كي لا يكون الرقم وجهة نظر

 

أقرّت الحكومة اللبنانية قانوناً جديداً للإنتخابات النيابية، يعتمد النظام النسبي وتقسيم لبنان إلى 15 دائرة إنتخابية، إلى جانب إقرار الصوت التفضيلي على أساس القضاء (الدائرة الإدارية)، كذلك رفعت المادة 61 من القانون الجديد، سقف المبلغ المالي الأقصى، المسموح لكل مُرشّح إنفاقه أثناء فترة الحملة الإنتخابية.

أو بمعنى آخر شرّعت الدولة “المخالفات الإنتخابيّة”، التي تسود  وتتضاعف خلال هذه الفترة،  ووضعتها ضمن إطار قانونيّ يستخدمه المرشحين لتبرير وسائل وصولهم إلى السلطة، وإن كانوا في أغلب الأوقات لا يستحقونها، إلاّ أنّه في “دولة اللاقانون”، كل شيءٍ مسموح عدا وصول الشخص المناسب إلى المكان المناسب.

 

إنفاق ضخم

حسب تقديرات “الدولية للمعلومات”، فإنّ مجموع الإنفاق الذي يُجيزه القانون، يصل إلى  نحو 468 ملياراً و500 مليون ليرة، أي نحو 312 مليون دولار، وهناك إمكانية لمُضاعفة هذا المبلغ، إن كانت العملية الإنتخابية “حاميّة”.

ويعتبر هذا السقف للإنفاق الإنتخابي مرتفعاً  جدّاً وفق الخبراء الإنتخابيون، الذين يجمعون على عدم التكافؤ بين المرشحين القادرين على صرف هذه المبالغ، وغير القادرين على ذلك. الأمر الذي يقف عائقاً أمام إمكانيّة وصول كفاءات جديدة إلى السلطة.

وفي هذا الإطار، كان للـ “الإعمار والإقتصاد”  تواصل مع عدد من الخبراء  للوقوف عند رأيهم ، من ناحية قيمة هذا السقف ، أو من ناحية كيفية إستخدامه، خاصّة وأنّه يشّرع بصورة واضحة عملية شراء الأصوات.

 

شمس الدين: سقف مبالغ فيه

وفق الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، فإن المبلغ المرصود للإنفاق الإنتخابي مبالغ فيه، حيث يوضح في هذا السياق للـ الإعمار والإقتصاد، “أن السقف الإنتخابي المحدد، في القانون الجديد هو مرتفع. إذ أعطى  الحق لكل مرشح بإنفاق 150 مليون ليرة، و150 مليون ليرة كونه عضو في لائحة . بما معناه 300 مليون ليرة لكل مرشح، مع مبلغ متحرك هو عبارة عن 5000 آلاف ليرة، عن كل ناخب مسّجل في الدائرة الإنتخابية الكبرى”.

هذا الأمر يؤدي إلى صرف الكثير من الأموال، خاصة ضمن الدوائر الإنتخابية الكبرى، و هنا يوضح شمس الدين ” على سبيل المثال، قد يصل هذا الإنفاق في دائرة بيروت الثانية، إلى مليارين و66 مليون ليرة لبنانية. أما في  دائرة الشمال الثانية، قد يصل إلى نحو ملياري ليرة لبنانية. كذلك في دائرة الجنوب الثالثة، يصل إلى نحو مليارين و600 مليون ليرة لبنانية”.

يستطرد شمس الدين في الإطار عينه، “هذا المبلغ مسموح لكل مرشح، فمثلاً  إذا  تضمنت لائحة بيروت الثانية 11 مرشحاً ، هذا يعني أن كل اللائحة يحق لها بإنفاق  يصل لحدود 23 مليار ليرة، وهو يعتبر مبلغاً كبيراً”.

 

شراء الأصوات

تعتبرعملية شراء الأصوات، من المخالفات الشائعة خلال فترة الإنتخابات النيابيّة، لذلك فإن رفع السقف الإنتخابي، سيكون له عواقب مباشرة تتمثل في تعزيز هذه العملية.

هذا ما يؤكده شمس الدين بالقول “طبيعي  أن رفع سقف الإنفاق الإنتخابي، سيشّجع  على شراء الأصوات، لا سيما  أن القانون يعتبر، على سبيل المثال أن دفع نفاقات إنتقال الناخبين من مكان إلى آخر،  وإستقدام الناخبين من الخارج، هو عملية مشروعة”.

وبالرغم من الإحتياطات المتخذة للحد من هذه العملية، إلاّ أنّها تبدو غير كافية، وفق شمس الدين “فقد تحد الأوراق  المسبقة من شراء الأصوات،  لكن هذا لا يعني بالضرورة الإلتزام التام .  فبالطبع القانون يشجّع على شراء الأصوات ، لأن هناك إنفاقاً كبيراً جداً”.

من جهة ثانية،  لا تقتصر تداعيات الأمر عند هذا الحد، يتابع شمس الدين  “أن رفع سقف الإنفاق الإنتخابي يشكّل عقبة أمام وصول بعض المرشحين، فمن يملك المال يستطيع أن يدفع بعكس الذي يفتقره”.

من جهة ثانية، يمكن لرفع الإنفاق أن يلعب دوراً إيجابياً من خلال تحريك عجلة الإقتصاد، وهنا يوضح شمس الدين  “بمجرد أن يصبح هناك إنفاق على إقامة حفلات  وإعلانات، فإنّ ذلك يؤثر إيجابياً على الحركة الإقتصادية، إذ أن هناك 976 مرشحاُ ، مما يعني أنّ إنفاقهم الإنتخابي سيكون له أثراً إيجابيّاً على الإقتصاد”.

 

سليم: عدم تكافؤ للفرص

يجمع خبراء ومراقبي الإنتخابات النيابيّة، على إرتفاع سقف الإنفاق في القانون الجديد، وما ينتج عنه من تداعيات سلبيّة للناخب والمرشح على حد سواء. كما تؤكد الجمعيات المعنيّة بمراقبة نزاهة الإنتخابات.

إذ  يقول علي سليم الباحث في “الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات(LADE) ” ،للـ الإعمار والإقتصاد، “نحن  نعتبر من الأساس أن سقف الإنفاق الإنتخابي جدّاً عالي ،  وقد إرتفع هذا السقف في القانون الجديد،  بحيث أصبح بحدود مئة ألف دولار لكل مرشح، وسقف متحرك  هو عبارة عن 5000 آلاف ليرة ، عن كل ناخب موجود في الدائرة الكبرى للمرشح. كذلك  فإنّ القانون الجديد يحتّم على المرشح أن يكون منضوياً داخل لائحة كي يخوض الإنتخابات. وبالتالي يعطي القانون سقف 150 مليون ليرة لكل مرشح  موجود داخل اللائحة. وهكذا يصبح السقف لللائحة الواحدة ملايين الدولارات.”

يتابع “الأمر الذي يشّكل عدم تكافؤ للفرص بين المرشحين، حيث هناك إمكانية للبعض منهم، بأن يظهروا إعلامياً وإعلانياً أكثر بكثير من غيرهم “.

تعزيز الزبائينيّة السياسية

يستطرد سليم في السياق عينه، “هذا الأمر يدّل على عدّة مؤشرات هي أولاً، أن السقف الإنتخابي عالي جداً. ثانياً، يجب أن يكون هناك آلية واضحة لمراقبة الإنفاق الإنتخابي، من قبل هيئة الإشراف على الإنتخابات، وهذا الموضوع  تحديداً غير واضح من قبل هذه الهيئة ، التي من مهمتها مراقبة الإنفاق الإنتخابي”.

يضيف سليم “ثالثاً، ينص القانون على أن الجمعيات التابعة لأحد المرشحين أو الأحزاب، التي كانت تقدّم خدمات  بما لا يقل عن السنوات الثلاث الأخيرة، سواء أكانت الخدمات نقدية أوعينيّة،  تستطيع مواصلة تقديمها لهذه الخدمات. الأمر الذي يعزّز الزبائينيّة السياسية في ظل هذا القانون، خاصة في فترة الحملة الإنتخابية التي نمر بها حالياً”.

وفي الإطار عينه، يوضح سليم “هناك عدّة أنواع من هذه الخدمات، كصور الماموغرافي، الفحوصات الطبيّة، بونات بنزين، أو إعاشات. هذه كلها خدمات يعزّزها القانون، و هناك مادة صريحة تنص على هذا الموضوع، فيما تندرج هذه الخدمات ضمن الإنفاق الإنتخابي” .

في المقابل، يضيف سليم “هذا الأمر يؤدي إلى تعزيز الزبائينيّة السياسيّة  أولاً و ثانياً شراء الأصوات ، الذي يتعزّز خلال الحملات الإنتخابيّة. وهو قد يتم بطرق غير مباشرة،  كما ذكرنا من خلال الوعد بوظيفة، أو إعطاء عيّنة لإجراء فحوصات طبيّة  إلى الناخب أو أحد أقربائه. لذلك يبقى السؤال ما هي آلية مراقبة هذه الإنفاقات؟”.

 

رفع السريّة المصرفيّة

لا تقتصر صعوبات مراقبة نزاهة الإنتخابات عند هذا الحد، بل هناك العديد من العقبات التي تحول دون إمكانية مراقبتها بشفافية. ويقول سليم في هذا المجال،  “على سبيل المثال، فإن الحسابات الشخصيّة خاضعة للسرّية المصرفية، وهذا يدخل ضمن النظام المصرفي. غير أنّ  حسابات الحملات الإنتخابية غير خاضعة لهذه السريّة ، وبالتالي يمكن مراقبتها”.

يستطرد  “إلاّ أنّه يمكن للمرشح أن ينفق من حساباته الشخصيّة، وهذا يدخل ضمن الإنفاق. لذلك فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الآلية التي يجب إتباعها لمراقبة هذه الحسابات ، مما يعني أنّه يجب أيضاً مراقبة الحساب الشخصي”.

كذلك يعتبر رفع سقف الإنفاق، أحد مسببّات عدم التوازن في الفرص أمام جميع المرشحين، وبالتالي يشكّل عقبة أمام وصول البعض منهم، نظراً إلى إنخفاض سقف نفاقاتهم. هذا ما يؤكده سليم بالقول ” بالنسبة لنا فإن الدعاية الإنتخابية تؤثر كثيراً على خيارات المواطن، تحديداً المواطنين غير المدركين للمرشح الذي سينتخبوه، وهم يندرجون تحت خانة “الناخبين غير المحزّبين”، الذين يعتمدون على الدعايات الإنتخابية لتحديد خياراتهم”.

يضيف “لذلك فكلما إرتفع سقف الإنفاق ، ينخفض مقابله تكافؤ الفرص والتوازن أمام المرشحين،   نظراً إلى التأثير المباشر على خيارات الناخبين، لذلك فنحن ضد  السقف الإنتخابي العالي”.

 

محاسبة المخالفين

هذه المخالفات المشّرعة من قبل القانون، تطرح سؤالاً جوهرياً : من وكيف نحاسب المخالفين؟! يجيب سليم عن هذا السؤال “نحن كجمعية نصدر تقارير بالمخالفات التي تتم في الإنتخابات، وعملنا لا يقتصر على فترة الحملات الإنتخابيّة، بل سيتعداه إلى نهار الإنتخابات وما يليه خلال فترة تقديم الطعون.  وسيكون لنا عملاً مع المجلس الدستوري  ومجلس شورى الدولة، في الفترة اللاحقة ليوم الإنتخابات”.

يستطرد “لأنه من المعروف أن المرشحين الفائزين أو النواب الجدّد، عليهم تقديم تقارير ماليّة شهرية  لهيئة الإشراف، التي  بدورها ستخضع لمراقبتنا، وذلك للتأكد من إستلامها لهذ التقارير. كذلك  على المرشحين الفائزين أن يقدموا تقارير إلى  المجلس الدستوري، لتفعيل ما يطلق علية “من أين لك هذا؟” . وهو مصطلح ظهر في التسعينات، للتصريح عن أموالهم  لمجلس شورى الدولة، من أجل مراقبة الإثراء غير المشروع . هذا  الأمر سنقوم أيضاً بمراقبته”.

كذلك سيكون  للجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات(LADE)  ، دوراً أكبر من المراقبة، وهو كما يوضح سليم “سنعمد إلى توثيق عمليات شراء الأصوات، عبر شهود  وإمضاءات ووثائق تثبت هذا الأمر، من ثم عرضها على المجلس الدستوري، و سنعلن للرأي العام عن كافة عمليات شراء الأصوات”.

بناءً عليه “نطلب  من المرشحين غير الفائزين المخوّلين، تقديم طعون للمجلس الدستوري بنتيجة الإنتخابات،  جراء ضغوطات  مورست على الناخبين أو نتيجة عمليات شراء الأصوات، التوّجه إلى الجمعية  للحصول على التقارير والوثائق،  التي تثبت حصول هكذا عمليات ، أو إستخدام  أي تقرير يمكن أن يفيدهم لتقديم الطعون. إذ أننا كجمعية غير مخوّلين تقديم طعون، لأننا لسنا في موقع المنافس”.

 

يبقى التعويل من أجل تغيير الواقع السياسي الحالي، على الجمعيات والمؤسسات المعنيّة مراقبة نزاهة وديمقراطية الإنتخابات،  وعلى وعي المواطن نفسه كي لا يعيد إنتخاب ذات الطبقة السياسيّة الفاسدة،  مهما كانت الإغراءات الماديّة أو الخدماتيّة. على أمل الحد من  الفساد السائد، ومساعدة من يستحق أن يتبوأ السلطة في الوصول إليها، فالشعب اللبناني بحاجة إلى مسؤولين أكثر مسؤولية من الحاليين.

 

 

 

 

 

أقرّت الحكومة اللبنانية قانوناً جديداً للإنتخابات النيابية، يعتمد النظام النسبي وتقسيم لبنان إلى 15 دائرة إنتخابية، إلى جانب إقرار الصوت التفضيلي على أساس القضاء (الدائرة الإدارية)، كذلك رفعت المادة 61 من القانون الجديد، سقف المبلغ المالي الأقصى، المسموح لكل مُرشّح إنفاقه أثناء فترة الحملة الإنتخابية.

أو بمعنى آخر شرّعت الدولة “المخالفات الإنتخابيّة”، التي تسود  وتتضاعف خلال هذه الفترة،  ووضعتها ضمن إطار قانونيّ يستخدمه المرشحين لتبرير وسائل وصولهم إلى السلطة، وإن كانوا في أغلب الأوقات لا يستحقونها، إلاّ أنّه في “دولة اللاقانون”، كل شيءٍ مسموح عدا وصول الشخص المناسب إلى المكان المناسب.

 

إنفاق ضخم

حسب تقديرات “الدولية للمعلومات”، فإنّ مجموع الإنفاق الذي يُجيزه القانون، يصل إلى  نحو 468 ملياراً و500 مليون ليرة، أي نحو 312 مليون دولار، وهناك إمكانية لمُضاعفة هذا المبلغ، إن كانت العملية الإنتخابية “حاميّة”.

ويعتبر هذا السقف للإنفاق الإنتخابي مرتفعاً  جدّاً وفق الخبراء الإنتخابيون، الذين يجمعون على عدم التكافؤ بين المرشحين القادرين على صرف هذه المبالغ، وغير القادرين على ذلك. الأمر الذي يقف عائقاً أمام إمكانيّة وصول كفاءات جديدة إلى السلطة.

وفي هذا الإطار، كان للـ “الإعمار والإقتصاد”  تواصل مع عدد من الخبراء  للوقوف عند رأيهم ، من ناحية قيمة هذا السقف ، أو من ناحية كيفية إستخدامه، خاصّة وأنّه يشّرع بصورة واضحة عملية شراء الأصوات.

 

شمس الدين: سقف مبالغ فيه

وفق الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، فإن المبلغ المرصود للإنفاق الإنتخابي مبالغ فيه، حيث يوضح في هذا السياق للـ الإعمار والإقتصاد، “أن السقف الإنتخابي المحدد، في القانون الجديد هو مرتفع. إذ أعطى  الحق لكل مرشح بإنفاق 150 مليون ليرة، و150 مليون ليرة كونه عضو في لائحة . بما معناه 300 مليون ليرة لكل مرشح، مع مبلغ متحرك هو عبارة عن 5000 آلاف ليرة، عن كل ناخب مسّجل في الدائرة الإنتخابية الكبرى”.

هذا الأمر يؤدي إلى صرف الكثير من الأموال، خاصة ضمن الدوائر الإنتخابية الكبرى، و هنا يوضح شمس الدين ” على سبيل المثال، قد يصل هذا الإنفاق في دائرة بيروت الثانية، إلى مليارين و66 مليون ليرة لبنانية. أما في  دائرة الشمال الثانية، قد يصل إلى نحو ملياري ليرة لبنانية. كذلك في دائرة الجنوب الثالثة، يصل إلى نحو مليارين و600 مليون ليرة لبنانية”.

يستطرد شمس الدين في الإطار عينه، “هذا المبلغ مسموح لكل مرشح، فمثلاً  إذا  تضمنت لائحة بيروت الثانية 11 مرشحاً ، هذا يعني أن كل اللائحة يحق لها بإنفاق  يصل لحدود 23 مليار ليرة، وهو يعتبر مبلغاً كبيراً”.

 

شراء الأصوات

تعتبرعملية شراء الأصوات، من المخالفات الشائعة خلال فترة الإنتخابات النيابيّة، لذلك فإن رفع السقف الإنتخابي، سيكون له عواقب مباشرة تتمثل في تعزيز هذه العملية.

هذا ما يؤكده شمس الدين بالقول “طبيعي  أن رفع سقف الإنفاق الإنتخابي، سيشّجع  على شراء الأصوات، لا سيما  أن القانون يعتبر، على سبيل المثال أن دفع نفاقات إنتقال الناخبين من مكان إلى آخر،  وإستقدام الناخبين من الخارج، هو عملية مشروعة”.

وبالرغم من الإحتياطات المتخذة للحد من هذه العملية، إلاّ أنّها تبدو غير كافية، وفق شمس الدين “فقد تحد الأوراق  المسبقة من شراء الأصوات،  لكن هذا لا يعني بالضرورة الإلتزام التام .  فبالطبع القانون يشجّع على شراء الأصوات ، لأن هناك إنفاقاً كبيراً جداً”.

من جهة ثانية،  لا تقتصر تداعيات الأمر عند هذا الحد، يتابع شمس الدين  “أن رفع سقف الإنفاق الإنتخابي يشكّل عقبة أمام وصول بعض المرشحين، فمن يملك المال يستطيع أن يدفع بعكس الذي يفتقره”.

من جهة ثانية، يمكن لرفع الإنفاق أن يلعب دوراً إيجابياً من خلال تحريك عجلة الإقتصاد، وهنا يوضح شمس الدين  “بمجرد أن يصبح هناك إنفاق على إقامة حفلات  وإعلانات، فإنّ ذلك يؤثر إيجابياً على الحركة الإقتصادية، إذ أن هناك 976 مرشحاُ ، مما يعني أنّ إنفاقهم الإنتخابي سيكون له أثراً إيجابيّاً على الإقتصاد”.

 

سليم: عدم تكافؤ للفرص

يجمع خبراء ومراقبي الإنتخابات النيابيّة، على إرتفاع سقف الإنفاق في القانون الجديد، وما ينتج عنه من تداعيات سلبيّة للناخب والمرشح على حد سواء. كما تؤكد الجمعيات المعنيّة بمراقبة نزاهة الإنتخابات.

إذ  يقول علي سليم الباحث في “الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات(LADE) ” ،للـ الإعمار والإقتصاد، “نحن  نعتبر من الأساس أن سقف الإنفاق الإنتخابي جدّاً عالي ،  وقد إرتفع هذا السقف في القانون الجديد،  بحيث أصبح بحدود مئة ألف دولار لكل مرشح، وسقف متحرك  هو عبارة عن 5000 آلاف ليرة ، عن كل ناخب موجود في الدائرة الكبرى للمرشح. كذلك  فإنّ القانون الجديد يحتّم على المرشح أن يكون منضوياً داخل لائحة كي يخوض الإنتخابات. وبالتالي يعطي القانون سقف 150 مليون ليرة لكل مرشح  موجود داخل اللائحة. وهكذا يصبح السقف لللائحة الواحدة ملايين الدولارات.”

يتابع “الأمر الذي يشّكل عدم تكافؤ للفرص بين المرشحين، حيث هناك إمكانية للبعض منهم، بأن يظهروا إعلامياً وإعلانياً أكثر بكثير من غيرهم “.

تعزيز الزبائينيّة السياسية

يستطرد سليم في السياق عينه، “هذا الأمر يدّل على عدّة مؤشرات هي أولاً، أن السقف الإنتخابي عالي جداً. ثانياً، يجب أن يكون هناك آلية واضحة لمراقبة الإنفاق الإنتخابي، من قبل هيئة الإشراف على الإنتخابات، وهذا الموضوع  تحديداً غير واضح من قبل هذه الهيئة ، التي من مهمتها مراقبة الإنفاق الإنتخابي”.

يضيف سليم “ثالثاً، ينص القانون على أن الجمعيات التابعة لأحد المرشحين أو الأحزاب، التي كانت تقدّم خدمات  بما لا يقل عن السنوات الثلاث الأخيرة، سواء أكانت الخدمات نقدية أوعينيّة،  تستطيع مواصلة تقديمها لهذه الخدمات. الأمر الذي يعزّز الزبائينيّة السياسية في ظل هذا القانون، خاصة في فترة الحملة الإنتخابية التي نمر بها حالياً”.

وفي الإطار عينه، يوضح سليم “هناك عدّة أنواع من هذه الخدمات، كصور الماموغرافي، الفحوصات الطبيّة، بونات بنزين، أو إعاشات. هذه كلها خدمات يعزّزها القانون، و هناك مادة صريحة تنص على هذا الموضوع، فيما تندرج هذه الخدمات ضمن الإنفاق الإنتخابي” .

في المقابل، يضيف سليم “هذا الأمر يؤدي إلى تعزيز الزبائينيّة السياسيّة  أولاً و ثانياً شراء الأصوات ، الذي يتعزّز خلال الحملات الإنتخابيّة. وهو قد يتم بطرق غير مباشرة،  كما ذكرنا من خلال الوعد بوظيفة، أو إعطاء عيّنة لإجراء فحوصات طبيّة  إلى الناخب أو أحد أقربائه. لذلك يبقى السؤال ما هي آلية مراقبة هذه الإنفاقات؟”.

 

رفع السريّة المصرفيّة

لا تقتصر صعوبات مراقبة نزاهة الإنتخابات عند هذا الحد، بل هناك العديد من العقبات التي تحول دون إمكانية مراقبتها بشفافية. ويقول سليم في هذا المجال،  “على سبيل المثال، فإن الحسابات الشخصيّة خاضعة للسرّية المصرفية، وهذا يدخل ضمن النظام المصرفي. غير أنّ  حسابات الحملات الإنتخابية غير خاضعة لهذه السريّة ، وبالتالي يمكن مراقبتها”.

يستطرد  “إلاّ أنّه يمكن للمرشح أن ينفق من حساباته الشخصيّة، وهذا يدخل ضمن الإنفاق. لذلك فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الآلية التي يجب إتباعها لمراقبة هذه الحسابات ، مما يعني أنّه يجب أيضاً مراقبة الحساب الشخصي”.

كذلك يعتبر رفع سقف الإنفاق، أحد مسببّات عدم التوازن في الفرص أمام جميع المرشحين، وبالتالي يشكّل عقبة أمام وصول البعض منهم، نظراً إلى إنخفاض سقف نفاقاتهم. هذا ما يؤكده سليم بالقول ” بالنسبة لنا فإن الدعاية الإنتخابية تؤثر كثيراً على خيارات المواطن، تحديداً المواطنين غير المدركين للمرشح الذي سينتخبوه، وهم يندرجون تحت خانة “الناخبين غير المحزّبين”، الذين يعتمدون على الدعايات الإنتخابية لتحديد خياراتهم”.

يضيف “لذلك فكلما إرتفع سقف الإنفاق ، ينخفض مقابله تكافؤ الفرص والتوازن أمام المرشحين،   نظراً إلى التأثير المباشر على خيارات الناخبين، لذلك فنحن ضد  السقف الإنتخابي العالي”.

 

محاسبة المخالفين

هذه المخالفات المشّرعة من قبل القانون، تطرح سؤالاً جوهرياً : من وكيف نحاسب المخالفين؟! يجيب سليم عن هذا السؤال “نحن كجمعية نصدر تقارير بالمخالفات التي تتم في الإنتخابات، وعملنا لا يقتصر على فترة الحملات الإنتخابيّة، بل سيتعداه إلى نهار الإنتخابات وما يليه خلال فترة تقديم الطعون.  وسيكون لنا عملاً مع المجلس الدستوري  ومجلس شورى الدولة، في الفترة اللاحقة ليوم الإنتخابات”.

يستطرد “لأنه من المعروف أن المرشحين الفائزين أو النواب الجدّد، عليهم تقديم تقارير ماليّة شهرية  لهيئة الإشراف، التي  بدورها ستخضع لمراقبتنا، وذلك للتأكد من إستلامها لهذ التقارير. كذلك  على المرشحين الفائزين أن يقدموا تقارير إلى  المجلس الدستوري، لتفعيل ما يطلق علية “من أين لك هذا؟” . وهو مصطلح ظهر في التسعينات، للتصريح عن أموالهم  لمجلس شورى الدولة، من أجل مراقبة الإثراء غير المشروع . هذا  الأمر سنقوم أيضاً بمراقبته”.

كذلك سيكون  للجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات(LADE)  ، دوراً أكبر من المراقبة، وهو كما يوضح سليم “سنعمد إلى توثيق عمليات شراء الأصوات، عبر شهود  وإمضاءات ووثائق تثبت هذا الأمر، من ثم عرضها على المجلس الدستوري، و سنعلن للرأي العام عن كافة عمليات شراء الأصوات”.

بناءً عليه “نطلب  من المرشحين غير الفائزين المخوّلين، تقديم طعون للمجلس الدستوري بنتيجة الإنتخابات،  جراء ضغوطات  مورست على الناخبين أو نتيجة عمليات شراء الأصوات، التوّجه إلى الجمعية  للحصول على التقارير والوثائق،  التي تثبت حصول هكذا عمليات ، أو إستخدام  أي تقرير يمكن أن يفيدهم لتقديم الطعون. إذ أننا كجمعية غير مخوّلين تقديم طعون، لأننا لسنا في موقع المنافس”.

 

يبقى التعويل من أجل تغيير الواقع السياسي الحالي، على الجمعيات والمؤسسات المعنيّة مراقبة نزاهة وديمقراطية الإنتخابات،  وعلى وعي المواطن نفسه كي لا يعيد إنتخاب ذات الطبقة السياسيّة الفاسدة،  مهما كانت الإغراءات الماديّة أو الخدماتيّة. على أمل الحد من  الفساد السائد، ومساعدة من يستحق أن يتبوأ السلطة في الوصول إليها، فالشعب اللبناني بحاجة إلى مسؤولين أكثر مسؤولية من الحاليين.

 

 

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!