كي لا يكون الرقم وجهة نظر

اعتمدت الحكومات المتعاقبة في لبنان منذ العام 1992، باستثناء حكومة الرئيس عمر كرامي (2004-2005)، بشكل أساسي على السياسات الماليّة، دون أن تضع أي رؤية إقتصاديّة مستقبليّة تساهم في إحداث نهضة حقيقيّة على الصعيد الاقتصادي.

الفارق بين السياستين، الماليّة والاقتصاديّة، يكمن في أنّ الأولى تُبنى على حلول آنيّة دون أيّ معالجة فعليّة، ما يؤدي إلى تراكم الديون على البلاد وارتفاع معدلات خدمة فائدة الدين. أما الثانية فتقوم على وضع خطة مستقبليّة انتاجيّة من شأنها أن تخلق نموًّا مستدامًا، يساهم في تطوير الوضع الاقتصادي في لبنان وبناء الدولة القويّة.

فالسياسة الإقتصاديّة المجدية يجب أن ترتكز على التخطيط للحصول على النتيجة الأفضل في ما يخص الإنتاج والاستهلاك. كما تقوم بتأمين البنى التحتية اللازمة لجذب الاستثمارات ووضع القوانين المحفزة لها، التي تؤدي بدورها إلى خلق فرص عمل جديدة ومعالجة مشكلة البطالة بشكل كبير.

إضافة إلى ذلك، يمتلك الإقتصاد الحقيقي القدرة على توجيه الضرائب بالشكل الصحيح، وتطوير القطاعين الزراعي والصناعي، ودعم الصادرات على حساب الواردات، بهدف تقوية العملة المحليّة وتخفيف الطلب على العملات الأجنبيّة.

1- السياسة الإقتصاديّة

يقوم التخطيط الإقتصادي على بنيتين تحتيتين رئيسيتين:

أ- البنية التحتية التقيلة، وتعتبر المشجع الأساسي للإستثمار الذي من شأنه أن يخلق فرص عمل في القطاع الخاص، وتتألّف من:

  • محطات توليد الطاقة الكهربائيّة.
  • مشاريع المياه، كالسدود، التي يمكن الإستفادة منها في الزراعة والكهرباء والصناعة.
  • خطوط المواصلات وسكك الحديد والطرق الدوليّة.
  • شبكات الصرف الصحي.
  • قطاع اتصالات وانترنت متطوّر.

ب- – البنية التحتيّة الخدماتيّة، التي تؤمّن فرص العمل المباشرة وتُطوّر الخدمات الأساسيّة للمواطنين:

  • النظام الصحي.
  • النظام التعليمي.

يُعتبر نظاما الصحّة والتعليم، في السياسات الاقتصاديّة، ضروريين لبناء أيّ دولة، إذ لا غنى عنهما لخلق فرص العمل والتحوّل إلى مجتمع إنتاجي. أما السياسات الماليّة فتهدف فقط إلى تحصيل الربح الكبير والسريع منهما، دون الإلتفات إلى جدواهما التوظيفيّة والإنتاجيّة والخدماتيّة.

2- السياسة الماليّة

  • لا يتمتّع النظام المالي بالرؤية، بل عادة ما يضع مجموعة من الأهداف المرحليّة، ويعتمد على التوجهات التالية:
  • توجيه السياسة لخدمة المشاريع التنفذيّة.
  • خطة العمل الرئيسية تقوم على الاستدانة، دون الأخذ بالاعتبار تداعياتها الكارثيّة على الدولة.
  • طبع الأوراق النقديّة بغياب أيّ اقتصاد إنتاجي.
  • تعزيز العملات الأجنبيّة على حساب العملة الوطنيّة.
  • إفشال القطاع العام وبيعه للقطاع الخاص، خاصة قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والاتصالات.
  • إستعمال النظام الضريبي لتغطية العجز وفائدة الدين، ما يزيد من الأعباء على المواطنين.
  • منح امتيازات كبيرة للمصارف ورهن الأسواق بإدارتها.

 

إذًا يمكن اعتبار النظام المالي العدو الأساسي للنظام الاقتصادي، والعدو الرسمي للسيادة والإستقلال والإنتاج والتقدّم.

وبناء عليه، إلى أين أوصلتنا السياسات الماليّة المتبعة في لبنان منذ اتفاق الطائف إلى اليوم؟

  • بلغ الدين العام 82 مليار دولار.
  • وصول نسبة الدين إلى نسبة الناتج المحلي الإجمالي إلى 152% بحسب البنك وصندوق النقد الدوليين.
  • عجز بنسبة 4.8 مليار دولار في الموازنة، ويُرجّح أن يصل إلى 10 مليارات دولار سنويًّا في حال اللجوء إلى أي استدانة جديدة. والجدير بالذكر أنّ كما أنّ رقم العجز المذكور لا يتضمّن العجز في قطاع الكهرباء، الذي غُيّب عن قصد بهدف الاستدانة في مؤتمر “سيدر 1”.
  • بلغت فائدة الدين العام 5 مليار و591 مليون دولار سنويًّا بالحد الأدنى، ومن الممكن أن تصل إلى 8 مليار دولار إذا حصل لبنان على الأموال التي وُعد بها في “سيدر 1”.
  • عجز في الميزان التجاري لصالح الاستيراد بقيمة 18 مليار دولار في السنة (تصدير بملياري دولار واستيراد بـ20 مليار).
  • تدمير مُمنهج للصناعات بكافة اشكالها خدمة للإستيراد، والارتهان للدولار.
  • فشل ذريع في معالجة مشكلة الكهرباء التي تستنزف الموازنة لتغطية النقص في التغذية، دون التمكّن من تأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة، رغم التكلفة الباهظة في هذا الملف والتي وصلت إلى 2.1 مليار دولار دون وجود أيّ رؤية.
  • برامج تعليميّة قديمة واستنزاف مالي لا فائدة منه إلا خدمة القطاع الخاص، بالإضافة إلى ارتفاع كبير في الأقساط المدرسيّة التي باتت تشكّل في بعض الأحيان أكثر من نصف مدخول العائلة.
  • تخبّط في ملف الجامعة اللبنانية وتوظيفات ذات طابع سياسي، كما أنّ عدد الموظفين أكبر من حاجة هذا الصرح التعليمي.
  • بات لبنان يعرف بأنّه صاحب أعلى فاتورة صحيّة في المنطقة.
  • كلفة فاتورة الأدوية وصلت إلى 1.3 مليار دولار، يشكّل الاستيراد نسبة 90% منها، دون الالتفات إلى أنّ اللبنانيين يشكّلون البنية التحتيّة البشريّة العلميّة لمعظم مصانع انتاج الدواء في العالم إلا في بلدهم الأم. مع العلم أنّه في حال مُنحت التراخيص لمصانع الأدوية في لبنان فإنّ نسبة التوفير من المتوقّع أن تصل إلى 900 مليون دولار سنويًّا.
  • معدّل نمو اقتصادي بنسبة 1% إذا وُجد.
  • نسبة بطالة بلغت 35% من القوى العاملة الإنتاجية.
  • نقص في عديد القوى الأمنيّة.
  • هدر مقونن ومنافع خاصة وجمعيات بين الحقيقيّة والوهميّة تخطت المليار دولار سنويًّا.
  • ضرائب عشوائية في خدمة فائدة الدين لا لخدمة التقديمات الاجتماعية.
  • شلل في هيئة التفتيش الرقابي.
  • جمود في ديوان المحاسبة.
  • بطء في مجلس شورى الدولة.
  • صراعات في إدارة المناقصات.

 

في المحصّلة، إنّ ربط الليرة بالدولار من دون اقتصاد انتاجي وتثبيت سعر صرفها، واعتماد سياسة ربط الاستقرار المالي من خلال الاستدانة، هي من أبرز نتائج النظام المالي الذي لم يحقق أي نتيجة إيجابيّة للبنان في أيّ ملف اجتماعي، إداري، مطلبي، صحي، تعليمي، وتوظيفي؛ بل جلّ ما قام به هو خدمة النفوذ السياسي لتحقيق أهداف السلطة الحاكمة.

وبالتالي لقد آن الأوان لوضع السياسة في خدمة البناء الاقتصادي الانتاجي، لا في خدمة النظام المالي، فالمال يأخذ والاقتصاد يعطي، وما يجب أن يركّز عليه من يريد محاربة الفساد وبناء الدولة هو طرح خطط سليمة للإدارة والانتاج تبعد شبح المحاصصة السياسية، فالتراضي السياسي لن يحقّق للبنان سوى المزيد من الانهيار المالي، وفي الاقتصاد لا يوجد حلًّا سحريًّا أو أنصاف حلول، بل حلول مستقبليّة تحفظ الأجيال وتحافظ على سيادة الوطن.

*خبير وباحث اقتصادي

اعتمدت الحكومات المتعاقبة في لبنان منذ العام 1992، باستثناء حكومة الرئيس عمر كرامي (2004-2005)، بشكل أساسي على السياسات الماليّة، دون أن تضع أي رؤية إقتصاديّة مستقبليّة تساهم في إحداث نهضة حقيقيّة على الصعيد الاقتصادي.

الفارق بين السياستين، الماليّة والاقتصاديّة، يكمن في أنّ الأولى تُبنى على حلول آنيّة دون أيّ معالجة فعليّة، ما يؤدي إلى تراكم الديون على البلاد وارتفاع معدلات خدمة فائدة الدين. أما الثانية فتقوم على وضع خطة مستقبليّة انتاجيّة من شأنها أن تخلق نموًّا مستدامًا، يساهم في تطوير الوضع الاقتصادي في لبنان وبناء الدولة القويّة.

فالسياسة الإقتصاديّة المجدية يجب أن ترتكز على التخطيط للحصول على النتيجة الأفضل في ما يخص الإنتاج والاستهلاك. كما تقوم بتأمين البنى التحتية اللازمة لجذب الاستثمارات ووضع القوانين المحفزة لها، التي تؤدي بدورها إلى خلق فرص عمل جديدة ومعالجة مشكلة البطالة بشكل كبير.

إضافة إلى ذلك، يمتلك الإقتصاد الحقيقي القدرة على توجيه الضرائب بالشكل الصحيح، وتطوير القطاعين الزراعي والصناعي، ودعم الصادرات على حساب الواردات، بهدف تقوية العملة المحليّة وتخفيف الطلب على العملات الأجنبيّة.

1- السياسة الإقتصاديّة

يقوم التخطيط الإقتصادي على بنيتين تحتيتين رئيسيتين:

أ- البنية التحتية التقيلة، وتعتبر المشجع الأساسي للإستثمار الذي من شأنه أن يخلق فرص عمل في القطاع الخاص، وتتألّف من:

  • محطات توليد الطاقة الكهربائيّة.
  • مشاريع المياه، كالسدود، التي يمكن الإستفادة منها في الزراعة والكهرباء والصناعة.
  • خطوط المواصلات وسكك الحديد والطرق الدوليّة.
  • شبكات الصرف الصحي.
  • قطاع اتصالات وانترنت متطوّر.

ب- – البنية التحتيّة الخدماتيّة، التي تؤمّن فرص العمل المباشرة وتُطوّر الخدمات الأساسيّة للمواطنين:

  • النظام الصحي.
  • النظام التعليمي.

يُعتبر نظاما الصحّة والتعليم، في السياسات الاقتصاديّة، ضروريين لبناء أيّ دولة، إذ لا غنى عنهما لخلق فرص العمل والتحوّل إلى مجتمع إنتاجي. أما السياسات الماليّة فتهدف فقط إلى تحصيل الربح الكبير والسريع منهما، دون الإلتفات إلى جدواهما التوظيفيّة والإنتاجيّة والخدماتيّة.

2- السياسة الماليّة

  • لا يتمتّع النظام المالي بالرؤية، بل عادة ما يضع مجموعة من الأهداف المرحليّة، ويعتمد على التوجهات التالية:
  • توجيه السياسة لخدمة المشاريع التنفذيّة.
  • خطة العمل الرئيسية تقوم على الاستدانة، دون الأخذ بالاعتبار تداعياتها الكارثيّة على الدولة.
  • طبع الأوراق النقديّة بغياب أيّ اقتصاد إنتاجي.
  • تعزيز العملات الأجنبيّة على حساب العملة الوطنيّة.
  • إفشال القطاع العام وبيعه للقطاع الخاص، خاصة قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والاتصالات.
  • إستعمال النظام الضريبي لتغطية العجز وفائدة الدين، ما يزيد من الأعباء على المواطنين.
  • منح امتيازات كبيرة للمصارف ورهن الأسواق بإدارتها.

 

إذًا يمكن اعتبار النظام المالي العدو الأساسي للنظام الاقتصادي، والعدو الرسمي للسيادة والإستقلال والإنتاج والتقدّم.

وبناء عليه، إلى أين أوصلتنا السياسات الماليّة المتبعة في لبنان منذ اتفاق الطائف إلى اليوم؟

  • بلغ الدين العام 82 مليار دولار.
  • وصول نسبة الدين إلى نسبة الناتج المحلي الإجمالي إلى 152% بحسب البنك وصندوق النقد الدوليين.
  • عجز بنسبة 4.8 مليار دولار في الموازنة، ويُرجّح أن يصل إلى 10 مليارات دولار سنويًّا في حال اللجوء إلى أي استدانة جديدة. والجدير بالذكر أنّ كما أنّ رقم العجز المذكور لا يتضمّن العجز في قطاع الكهرباء، الذي غُيّب عن قصد بهدف الاستدانة في مؤتمر “سيدر 1”.
  • بلغت فائدة الدين العام 5 مليار و591 مليون دولار سنويًّا بالحد الأدنى، ومن الممكن أن تصل إلى 8 مليار دولار إذا حصل لبنان على الأموال التي وُعد بها في “سيدر 1”.
  • عجز في الميزان التجاري لصالح الاستيراد بقيمة 18 مليار دولار في السنة (تصدير بملياري دولار واستيراد بـ20 مليار).
  • تدمير مُمنهج للصناعات بكافة اشكالها خدمة للإستيراد، والارتهان للدولار.
  • فشل ذريع في معالجة مشكلة الكهرباء التي تستنزف الموازنة لتغطية النقص في التغذية، دون التمكّن من تأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة، رغم التكلفة الباهظة في هذا الملف والتي وصلت إلى 2.1 مليار دولار دون وجود أيّ رؤية.
  • برامج تعليميّة قديمة واستنزاف مالي لا فائدة منه إلا خدمة القطاع الخاص، بالإضافة إلى ارتفاع كبير في الأقساط المدرسيّة التي باتت تشكّل في بعض الأحيان أكثر من نصف مدخول العائلة.
  • تخبّط في ملف الجامعة اللبنانية وتوظيفات ذات طابع سياسي، كما أنّ عدد الموظفين أكبر من حاجة هذا الصرح التعليمي.
  • بات لبنان يعرف بأنّه صاحب أعلى فاتورة صحيّة في المنطقة.
  • كلفة فاتورة الأدوية وصلت إلى 1.3 مليار دولار، يشكّل الاستيراد نسبة 90% منها، دون الالتفات إلى أنّ اللبنانيين يشكّلون البنية التحتيّة البشريّة العلميّة لمعظم مصانع انتاج الدواء في العالم إلا في بلدهم الأم. مع العلم أنّه في حال مُنحت التراخيص لمصانع الأدوية في لبنان فإنّ نسبة التوفير من المتوقّع أن تصل إلى 900 مليون دولار سنويًّا.
  • معدّل نمو اقتصادي بنسبة 1% إذا وُجد.
  • نسبة بطالة بلغت 35% من القوى العاملة الإنتاجية.
  • نقص في عديد القوى الأمنيّة.
  • هدر مقونن ومنافع خاصة وجمعيات بين الحقيقيّة والوهميّة تخطت المليار دولار سنويًّا.
  • ضرائب عشوائية في خدمة فائدة الدين لا لخدمة التقديمات الاجتماعية.
  • شلل في هيئة التفتيش الرقابي.
  • جمود في ديوان المحاسبة.
  • بطء في مجلس شورى الدولة.
  • صراعات في إدارة المناقصات.

 

في المحصّلة، إنّ ربط الليرة بالدولار من دون اقتصاد انتاجي وتثبيت سعر صرفها، واعتماد سياسة ربط الاستقرار المالي من خلال الاستدانة، هي من أبرز نتائج النظام المالي الذي لم يحقق أي نتيجة إيجابيّة للبنان في أيّ ملف اجتماعي، إداري، مطلبي، صحي، تعليمي، وتوظيفي؛ بل جلّ ما قام به هو خدمة النفوذ السياسي لتحقيق أهداف السلطة الحاكمة.

وبالتالي لقد آن الأوان لوضع السياسة في خدمة البناء الاقتصادي الانتاجي، لا في خدمة النظام المالي، فالمال يأخذ والاقتصاد يعطي، وما يجب أن يركّز عليه من يريد محاربة الفساد وبناء الدولة هو طرح خطط سليمة للإدارة والانتاج تبعد شبح المحاصصة السياسية، فالتراضي السياسي لن يحقّق للبنان سوى المزيد من الانهيار المالي، وفي الاقتصاد لا يوجد حلًّا سحريًّا أو أنصاف حلول، بل حلول مستقبليّة تحفظ الأجيال وتحافظ على سيادة الوطن.

*خبير وباحث اقتصادي

Share This

Share This

Share this post with your friends!