كي لا يكون الرقم وجهة نظر

تتسارع وتيرة الربط بين حقوق الإنسان والبيئة، فالبيئة الصحية مهمة بشكل أساسي في التمتع بحقوق الإنسان كما أن ممارسة حقوق الإنسان أمر ضروري من أجل بيئة صحية.

آخر التقارير الدولية التي تؤكد على هذا الترابط ، صدر قبل اسبوع عن المقرر الخاص المعني بمسألة التزامات حقوق الإنسان المتعلقة بالتمتع ببيئة آمنة ونظيفة وصحية ومستدامة،  جون نوكس، الذي يتناول فيه الصلة بين حقوق الطفل وحماية البيئة، ويتناول الأضرار البيئية وكيفية حرمانها الأطفال من التمتع بحقوق الإنسان المكفولة لهم، والتزامات الدول بحماية الأطفال من هذا الضرر. كما قدم نوكس تقريراًآخراً حول وضع “مبادئ إطارية” لحقوق الإنسان والبيئة، عرض على مجلس حقوق الإنسان في في دورته السابعة والثلاثين المنعقدة في جنيف والتي اختتمت اعمالها في 23 آذار 2018.

 

الاتفاقيات الدولية ذات الصلة

تطلب اتفاقية حقوق الطفل، التي اعتمدت عام 1989، إلى الأطراف الحرص على التطبيق التام لحق الطفل في الصحة باتخاذ تدابير تشمل مكافحة الأمراض وسوء التغذية عن طريق “توفير الأغذية المغذية الكافية ومياه الشرب النقية، آخذة في اعتبارها أخطار تلوث البيئة ومخاطره. وفي الإعلان العالمي المتعلق ببقاء الطفل وحمايته ونمائه، المعتمد في مؤتمر القمة العالمي للأطفال عام 1990، أقرت الدول بأن ملايين الأطفال يعانون من تدهور البيئة، والتزمت بالعمل المشترك من أجل اتخاذ تدابير لحماية البيئة على جميع المستويات، حتى يتسنى لجميع الأطفال التمتع بمستقبل أكثر أماناً وأوفر صحة. أما برنامج العمل العالمي للشباب حتى سنة 2000 وما بعدها، الذي اعتمد عام1995، فيشتمل على مبادرات بيئية محددة ويشير إلى أن تنفيذ برنامج العمل يتطلب تمتع الشباب تمتعاً كاملاً بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وأكدت الدول مجدداً أهمية حماية البيئة في الوثيقة المعنونة “عالم صالح للأطفال”  المعتمدة عام 2002، والتي ينص أحد مبادئها وأهدافها العشرة على “حماية الأرض من أجل الأطفال.

على الصعيد الوطني، اعتمدت دولة بوليفيا المتعددة القوميات والسلفادور والمكسيك وباراغواي تشريعات تعترف بحق الطفل في بيئة صحيحة ومراعية للنظم الإيكولوجية ومستدامة. واعتمدت الدانمرك وسلوفينيا تدابير لحماية صحة الأطفال من التدهور البيئي والمواد الكيميائية. وتستخدم صربيا وسائط الإعلام لتوعية الأطفال بالقضايا البيئية، وتشجع ألمانيا الأطفال على المشاركة في المبادرات البيئية. وهناك كثير من الدول التي اتخذت تدابير لتحسين تثقيف الأطفال في مجال البيئية، بما فيها أذربيجان وأستراليا وجورجيا والسلفادور وسويسرا وفرنسا والفلبين.

 

 آثار تغير المناخ على حقوق الطفل

ينبه مجلس حقوق الإنسانبشكل دائم إلى آثار تغير المناخ على حقوق الطفل. وقد سلّم في قراره 32/33 بأن الأطفال من الفئات الأشد تأثراً بتغير المناخ، الذي تترتب عليه آثار خطيرة فيما يتعلق بتحقيق أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية والحصول على التعليم والغذاء الكافي والسكن اللائق والماء الصالح للشرب وخدمات الصرف الصحي، ويؤكد في قراره 35/20 أن تغير المناخ يؤثر بصورة أكبر على بعض الأطفال، مثل الأطفال ذوي الإعاقة، والأطفال المتنقلين، والأطفال الذين يعيشون ظروف الفقر، والأطفال المنفصلين عن أسرهم، وأطفال الشعوب الأصلية. ويدعو المجلس في قراره 32/33 الدول إلى مواصلة التعاون والمساعدة الدوليين في مجال تدابير التكيف وتعزيزها لمساعدة البلدان النامية، ولا سيما تلك المعرضة بصفة خاصة للآثار الضارة الناجمة عن تغير المناخ، والأشخاص الضعفاء الحال، بمن فيهم الأطفال الأكثر عرضة للخطر.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ خبراء حقوق الإنسان النظر عن كثب في أثر الضرر البيئي على التمتع بحقوق الطفل. ففي عام 2015، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تقريراً عن آثار تغير المناخ على الأطفال. وفي آب 2016، أصدر المقرر الخاص المعني بالآثار المترتبة في مجال حقوق الإنسان على إدارة المواد والنفايات الخطرة والتخلص منها بطريقة سليمة بيئياً والتخلص من المواد والنفايات الخطرة، باسكوت تونكاك، تقريراً يتناول “الوباء الصامت” المتمثل في الإعاقة والأمراض المرتبطة بتعرض الأطفال للمواد السمية والتلوث، ويوضح التزامات الدول ومسؤوليات المؤسسات التجارية عن توفير الحماية من هذا التعرض. وبطلب من مجلس حقوق الإنسان، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريراً في أيار2017 بشأن العلاقة بين تغير المناخ وحقوق الطفل. كما تولي لجنة حقوق الطفل اهتماماً متزايداً للعلاقة بين حماية البيئة وحقوق الطفل.

 

 

        تأثير الأضرار البيئية على الأطفال

 

يؤدي تلوث الهواء إلى حدوث حوالي 600 ألف حالة وفاة سنوياً في أوساط الأطفال دون سن الخامسة. ويعاني عدد لا يحصى من الأطفال من أمراض وإعاقات غالباً ما تكون لها آثار تستمر مدى الحياة. وهناك الكثير من الأسباب التي تجعل الأطفال أكثر عرضة لتلوث الهواء من البالغين، منها سهولة انسداد الشعب الهوائية الصغيرة لديهم بسبب الالتهابات، كما أنهم يتنفسون بسرعة أكبر فتكون جرعة الهواء أعلى لكل وحدة من وحدات وزن الجسم. وهم أكثر عرضة للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي وأقل قدرة على مقاومتها لأن نظامهم المناعي لا يزال في طور النمو.

يحدث تلوث الهواء المحيط  بسبب المصانع والمركبات، أما تلوث الهواء في المنازل فيحدث أساساً بسبب استخدام الخشب والفحم وغيرهما من أنواع الوقود الصلب لأغراض الطهي والتدفئة. وتعيش الغالبية العظمى من الأطفال، حوالي 2 بليون طفل، في مناطق تكون نسبة التلوث فيها أعلى من معيار منظمة الصحة العالمية للمواد الجسيمية، ويعيش 300 مليون طفل في مناطق يكون تلوث الهواء المحيط فيها أعلى ست مرات من المعايير الدولية.  وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن تلوث الهواء المحيط وهواء المنازل يتسبب في أكثر من نصف حالات التهابات الجهاز التنفسي، مثل الالتهاب الرئوي والتهاب القصبات الهوائية، بالنسبة للأطفال دون سن الخامسة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وأشارت إلى أن التهابات الجهاز التنفسي السفلي تسببت في 15.5 في المائة من وفيات الأطفال دون سن الخامسة عام 2015 .

يعاني الأطفال الذين ينجون من التعرض لتلوث الهواء في سن مبكرة طوال حياتهم، فهو قد يؤدي إلى اضطراب نموهم البدني والإدراكي ويجعلهم أكثر عرضة لسرطان الرئة والربو وغير ذلك من أمراض الجاز التنفسي والأمراض القلبية الوعائية. ويبدأ الضرر الناجم عن تلوث الهواء قبل الولادة. وقد ذكر المقرر الخاص المعني بالمواد والنفايات الخطرة أن الطفل غالباً ما يولد وهو يعاني من “تلوث مسبق” بسبب تعرض الأم لملوثات أثناء الحمل، ما يؤدي إلى ولادات الخُدّج، ونقص الوزن عند الولادة، وإجهاض الجنين.

يؤدي تلوث المياه الناجم أساساً عن ممارسات غير صحية إلى الإصابة بأمراض الإسهال التي تتسبب سنوياً في وفاة أكثر من350 ألف طفل دون سن الخامسة. كما يتسبب تلوث المياه في الأمراض المعوية والطفيلية مثل البلهارسيا، والتي تؤثر بشكل خطير على النمو البدني والإدراكي للأطفال. وهذه الإصابات، بالإضافة إلى الإسهال، تعوق وظائف الجهاز الهضمي وتمنع امتصاص المغذيات الأساسية للنمو. كما يؤدي عدم الحصول على المياه الآمنة إلى زيادة حالات الإصابة بأمراض أخرى، بما في ذلك التراخوما، وهي من أسباب فقدان البصر التي يمكن الوقاية منها. وبصورة أعم، فإن المياه غير المأمونة تساهم في مشكلة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية والتقزم في أوساط الأطفال. وأشارت اليونيسيف في عام 2013 إلى أن حوالي 165 مليون طفل دون الخامسة يعانون من التقزم بسبب عدم كفاية التغذية والمياه غير الآمنة وانعدام الصرف الصحي. والأطفال المصابين بالتقزم لا تكون قامتهم قصيرة بالنسبة لأعمارهم فحسب؛ بل يعانون من مشاكل صحية طوال حياتهم، بما يشمل ضعف مناعتهم وتدني نموهم العقلي.

يكون الأطفال عرضة للخطر بشكل خاص من تلوث المياه، شأنه شأن تلوث الهواء، لأن أجسادهم تكون في طور النمو. وبالإضافة إلى ذلك، فهم أكثر استهلاكاً للماء من البالغين مقارنة بأوزانهم، وتمتص أجسادهم جرعات أكبر من بعض المواد الكيميائية المنقولة عن طريق المياه. ويمضي الأطفال وقتاً أطول من البالغين في اللعب داخل برك المياه، وهم أقل قدرة من البالغين على معرفة المخاطر البيئية والتصرف حيالها.

 

المواد الكيميائية والمواد السامة والنفايات

يتناول المقرر الخاص المعني بمسألة المواد والنفايات الخطرة في تقريره لعام 2016 الأضرار التي تلحق بالأطفال بسبب التعرض للمواد الكيميائية والمواد السامة والنفايات. ويقول إن عدد الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء والماء ليس سوى جزء من وباء صامت يتمثل في الإعاقات والأمراض، ومعظمها قد لا تظهر لسنوات أو عقود . وتزامنت الزيادة السريعة للمواد الكيميائية الخطرة في البيئة مع تزايد حالات الإصابة بالسرطان وداء السكر والربو، ضمن أمراض أخرى. وتم تحديد أكثر من 800 مادة كيميائية يُعرف أو يشتبه في أنها تعوق وظائف الغدد لدى البشر، ويكون نظام الغدد لدى البشر أكثر عرضة للتأثر أثناء فترات النمو، بما في ذلك في مرحلتي الطفولة المبكرة والمراهقة. ويبدأ تعرض الأطفال للمواد السامة قبل الولادة؛ وتم العثور على المئات من المواد الكيميائية الخطرة في أجسام الأطفال نتيجة لتعرض أمهاتهم، مما يسفر عن ولادة أطفال “ملوثين مسبقاً”.

وثمة آثار واضحة للتعرض على الرغم من صعوبة تتبع العلاقة بين التعرض لمادة سامة معينة والضرر الذي يلحق بالفرد، والسبب إلى حد كبير هو أن المعلومات المتعلقة بالتعرض لهذه المواد وآثارها عادة ما يكون غير مطلوب أو لا يُعمل به. فعلى سبيل المثال، يؤدي التسمم بالرصاص سنوياً إلى حدوث 600 ألف  إعاقة ذهنية دائمة في أوساط الأطفال، فعادة ما يستخدم الزئبق في قطاع التعدين الحرفي والتعدين على نطاق ضيق الذي يعمل فيه حوالي مليون طفل، وهذه المادة تسبب ضرراً دائماً للجهاز العصبي النامي للطفل، وتساهم في الإصابة بالأمراض القلبية والوعائية وأمراض أخرى. وعادة ما تُرسل الهواتف النقالة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية القديمة من بلدان مرتفعة الدخل إلى بلدان منخفضة الدخل. ويُستخدم الأطفال في كثير من الأحيان لانتزاع المكونات القيمة من هذه المنتجات دون استخدام معدات وقائية، فيتعرضون لمواد سامة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والكروم والزرنيخ.

وتعد مبيدات الآفات من مصادر الأضرار المتزايدة الأخرى، وكان ذلك موضوع تقرير مشترك صدر في الآونة الأخيرة عن المقرر الخاص المعني بمسألة المواد والنفايات الخطرة، والمقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء. وأشار المقرران إلى أن البحوث الجديدة تُظهِر أن التعرض للمبيدات حتى بمستويات منخفضة، وذلك على سبيل المثال من خلال انجرافها بفعل الرياح أو ما يتبقى منها في الأغذية، قد يكون بالغ الضرر بصحة الأطفال، ويعوق نموهم العقلي والفسيولوجي ويمكن أن يؤدي إلى أمراض واضطرابات دائمة. وآثار المبيدات والمواد الكيميائية التي يحدث تناولها بطرق أخرى، بما في ذلك عن طريق الغذاء، قد تشمل الإصابة بالربو والسرطان والأضرار التي تلحق بالجهاز العصبي.

 

فقدان التنوع البيولوجي والوصول إلى الموارد الطبيعة

 

التنوع البيولوجي ضروري لوجود نظم إيكولوجية صحية، وهي ضرورية بدورها من أجل التمتع الكامل بحقوق الإنسان. وعلى الرغم من اعتماد جميع البشر على النظم الإيكولوجية، فإن بعضهم يعتمد عليها بصورة مباشرة أكثر من غيرهم. فالشعوب الأصلية والمجتمعات التقليدية التي تعتمد على الغابات ومصائد الأسماك والنظم الإيكولوجية الطبيعية الأخرى في تأمين سبل العيش وفي الحياة الثقافية تعاني على نحو غير متناسب عند تدمير أو تدهور النظم الإيكولوجية. وبصورة أعم، يتأثر الكثير من الأطفال في جميع أنحاء العالم بسبب تناقص التنوع البيولوجي وفقدان إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية. ومن المهم حدوث تفاعل مع التنوع الجرثومي من أجل تطوير نظم مناعية صحية، وفقدان هذا التنوع الجرثومي يؤدي على ما يبدو إلى جعل أمراض المناعة الذاتية واضطرابات الحساسية وغيرها من أمراض الالتهابات غير السارية أكثر انتشاراً في جميع أنحاء العالم. والتعرض للطبيعة له كذلك آثار مفيدة على الصحة العقلية، ولكن الكثير من الأطفال، ولا سيما في الأوساط الحضرية، يكون تفاعلهم مع البيئة الطبيعية ضئيلاً أو منعدماً.

 

حقوق الأجيال المقبلة

الاتفاقات البيئية الدولية والإعلانات المتعلقة بالتنمية المستدامة كثيراً ما تعبر عن القلق إزاء آثار الأضرار البيئية على الأجيال المقبلة. وفي واقع الأمر، فإن تعريف التنمية المستدامة هو “التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها”. ومع ذلك، فإن قانون حقوق الإنسان لا يعرّف حقوق الأجيال المقبلة أو التزامات الدول تجاهها. ومن المفهوم أن السياسات البيئية والإنمائية الدولية وقانون حقوق الإنسان يتخذ كل منها نهجاً مختلفاً إزاء المسائل المتعلقة بالأجيال المقبلة. وفيما تهتم السياسات بتداعيات القرارات المتخذة حالياً في الأمدين الطويل والقصير، فإن قانون حقوق الإنسان يستند أساساً إلى حقوق الأفراد. ومن الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تحديد حقوق أفراد لم يولدوا بعد.

بيد أن الاختلاف بين الأجيال الحاضرة والمقبلة أقل مما يبدو في بعض الأحيان. والنقاشات إزاء الأجيال المقبلة والتنمية المستدامة تركز في كثير من الأحيان على حالة البيئة خلال سنوات معينة قادمة، مثل عام 2030 أو 2100. فكثير من البشر الذين سيكونون على قيد الحياة في عام 2100 لم يولدوا بعد، وبهذا المعنى فإن الأمر يتعلق بأجيال مقبلة. ولكن يوجد على قيد الحياة اليوم كثير من البشر الذين سيعاصرون تلك الفترة. فعلى سبيل المثال، الطفل الذي يولد  في عام 2018، وسيبدأ القرن القادم قبل بلوغهما سن الـ 82. وعلاوة على ذلك، فإن الخط الفاصل بين الأجيال المقبلة وأطفال اليوم يتحول كلما يولد طفل جديد ويصبح من حقه التمتع بجميع الاستحقاقات المتعلقة بحقوق الإنسان. ولذلك، فإن المناقشات بشأن الأجيال المقبلة ينبغي أن تراعي حقوق الأطفال الذين يولدون أو من ولد منهم بالفعل على ظهر هذا الكوكب.

 

الاستنتاجات والتوصيات

يقول المقرر الخاص في خلاصة تقريره انه يتوجب على الدول أن تفعل المزيد من أجل احترام وحماية وإعمال حقوق الطفل التي تتأثر بالأضرار البيئية. وتحقيقاً لهذه الغاية، تضمن تقريره عدداً من التوصيات المحددة التي تستند إلى أعمال المقررين الخاصين الآخرين، ولجنة حقوق الطفل، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، واليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية، والعديد من الجهات الأخرى.

وفيما يتعلق بالحقوق التربوية والإجرائية للأطفال، ينبغي للدول القيام، في جملة أمور أخرى، بما يلي:

(أ)     التأكد من أن البرامج التعليمية تعزز فهم الأطفال للقضايا البيئية وقدرتهم على التصدي للتحديات البيئية؛

(ب)   ضمان تقييم آثار التدابير المقترحة على حقوق الطفل قبل تنفيذ التدابير أو الموافقة عليها؛

(ج)   جمع المعلومات عن مصادر الأضرار البيئية التي تمس الأطفال ونشرها وإتاحتها لعامة الناس؛

(د)    تيسير مشاركة الأطفال في عمليات صنع القرارات المتعلقة بالبيئية، وحمايتهم من التعرض للانتقام بسبب مشاركتهم أو الإعراب عن آرائهم بشأن المسائل البيئية؛

(ه)    إزالة الحواجز التي تواجه الأطفال في اللجوء إلى العدالة عند وقوع أضرار بيئية تحول دون تمتعهم الكامل بحقوق الإنسان.

 

وعلى الدول أيضاً التزامات كبيرة باتخاذ تدابير أساسية فعلية لحماية الأطفال من الأضرار البيئية، بما في ذلك ضمان أن تمثل مصالح الطفل الفضلى الاهتمام الأساسي في جميع عمليات صنع القرار التي قد تتسبب في وقوع هذه الأضرار البيئية. وينبغي على وجه الخصوص أن تعتمد الدول وتنفذ معايير بيئية تتسق مع أفضل المعارف العلمية المتاحة والمعايير الدولية ذات الصلة بالصحة والسلامة، كما ينبغي ألا تتخذ تدابير تراجعية وأن تتخذ إجراءات تحوطية للحماية من الأضرار البيئية، ولا سيما عند احتمال حدوث ضرر جسيم أو لا يمكن تداركه.

وفي ضوء ذلك، ينبغي للدول أن تنظر وتنفّذ، حيثما أمكن، التوصيات الصادرة عن الوكالات المتخصصة بشأن اتخاذ تدابير محددة لحماية صحة الأطفال ورفاههم من الأضرار البيئية. وأن تتعاون من أجل معالجة آثار الأضرار البيئية على حقوق الأطفال، بما في ذلك عن طريق تبادل المعلومات عن سمية وخصائص المواد الكيميائية والمنتجات الأخرى، والتأكد من أن التجارة الدولية في المواد الكيميائية ومعالجة النفايات متوافقة تماماً مع المعاهدات البيئية ذات الصلة.

وفيما يتعلق بأنشطة المؤسسات التجارية العاملة في أكثر من دولة، ينبغي للدول المعنية أن تتعاون من أجل كفالة امتثال جميع المؤسسات التجارية للقوانين البيئية المطبقة، بما في ذلك توفير سبل انتصاف فعالة لضحايا الأضرار البيئية التي يُدعى أنها ناجمة عن أنشطتها، وذلك أمام محاكم الدول التي تعمل فيها هذه المؤسسات والدول التي تعرض فيها الضحايا للأضرار.

وينبغي للدول أن تكفل للأطفال، ولا سيما الضعفاء منهم، التمتع بحقوق الإنسان المكفولة لهم على قدم المساواة مع غيرهم، وأن تكفل عدم تأثرهم بالأضرار البيئية بصورة غير متناسبة، بما في ذلك عن طريق التأكد من أن إجراءات تقييم الآثار تراعي بشكل تام تبعات السياسات والبرامج والمشاريع المقترحة على الأطفال الأكثر تعرضاً للخطر.

ويتعين على الدول التي لم تنضم بعد إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، والدول التي لم تصدق بعد على اتفاقية حقوق الطفل، أن تفعل ذلك دون مزيد من التأخير.

وينبغي للآليات المالية الدولية التأكد من أن المشاريع التي تدعمها لا تتسبب في حدوث أضرار بيئية تؤثر سلباً على حقوق الأطفال، وذلك عن طريق إدراج أساليب حماية مناسبة في ضماناتها الاجتماعية والبيئية. كما وينبغي لمؤسسات الأعمال التجارية أن تحمي حقوق الأطفال من الأضرار البيئية الناجمة عن أنشطتها، بما في ذلك عن طريق إجراء تقييمات للأثر البيئي وحقوق الإنسان تدرس آثار الإجراءات المقترحة على الأطفال، والامتثال الكامل للمبادئ التوجيهية المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، واحترام المبادئ المتعلقة بحقوق الطفل والأعمال التجارية.

 

 

 

تتسارع وتيرة الربط بين حقوق الإنسان والبيئة، فالبيئة الصحية مهمة بشكل أساسي في التمتع بحقوق الإنسان كما أن ممارسة حقوق الإنسان أمر ضروري من أجل بيئة صحية.

آخر التقارير الدولية التي تؤكد على هذا الترابط ، صدر قبل اسبوع عن المقرر الخاص المعني بمسألة التزامات حقوق الإنسان المتعلقة بالتمتع ببيئة آمنة ونظيفة وصحية ومستدامة،  جون نوكس، الذي يتناول فيه الصلة بين حقوق الطفل وحماية البيئة، ويتناول الأضرار البيئية وكيفية حرمانها الأطفال من التمتع بحقوق الإنسان المكفولة لهم، والتزامات الدول بحماية الأطفال من هذا الضرر. كما قدم نوكس تقريراًآخراً حول وضع “مبادئ إطارية” لحقوق الإنسان والبيئة، عرض على مجلس حقوق الإنسان في في دورته السابعة والثلاثين المنعقدة في جنيف والتي اختتمت اعمالها في 23 آذار 2018.

 

الاتفاقيات الدولية ذات الصلة

تطلب اتفاقية حقوق الطفل، التي اعتمدت عام 1989، إلى الأطراف الحرص على التطبيق التام لحق الطفل في الصحة باتخاذ تدابير تشمل مكافحة الأمراض وسوء التغذية عن طريق “توفير الأغذية المغذية الكافية ومياه الشرب النقية، آخذة في اعتبارها أخطار تلوث البيئة ومخاطره. وفي الإعلان العالمي المتعلق ببقاء الطفل وحمايته ونمائه، المعتمد في مؤتمر القمة العالمي للأطفال عام 1990، أقرت الدول بأن ملايين الأطفال يعانون من تدهور البيئة، والتزمت بالعمل المشترك من أجل اتخاذ تدابير لحماية البيئة على جميع المستويات، حتى يتسنى لجميع الأطفال التمتع بمستقبل أكثر أماناً وأوفر صحة. أما برنامج العمل العالمي للشباب حتى سنة 2000 وما بعدها، الذي اعتمد عام1995، فيشتمل على مبادرات بيئية محددة ويشير إلى أن تنفيذ برنامج العمل يتطلب تمتع الشباب تمتعاً كاملاً بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وأكدت الدول مجدداً أهمية حماية البيئة في الوثيقة المعنونة “عالم صالح للأطفال”  المعتمدة عام 2002، والتي ينص أحد مبادئها وأهدافها العشرة على “حماية الأرض من أجل الأطفال.

على الصعيد الوطني، اعتمدت دولة بوليفيا المتعددة القوميات والسلفادور والمكسيك وباراغواي تشريعات تعترف بحق الطفل في بيئة صحيحة ومراعية للنظم الإيكولوجية ومستدامة. واعتمدت الدانمرك وسلوفينيا تدابير لحماية صحة الأطفال من التدهور البيئي والمواد الكيميائية. وتستخدم صربيا وسائط الإعلام لتوعية الأطفال بالقضايا البيئية، وتشجع ألمانيا الأطفال على المشاركة في المبادرات البيئية. وهناك كثير من الدول التي اتخذت تدابير لتحسين تثقيف الأطفال في مجال البيئية، بما فيها أذربيجان وأستراليا وجورجيا والسلفادور وسويسرا وفرنسا والفلبين.

 

 آثار تغير المناخ على حقوق الطفل

ينبه مجلس حقوق الإنسانبشكل دائم إلى آثار تغير المناخ على حقوق الطفل. وقد سلّم في قراره 32/33 بأن الأطفال من الفئات الأشد تأثراً بتغير المناخ، الذي تترتب عليه آثار خطيرة فيما يتعلق بتحقيق أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية والحصول على التعليم والغذاء الكافي والسكن اللائق والماء الصالح للشرب وخدمات الصرف الصحي، ويؤكد في قراره 35/20 أن تغير المناخ يؤثر بصورة أكبر على بعض الأطفال، مثل الأطفال ذوي الإعاقة، والأطفال المتنقلين، والأطفال الذين يعيشون ظروف الفقر، والأطفال المنفصلين عن أسرهم، وأطفال الشعوب الأصلية. ويدعو المجلس في قراره 32/33 الدول إلى مواصلة التعاون والمساعدة الدوليين في مجال تدابير التكيف وتعزيزها لمساعدة البلدان النامية، ولا سيما تلك المعرضة بصفة خاصة للآثار الضارة الناجمة عن تغير المناخ، والأشخاص الضعفاء الحال، بمن فيهم الأطفال الأكثر عرضة للخطر.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ خبراء حقوق الإنسان النظر عن كثب في أثر الضرر البيئي على التمتع بحقوق الطفل. ففي عام 2015، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تقريراً عن آثار تغير المناخ على الأطفال. وفي آب 2016، أصدر المقرر الخاص المعني بالآثار المترتبة في مجال حقوق الإنسان على إدارة المواد والنفايات الخطرة والتخلص منها بطريقة سليمة بيئياً والتخلص من المواد والنفايات الخطرة، باسكوت تونكاك، تقريراً يتناول “الوباء الصامت” المتمثل في الإعاقة والأمراض المرتبطة بتعرض الأطفال للمواد السمية والتلوث، ويوضح التزامات الدول ومسؤوليات المؤسسات التجارية عن توفير الحماية من هذا التعرض. وبطلب من مجلس حقوق الإنسان، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريراً في أيار2017 بشأن العلاقة بين تغير المناخ وحقوق الطفل. كما تولي لجنة حقوق الطفل اهتماماً متزايداً للعلاقة بين حماية البيئة وحقوق الطفل.

 

 

        تأثير الأضرار البيئية على الأطفال

 

يؤدي تلوث الهواء إلى حدوث حوالي 600 ألف حالة وفاة سنوياً في أوساط الأطفال دون سن الخامسة. ويعاني عدد لا يحصى من الأطفال من أمراض وإعاقات غالباً ما تكون لها آثار تستمر مدى الحياة. وهناك الكثير من الأسباب التي تجعل الأطفال أكثر عرضة لتلوث الهواء من البالغين، منها سهولة انسداد الشعب الهوائية الصغيرة لديهم بسبب الالتهابات، كما أنهم يتنفسون بسرعة أكبر فتكون جرعة الهواء أعلى لكل وحدة من وحدات وزن الجسم. وهم أكثر عرضة للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي وأقل قدرة على مقاومتها لأن نظامهم المناعي لا يزال في طور النمو.

يحدث تلوث الهواء المحيط  بسبب المصانع والمركبات، أما تلوث الهواء في المنازل فيحدث أساساً بسبب استخدام الخشب والفحم وغيرهما من أنواع الوقود الصلب لأغراض الطهي والتدفئة. وتعيش الغالبية العظمى من الأطفال، حوالي 2 بليون طفل، في مناطق تكون نسبة التلوث فيها أعلى من معيار منظمة الصحة العالمية للمواد الجسيمية، ويعيش 300 مليون طفل في مناطق يكون تلوث الهواء المحيط فيها أعلى ست مرات من المعايير الدولية.  وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن تلوث الهواء المحيط وهواء المنازل يتسبب في أكثر من نصف حالات التهابات الجهاز التنفسي، مثل الالتهاب الرئوي والتهاب القصبات الهوائية، بالنسبة للأطفال دون سن الخامسة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وأشارت إلى أن التهابات الجهاز التنفسي السفلي تسببت في 15.5 في المائة من وفيات الأطفال دون سن الخامسة عام 2015 .

يعاني الأطفال الذين ينجون من التعرض لتلوث الهواء في سن مبكرة طوال حياتهم، فهو قد يؤدي إلى اضطراب نموهم البدني والإدراكي ويجعلهم أكثر عرضة لسرطان الرئة والربو وغير ذلك من أمراض الجاز التنفسي والأمراض القلبية الوعائية. ويبدأ الضرر الناجم عن تلوث الهواء قبل الولادة. وقد ذكر المقرر الخاص المعني بالمواد والنفايات الخطرة أن الطفل غالباً ما يولد وهو يعاني من “تلوث مسبق” بسبب تعرض الأم لملوثات أثناء الحمل، ما يؤدي إلى ولادات الخُدّج، ونقص الوزن عند الولادة، وإجهاض الجنين.

يؤدي تلوث المياه الناجم أساساً عن ممارسات غير صحية إلى الإصابة بأمراض الإسهال التي تتسبب سنوياً في وفاة أكثر من350 ألف طفل دون سن الخامسة. كما يتسبب تلوث المياه في الأمراض المعوية والطفيلية مثل البلهارسيا، والتي تؤثر بشكل خطير على النمو البدني والإدراكي للأطفال. وهذه الإصابات، بالإضافة إلى الإسهال، تعوق وظائف الجهاز الهضمي وتمنع امتصاص المغذيات الأساسية للنمو. كما يؤدي عدم الحصول على المياه الآمنة إلى زيادة حالات الإصابة بأمراض أخرى، بما في ذلك التراخوما، وهي من أسباب فقدان البصر التي يمكن الوقاية منها. وبصورة أعم، فإن المياه غير المأمونة تساهم في مشكلة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية والتقزم في أوساط الأطفال. وأشارت اليونيسيف في عام 2013 إلى أن حوالي 165 مليون طفل دون الخامسة يعانون من التقزم بسبب عدم كفاية التغذية والمياه غير الآمنة وانعدام الصرف الصحي. والأطفال المصابين بالتقزم لا تكون قامتهم قصيرة بالنسبة لأعمارهم فحسب؛ بل يعانون من مشاكل صحية طوال حياتهم، بما يشمل ضعف مناعتهم وتدني نموهم العقلي.

يكون الأطفال عرضة للخطر بشكل خاص من تلوث المياه، شأنه شأن تلوث الهواء، لأن أجسادهم تكون في طور النمو. وبالإضافة إلى ذلك، فهم أكثر استهلاكاً للماء من البالغين مقارنة بأوزانهم، وتمتص أجسادهم جرعات أكبر من بعض المواد الكيميائية المنقولة عن طريق المياه. ويمضي الأطفال وقتاً أطول من البالغين في اللعب داخل برك المياه، وهم أقل قدرة من البالغين على معرفة المخاطر البيئية والتصرف حيالها.

 

المواد الكيميائية والمواد السامة والنفايات

يتناول المقرر الخاص المعني بمسألة المواد والنفايات الخطرة في تقريره لعام 2016 الأضرار التي تلحق بالأطفال بسبب التعرض للمواد الكيميائية والمواد السامة والنفايات. ويقول إن عدد الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء والماء ليس سوى جزء من وباء صامت يتمثل في الإعاقات والأمراض، ومعظمها قد لا تظهر لسنوات أو عقود . وتزامنت الزيادة السريعة للمواد الكيميائية الخطرة في البيئة مع تزايد حالات الإصابة بالسرطان وداء السكر والربو، ضمن أمراض أخرى. وتم تحديد أكثر من 800 مادة كيميائية يُعرف أو يشتبه في أنها تعوق وظائف الغدد لدى البشر، ويكون نظام الغدد لدى البشر أكثر عرضة للتأثر أثناء فترات النمو، بما في ذلك في مرحلتي الطفولة المبكرة والمراهقة. ويبدأ تعرض الأطفال للمواد السامة قبل الولادة؛ وتم العثور على المئات من المواد الكيميائية الخطرة في أجسام الأطفال نتيجة لتعرض أمهاتهم، مما يسفر عن ولادة أطفال “ملوثين مسبقاً”.

وثمة آثار واضحة للتعرض على الرغم من صعوبة تتبع العلاقة بين التعرض لمادة سامة معينة والضرر الذي يلحق بالفرد، والسبب إلى حد كبير هو أن المعلومات المتعلقة بالتعرض لهذه المواد وآثارها عادة ما يكون غير مطلوب أو لا يُعمل به. فعلى سبيل المثال، يؤدي التسمم بالرصاص سنوياً إلى حدوث 600 ألف  إعاقة ذهنية دائمة في أوساط الأطفال، فعادة ما يستخدم الزئبق في قطاع التعدين الحرفي والتعدين على نطاق ضيق الذي يعمل فيه حوالي مليون طفل، وهذه المادة تسبب ضرراً دائماً للجهاز العصبي النامي للطفل، وتساهم في الإصابة بالأمراض القلبية والوعائية وأمراض أخرى. وعادة ما تُرسل الهواتف النقالة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية القديمة من بلدان مرتفعة الدخل إلى بلدان منخفضة الدخل. ويُستخدم الأطفال في كثير من الأحيان لانتزاع المكونات القيمة من هذه المنتجات دون استخدام معدات وقائية، فيتعرضون لمواد سامة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والكروم والزرنيخ.

وتعد مبيدات الآفات من مصادر الأضرار المتزايدة الأخرى، وكان ذلك موضوع تقرير مشترك صدر في الآونة الأخيرة عن المقرر الخاص المعني بمسألة المواد والنفايات الخطرة، والمقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء. وأشار المقرران إلى أن البحوث الجديدة تُظهِر أن التعرض للمبيدات حتى بمستويات منخفضة، وذلك على سبيل المثال من خلال انجرافها بفعل الرياح أو ما يتبقى منها في الأغذية، قد يكون بالغ الضرر بصحة الأطفال، ويعوق نموهم العقلي والفسيولوجي ويمكن أن يؤدي إلى أمراض واضطرابات دائمة. وآثار المبيدات والمواد الكيميائية التي يحدث تناولها بطرق أخرى، بما في ذلك عن طريق الغذاء، قد تشمل الإصابة بالربو والسرطان والأضرار التي تلحق بالجهاز العصبي.

 

فقدان التنوع البيولوجي والوصول إلى الموارد الطبيعة

 

التنوع البيولوجي ضروري لوجود نظم إيكولوجية صحية، وهي ضرورية بدورها من أجل التمتع الكامل بحقوق الإنسان. وعلى الرغم من اعتماد جميع البشر على النظم الإيكولوجية، فإن بعضهم يعتمد عليها بصورة مباشرة أكثر من غيرهم. فالشعوب الأصلية والمجتمعات التقليدية التي تعتمد على الغابات ومصائد الأسماك والنظم الإيكولوجية الطبيعية الأخرى في تأمين سبل العيش وفي الحياة الثقافية تعاني على نحو غير متناسب عند تدمير أو تدهور النظم الإيكولوجية. وبصورة أعم، يتأثر الكثير من الأطفال في جميع أنحاء العالم بسبب تناقص التنوع البيولوجي وفقدان إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية. ومن المهم حدوث تفاعل مع التنوع الجرثومي من أجل تطوير نظم مناعية صحية، وفقدان هذا التنوع الجرثومي يؤدي على ما يبدو إلى جعل أمراض المناعة الذاتية واضطرابات الحساسية وغيرها من أمراض الالتهابات غير السارية أكثر انتشاراً في جميع أنحاء العالم. والتعرض للطبيعة له كذلك آثار مفيدة على الصحة العقلية، ولكن الكثير من الأطفال، ولا سيما في الأوساط الحضرية، يكون تفاعلهم مع البيئة الطبيعية ضئيلاً أو منعدماً.

 

حقوق الأجيال المقبلة

الاتفاقات البيئية الدولية والإعلانات المتعلقة بالتنمية المستدامة كثيراً ما تعبر عن القلق إزاء آثار الأضرار البيئية على الأجيال المقبلة. وفي واقع الأمر، فإن تعريف التنمية المستدامة هو “التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها”. ومع ذلك، فإن قانون حقوق الإنسان لا يعرّف حقوق الأجيال المقبلة أو التزامات الدول تجاهها. ومن المفهوم أن السياسات البيئية والإنمائية الدولية وقانون حقوق الإنسان يتخذ كل منها نهجاً مختلفاً إزاء المسائل المتعلقة بالأجيال المقبلة. وفيما تهتم السياسات بتداعيات القرارات المتخذة حالياً في الأمدين الطويل والقصير، فإن قانون حقوق الإنسان يستند أساساً إلى حقوق الأفراد. ومن الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تحديد حقوق أفراد لم يولدوا بعد.

بيد أن الاختلاف بين الأجيال الحاضرة والمقبلة أقل مما يبدو في بعض الأحيان. والنقاشات إزاء الأجيال المقبلة والتنمية المستدامة تركز في كثير من الأحيان على حالة البيئة خلال سنوات معينة قادمة، مثل عام 2030 أو 2100. فكثير من البشر الذين سيكونون على قيد الحياة في عام 2100 لم يولدوا بعد، وبهذا المعنى فإن الأمر يتعلق بأجيال مقبلة. ولكن يوجد على قيد الحياة اليوم كثير من البشر الذين سيعاصرون تلك الفترة. فعلى سبيل المثال، الطفل الذي يولد  في عام 2018، وسيبدأ القرن القادم قبل بلوغهما سن الـ 82. وعلاوة على ذلك، فإن الخط الفاصل بين الأجيال المقبلة وأطفال اليوم يتحول كلما يولد طفل جديد ويصبح من حقه التمتع بجميع الاستحقاقات المتعلقة بحقوق الإنسان. ولذلك، فإن المناقشات بشأن الأجيال المقبلة ينبغي أن تراعي حقوق الأطفال الذين يولدون أو من ولد منهم بالفعل على ظهر هذا الكوكب.

 

الاستنتاجات والتوصيات

يقول المقرر الخاص في خلاصة تقريره انه يتوجب على الدول أن تفعل المزيد من أجل احترام وحماية وإعمال حقوق الطفل التي تتأثر بالأضرار البيئية. وتحقيقاً لهذه الغاية، تضمن تقريره عدداً من التوصيات المحددة التي تستند إلى أعمال المقررين الخاصين الآخرين، ولجنة حقوق الطفل، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، واليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية، والعديد من الجهات الأخرى.

وفيما يتعلق بالحقوق التربوية والإجرائية للأطفال، ينبغي للدول القيام، في جملة أمور أخرى، بما يلي:

(أ)     التأكد من أن البرامج التعليمية تعزز فهم الأطفال للقضايا البيئية وقدرتهم على التصدي للتحديات البيئية؛

(ب)   ضمان تقييم آثار التدابير المقترحة على حقوق الطفل قبل تنفيذ التدابير أو الموافقة عليها؛

(ج)   جمع المعلومات عن مصادر الأضرار البيئية التي تمس الأطفال ونشرها وإتاحتها لعامة الناس؛

(د)    تيسير مشاركة الأطفال في عمليات صنع القرارات المتعلقة بالبيئية، وحمايتهم من التعرض للانتقام بسبب مشاركتهم أو الإعراب عن آرائهم بشأن المسائل البيئية؛

(ه)    إزالة الحواجز التي تواجه الأطفال في اللجوء إلى العدالة عند وقوع أضرار بيئية تحول دون تمتعهم الكامل بحقوق الإنسان.

 

وعلى الدول أيضاً التزامات كبيرة باتخاذ تدابير أساسية فعلية لحماية الأطفال من الأضرار البيئية، بما في ذلك ضمان أن تمثل مصالح الطفل الفضلى الاهتمام الأساسي في جميع عمليات صنع القرار التي قد تتسبب في وقوع هذه الأضرار البيئية. وينبغي على وجه الخصوص أن تعتمد الدول وتنفذ معايير بيئية تتسق مع أفضل المعارف العلمية المتاحة والمعايير الدولية ذات الصلة بالصحة والسلامة، كما ينبغي ألا تتخذ تدابير تراجعية وأن تتخذ إجراءات تحوطية للحماية من الأضرار البيئية، ولا سيما عند احتمال حدوث ضرر جسيم أو لا يمكن تداركه.

وفي ضوء ذلك، ينبغي للدول أن تنظر وتنفّذ، حيثما أمكن، التوصيات الصادرة عن الوكالات المتخصصة بشأن اتخاذ تدابير محددة لحماية صحة الأطفال ورفاههم من الأضرار البيئية. وأن تتعاون من أجل معالجة آثار الأضرار البيئية على حقوق الأطفال، بما في ذلك عن طريق تبادل المعلومات عن سمية وخصائص المواد الكيميائية والمنتجات الأخرى، والتأكد من أن التجارة الدولية في المواد الكيميائية ومعالجة النفايات متوافقة تماماً مع المعاهدات البيئية ذات الصلة.

وفيما يتعلق بأنشطة المؤسسات التجارية العاملة في أكثر من دولة، ينبغي للدول المعنية أن تتعاون من أجل كفالة امتثال جميع المؤسسات التجارية للقوانين البيئية المطبقة، بما في ذلك توفير سبل انتصاف فعالة لضحايا الأضرار البيئية التي يُدعى أنها ناجمة عن أنشطتها، وذلك أمام محاكم الدول التي تعمل فيها هذه المؤسسات والدول التي تعرض فيها الضحايا للأضرار.

وينبغي للدول أن تكفل للأطفال، ولا سيما الضعفاء منهم، التمتع بحقوق الإنسان المكفولة لهم على قدم المساواة مع غيرهم، وأن تكفل عدم تأثرهم بالأضرار البيئية بصورة غير متناسبة، بما في ذلك عن طريق التأكد من أن إجراءات تقييم الآثار تراعي بشكل تام تبعات السياسات والبرامج والمشاريع المقترحة على الأطفال الأكثر تعرضاً للخطر.

ويتعين على الدول التي لم تنضم بعد إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، والدول التي لم تصدق بعد على اتفاقية حقوق الطفل، أن تفعل ذلك دون مزيد من التأخير.

وينبغي للآليات المالية الدولية التأكد من أن المشاريع التي تدعمها لا تتسبب في حدوث أضرار بيئية تؤثر سلباً على حقوق الأطفال، وذلك عن طريق إدراج أساليب حماية مناسبة في ضماناتها الاجتماعية والبيئية. كما وينبغي لمؤسسات الأعمال التجارية أن تحمي حقوق الأطفال من الأضرار البيئية الناجمة عن أنشطتها، بما في ذلك عن طريق إجراء تقييمات للأثر البيئي وحقوق الإنسان تدرس آثار الإجراءات المقترحة على الأطفال، والامتثال الكامل للمبادئ التوجيهية المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، واحترام المبادئ المتعلقة بحقوق الطفل والأعمال التجارية.

 

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!