كي لا يكون الرقم وجهة نظر

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية في ختام شهر أيار الماضي عن فرضها رسوماً جديدة على واردات الألومنيوم والصلب من الدول التي كانت أعفتها مؤقتاً من تبعات هذا القرار، وهي الاتحاد الاوروبي وكندا والمكسيك. ووفقاً لهذا القرار، سيتعين على الدول المصدّرة لهذه المعادن الى الولايات المتحدة دفع المزيد من الرسوم الجمركية التي أكد وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس أنه سيتم رفعها على واردات الصلب بمقدار 25% وعلى واردات الألومنيوم بمقدار 10%.

يُذكر أن الدول المصدّرة للصلب والألمنيوم إلى أميركا ردّت بقوة على هذا القرار، حيث أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي بأنها سوف تتضرّر من هذا القرار الأمريكي وطالبت المؤسسات التابعة لمنظمة التجارة العالمية بإيجاد حلول عاجلة لهذه الأزمة.

وفي حين يصرّ ترامب أنّ قرارته تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة، لكونها كانت لفترة طويلة “تعرضت للاستغلال على مدى عقود في مجال التجارة”، فإنّ الواقع يشي بأنّ الأبعاد السياسية لقرارات ترامب الاقتصادية هي الطاغية. ففي ظلّ ضغط أميركي داخلي على ترامب بعد فضائحه الجنسية، وفي ظلّ تحقيق المحقّق الخاص مولر في قضية التدخّل الروسي لمصلحة ترامب في النتخابات الأميركية، يحاول ترامب اليوم إبعاد الأضواء المسلّطة عن أزماته الداخلية وإعادة تصويبها نحو الخارج، سواء بافتعال ئأزمة اقتصادية مع اوروبا والصين، أو بمحاولة التوصّل الى حلّ لأزمة كوريا الشمالية، وصولاً الى إشعال نار الشرق الأوسط بعد قرار نقل السفارة الأميركية الى القدس المحتلة.

 

الأبعاد الرئيسية لقرار ترامب

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير من الوعود بزيادة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم أثناء حملته الانتخابية، وأعلن في ذلك الوقت بأن الهدف من اتخاذه  لمثل هذا القرار هو تحسين الوضع الوظيفي للمواطنين الأمريكيين وتحقيق التوازن بين الميزان التجاري الأمريكي والدول المصدّرة الأخرى. ومنذ بداية تلك الحملة الانتخابية كانت الرؤية الاقتصادية للرئيس ترامب تختلف تماماً عن منافسته كلينتون، ولهذا فقد سلّط الرئيس ترامب الضوء أثناء حملته الانتخابية على ديون أمريكا البالغة 20 تريليون دولار، واعداً بتسديد هذه الديون في غضون ثماني سنوات، كما وعد بخفض نسبة البطالة بين الأميركيين البالغة حوالي 20%.

 

واردات الصلب والميزان التجاري الأمريكي

في عام 2017، تم إنتاج ما مجموعه 1.76 مليار طن من الحديد الصلب في العالم وتم تصدير 31 % منه، أي ما يعادل 519 مليون طن، إلى جميع دول العالم. ووفقاً لما صرّح به الاتحاد الألماني للصلب، فلقد استأثرت 28 دولة من دول الاتحاد الأوروبي بما يقرب من 21 % من واردات أمريكا من الصلب، علماً أنّ الأخيرة تؤمن معظم احتياجاتها من الحديد والألمنيوم من كندا والبرازيل والمكسيك. ووفقاً لوزارة التجارة الأمريكية، ففي كانون الثاني من هذا العام (2018)، بلغت قيمة صادرات الصلب الكندي إلى أميركا حوالي 469 مليون دولار، لافتةً إلى أن ألمانيا تُصدّر ما يعادل 7% من فولاذها إلى أميركا، ولهذا فإن هذا القرار الذي أصدره ترامب لن يكون له تأثير كبير على ألمانيا.

يُذكر أن الاتحاد الأوروبي هو ثاني أكبر منتج للصلب في العالم بعد الصين ويصل إنتاج هذا الاتحاد 177 مليون طن من الفولاذ الصلب سنوياً وهو ما يمثل 11 % من الناتج المحلي الإجمالي لهذا الاتحاد ويعتزم الاتحاد الأوروبي زيادة حصة ناتجه المحلي الإجمالي المتعلق بالصلب إلى نسبة 20% بحلول عام 2020 وذلك لأن صناعة الصلب خلقت العديد من الوظائف في أوروبا.

ولقد توقعت الرابطة العالمية للصلب (ASA) أن الطلب العالمي على الصلب في عام 2019 سيزداد بنسبة 0.7 في المئة ليصل إلى مليارو626 مليوناً و700 ألف طن، ولكن نظراً لوجود الكثير من الآثار السلبية الناجمة عن التوترات التجارية المتزايدة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي واحتمال حدوث تغيير في أسعار الفائدة في أمريكا وأوروبا، فقد يحدث عطل كبير في مسار هذا التحرك الحالي.

 

ردود الفعل على قرار ترامب

أعلن الرئيس الأميركي ترامب بعد لقائه بعدد من المسؤولين الأوروبيين في أواخر شباط الماضي عن نيته بالتوقيع على قرار يقضي برفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم، مشيراً الى أنّ  دول الاتحاد الأوروبي ستكون مستثناة من هذا القرار، وأنها لن تتحمل أي زيادة في الرسوم الجمركية. ولكن بعد قيام الكونغرس الأمريكي بالمصادقة الفعلية على هذا القرار، كان للمسؤولين الأوروبيين ردة فعل غاضبة من رفع هذه الرسوم الجمركية عليهم ومن عدم التزام الحكومة الأمريكية بوعودها لشريكها التجاري الأهم في العالم.

وفي هذا السياق، قال جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية إن “قرار زيادة الرسوم الجمركية الأمريكي غير مقبول. اليوم هو يوم سيئ لعالم الأعمال التجارية ونحن سندافع بقوة عن مصالح أوروبا”. وأضاف قائلاً: “لن نترك قطاعاتنا الصناعية تعاني من هذه الممارسات غير العادلة ولن نقبل بتعريض آلاف فرص العمل للخطر”. ومن جهته قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لا ماري”: “لن يكون هناك أي فائز في الحرب التجارية بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا”.

وفي سياق متصل أعرب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن استيائه من قرار ترامب في رد فعل حاد، حيث قال “إن هذا القرار خاطئ من نواح كثيرة، فهو سيؤدي إلى خلق اختلالات دولية وسيؤدي إلى إيجاد حالة من القومية الاقتصادية والتجارية وهذه القومية تساوي الحرب وهذه التطورات تشابه إلى حد كبير تلك الأحداث التي حدثت في ثلاثينيات القرن الماضي”.

من جهتها أصرّت المتحدثة باسم الحكومة الألمانية ستيفان زبير على أن “برلين ترفض هذه الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلب والألمنيوم”. الى ذلك، قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بأن الاتحاد الأوروبي سيرد بحزم على فرض الولايات المتحدة رسوما ضريبية على واردات الألومنيوم والصلب من دول المنطقة.

وأعلنت ميركل، خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البرتغالي، أنطونيو كوشتا، إن دول الاتحاد الأوروبي اتفقت على الرد بطريقة ذكية وحاسمة ومشتركة على هذا القرار الأميركي. وأضافت المستشارة الألمانية: أتفق مع الشركاء الأوروبيين على أن هذه التعريفات الجمركية لا تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

الرد البريطاني لم يختلف كثيرا عن فرنسا وألمانيا، حيث قالت بريطانيا إنها تشعر بخيبة أمل عميقة لقرار الولايات المتحدة المضي قدما في فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم من كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي. وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية “نشعر بخيبة أمل عميقة أن الولايات المتحدة قررت تطبيق الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم من الاتحاد الأوروبي لاعتبارات الأمن القومي”، وأضاف قائلاً: “المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حلفاء مقربون للولايات المتحدة وينبغي إعفاؤهم بشكل دائم وكامل من الإجراءات الأميركية بشأن الصلب والألومنيوم”.

الى ذلك، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “خلص أوروبا من كل الأوهام” بالنزاع التجاري والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني. وأضاف توسك أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون موحداً لمواجهة “ظاهرة جديدة” وهي “الإصرار القائم على النزوات للإدارة الأميركية”. وقال توسك في مؤتمر صحافي: “بالنظر إلى القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس ترامب، يمكن لشخص ما أن يعتقد أنه مع وجود أصدقاء مثل هذا، فنحن بحاجة إلى أعداء”. وأضاف: “لكن بكل صراحة، يجب أن تكون أوروبا ممتنة للرئيس ترامب لأن بفضله قد تخلصنا من كل الأوهام”.

كما دخلت كندا والمكسيك على خط المواجهة مع الولايات المتحدة، حيث فرضت كندا ضريبة جديدة على منتجات أميركية ردا على فرض واشنطن رسوما جمركية جديدة على الصلب والألومنيوم.

وقال رئيس الوزراء الكندي إن الرسوم الجديدة غير مقبولة وسيتم مواجهتها بإجراءات قاسية، مضيفا أنه سيتم فرض رسوم بنسبة 10% على عدد من المنتجات الأمريكية بقيمة 16.6 مليار دولار، موضحا أن إعلان الرئيس دونالد ترامب بشأن الرسوم سيضر بالعاملين الأميركيين.

من جهتها، أعلنت وزارة الاقتصاد المكسيكية عن ردّ على تعريفات الصلب والألومنيوم الأميركية بفرض إجراءات «مكافأة» واسعة النطاق على المنتجات الزراعية والصناعية، مما زاد من حدة التوتر خلال محادثات إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. ومن المحتمل أن تؤثر التدابير المكسيكية التي تستهدف الخنازير والتفاح والعنب والجبن والصلب، على الولايات الزراعية التي تعتبر معقلاً أساسياً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل الانتخابات النصفية الأمريكية في تشرين الثاني المقبل.

 

في سياق أخر، قدمت المفوضية الأوروبية شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها واشنطن والتي تعتبرها بروكسل غير مبررة. وكان بت خلاف تجاري سابق حول الصلب بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في 2002، استغرق عامًا ونصف. وكانت المنظمة حينها أنصفت الاتحاد الأوروبي واضطر الرئيس الأمريكي جورج بوش حينها إلى التخلي عن رفع الرسوم الجمركية. الفارق اليوم هو أن دونالد ترامب كان هدد بالانسحاب من عضوية منظمة التجارة العالمية، كما لا يزال يعطّل تسمية قضاة جدد في هيئة تحكيم المحكمة.

وكانت المفوضية الأوروبية وضعت قبل أسابيع قليلة لائحة بسلع أمريكية بقيمة 2.8 مليار يورو يمكن أن تخضع بدورها لرسوم جمركية عقابية. وتشمل هذه اللائحة خصوصًا منتجات الصلب والبوربون وزبدة الفول السوداني والدراجات النارية وملابس الجينز. وكان الاتحاد الأوروبي أبلغ رسميًا منظمة التجارة بهذه اللائحة منتصف أيار. وبحسب المفوضية الأوروبية، يمكن أن يبدأ سريان هذا الإجراء في 20 حزيران كأقرب موعد، ولا تزال المفوضية تحتاج إلى تقديم المقترح بعد تحديثه إلى الدول الأعضاء الـ 28 مع تفصيل نسبة الرسوم الجمركية لكل منتج. وفي حال جاءت الإجراءات متناسقة مع الرسوم الجمركية الأميركية، تطبيقًا لمبدأ “العين بالعين والسن بالسن”، فإن الرسوم الأوروبية يمكن أن تبلغ 25 بالمائة كحد أقصى، وتختار الدول الأعضاء اثر ذلك تطبيق الرسوم المقترحة بالكامل أو جزئيًا أو عدم التطبيق. وبحسب قواعد منظمة التجارة، يمكن اتخاذ إجراءات “حماية” عندما يؤدي تدفق مفاجئ لواردات إلى اضطراب “جدي” أو يهدد باضطراب صناعة وطنية. وبإمكان أعضاء المنظمة “الحد بشكل مؤقت من واردات منتج ما”. ويتم ذلك عبر تحديد حصص واردات أو فرض رسوم جمركية أعلى.

ويخشى الاتحاد الأوروبي في الواقع من “الآثار الجانبية” للقيود الأمريكية على الاستيراد، ويتوقع أن يسعى منتجو الصلب في البرازيل والصين وروسيا وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا، إلى إعادة توجيه منتجاتهم التي لم تعد قادرة على المنافسة في السوق الأميركية، إلى السوق الأوروبية.

 

نتيجة الحرب التجارية

أطلق ترامب حرباً تجارية مستخدماً في ذلك كل الأدوات النفسية. ولقد حاول أن يظهر نفسه بأنه شخصية لا يمكن التنبؤ بها ولكنه وفي ردّ غير متوقع وغير دبلوماسي كتب تغريدة مفادها “إن الحروب التجارية جيدة للغاية”. ولهذا فإن منتقدي ذلك القرار الأمريكي يرون بأن ترامب سيستغل نتائج هذه الحرب التجارية سياسياً، حيث سيقوم أولاً بخفض معدّل البطالة مؤقتاً بسبب الزيادة التي ستحصل في الإنتاج المحلي، وهذا الشيء سُيوحي للمجتمع الأميركي بأن ترامب حقق بعضاً من وعوده الانتخابية. وثانياً، سيكون لهذا القرار الكثير من الآثار الإيجابية على منتجي الصلب والألمنيوم في أميركا، وخاصة في ولايتي إنديانا، التي كان نائب ترامب مايك بنس حاكماً لها، وألاباما التي اكتسحها ترامب في انتخابات الرئاسة وخسرها مرشحه لمنصب سيناتور روي مور العام الماضي، واللتين لعبتا دوراً رئيسياً في فوز ترامب في انتخابات عام 2016.

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية في ختام شهر أيار الماضي عن فرضها رسوماً جديدة على واردات الألومنيوم والصلب من الدول التي كانت أعفتها مؤقتاً من تبعات هذا القرار، وهي الاتحاد الاوروبي وكندا والمكسيك. ووفقاً لهذا القرار، سيتعين على الدول المصدّرة لهذه المعادن الى الولايات المتحدة دفع المزيد من الرسوم الجمركية التي أكد وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس أنه سيتم رفعها على واردات الصلب بمقدار 25% وعلى واردات الألومنيوم بمقدار 10%.

يُذكر أن الدول المصدّرة للصلب والألمنيوم إلى أميركا ردّت بقوة على هذا القرار، حيث أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي بأنها سوف تتضرّر من هذا القرار الأمريكي وطالبت المؤسسات التابعة لمنظمة التجارة العالمية بإيجاد حلول عاجلة لهذه الأزمة.

وفي حين يصرّ ترامب أنّ قرارته تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة، لكونها كانت لفترة طويلة “تعرضت للاستغلال على مدى عقود في مجال التجارة”، فإنّ الواقع يشي بأنّ الأبعاد السياسية لقرارات ترامب الاقتصادية هي الطاغية. ففي ظلّ ضغط أميركي داخلي على ترامب بعد فضائحه الجنسية، وفي ظلّ تحقيق المحقّق الخاص مولر في قضية التدخّل الروسي لمصلحة ترامب في النتخابات الأميركية، يحاول ترامب اليوم إبعاد الأضواء المسلّطة عن أزماته الداخلية وإعادة تصويبها نحو الخارج، سواء بافتعال ئأزمة اقتصادية مع اوروبا والصين، أو بمحاولة التوصّل الى حلّ لأزمة كوريا الشمالية، وصولاً الى إشعال نار الشرق الأوسط بعد قرار نقل السفارة الأميركية الى القدس المحتلة.

 

الأبعاد الرئيسية لقرار ترامب

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير من الوعود بزيادة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم أثناء حملته الانتخابية، وأعلن في ذلك الوقت بأن الهدف من اتخاذه  لمثل هذا القرار هو تحسين الوضع الوظيفي للمواطنين الأمريكيين وتحقيق التوازن بين الميزان التجاري الأمريكي والدول المصدّرة الأخرى. ومنذ بداية تلك الحملة الانتخابية كانت الرؤية الاقتصادية للرئيس ترامب تختلف تماماً عن منافسته كلينتون، ولهذا فقد سلّط الرئيس ترامب الضوء أثناء حملته الانتخابية على ديون أمريكا البالغة 20 تريليون دولار، واعداً بتسديد هذه الديون في غضون ثماني سنوات، كما وعد بخفض نسبة البطالة بين الأميركيين البالغة حوالي 20%.

 

واردات الصلب والميزان التجاري الأمريكي

في عام 2017، تم إنتاج ما مجموعه 1.76 مليار طن من الحديد الصلب في العالم وتم تصدير 31 % منه، أي ما يعادل 519 مليون طن، إلى جميع دول العالم. ووفقاً لما صرّح به الاتحاد الألماني للصلب، فلقد استأثرت 28 دولة من دول الاتحاد الأوروبي بما يقرب من 21 % من واردات أمريكا من الصلب، علماً أنّ الأخيرة تؤمن معظم احتياجاتها من الحديد والألمنيوم من كندا والبرازيل والمكسيك. ووفقاً لوزارة التجارة الأمريكية، ففي كانون الثاني من هذا العام (2018)، بلغت قيمة صادرات الصلب الكندي إلى أميركا حوالي 469 مليون دولار، لافتةً إلى أن ألمانيا تُصدّر ما يعادل 7% من فولاذها إلى أميركا، ولهذا فإن هذا القرار الذي أصدره ترامب لن يكون له تأثير كبير على ألمانيا.

يُذكر أن الاتحاد الأوروبي هو ثاني أكبر منتج للصلب في العالم بعد الصين ويصل إنتاج هذا الاتحاد 177 مليون طن من الفولاذ الصلب سنوياً وهو ما يمثل 11 % من الناتج المحلي الإجمالي لهذا الاتحاد ويعتزم الاتحاد الأوروبي زيادة حصة ناتجه المحلي الإجمالي المتعلق بالصلب إلى نسبة 20% بحلول عام 2020 وذلك لأن صناعة الصلب خلقت العديد من الوظائف في أوروبا.

ولقد توقعت الرابطة العالمية للصلب (ASA) أن الطلب العالمي على الصلب في عام 2019 سيزداد بنسبة 0.7 في المئة ليصل إلى مليارو626 مليوناً و700 ألف طن، ولكن نظراً لوجود الكثير من الآثار السلبية الناجمة عن التوترات التجارية المتزايدة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي واحتمال حدوث تغيير في أسعار الفائدة في أمريكا وأوروبا، فقد يحدث عطل كبير في مسار هذا التحرك الحالي.

 

ردود الفعل على قرار ترامب

أعلن الرئيس الأميركي ترامب بعد لقائه بعدد من المسؤولين الأوروبيين في أواخر شباط الماضي عن نيته بالتوقيع على قرار يقضي برفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم، مشيراً الى أنّ  دول الاتحاد الأوروبي ستكون مستثناة من هذا القرار، وأنها لن تتحمل أي زيادة في الرسوم الجمركية. ولكن بعد قيام الكونغرس الأمريكي بالمصادقة الفعلية على هذا القرار، كان للمسؤولين الأوروبيين ردة فعل غاضبة من رفع هذه الرسوم الجمركية عليهم ومن عدم التزام الحكومة الأمريكية بوعودها لشريكها التجاري الأهم في العالم.

وفي هذا السياق، قال جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية إن “قرار زيادة الرسوم الجمركية الأمريكي غير مقبول. اليوم هو يوم سيئ لعالم الأعمال التجارية ونحن سندافع بقوة عن مصالح أوروبا”. وأضاف قائلاً: “لن نترك قطاعاتنا الصناعية تعاني من هذه الممارسات غير العادلة ولن نقبل بتعريض آلاف فرص العمل للخطر”. ومن جهته قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لا ماري”: “لن يكون هناك أي فائز في الحرب التجارية بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا”.

وفي سياق متصل أعرب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن استيائه من قرار ترامب في رد فعل حاد، حيث قال “إن هذا القرار خاطئ من نواح كثيرة، فهو سيؤدي إلى خلق اختلالات دولية وسيؤدي إلى إيجاد حالة من القومية الاقتصادية والتجارية وهذه القومية تساوي الحرب وهذه التطورات تشابه إلى حد كبير تلك الأحداث التي حدثت في ثلاثينيات القرن الماضي”.

من جهتها أصرّت المتحدثة باسم الحكومة الألمانية ستيفان زبير على أن “برلين ترفض هذه الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلب والألمنيوم”. الى ذلك، قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بأن الاتحاد الأوروبي سيرد بحزم على فرض الولايات المتحدة رسوما ضريبية على واردات الألومنيوم والصلب من دول المنطقة.

وأعلنت ميركل، خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البرتغالي، أنطونيو كوشتا، إن دول الاتحاد الأوروبي اتفقت على الرد بطريقة ذكية وحاسمة ومشتركة على هذا القرار الأميركي. وأضافت المستشارة الألمانية: أتفق مع الشركاء الأوروبيين على أن هذه التعريفات الجمركية لا تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

الرد البريطاني لم يختلف كثيرا عن فرنسا وألمانيا، حيث قالت بريطانيا إنها تشعر بخيبة أمل عميقة لقرار الولايات المتحدة المضي قدما في فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم من كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي. وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية “نشعر بخيبة أمل عميقة أن الولايات المتحدة قررت تطبيق الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم من الاتحاد الأوروبي لاعتبارات الأمن القومي”، وأضاف قائلاً: “المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حلفاء مقربون للولايات المتحدة وينبغي إعفاؤهم بشكل دائم وكامل من الإجراءات الأميركية بشأن الصلب والألومنيوم”.

الى ذلك، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “خلص أوروبا من كل الأوهام” بالنزاع التجاري والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني. وأضاف توسك أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون موحداً لمواجهة “ظاهرة جديدة” وهي “الإصرار القائم على النزوات للإدارة الأميركية”. وقال توسك في مؤتمر صحافي: “بالنظر إلى القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس ترامب، يمكن لشخص ما أن يعتقد أنه مع وجود أصدقاء مثل هذا، فنحن بحاجة إلى أعداء”. وأضاف: “لكن بكل صراحة، يجب أن تكون أوروبا ممتنة للرئيس ترامب لأن بفضله قد تخلصنا من كل الأوهام”.

كما دخلت كندا والمكسيك على خط المواجهة مع الولايات المتحدة، حيث فرضت كندا ضريبة جديدة على منتجات أميركية ردا على فرض واشنطن رسوما جمركية جديدة على الصلب والألومنيوم.

وقال رئيس الوزراء الكندي إن الرسوم الجديدة غير مقبولة وسيتم مواجهتها بإجراءات قاسية، مضيفا أنه سيتم فرض رسوم بنسبة 10% على عدد من المنتجات الأمريكية بقيمة 16.6 مليار دولار، موضحا أن إعلان الرئيس دونالد ترامب بشأن الرسوم سيضر بالعاملين الأميركيين.

من جهتها، أعلنت وزارة الاقتصاد المكسيكية عن ردّ على تعريفات الصلب والألومنيوم الأميركية بفرض إجراءات «مكافأة» واسعة النطاق على المنتجات الزراعية والصناعية، مما زاد من حدة التوتر خلال محادثات إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. ومن المحتمل أن تؤثر التدابير المكسيكية التي تستهدف الخنازير والتفاح والعنب والجبن والصلب، على الولايات الزراعية التي تعتبر معقلاً أساسياً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل الانتخابات النصفية الأمريكية في تشرين الثاني المقبل.

 

في سياق أخر، قدمت المفوضية الأوروبية شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها واشنطن والتي تعتبرها بروكسل غير مبررة. وكان بت خلاف تجاري سابق حول الصلب بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في 2002، استغرق عامًا ونصف. وكانت المنظمة حينها أنصفت الاتحاد الأوروبي واضطر الرئيس الأمريكي جورج بوش حينها إلى التخلي عن رفع الرسوم الجمركية. الفارق اليوم هو أن دونالد ترامب كان هدد بالانسحاب من عضوية منظمة التجارة العالمية، كما لا يزال يعطّل تسمية قضاة جدد في هيئة تحكيم المحكمة.

وكانت المفوضية الأوروبية وضعت قبل أسابيع قليلة لائحة بسلع أمريكية بقيمة 2.8 مليار يورو يمكن أن تخضع بدورها لرسوم جمركية عقابية. وتشمل هذه اللائحة خصوصًا منتجات الصلب والبوربون وزبدة الفول السوداني والدراجات النارية وملابس الجينز. وكان الاتحاد الأوروبي أبلغ رسميًا منظمة التجارة بهذه اللائحة منتصف أيار. وبحسب المفوضية الأوروبية، يمكن أن يبدأ سريان هذا الإجراء في 20 حزيران كأقرب موعد، ولا تزال المفوضية تحتاج إلى تقديم المقترح بعد تحديثه إلى الدول الأعضاء الـ 28 مع تفصيل نسبة الرسوم الجمركية لكل منتج. وفي حال جاءت الإجراءات متناسقة مع الرسوم الجمركية الأميركية، تطبيقًا لمبدأ “العين بالعين والسن بالسن”، فإن الرسوم الأوروبية يمكن أن تبلغ 25 بالمائة كحد أقصى، وتختار الدول الأعضاء اثر ذلك تطبيق الرسوم المقترحة بالكامل أو جزئيًا أو عدم التطبيق. وبحسب قواعد منظمة التجارة، يمكن اتخاذ إجراءات “حماية” عندما يؤدي تدفق مفاجئ لواردات إلى اضطراب “جدي” أو يهدد باضطراب صناعة وطنية. وبإمكان أعضاء المنظمة “الحد بشكل مؤقت من واردات منتج ما”. ويتم ذلك عبر تحديد حصص واردات أو فرض رسوم جمركية أعلى.

ويخشى الاتحاد الأوروبي في الواقع من “الآثار الجانبية” للقيود الأمريكية على الاستيراد، ويتوقع أن يسعى منتجو الصلب في البرازيل والصين وروسيا وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا، إلى إعادة توجيه منتجاتهم التي لم تعد قادرة على المنافسة في السوق الأميركية، إلى السوق الأوروبية.

 

نتيجة الحرب التجارية

أطلق ترامب حرباً تجارية مستخدماً في ذلك كل الأدوات النفسية. ولقد حاول أن يظهر نفسه بأنه شخصية لا يمكن التنبؤ بها ولكنه وفي ردّ غير متوقع وغير دبلوماسي كتب تغريدة مفادها “إن الحروب التجارية جيدة للغاية”. ولهذا فإن منتقدي ذلك القرار الأمريكي يرون بأن ترامب سيستغل نتائج هذه الحرب التجارية سياسياً، حيث سيقوم أولاً بخفض معدّل البطالة مؤقتاً بسبب الزيادة التي ستحصل في الإنتاج المحلي، وهذا الشيء سُيوحي للمجتمع الأميركي بأن ترامب حقق بعضاً من وعوده الانتخابية. وثانياً، سيكون لهذا القرار الكثير من الآثار الإيجابية على منتجي الصلب والألمنيوم في أميركا، وخاصة في ولايتي إنديانا، التي كان نائب ترامب مايك بنس حاكماً لها، وألاباما التي اكتسحها ترامب في انتخابات الرئاسة وخسرها مرشحه لمنصب سيناتور روي مور العام الماضي، واللتين لعبتا دوراً رئيسياً في فوز ترامب في انتخابات عام 2016.

Share This

Share This

Share this post with your friends!