كي لا يكون الرقم وجهة نظر

عود على بدء.

ربع قرن كامل مضى، ولبنان الرسمي يصرّ على انتهاج مقاربة اقتصادية وحيدة ومتكررة لرسم واقعه وبنيانه ومستقبله الاقتصادي والاجتماعي.

“عنزة ولو طارت” مثل لبناني قديم، يصرّ أهل السلطة على تطبيقه بحذافيره، وكأن المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية غير المسبوقة في تاريخ البلاد، وكذلك على مستوى العالم، لا تكفي لتوقيف هذا الجنون المتمادي ؟!

بعد انتهاء الحرب الاهلية ومع ما تبعها من استخدام ذكي ومفتعل لسعر صرف الدولار تجاه العملة الوطنية، هبطت على البلاد حكومة الملياردرية، حيث تجمع للمرة الأولى في تاريخ لبنان حشد من المتموّلين الكبار على طاولة واحدة، مباشرة ودون وسائط أو ممثلين عنهم، وتسلمت تلك الحكومة زمام الأمر الاقتصادي، ولا سيما رئيسها الآتي بزخم أمواله وأموال المملكة العربية السعودية، “ودهاء ” أمراء الحرب المحليين المتعودين على سخائه من جهة، والعارفين من أين تؤكل الكتف من جهة اخرى، ناهيك عن ثالوث سوري شريك بشكل كامل، يلعب دور كاسحة الالغام امام كل المعترضين، ولو كانت هذه الالغام تجمع لتنفجر في سوريا نفسها، وفي القضية الاساس اي المقاومة.

المقاربة الاقتصادية قامت على مرتكزات عدة ابرزها:

  1. ان الحرب اطاحت بكل شيء، فلا أولويات أو خطط، بل المطلوب البدء بكل شي ومن اي مكان ودون اي تخطيط.
  2. السلام قادم وقريب، فالاستدانة مباحة مهما كان قدرها، لأنّ لبنان سيسامح بدينه من الدول التي تحتاج موقفه، أو لأنّ البحبوحة المنتظرة ستمحي هذا الدين ولن تترك آثاراً قاتلة عليه.
  3. انتهى زمن الاشتراكية والدول ذات الرعاية والحماية الاجتماعية، فالزمن زمن أصحاب الاموال، وما على الأجراء إلّا القبول بالأمر الواقع الجديد، والتسليم بنعمة استمرارهم في العمل، حتى ولو تطلّب الأمر تجميد أجورهم لـ16 عاماً كاملة، وهي سابقة في التاريخ قبلها الشعب العنيد عن طيب خاطر.
  4. تكريس لبنان كبلد للخدمات حصرياً، وتدمير الايجابية الوحيدة التي أحدثتها الحرب بفعل خلق صناعة تنافسية في قطاعات متعددة، وزراعة مطلوبة داخلياً وخارجياً. هذا التدمير حصل بفعل تشريعات صريحة وواضحة تقضي على الإنتاج الوطني وتضيّق الخناق عليه وتقدّم كافة انواع التسهيلات للاستيراد من الخارج .
  5. إنعاش اقتصاد الريع ،المالي منه أو العقاري أو ذات طابع “السمسرة”، على حساب الإنتاج، استناداً الى تركيبة نقدية – مالية جعلت الاستثمار في الودائع أو الأراضي ذات منافع خيالية وخالية من الضريبة، بينما الإنتاج مكلف وخطير وفي قلب الصحن الضريبي.

وهناك العديد من المرتكزات الاضافية، والتي ترتفع أهميتها أو تنخفض حسب التغيّرات الخارجية أو الداخلية، ولكنّ هذا الواقع جعل الاستثمار في الإعمار الحقيقي هو الأدنى فعلاً، رغم استخدامه كمشجب علقت عليه كل ضروب وفنون المقاربة القاتلة، والتي استباحت في طريقها حقوق الناس وأملاكهم والقوانين نفسها ومفهوم الإدارة والوظيفة وصولاً الى الدستور والتمثيل والخ..

فكرة مركزية سيطرت بنيوياً، وطوال السنوات الـ 25 الماضية، وهي أنّ الدولة يجب أن تهمّش، وأنّ القطاع الخاص (المبني كمرادف لتوازنات السلطة وكشريك لأهلها) هو من عليه ان يملك ويدير القطاعات، دون أن يتكبّد حتى دفع ثمن هذه القطاعات، وهي الفكرة التي جعلت استباحة المؤسسات وتخسيرها وتكسيرها وإفشالها نهجاً متعمداً، وصولاً لتيئيس الناس منها.

هذا النهج كان يحتاج ولا يزال الى وقود لاستمراره، فكان يحتاج الى الدين وتوسعه والى استيراد الاموال الصعبة لاعادة ضخها من جديد لاستيراد السلع والبضائع والخدمات، الى بلد لم يعد ينتج شيئاً مما يلبس أهله أو يأكل أو يستخدم، فصارت الحاجة للأموال تكبر وتزيد سنوياً، ومع عدم توفر الإنتاج لتأمين المال، بات المرتكز على تسهيل استقدامه بشتى الطرق، من الحوافز بالفوائد الى المحاصصة الى الربح الاستثنائي الى.. لكن إلّا وفق الاقتصاد وحاجاته.

 

ماذا يعني موتمر سيدر أو باريس ٤؟

يذهب لبنان الى مؤتمر سيدر بمجموعة مشاريع عمل عليها فريق رئيس الحكومة سعد الحريري، أو بالأحرى “سلقها”، دون دراسة آثارها وجدواها الاقتصادية ، فأخذ بعض المشاريع التي وردت في خطة التجهيزات الوطنية، والتي عمل عليها في العام 2007 فريق بقيادة مكتب الوزير السابق شربل نحاس للدراسات وبمشاركة دار الهندسة، والتي كانت خطة متكاملة بأهداف معينة ونتائج محسوبة، ليحوّلها فريق الرئيس الحريري الى مجموعة مشاريع منفصلة تماماً عن بعضها، بعيداً عن أي رؤية أو خطة عمل أو مقاربة اقتصادية.

في الوقت عينه، تدخل البلاد اليوم مرحلة الانتخابات النيابية، حيث من المنتظر أن تتغيّر الحكومة في شهر أيار المقبل، فبأي منطق تلزم الحكومة الحالية لبنان لعشر سنوات قادمة بديون متأتية من مشاريع تقدّرها الدراسة بـ26 مليار دولار ؟ من ناقش اليوم الأولويات الاقتصادية، ومكان الصرف، والمشاريع المناسبة وفق مقاربة الدولة الاقتصادية ؟ هل أخذ الفريق الذي وضع لائحة المشاريع بمقاربة رئيس الجمهورية التي أعلنها يوم تسلّم الحكم، حول التحوّل من نظام الريع المدمّر الى اقتصاد انتاجي يعيد للبلد طاقاتها الصناعية والزراعية ؟

لدينا اليوم رزمة قروض تبلغ 3 مليارات دولار مجمّدة لم تصرف منذ سنوات وربما يُدفع عليها بضع ملايين الدولارات لاستمرارها، المطلوب منا أن نؤمّن حصة الدولة منها لتُصرف (بحدود 10 الى 15% من قيمة كل قرض)، بينما طاقتنا الاستيعابية لا تبلغ حتى الـ 3 مليار دولار سنوياً. فلو أمّنت الحكومة اليوم أقلّ من مليار دولار لصرف هذه القروض، سنصبح قادرين على تأمين التوظيفات المطلوبة لعامين مقبلين، دون إغراق البلاد بـ 17 أو 23 مليار دولار دين إضافي، بحيث تؤمّن الحاجة الوطينة للنقد الأجنبي لمدّة عامين للعمل في مشاريع محدّدة ومدروسة وتمويلها موجود، وعندها يذهب البرلمان والحكومة الجديدين الى وضع خطة اقتصادية حقيقية ورؤية اقتصادية واقعية وشاملة، وعندها نذهب الى باريس أو أي مكان آخر لطرح مشروع الدولة اللبنانية الواضح وغير المستعجل، والذي لن يزيد علينا مليارات الدولارات الإضافية كديون.

اليوم نتكلّم بعد 28 عاماً على نهاية الحرب الأهلية، وبعد 25 عاماً على وضع خطة باكتل وخطة اوجيه انترناسيونال وخطة النهوض. هذا الفريق عينه، بأشخاصه أنفسهم، أخبرنا عام 1994 أنّ المالية العام في لبنان ستتوازن عام 1998، لنموّل الإعمار بعدها من فائض الموازنة !! هذا الفريق وضعنا تحت رحمة دين يبلغ اليوم 80 مليار دولار، ويريد اليوم “بشحطة قلم” أن يضيف الى ديوننا 17 مليار جديدة ؟! وبالإضافة الى كلّ ذلك، يدفع اليوم باتجاه بيع أصول الدولة اللبنانية الأساسية للقطاع الخاص، أي قطاع الاتصالات الخليوية، والكهرباء والمياه، تحت ستار الشراكة بين القطاعين العام والخاص ! لا يوجد موقف من القطاع الخاص، ولكن بغياب معايير تكفل احترام الشروط الدنيا للتلزيمات والمناقصات، من يضمن فعلياً إشراك القطاع الخاص القادر والمطلوب، وليس القطاع الخاص المملوك من أصحاب السلطة ؟!

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل واقعة انعقاد هذا المؤتمر، برعاية فرنسية، قبل شهر واحد فقط من الانتخابات النيابية ! فعلى الرغم من أن البعض يرى في ذلك مساعدة خارجية للمحافظة على الاستقرار في لبنان عشية هذه الانتخابات وبعدها، إلا أنه ظهر أكثر بوصفه مساعدة مكشوفة لبعض القوى التي تطمح إلى المحافظة على نفوذها في الدولة وترسيخه، حيث يجري استغلال باريس 4 في الانتخابات النيابية بوقاحة، ليس فقط على صعيد فرض صفة “المخلّص” الذي يستحق منحه فرصة “إنقاذ” لبنان من أزمته الاقتصادية، علماً أنّ “المخلّص” عينه أثبت فشله مراراً وتكراراً، سواء على صعيد شركاته الخاصة أو على صعيد القطاع العام !

مؤتمر سيدر مناسبة ايجابية لتظهير الدعم الدولي للبنان، وإقامة توازن أمام حملة التشكيك الخارجية المتواصلة ضده، يجب الاستفادة منها بشروط لبنان وحسب حاجاته لا تحويل المؤتمر الى مطية سياسية أو منعطف اقتصادي مالي يغرق البلد في الديون ويكرّس المقاربة الاقتصادية التي أوصلت البلاد الى وضعها اليوم، والمستمرّة منذ ربع قرن !

 

 

 

 

 

3 كادرات مقسّمة في قلب المقالة:

 

مؤتمر باريس 1 في 27 شباط 2001

خلال مؤتمر باريس 1، قدمت الحكومة اللبنانية مذكّرة عرضت رؤية الحكومة الاقتصادية بشكل متكامل. وتمحورت هذه الاستراتيجية حول 5 عناصر “إصلاحية”: – تحديث الاقتصاد: لتسهيل وتشجيع التجارة الدولية في سياق دمج لبنان في الاقتصاد العالمي، ما يخوّله الولوج إلى أسواق عالمية جديدة وخلق الأطر المناسبة لاجتذاب الاستثمارات. بالاضافة إلى توفير البيئة الملائمة التي تسمح للقطاع الخاص بالنمو والازدهار والنهوض بالاقتصاد الوطني من خلال المحافظة على الاستقرار التشريعي واحترام كافة تعهداته والتزاماته، وتقديم التخفيزات للقطاع الخاص عبر تخفيض تكاليف الإنتاج. – الخصخصة: الهدف من هذا “الإصلاح” هو تعزيز النمو الاقتصادي وعكس اتجاه دينامية الدين. فعملية الخصخصة ستتم باستخدام أفضل الممارسات والمعايير الدولية بما يضمن المنافسة المفتوحة والمشاركة العادلة لعامة المواطنين. – تصحيح الوضع المالي: وضعت الحكومة خطة استراتيجية لمعالجة الاختلالات المالية، وبدأت تنفيذها قبل ثلاثة أشهر، من خلال تدابير ثلاثة: تحسين وضعية الاقتصاد الحقيقي لزيادة نموه، وهو ما يؤدي بالتالي إلى أن تتحسن مردودات العائدات الحكومية ما يخفض الدعم الحكومي لبعض القطاعات وهكذا يخفّض العجز المالي. اعتماد مجموعة من الإصلاحات الهيكلية والتدابير التي تعود على الدولة بالإيرادات كي يرتفع معدل الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي. ترشيد النفقات واحتواؤها من خلال ضبط الإنفاق والعجز في الموازنة واعتماد الخصخصة لتحسين مستويات أداء وفعالية تلك المؤسسات التي يمكن تخصيصها، ما يسهم في خفض خدمة الدين العام. – إدارة الدين: إن ارتفاع أسعار الفائدة قد أعاقت جهود الحكومات المتعاقبة لتطبيق سياسة مالية حازمة وخفض عجز الموازنة. في هذا الصدد، فإن هدف الحكومة هو إدارة نظام الدين بكفاءة أفضل عبر تخفيض خدمة الدين العام والحد على المدى البعيد من تزايد حاجة الدولة إلى المتطلبات المالية مع العمل على أن تكون سياسة إدارة الدين في تناغم مع السياسة النقدية للبنك المركزي. – الحفاظ على استقرار القطاع المالي والنقدي: تعكف الحكومة على تنفيذ الإصلاحات المالية الرامية إلى تعزيز الإطار التنظيمي للنظام المالي من أجل ضمان اتساقه مع المعايير الدولية ومع أفضل الممارسات. كما ستتخذ الحكومة تدابير عدة من أجل تحفيز أنشطة أسواق رؤوس الأموال.

 

مؤتمر باريس 2 في  23 تشرين الثاني 2002

كما حدد خلال انعقاد مؤتمر باريس 1 في العاصمة الفرنسية يوم 27 شباط 2001، عقد مؤتمر باريس 2 في 23 تشرين الثاني 2002، بحضور الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الشهيد رفيق الحريري، بالاضافة إلى المفوضية الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية وبمشاركة كبيرة من الدول المانحة. يومها قدم لبنان ايضا خطة إستراتيجية لدعم القطاعات وتحسين اوضاعها الاقتصادية والمالية، وفي ما يخص الاصلاحات التي قدمها، فلم تكن مختلفة عما حمله معه على طاولة “باريس 1”.

حصل لبنان خلال مؤتمر باريس 2 على وعود مالية بقيمة 4.4 مليارات دولار منها 3.1 مليارات دولار تمثل قروضا وتسهيلات و1.3 مليار دولار من أجل تنفيذ مشروعات إنمائية. لكن المبالغ التي حصل عليها لبنان بالفعل من باريس 2 بلغت 2.6 ملياري دولار على شكل تسهيلات مالية و1.3 مليار دولار قروضاً. (سندات خزينة وودائع بقيمة 3.1 مليار دولار و1.3 مليار قروضاً). يومها، تم استخدام القروض في استبدال دين مرتفع الكلفة بدين منخفض الكلفة، كما كانت التسهيلات المقدمة من باريس 2 لمدة عشر سنوات في الوقت الذي بلغت فيه كلفة هذه التسهيلات 5%، وبالمقارنة فقد كانت الكلفة المتوسطة للدين العام في نهاية 2002 نحو 13%.

 

مؤتمر باريس 3 في 15 كانون الثاني 2007

حمل باريس 3 للبنان تعهدات ووعوداً بلغت قيمتها ما يقارب 7.6 مليارات دولار توزعت بين تعهدات للقطاع الخاص بقيمة 1.89 مليارات دولار و5.643 مليارات دولار على شكل وعود وتعهدات للحكومة اللبنانية منها 1.336 مليار دولار وهي قيمة الهبات للحكومة والتي شكلت نحو 23.6% من إجمالي الوعود والتعهدات التي قدمت للحكومة ما قيمته 4.307 مليارات دولار على شكل قروض (76.4% من الاجمالي)، وقد حصل لبنان على 57% من الـ 5.643 مليارات دولار أي ما قيمته 3.2 مليارات دولار. ومقابل كل تلك الاموال تعهد لبنان تنفيذ سلسلة إصلاحات هيكلية وبنيوية.

تمحور البرنامج الإصلاحي لباريس 3 حول 6 بنود اساسية أهمها التزام الحكومة تنفيذ إصلاحات لتحفيز النمو الاقتصادي من خلال إقرار التشريعات المطلوبة والإجراءات التي تطال الحوكمة وتحرير التجارة وتطوير الاسواق المالية، بالاضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالاضافة إلى تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أبرز الإصلاحات التي تضمنها البرنامج الإصلاحي لباريس 3: – تعهد الحكومة خفض العجز في المالية العامة. – الحدّ من من تنامي الدين العام عبر إقرار إصلاحات تطال الانفاق العام. – إصلاحات تطال السياسة الضريبية. – تحسين تحصيل الايرادات والجباية الضريبية. – إلتزم لبنان العمل على إصلاح قطاع الكهرباء من خلال تحرير الانتاج وإنشاء الهيئة الناظمة تمهيداً لخصخصة القطاع في المدى المتوسط. – تعهد لبنان خلال مؤتمر باريس 3 تنفيذ برنامج الخصخصة لا سيما في قطاع الاتصالات من خلال تأسيس شركة تيليكوم لبنان وطرح رخصتي الخليوي للمزايدة ثم خصخصة قطاع النقل، تحديداً ما له علاقة بالمرفأ والمطار بالاضافة إلى قطاع المياه. – تعهد لبنان خلال باريس 3 العمل على تعزيز شبكات الامن الاجتماعي لمكافحة الفقر وإصلاح نظام التقاعد ونهاية الخدمة.

عود على بدء.

ربع قرن كامل مضى، ولبنان الرسمي يصرّ على انتهاج مقاربة اقتصادية وحيدة ومتكررة لرسم واقعه وبنيانه ومستقبله الاقتصادي والاجتماعي.

“عنزة ولو طارت” مثل لبناني قديم، يصرّ أهل السلطة على تطبيقه بحذافيره، وكأن المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية غير المسبوقة في تاريخ البلاد، وكذلك على مستوى العالم، لا تكفي لتوقيف هذا الجنون المتمادي ؟!

بعد انتهاء الحرب الاهلية ومع ما تبعها من استخدام ذكي ومفتعل لسعر صرف الدولار تجاه العملة الوطنية، هبطت على البلاد حكومة الملياردرية، حيث تجمع للمرة الأولى في تاريخ لبنان حشد من المتموّلين الكبار على طاولة واحدة، مباشرة ودون وسائط أو ممثلين عنهم، وتسلمت تلك الحكومة زمام الأمر الاقتصادي، ولا سيما رئيسها الآتي بزخم أمواله وأموال المملكة العربية السعودية، “ودهاء ” أمراء الحرب المحليين المتعودين على سخائه من جهة، والعارفين من أين تؤكل الكتف من جهة اخرى، ناهيك عن ثالوث سوري شريك بشكل كامل، يلعب دور كاسحة الالغام امام كل المعترضين، ولو كانت هذه الالغام تجمع لتنفجر في سوريا نفسها، وفي القضية الاساس اي المقاومة.

المقاربة الاقتصادية قامت على مرتكزات عدة ابرزها:

  1. ان الحرب اطاحت بكل شيء، فلا أولويات أو خطط، بل المطلوب البدء بكل شي ومن اي مكان ودون اي تخطيط.
  2. السلام قادم وقريب، فالاستدانة مباحة مهما كان قدرها، لأنّ لبنان سيسامح بدينه من الدول التي تحتاج موقفه، أو لأنّ البحبوحة المنتظرة ستمحي هذا الدين ولن تترك آثاراً قاتلة عليه.
  3. انتهى زمن الاشتراكية والدول ذات الرعاية والحماية الاجتماعية، فالزمن زمن أصحاب الاموال، وما على الأجراء إلّا القبول بالأمر الواقع الجديد، والتسليم بنعمة استمرارهم في العمل، حتى ولو تطلّب الأمر تجميد أجورهم لـ16 عاماً كاملة، وهي سابقة في التاريخ قبلها الشعب العنيد عن طيب خاطر.
  4. تكريس لبنان كبلد للخدمات حصرياً، وتدمير الايجابية الوحيدة التي أحدثتها الحرب بفعل خلق صناعة تنافسية في قطاعات متعددة، وزراعة مطلوبة داخلياً وخارجياً. هذا التدمير حصل بفعل تشريعات صريحة وواضحة تقضي على الإنتاج الوطني وتضيّق الخناق عليه وتقدّم كافة انواع التسهيلات للاستيراد من الخارج .
  5. إنعاش اقتصاد الريع ،المالي منه أو العقاري أو ذات طابع “السمسرة”، على حساب الإنتاج، استناداً الى تركيبة نقدية – مالية جعلت الاستثمار في الودائع أو الأراضي ذات منافع خيالية وخالية من الضريبة، بينما الإنتاج مكلف وخطير وفي قلب الصحن الضريبي.

وهناك العديد من المرتكزات الاضافية، والتي ترتفع أهميتها أو تنخفض حسب التغيّرات الخارجية أو الداخلية، ولكنّ هذا الواقع جعل الاستثمار في الإعمار الحقيقي هو الأدنى فعلاً، رغم استخدامه كمشجب علقت عليه كل ضروب وفنون المقاربة القاتلة، والتي استباحت في طريقها حقوق الناس وأملاكهم والقوانين نفسها ومفهوم الإدارة والوظيفة وصولاً الى الدستور والتمثيل والخ..

فكرة مركزية سيطرت بنيوياً، وطوال السنوات الـ 25 الماضية، وهي أنّ الدولة يجب أن تهمّش، وأنّ القطاع الخاص (المبني كمرادف لتوازنات السلطة وكشريك لأهلها) هو من عليه ان يملك ويدير القطاعات، دون أن يتكبّد حتى دفع ثمن هذه القطاعات، وهي الفكرة التي جعلت استباحة المؤسسات وتخسيرها وتكسيرها وإفشالها نهجاً متعمداً، وصولاً لتيئيس الناس منها.

هذا النهج كان يحتاج ولا يزال الى وقود لاستمراره، فكان يحتاج الى الدين وتوسعه والى استيراد الاموال الصعبة لاعادة ضخها من جديد لاستيراد السلع والبضائع والخدمات، الى بلد لم يعد ينتج شيئاً مما يلبس أهله أو يأكل أو يستخدم، فصارت الحاجة للأموال تكبر وتزيد سنوياً، ومع عدم توفر الإنتاج لتأمين المال، بات المرتكز على تسهيل استقدامه بشتى الطرق، من الحوافز بالفوائد الى المحاصصة الى الربح الاستثنائي الى.. لكن إلّا وفق الاقتصاد وحاجاته.

 

ماذا يعني موتمر سيدر أو باريس ٤؟

يذهب لبنان الى مؤتمر سيدر بمجموعة مشاريع عمل عليها فريق رئيس الحكومة سعد الحريري، أو بالأحرى “سلقها”، دون دراسة آثارها وجدواها الاقتصادية ، فأخذ بعض المشاريع التي وردت في خطة التجهيزات الوطنية، والتي عمل عليها في العام 2007 فريق بقيادة مكتب الوزير السابق شربل نحاس للدراسات وبمشاركة دار الهندسة، والتي كانت خطة متكاملة بأهداف معينة ونتائج محسوبة، ليحوّلها فريق الرئيس الحريري الى مجموعة مشاريع منفصلة تماماً عن بعضها، بعيداً عن أي رؤية أو خطة عمل أو مقاربة اقتصادية.

في الوقت عينه، تدخل البلاد اليوم مرحلة الانتخابات النيابية، حيث من المنتظر أن تتغيّر الحكومة في شهر أيار المقبل، فبأي منطق تلزم الحكومة الحالية لبنان لعشر سنوات قادمة بديون متأتية من مشاريع تقدّرها الدراسة بـ26 مليار دولار ؟ من ناقش اليوم الأولويات الاقتصادية، ومكان الصرف، والمشاريع المناسبة وفق مقاربة الدولة الاقتصادية ؟ هل أخذ الفريق الذي وضع لائحة المشاريع بمقاربة رئيس الجمهورية التي أعلنها يوم تسلّم الحكم، حول التحوّل من نظام الريع المدمّر الى اقتصاد انتاجي يعيد للبلد طاقاتها الصناعية والزراعية ؟

لدينا اليوم رزمة قروض تبلغ 3 مليارات دولار مجمّدة لم تصرف منذ سنوات وربما يُدفع عليها بضع ملايين الدولارات لاستمرارها، المطلوب منا أن نؤمّن حصة الدولة منها لتُصرف (بحدود 10 الى 15% من قيمة كل قرض)، بينما طاقتنا الاستيعابية لا تبلغ حتى الـ 3 مليار دولار سنوياً. فلو أمّنت الحكومة اليوم أقلّ من مليار دولار لصرف هذه القروض، سنصبح قادرين على تأمين التوظيفات المطلوبة لعامين مقبلين، دون إغراق البلاد بـ 17 أو 23 مليار دولار دين إضافي، بحيث تؤمّن الحاجة الوطينة للنقد الأجنبي لمدّة عامين للعمل في مشاريع محدّدة ومدروسة وتمويلها موجود، وعندها يذهب البرلمان والحكومة الجديدين الى وضع خطة اقتصادية حقيقية ورؤية اقتصادية واقعية وشاملة، وعندها نذهب الى باريس أو أي مكان آخر لطرح مشروع الدولة اللبنانية الواضح وغير المستعجل، والذي لن يزيد علينا مليارات الدولارات الإضافية كديون.

اليوم نتكلّم بعد 28 عاماً على نهاية الحرب الأهلية، وبعد 25 عاماً على وضع خطة باكتل وخطة اوجيه انترناسيونال وخطة النهوض. هذا الفريق عينه، بأشخاصه أنفسهم، أخبرنا عام 1994 أنّ المالية العام في لبنان ستتوازن عام 1998، لنموّل الإعمار بعدها من فائض الموازنة !! هذا الفريق وضعنا تحت رحمة دين يبلغ اليوم 80 مليار دولار، ويريد اليوم “بشحطة قلم” أن يضيف الى ديوننا 17 مليار جديدة ؟! وبالإضافة الى كلّ ذلك، يدفع اليوم باتجاه بيع أصول الدولة اللبنانية الأساسية للقطاع الخاص، أي قطاع الاتصالات الخليوية، والكهرباء والمياه، تحت ستار الشراكة بين القطاعين العام والخاص ! لا يوجد موقف من القطاع الخاص، ولكن بغياب معايير تكفل احترام الشروط الدنيا للتلزيمات والمناقصات، من يضمن فعلياً إشراك القطاع الخاص القادر والمطلوب، وليس القطاع الخاص المملوك من أصحاب السلطة ؟!

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل واقعة انعقاد هذا المؤتمر، برعاية فرنسية، قبل شهر واحد فقط من الانتخابات النيابية ! فعلى الرغم من أن البعض يرى في ذلك مساعدة خارجية للمحافظة على الاستقرار في لبنان عشية هذه الانتخابات وبعدها، إلا أنه ظهر أكثر بوصفه مساعدة مكشوفة لبعض القوى التي تطمح إلى المحافظة على نفوذها في الدولة وترسيخه، حيث يجري استغلال باريس 4 في الانتخابات النيابية بوقاحة، ليس فقط على صعيد فرض صفة “المخلّص” الذي يستحق منحه فرصة “إنقاذ” لبنان من أزمته الاقتصادية، علماً أنّ “المخلّص” عينه أثبت فشله مراراً وتكراراً، سواء على صعيد شركاته الخاصة أو على صعيد القطاع العام !

مؤتمر سيدر مناسبة ايجابية لتظهير الدعم الدولي للبنان، وإقامة توازن أمام حملة التشكيك الخارجية المتواصلة ضده، يجب الاستفادة منها بشروط لبنان وحسب حاجاته لا تحويل المؤتمر الى مطية سياسية أو منعطف اقتصادي مالي يغرق البلد في الديون ويكرّس المقاربة الاقتصادية التي أوصلت البلاد الى وضعها اليوم، والمستمرّة منذ ربع قرن !

 

 

 

 

 

3 كادرات مقسّمة في قلب المقالة:

 

مؤتمر باريس 1 في 27 شباط 2001

خلال مؤتمر باريس 1، قدمت الحكومة اللبنانية مذكّرة عرضت رؤية الحكومة الاقتصادية بشكل متكامل. وتمحورت هذه الاستراتيجية حول 5 عناصر “إصلاحية”: – تحديث الاقتصاد: لتسهيل وتشجيع التجارة الدولية في سياق دمج لبنان في الاقتصاد العالمي، ما يخوّله الولوج إلى أسواق عالمية جديدة وخلق الأطر المناسبة لاجتذاب الاستثمارات. بالاضافة إلى توفير البيئة الملائمة التي تسمح للقطاع الخاص بالنمو والازدهار والنهوض بالاقتصاد الوطني من خلال المحافظة على الاستقرار التشريعي واحترام كافة تعهداته والتزاماته، وتقديم التخفيزات للقطاع الخاص عبر تخفيض تكاليف الإنتاج. – الخصخصة: الهدف من هذا “الإصلاح” هو تعزيز النمو الاقتصادي وعكس اتجاه دينامية الدين. فعملية الخصخصة ستتم باستخدام أفضل الممارسات والمعايير الدولية بما يضمن المنافسة المفتوحة والمشاركة العادلة لعامة المواطنين. – تصحيح الوضع المالي: وضعت الحكومة خطة استراتيجية لمعالجة الاختلالات المالية، وبدأت تنفيذها قبل ثلاثة أشهر، من خلال تدابير ثلاثة: تحسين وضعية الاقتصاد الحقيقي لزيادة نموه، وهو ما يؤدي بالتالي إلى أن تتحسن مردودات العائدات الحكومية ما يخفض الدعم الحكومي لبعض القطاعات وهكذا يخفّض العجز المالي. اعتماد مجموعة من الإصلاحات الهيكلية والتدابير التي تعود على الدولة بالإيرادات كي يرتفع معدل الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي. ترشيد النفقات واحتواؤها من خلال ضبط الإنفاق والعجز في الموازنة واعتماد الخصخصة لتحسين مستويات أداء وفعالية تلك المؤسسات التي يمكن تخصيصها، ما يسهم في خفض خدمة الدين العام. – إدارة الدين: إن ارتفاع أسعار الفائدة قد أعاقت جهود الحكومات المتعاقبة لتطبيق سياسة مالية حازمة وخفض عجز الموازنة. في هذا الصدد، فإن هدف الحكومة هو إدارة نظام الدين بكفاءة أفضل عبر تخفيض خدمة الدين العام والحد على المدى البعيد من تزايد حاجة الدولة إلى المتطلبات المالية مع العمل على أن تكون سياسة إدارة الدين في تناغم مع السياسة النقدية للبنك المركزي. – الحفاظ على استقرار القطاع المالي والنقدي: تعكف الحكومة على تنفيذ الإصلاحات المالية الرامية إلى تعزيز الإطار التنظيمي للنظام المالي من أجل ضمان اتساقه مع المعايير الدولية ومع أفضل الممارسات. كما ستتخذ الحكومة تدابير عدة من أجل تحفيز أنشطة أسواق رؤوس الأموال.

 

مؤتمر باريس 2 في  23 تشرين الثاني 2002

كما حدد خلال انعقاد مؤتمر باريس 1 في العاصمة الفرنسية يوم 27 شباط 2001، عقد مؤتمر باريس 2 في 23 تشرين الثاني 2002، بحضور الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الشهيد رفيق الحريري، بالاضافة إلى المفوضية الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية وبمشاركة كبيرة من الدول المانحة. يومها قدم لبنان ايضا خطة إستراتيجية لدعم القطاعات وتحسين اوضاعها الاقتصادية والمالية، وفي ما يخص الاصلاحات التي قدمها، فلم تكن مختلفة عما حمله معه على طاولة “باريس 1”.

حصل لبنان خلال مؤتمر باريس 2 على وعود مالية بقيمة 4.4 مليارات دولار منها 3.1 مليارات دولار تمثل قروضا وتسهيلات و1.3 مليار دولار من أجل تنفيذ مشروعات إنمائية. لكن المبالغ التي حصل عليها لبنان بالفعل من باريس 2 بلغت 2.6 ملياري دولار على شكل تسهيلات مالية و1.3 مليار دولار قروضاً. (سندات خزينة وودائع بقيمة 3.1 مليار دولار و1.3 مليار قروضاً). يومها، تم استخدام القروض في استبدال دين مرتفع الكلفة بدين منخفض الكلفة، كما كانت التسهيلات المقدمة من باريس 2 لمدة عشر سنوات في الوقت الذي بلغت فيه كلفة هذه التسهيلات 5%، وبالمقارنة فقد كانت الكلفة المتوسطة للدين العام في نهاية 2002 نحو 13%.

 

مؤتمر باريس 3 في 15 كانون الثاني 2007

حمل باريس 3 للبنان تعهدات ووعوداً بلغت قيمتها ما يقارب 7.6 مليارات دولار توزعت بين تعهدات للقطاع الخاص بقيمة 1.89 مليارات دولار و5.643 مليارات دولار على شكل وعود وتعهدات للحكومة اللبنانية منها 1.336 مليار دولار وهي قيمة الهبات للحكومة والتي شكلت نحو 23.6% من إجمالي الوعود والتعهدات التي قدمت للحكومة ما قيمته 4.307 مليارات دولار على شكل قروض (76.4% من الاجمالي)، وقد حصل لبنان على 57% من الـ 5.643 مليارات دولار أي ما قيمته 3.2 مليارات دولار. ومقابل كل تلك الاموال تعهد لبنان تنفيذ سلسلة إصلاحات هيكلية وبنيوية.

تمحور البرنامج الإصلاحي لباريس 3 حول 6 بنود اساسية أهمها التزام الحكومة تنفيذ إصلاحات لتحفيز النمو الاقتصادي من خلال إقرار التشريعات المطلوبة والإجراءات التي تطال الحوكمة وتحرير التجارة وتطوير الاسواق المالية، بالاضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالاضافة إلى تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أبرز الإصلاحات التي تضمنها البرنامج الإصلاحي لباريس 3: – تعهد الحكومة خفض العجز في المالية العامة. – الحدّ من من تنامي الدين العام عبر إقرار إصلاحات تطال الانفاق العام. – إصلاحات تطال السياسة الضريبية. – تحسين تحصيل الايرادات والجباية الضريبية. – إلتزم لبنان العمل على إصلاح قطاع الكهرباء من خلال تحرير الانتاج وإنشاء الهيئة الناظمة تمهيداً لخصخصة القطاع في المدى المتوسط. – تعهد لبنان خلال مؤتمر باريس 3 تنفيذ برنامج الخصخصة لا سيما في قطاع الاتصالات من خلال تأسيس شركة تيليكوم لبنان وطرح رخصتي الخليوي للمزايدة ثم خصخصة قطاع النقل، تحديداً ما له علاقة بالمرفأ والمطار بالاضافة إلى قطاع المياه. – تعهد لبنان خلال باريس 3 العمل على تعزيز شبكات الامن الاجتماعي لمكافحة الفقر وإصلاح نظام التقاعد ونهاية الخدمة.

Share This

Share This

Share this post with your friends!