشاً من الارهابيين وشذاذي ألآفاق، بهدف ضمان أمنهم وعزل إيران عن منطقة الشرق الأوسط، وتحجيم حزب الله، ليتمكنوا، بعدها، من ضمّ حوران والسيطرة على حوض اليرموك كله، ومن ثُمَ طيّ ملف الجولان، إلى الأبد.

أواخر الشهر الفائت، بدأت معركة الجنوب السوري، وسط قلقٍ “إسرائيلي” ــ قلق مما سمّوه اقتراب قوات الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله من حدودهم ــ وتحذيرات ترامب واتهامات ساذجة لوزارة خارجيته (تتلخص بأن الدولة السورية تنتهك الإتفاق الدولي لخفض التصعيد في الجنوب)، وتخوّف من الجانب الأردني (خوف من تدفق مئات آلاف اللاجئين، ومن احتدام المعركة، وانتقال الإرهابيين الى الداخل الأردني)، فعملت الفصائل الإرهابية، بعد وصول جحافل الجيش السوري، وبالسرعة القصوى على إنشاء (7) سبعِ غرف عمليات في أرياف درعا، وواحدة في ريف القنيطرة، وتضاعفَ الدعم الصهيوني للمرتزقة بالسلاح (مدرعات، وصواريخ تاو حديثة).

وعلى الرغم من أن المعركة، التي أطلقها الجيش السوري، بدأت فورَ انتهاء مناورات “الأسد المتأهِّب” العسكرية، التي جرت لمدة ثلاثة أسابيع بالقربِ من الحدود السورية الأردنية تحت إشرافٍ أميركيٍّ وبمشاركة قوَّات من (17) دولة، فقد حرر الجيش السوري، في اليوم الأول، عدة بلدات وقرى، فيما انضمت، في اليوم الثاني، فصائل إرهابية الى الجيش السوري النظامي. وفي اليوم الثالث، حرّرَ “اللجاة” و “بصر الحرير” (كان لها ثقلها لموقعها الاستراتيجي)، وتساقطت الفصائل الإرهابية الموالية لــ”إسرائيل” وأميركا، تباعاً، كأحجار “الدومينو”، فكان ذلك من أهم انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه، وقد تحقق بعمليات سريعة وحاسمة، لعدّة أسباب، نذكر منها:

أولاً ــ الخلافات الكبيرة والاقتتال المستمرّ في صفوف الإرهابيين، لاسيما بين مقاتلي ما يسمّى “الجيش الحر” و”جبهة النصرة”، التي ينتمي أغلب عناصرها في درعا إلى التيار السلفيّة الأردنيّة .

ثانياً ــ البيئة الحورانية المُحبَطة، بعد مقتل الآلاف من أبنائها، في معارك فاشلة، مثل “عاصفة الجنوب” و”عامود حوران” وغيرها.

ثالثاً ــ إغلاق الأُردن لحدوده مع سورية، بشكلٍ كاملٍ، وكان قبلها قد جمَّد “غرفة عمليات الموك” بعد هزيمة المرتزقة في معركة “عاصفة الجنوب”، في حزيران/يونيو 2015.

رابعاً: سحب الولايات المتحدة الأميركية، علناً، بعد يومين من بدء المعارك، وسرّاً، قبل عشرة أيام منها، دعمَها لجميع الفصائل الإرهابية في الجنوب، إلى جانب غياب الغطاء الدولي بالشكل الذي كان متوفراً، سابقاً، ما منعها من حشد قواتها على جبهة واحدة، أو التفكير في شن هجوم استباقي.

خامساً ــ انضمام مجموعات إرهابية كبيرة، كانت تسيطر على (11) بلدة في منطقة وقف التصعيد جنوبي سورية، من أبرزها “ألوية العمري” للقتال إلى جانب الجيش السوري ضد “جبهة النصرة”، ما فتح الطريق أمام مجموعات مسلحة أخرى لسلوك الطريق ذاته.

أخيراً، والأهم، هو التنسيق والتعاون بين الجيش السوري، والحلفاء الروس، والذي ترجمتْه “القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية” بالإعلان أنّ القوات الفضائية الجوية الروسية ستشارك في دعم قوات النخبة في الجيش العربي السوري للقضاء على الإرهاب جنوبي البلاد.

أغضب توالي انتصارات الجيش السوري وحلفائه الحكومة الأميركية، فبدأت بإرسال رسائل القلق، شمالاً وجنوباً، فأعرب كلّ من الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ومعهما عدد من مسؤولي البيت الأبيض، كلاً على حدة، عن قلقهم حيال الهجمات، التي يشنها الجيش السوري، في جنوب غرب سوريا، في تمثيليّةٍ توحي أن هذا القلق ينبع من اهتمام الولايات المتحدة بأمن وسلامة المدنيين في جنوب سورية، فيما هي قلقة من حقيقةٍ واحدةٍ، تقول وبناءً على كل تقارير مراكز الدراسات ومعاهد البحث السياسي والاقتصادي الأميركية: إن هذا النصر سينعكس إيجاباً على الحياة الإقتصادية والسياسية والاجتماعية في سورية، وسلباً على أمن ربيبتها “إسرائيل”،وسنلخص، فيما يلي، أهم تلك الانعكاسات:

 

أولاً ــ ستُتيح عودة معبريْ نصيب – جابر (كان يعبره، قبل إغلاقه عام 2015، نحو 6300 شاحنة، يومياً، في كلا الاتجاهين)، و الرمثا الأردني (المقابل لمعبر درعا)، انسياب آلاف الشاحنات المحملة بالبضائع والمواد الأولية من سورية وإليها، وبالتالي سيرتفع حجم التبادل التجاري بين سورية والأردن ولبنان (كان حجم التجارة في المنطقة الحرة قد بلغ (1.4) مليار دولار، عام 2013)، ما سيُشكّل واحدةً من أهم جرعات الإنعاش للحياة الاقتصادية في سورية.

 

ثانياً ــ ستعود آلاف الهكتارات من الأشجار المثمرة كالتفاح والزيتون والعنب، التي تشتهر بها محافظة السويداء (حوالي عشرة آلاف هكتار مزروعة بخمسة ملايين شجرة كرمة) وآلاف أخرى، في درعا، مزروعة بالحبوب (أكثر من 15 ألف هكتار مزروعة بالقمح) وبالخضار (قبل الحرب، وصل إنتاج درعا من البندورة إلى نصف مليون طن، سنوياً، أي بمردودٍ ماديٍ يقارب المليار ونصف المليار ليرة سورية)، ما سيخفف العبء الاستيرادي، الذي يضغط، بلا هوادة، على الليرة السورية.

 

ثالثاً ــ عودة أراضي الجنوب (درعا والقنيطرة) والتي كانت تزوّد البلاد، قبل الحرب، بــ(40) في المئة من الغلة القمحيّة السنويّة، إلى سيطرة الدولة السوريّة (تزرع درعا القمح القاسي فيما تزرع القنيطرة القمح الطري)، سيسدّ حاجة السوق، ويطرح الباقي للتصدير، مايعني دفعة أخرى لعجلة الاقتصاد السوري.

 

رابعاً ــ عودة السيطرة على المسطحات المائية الكثيرة في حوران، سيعيد الحياة الزراعية الى طبيعتها، ما سيوفـر آلاف فرص العمل في المنطقة (قبل الحرب كانت زراعة البندورة، في درعا، وحدها، تستقطب حوالي 150 ألف عامل).

 

خامساً ــ مما لا شك فيه أن إعادة فتح واحد من أهم مسارات الترانزيت الدولية (طريق دمشق –عمان)، والتي تصل إلى بيروت، سيولد حركة نقل تجارية وسياحية من وإلى البلد، الأمر الذي سيدعم بدوره الاقتصاد الوطني.

 

سادساً ــ اتساع مروحة السيطرة التي يفرضها الجيش العربي السوري ( تبلغ مساحة المنطقة الجنوبية في سورية حوالي 12 ألف كيلومتر مربع) وعودته للتمركز في مناطق حساسة، تكمن أهميتها الاستراتيجية في كونها الحزام الأمني الأكبر والأقرب من العدو الصهيوني، سيعيدُ الأمور لنقطة الصفر، بالنسبة إلى الأهداف الصهيونية من الحرب على سورية، وهذه نقطة قوة لسورية، ستزيد ثقة العالم بها، وتساعدُ في تدفّق الاستثمارات إليها من دول العالم، ما سيحسّن وضع الليرة السورية .

 

سابعاً ــ سيؤدي استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية إلى عودة الحياة الى قطاع الإستثمار السياحي في مناطق مثل “بصرى الشام” وبحيرة مزيريب وقرى جبل العرب.

 

ثامناً ــ عودة الأمن والإستقرار الى المنطقة سيدير عجلة الصناعة فيها بسرعة أكبر (كان يوجد في درعا، وحدها، قبل اندلاع الحرب، حوالي 600 منشأة صناعية، وأكثر من 6300 منشأة حرفية ومهنية)، أضف الى ذلك وصول وفود من مئات الشركات الدولية إلى الجنوب السوري، للمشاركة في عملية إعادة الإعمار.

 

لقد أخذت المعارك، في الجنوب السوري، بعداً خاصاً، عند الاصدقاء كما لدى الأعداء، وذلك لوقوعها على خط التماس الأول مع دولة الكيان الصهيوني من الجنوب الغربي، وكونها مركزاً مهماً تتمركز فيه العديد من الفرق والألوية العسكرية التابعة للجيش السوري، ثم إن المنطقة هي بوابة سوريا نحو الأردن وفلسطين ولبنان، وأخيراً لكونها فتحت خاصرة منطقة التنف (من ضمنها القاعدة العسكرية الأميركية) بخنجرِ حارسٍ صاحٍ، لا تنامُ له عينٌ، ولا يغمض له جفن، حارسٍ يصرّ على تحرير الأراضي السورية كاملةً، ويقاتل ضد حشودٍ إرهابية، جنّدها حلف العدوانِ من كل دول العالم، ودعمتها، بكل وقاحة، دول الاستعمار القديم والجديد بالغزو المباشر، وقد كان آخر أشكال هذا الدعم القرار الأميركي القاضي، علناً، بتقديم منحة مالية قدرها (6.6) مليون دولار إلى منظمة “الخوذ البيضاء” الإرهابية.

يُحارب الجيش السوري في خنادق وبمدرعات وصواريخ، فيما يحاول الاقتصاد السوري مواجهة سياسات ومخططات تفرضها الدول الاستعمارية عليه، تحاصره، وتضغط عليه بفرض عقوبات اقتصادية ضدّ أشخاص ومؤسسات سورية وأجنبية صديقة وحليفة، وكل ذلك بهدف كسر شوكة سوريا وعزلها عن العالم، كخدمة صريحة للكيان الصهيوني.

Share This

Share This

Share this post with your friends!