كي لا يكون الرقم وجهة نظر

تواجه لبنان اليوم استحقاقات كبيرة جداً، ومتعدّدة الجوانب. لبنان الذي ما لبث دخول نادي الدول النفطية حتى تظهّرت هستيريا اسرائيلية غير مسبوقة تجلّت بتهديدات بتدمير لبنان. ولولا حادثة إسقاط الطائرة الصهيونية المعادية بصاروخ سوري، والتي أعادت العقلنة والهدوء الى الخطاب الاسرائيلي، لكانت موجة الهستيريا التي استمرّت أسبوعين، ازدادت قوة. لكنّ الخطاب الاسرائيلي تحوّل من لغة التهديد والوعيد الى التهويل بموضوع الغاز، و”حقّ” اسرائيل بالبلوك اللبناني التاسع، والذي ترجم بالرحلات المكوكية لمساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد الذي أقام بين بيروت وتل أبيب لحوالى العشرة أيام.

الاستحقاق الثاني الذي يعيشه لبنان اليوم، والذي انعكس على كل ما يخص الدولة، هو استحقاق الانتخابات النيابية، حيث يبدو أنّ الخارطة السياسية في لبنان تتقدّم وتتغيّر وفق ايقاعه، وسط تكشّف حجم القوى الداخلية والخارجية وربما الاقليمية التي لم تكن تريد لهذا الاستحقاق أن يبصر النور، دون أن يكون لها خيار تأجيل الانتخابات أو تعديل القانون.

الاستحقاق الثالث، والمرتبط بالاستحقاقين السابق ذكرهما، هو استحقاق موازنة العام 2018، واستطراداً الوضع المالي والوضع الاقتصادي الضاغط، لا سيما أنّ لبنان يجد نفسه في ظلّ مؤتمرات دولية وضعت فجأة على الطاولة، منها المخصّصة للدعم الاقتصادي كمؤتمر سيدر 1، أو تلك المخصصة لدعم مؤسساته وخاصة العسكرية منها، كمؤتمر روما 2.

 

بين استحقاقات سوريا و”صفقة القرن”.. لبنان يضيّع أوراق القوة

هذه اللوحة التي تبيّن كيف تربط هذه الاستحقاقات بايقاعها كلّ الوضع السياسي، ومصير البلد، تبرز دقّة المرحلة التي يبدو أنّها مستمرّة حتى نهاية فترة الانتخابات النيابية، لكون هذه الاستحقاقات تترافق مع تحوّلات اقليمية كبرى تحصل في سوريا، سواء عبر الحسم الذي يطلّ برأسه أكثر وأكثر في الداخل السوري، من إدلب وصولاً الى غوطة دمشق، كما تظهر في التغيّرات البادية على السياسة السعودية تجاه لبنان وتجاه المنطقة، خاصة أنّ احتجاز الرئيس سعد الحريري في 4 تشرين الثاني من العام الماضي شكّل نقطة تحوّل كبرى في السياسة السعودية تجاه لبنان كبلد، وتجاه حلفاء المملكة الطبيعيين في البلاد، قبل أن تعود اليوم هذه السياسة للعب ورقة تتراوح بين “احتواء” حلفائها، أو “تأديبهم”، وصولاً الى “اختراع” حلفاء جدد للخربطة عليهم في الانتخابات النيابية، مستخدمة أسلوب “العصا والجزرة”.

كلّ ذلك يحصل تحت مظلة أنّ العام 2018 هو عام الاستحقاقات الكبرى في سوريا، وهو، حتى أيار، عام ما اصطلح على تسميته “صفقة القرن”، التي تشكّل المساومة العظمى على القدس، والتي لم تبدأ مع اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل، بل كان ذلك وقت الإعلان عنها، والتي تجلّت بوضوح أكثر، بتناغم سعودي كامل مع هذا الطرح، وليس أقلّه إعلان رئيس الوزراء الأردني قطع السعودية مساعداتها عن المملكة الهاشمية نتيجة موقفها من موضوع القدس. كما يتبيّن اليوم، للأسف، أنّ دولاً عربية أخرى مؤثّرة لم تأخذ المواقف المنتظرة منها، بل تماشت مع الصفقة، ربما لاستحقاقات انتخابية، أو أخرى متعلّقة بمكافحة الإرهاب.

أمام هذه اللوحة المحلية والاقليمية والدولية، المليئة بالمتغيرات والاستحقاقات والتحديات الجسام، وجد لبنان نفسه أمام مفترق طرق، حيث يملك للمرة الأولى هذا الكم من أوراق القوة، كونه يضمّ مكوّناً يلعب دوراً كبيراً على المستوى الإقليمي، وقادر على إقامة ميزان ردع في الداخل، ولكونه لديه حدّ أدنى من التفاهم السياسي بين مكوّناته بما يؤكّد أن لا عودة للاختلافات العميقة وللحرب الأهلية، كما يملك عنصري قوة كبيرين يسمحان له بمواجهة كافة أزماته الاقتصادية والمالية ونقله الى مستوى جديد من الإصلاح الهيكلي الضروري، يتجليّان باكتشاف الغاز والنفط في بحره وبرّه، كما بعملية إعادة إعمار سوريا، التي يمكن للبنان أن يلعب دوراً كبيراً فيها.

أمام هذه الاستحقاقات التي تواجهه، نرى اليوم أنّ لبنان، بدل الاستفادة من أوراقه والمراكمة عليها للانطلاق الى غد مشرق، نراه اليوم يضيّع هذه الأوراق، ليقبع تحت وطأة الضغوطات المقبلة، حيث بدل أن تكون الانتخابات النيابية اليوم محطة أساسية للبلاد لتوحيد الجهود ووضع برامج جديدة وضخ دم جديد في الحياة السياسية اللبنانية، تتحوّل الى عامل يضيّع الأساسيات، يضيّع التحالفات ربما، يوجّه تفكير الجميع نحو البحث عن أكبر المكاسب الذاتية، حتى لو كانت على حساب التحالفات، أو على حساب البلاد، وهو ما يشمل السياسة والاقتصاد والأمن. لذلك نرى اليوم أنّ ثمّة قضايا عدّة تطرح، لها علاقة بمشاريع مفترض أن تكون تطويرية إصلاحية، بينما الغايات الأساسية منها، هي ربما تأمين أموال للحملات الانتخابية..

 

الأميركيون يتّهمون دون أدلّة.. تحت طائلة العقوبات

بالعودة الى الاستحقاق الأول، من الواضح أنّ زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد لم تأت دون سياق، بل شهدت قبلها زيارة مساعد وزير الخزانة الأميركي مارشال بيلنغسلي، الذي طرح مجموعة من المطالب الأميركية تبيّن في سياق شرحه لها أنّ أسبابها لا بعد محلياً أو إقليمياً لها، بل لها علاقة بالداخل الأميركي والصراع القائم بين الديمقراطيين والجمهوريين، مطالباً بنتائج، بغضّ النظر إن كانت هذه النتائج أتت في سياق عمل محدّد أم لتأمين مكاسب يحتاجونها. وحين تكلم بيلينغسلي عن عدم اقتناع الأميركيين بعدم استخدام حزب الله للمصارف اللبنانية، وعن دور حزب الله في غسل الأموال وتجارة المخدرات، لم يقدّم أي وقائع أو أدلّة على اتهاماته، بل اعتبر أنّه من غير المعقول أنّ قوة بحجم حزب الله واحتياجاته الضخمة من التمويل لا تستخدم المصارف.

هذه المطالب التي قدّمها، وإن كان البعض اعتبر فيها نوعاً من المقايضة بين قانون العقوبات المنتظر صدوره بين الحين والآخر، والتوسّع بتطبيق القانون الحالي، وربما هي مقايضة ايجابية للبنان، ولكنها وضعت ضغوطاً على الاقتصاد اللبناني، قادرة على توليد أزمات داخلية.

لكنّ هذه الزيارة، والتي طلب خلالها أيضاً إقفال المصرف التجاري السوري اللبناني، والتي جاء توقيتها قبل الانتخابات النيابية، التي اعتبر الأميركيون وحلفائهم الاقليميين  أنّه من غير المقبول أن يخرج حزب الله منها كقوة نيابية محصّنة تكون الأكبر في مجلس النواب من خلال تحالفاتها، أتت في نفس سياق زيارة ساترفيلد، الذي رغم أنّه وضع على الطاولة موضوع النفط والغاز كمدخل أساسي، كانت القضايا التي ناقشها تتعلّق بسلاح حزب الله وبالعقوبات المالية أيضاً. وقد دخل مساعد وزير الخارجية بموضوع العقوبات المالية وتفاصيلها ربما أكثر من مساعد وزير الخزانة.

 

إسقاط الطائرة يغيّر المعادلات الإقليمية.. ويربك الأميركيين

لكنّ هذا الايقاع الذي قام في سياق وصول ساترفيلد الى المنطقة، على ايقاع قوة اسرائيل الهائلة وتهديداتها المستمرّة، تغيّر بشكل جذري عشية الزيارة، بفعل إسقاط طائرة “اف 16” الاسرائيلية في سوريا، وهو فعل لا يقف فقط حول قرار عسكري بضرب طائرة معادية، بل يتعلّق بشكل أساسي بما كانت أعلنته المقاومة من كونها لحظة تحول استراتيجي في الصراع في المنطقة، وفي تغيير قواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، تشي بعض المعلومات العسكرية الآتية من طرف محايد معني بالصراع في المنطقة، أنّ عدد الطائرات الذي سقط يتخطّى الواحدة، وربما كان ما حدث فخّاً استدرجت له المقاتلات الصهيونية، ما يعني أنّ الموضوع كان محضّراً وليس وليد صدفة.

هذا التحوّل فرض إعادة حسابات، وإعادة تموضع، وهو ما أدّى بوزير الخارجية الأميركي ريكس تيليرسون الى اتباع أسلوب “العصا والجزرة”، عبر تصريحه الشهير في الأردن الذي اعتبر فيه أنّه “يجب الاعتراف بأن حزب الله هو جزء من العملية السياسية في لبنان”.

اليوم، كان الرهان قائماً على قبول لبنان بالوساطة وبالاقتراح الأميركيين بالعودة الى خطّ هوف، والتراجع عن حقّه السيادي في بحره. الواضح حتى الآن، أنّ السقف الذي وضعه أمين عام حزب الله ورئيسي الجمهورية ومجلس النواب يصعّب هذه الأزمة، ويثبّت حقّ لبنان، ويضع معادلة جديدة قوامها: “إما أن يكون لدى الجميع نفط وغاز، وإما لا يكون لدى أحد”. وهي معادلة تمثّل اسرائيل المتضرّر الأكبر منها، كونها ارتبطت باتفاقيات ومعاهدات لتصريف غازها.

 

الانتخابات النيابية تدفع بموازنة لا تشبه الوعود الإصلاحية

بالنسبة الى الاستحقاق النيابي، ربما تكون الانتخابات هي السبب الرئيس خلف تقديم مشروع موازنة لا تشبه كافة الوعود التي كانت قائمة في العام 2017. وربما هي التي دفعت جميع القوى السياسية للتساهل في موضوع التوسّع بالإنفاق. وإن كان مشروع الموازنة القائم لا يضمّ أي بنود إصلاحية، لكنّ حجم هذا التوسّع من جهة، وحجم الاستعانة بعمليات تجميلية كإخراج الكهرباء من بنود الموازنة وإلحاقها بعجز الخزينة، هو أمر لا ينطلي على أحد، وخطوة مؤسفة تعيدنا للوراء.

اليوم، يبدو من تصريحات المسؤولين المعنيين أنّ همّهم كلّه مصبوب على المجتمع الدولي واستحقاق باريس 4 (سيدر 1)، وورقة البنك الدولي. المؤسف أنّ حاجة الإصلاح هي حاجة محلية، كما حاجة ضبط الإنفاق، ووقف الهدر مصلحة لبنانية بالدرجة الأولى. لتتبارى هذه الأحزاب والمكونات على هذه المواضيع في الاستحقاق الانتخابي، بدلاً من إطلاق الوعود، وتقديم الهدايا المجانية. جلّ ما سبق يعكس أن لا رؤيا ولا التزام حقيقي بهذه المعايير، وهو منتظر أن يشكّل ورقة للاستخدام في الصراع الانتخابي المقبل، بحيث نرى، كما يحصل اليوم، أنّ ثمة ملفات تناقش في مجلسي الوزراء والبرلمان، أعيد سحبها اليوم لتشكّل مادة للنقاش العقيم، كملفات الكهرباء والنفايات وغيرها من القضايا، بما فيها الموضوع المالي والاقتصادي الذي نرى اليوم أنّه في طور التحول الى مادة انتخابية، مع كلّ آثاره السلبية على الوضع الاقتصادي للبلاد.

 

الحريري يطلب خفض النفقات بـ20%.. لا معايير ولا رؤيا

بالعودة الى موضوع الموازنة والحدّ من النفقات، أرسل رئيس الحكومة سعد الحريري رسالة الى الوزارات يطلب منها الحدّ من الإنفاق بنسبة 20%، فيما علت أصوات في الأيام القليلة الماضية اعتبرت أنّ خفض موازنات الوزارات لتخفيف العجز في الموازنة، صعب التحقق، اذ ان الرواتب والاجور في وزارات عدة تبلغ نحو 85 في المئة ما يعني استحالة بلوغ الخفض ان حصل حدود الـ 20 في المئة، والخفض يعني أيضاً الغاء كل الموازنات المخصصة للمشاريع والبنى التحتية وغيرها.

في هذا السياق، يتبادر سؤال الى الأذهان: ما هي المعايير التي وضع الرقم 20% على أساسها؟ لا شكّ أنّ ثمّة تخفيضات مهمة يمكن للوزارات القيام بها، وهي تتعلّق بكل إنفاق غير مجدٍ موجود، وتقع في صلبه بنود تتعلّق بالتجهيزات والمفروشات، والعمل على الفاتورة. هي بنود يكبر التوسّع فيها، بدليل أنّ عدد المتعاملين على الفاتورة، وعدد من أدخلوا بعقود جانبية الى الإدارات والوزارات زاد بشكل كبير بين العامين 2017 و2018، كما أصدر مجلس الوزراء قرارات بالجملة لإدخال آلاف ناس الى الإدارات، سواء سماهم مياومين أم متعاقدين !

لذلك، حتى لو كان المطلوب خفض موازنة الوزارات الى 20%، فسيبقى حجم الرواتب أعلى من المعدّل المطلوب، فمن غير المنطق أنّ الحكومة نفسها تتفاجأ بأنّ سلسلة الرتب والرواتب وصلت الى حجم أكبر من المتوقع، علماً أنّها الحكومة نفسها التي أجرت الدراسات التي أقرّت بموجبها السلسلة !

أما في ما خص أبواب الهدر الناجمة عن عدم الجباية، ولنأخذ هنا موضوع الجمارك مثلاً، الذي كان يفترض بالجمارك أن يجبي أكثر من 2400 مليار ليرة، بحيث أنّه لو تقدّمنا اليوم 150 أو 200 مليار ليرة، إلّا أنّه لو استطعنا جباية 1000 مليار لكنّا غطّينا الـ 20% المطلوبة !

 

الغاز وإعمار سوريا: ركيزتا الانطلاق نحو آفاق أفضل

أمام هذا الوضع الذي يشهده لبنان، المتمثّل بصعوبات اقتصادية ومالية، وضغوطات قائمة على البلاد، إلّا أنّه لا شكّ أنّ اتجاه المنطقة يسير نحو آفاق أفضل. ولا شكّ أنّ الركيزتين الموجودتين لدينا، أي موضوع النفط والغاز، وقضية إعادة إعمار سوريا، يجب وضعهما على بساط البحث بشكل جدّي ليستطيع البلد الاستفادة منهما، وللبحث بكيفية تحوّل اقتصادنا وفق شرط جديد قوامه أنّ لبنان أضحى دولة نفطية.

ماذا يعني كلّ ذلك، في موضوع الاستثمارات التي ستدخل لبنان لتطوير البنية التحتية التي ستخدم قضية الغاز؟ كيف سيؤثّر كلّ ذلك على سوق العمل في البلاد في ما خص الشركات الوافدة والوظائف الجديدة التي تخدم هذا القطاع؟ خاصة أنّ الاستثمارت المقبلة على البلاد مع بداية العمل باستخراج الغاز مقدّرة بمليارات الدولارات، 8 مليارات تحديداً !

أمّا موضوع إعمار سوريا، فهو يشكّل قضية لم تعد تحتمل التأجيل، بل بات لزاماً على الحكومة، ربما بعد الانتخابات، أن تحسم خياراتها، ليس بما يتعلّق بتسهيل انتقال الشركات والأفراد الى سوريا، بل بالبحث كدولة بما يمكن المساهمة به في سوريا، وبما يمكن الاستفادة منه جرّاء المشاركة في هذه الورشة.

قضيتان لا تحتملان التأخير بعد اليوم، بانتظار انتهاء اللاعبين السياسيين من معمعة الانتخابات التي يتوقّع أن تعيد الجميع الى أحجامهم الطبيعية !

تواجه لبنان اليوم استحقاقات كبيرة جداً، ومتعدّدة الجوانب. لبنان الذي ما لبث دخول نادي الدول النفطية حتى تظهّرت هستيريا اسرائيلية غير مسبوقة تجلّت بتهديدات بتدمير لبنان. ولولا حادثة إسقاط الطائرة الصهيونية المعادية بصاروخ سوري، والتي أعادت العقلنة والهدوء الى الخطاب الاسرائيلي، لكانت موجة الهستيريا التي استمرّت أسبوعين، ازدادت قوة. لكنّ الخطاب الاسرائيلي تحوّل من لغة التهديد والوعيد الى التهويل بموضوع الغاز، و”حقّ” اسرائيل بالبلوك اللبناني التاسع، والذي ترجم بالرحلات المكوكية لمساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد الذي أقام بين بيروت وتل أبيب لحوالى العشرة أيام.

الاستحقاق الثاني الذي يعيشه لبنان اليوم، والذي انعكس على كل ما يخص الدولة، هو استحقاق الانتخابات النيابية، حيث يبدو أنّ الخارطة السياسية في لبنان تتقدّم وتتغيّر وفق ايقاعه، وسط تكشّف حجم القوى الداخلية والخارجية وربما الاقليمية التي لم تكن تريد لهذا الاستحقاق أن يبصر النور، دون أن يكون لها خيار تأجيل الانتخابات أو تعديل القانون.

الاستحقاق الثالث، والمرتبط بالاستحقاقين السابق ذكرهما، هو استحقاق موازنة العام 2018، واستطراداً الوضع المالي والوضع الاقتصادي الضاغط، لا سيما أنّ لبنان يجد نفسه في ظلّ مؤتمرات دولية وضعت فجأة على الطاولة، منها المخصّصة للدعم الاقتصادي كمؤتمر سيدر 1، أو تلك المخصصة لدعم مؤسساته وخاصة العسكرية منها، كمؤتمر روما 2.

 

بين استحقاقات سوريا و”صفقة القرن”.. لبنان يضيّع أوراق القوة

هذه اللوحة التي تبيّن كيف تربط هذه الاستحقاقات بايقاعها كلّ الوضع السياسي، ومصير البلد، تبرز دقّة المرحلة التي يبدو أنّها مستمرّة حتى نهاية فترة الانتخابات النيابية، لكون هذه الاستحقاقات تترافق مع تحوّلات اقليمية كبرى تحصل في سوريا، سواء عبر الحسم الذي يطلّ برأسه أكثر وأكثر في الداخل السوري، من إدلب وصولاً الى غوطة دمشق، كما تظهر في التغيّرات البادية على السياسة السعودية تجاه لبنان وتجاه المنطقة، خاصة أنّ احتجاز الرئيس سعد الحريري في 4 تشرين الثاني من العام الماضي شكّل نقطة تحوّل كبرى في السياسة السعودية تجاه لبنان كبلد، وتجاه حلفاء المملكة الطبيعيين في البلاد، قبل أن تعود اليوم هذه السياسة للعب ورقة تتراوح بين “احتواء” حلفائها، أو “تأديبهم”، وصولاً الى “اختراع” حلفاء جدد للخربطة عليهم في الانتخابات النيابية، مستخدمة أسلوب “العصا والجزرة”.

كلّ ذلك يحصل تحت مظلة أنّ العام 2018 هو عام الاستحقاقات الكبرى في سوريا، وهو، حتى أيار، عام ما اصطلح على تسميته “صفقة القرن”، التي تشكّل المساومة العظمى على القدس، والتي لم تبدأ مع اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل، بل كان ذلك وقت الإعلان عنها، والتي تجلّت بوضوح أكثر، بتناغم سعودي كامل مع هذا الطرح، وليس أقلّه إعلان رئيس الوزراء الأردني قطع السعودية مساعداتها عن المملكة الهاشمية نتيجة موقفها من موضوع القدس. كما يتبيّن اليوم، للأسف، أنّ دولاً عربية أخرى مؤثّرة لم تأخذ المواقف المنتظرة منها، بل تماشت مع الصفقة، ربما لاستحقاقات انتخابية، أو أخرى متعلّقة بمكافحة الإرهاب.

أمام هذه اللوحة المحلية والاقليمية والدولية، المليئة بالمتغيرات والاستحقاقات والتحديات الجسام، وجد لبنان نفسه أمام مفترق طرق، حيث يملك للمرة الأولى هذا الكم من أوراق القوة، كونه يضمّ مكوّناً يلعب دوراً كبيراً على المستوى الإقليمي، وقادر على إقامة ميزان ردع في الداخل، ولكونه لديه حدّ أدنى من التفاهم السياسي بين مكوّناته بما يؤكّد أن لا عودة للاختلافات العميقة وللحرب الأهلية، كما يملك عنصري قوة كبيرين يسمحان له بمواجهة كافة أزماته الاقتصادية والمالية ونقله الى مستوى جديد من الإصلاح الهيكلي الضروري، يتجليّان باكتشاف الغاز والنفط في بحره وبرّه، كما بعملية إعادة إعمار سوريا، التي يمكن للبنان أن يلعب دوراً كبيراً فيها.

أمام هذه الاستحقاقات التي تواجهه، نرى اليوم أنّ لبنان، بدل الاستفادة من أوراقه والمراكمة عليها للانطلاق الى غد مشرق، نراه اليوم يضيّع هذه الأوراق، ليقبع تحت وطأة الضغوطات المقبلة، حيث بدل أن تكون الانتخابات النيابية اليوم محطة أساسية للبلاد لتوحيد الجهود ووضع برامج جديدة وضخ دم جديد في الحياة السياسية اللبنانية، تتحوّل الى عامل يضيّع الأساسيات، يضيّع التحالفات ربما، يوجّه تفكير الجميع نحو البحث عن أكبر المكاسب الذاتية، حتى لو كانت على حساب التحالفات، أو على حساب البلاد، وهو ما يشمل السياسة والاقتصاد والأمن. لذلك نرى اليوم أنّ ثمّة قضايا عدّة تطرح، لها علاقة بمشاريع مفترض أن تكون تطويرية إصلاحية، بينما الغايات الأساسية منها، هي ربما تأمين أموال للحملات الانتخابية..

 

الأميركيون يتّهمون دون أدلّة.. تحت طائلة العقوبات

بالعودة الى الاستحقاق الأول، من الواضح أنّ زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد لم تأت دون سياق، بل شهدت قبلها زيارة مساعد وزير الخزانة الأميركي مارشال بيلنغسلي، الذي طرح مجموعة من المطالب الأميركية تبيّن في سياق شرحه لها أنّ أسبابها لا بعد محلياً أو إقليمياً لها، بل لها علاقة بالداخل الأميركي والصراع القائم بين الديمقراطيين والجمهوريين، مطالباً بنتائج، بغضّ النظر إن كانت هذه النتائج أتت في سياق عمل محدّد أم لتأمين مكاسب يحتاجونها. وحين تكلم بيلينغسلي عن عدم اقتناع الأميركيين بعدم استخدام حزب الله للمصارف اللبنانية، وعن دور حزب الله في غسل الأموال وتجارة المخدرات، لم يقدّم أي وقائع أو أدلّة على اتهاماته، بل اعتبر أنّه من غير المعقول أنّ قوة بحجم حزب الله واحتياجاته الضخمة من التمويل لا تستخدم المصارف.

هذه المطالب التي قدّمها، وإن كان البعض اعتبر فيها نوعاً من المقايضة بين قانون العقوبات المنتظر صدوره بين الحين والآخر، والتوسّع بتطبيق القانون الحالي، وربما هي مقايضة ايجابية للبنان، ولكنها وضعت ضغوطاً على الاقتصاد اللبناني، قادرة على توليد أزمات داخلية.

لكنّ هذه الزيارة، والتي طلب خلالها أيضاً إقفال المصرف التجاري السوري اللبناني، والتي جاء توقيتها قبل الانتخابات النيابية، التي اعتبر الأميركيون وحلفائهم الاقليميين  أنّه من غير المقبول أن يخرج حزب الله منها كقوة نيابية محصّنة تكون الأكبر في مجلس النواب من خلال تحالفاتها، أتت في نفس سياق زيارة ساترفيلد، الذي رغم أنّه وضع على الطاولة موضوع النفط والغاز كمدخل أساسي، كانت القضايا التي ناقشها تتعلّق بسلاح حزب الله وبالعقوبات المالية أيضاً. وقد دخل مساعد وزير الخارجية بموضوع العقوبات المالية وتفاصيلها ربما أكثر من مساعد وزير الخزانة.

 

إسقاط الطائرة يغيّر المعادلات الإقليمية.. ويربك الأميركيين

لكنّ هذا الايقاع الذي قام في سياق وصول ساترفيلد الى المنطقة، على ايقاع قوة اسرائيل الهائلة وتهديداتها المستمرّة، تغيّر بشكل جذري عشية الزيارة، بفعل إسقاط طائرة “اف 16” الاسرائيلية في سوريا، وهو فعل لا يقف فقط حول قرار عسكري بضرب طائرة معادية، بل يتعلّق بشكل أساسي بما كانت أعلنته المقاومة من كونها لحظة تحول استراتيجي في الصراع في المنطقة، وفي تغيير قواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، تشي بعض المعلومات العسكرية الآتية من طرف محايد معني بالصراع في المنطقة، أنّ عدد الطائرات الذي سقط يتخطّى الواحدة، وربما كان ما حدث فخّاً استدرجت له المقاتلات الصهيونية، ما يعني أنّ الموضوع كان محضّراً وليس وليد صدفة.

هذا التحوّل فرض إعادة حسابات، وإعادة تموضع، وهو ما أدّى بوزير الخارجية الأميركي ريكس تيليرسون الى اتباع أسلوب “العصا والجزرة”، عبر تصريحه الشهير في الأردن الذي اعتبر فيه أنّه “يجب الاعتراف بأن حزب الله هو جزء من العملية السياسية في لبنان”.

اليوم، كان الرهان قائماً على قبول لبنان بالوساطة وبالاقتراح الأميركيين بالعودة الى خطّ هوف، والتراجع عن حقّه السيادي في بحره. الواضح حتى الآن، أنّ السقف الذي وضعه أمين عام حزب الله ورئيسي الجمهورية ومجلس النواب يصعّب هذه الأزمة، ويثبّت حقّ لبنان، ويضع معادلة جديدة قوامها: “إما أن يكون لدى الجميع نفط وغاز، وإما لا يكون لدى أحد”. وهي معادلة تمثّل اسرائيل المتضرّر الأكبر منها، كونها ارتبطت باتفاقيات ومعاهدات لتصريف غازها.

 

الانتخابات النيابية تدفع بموازنة لا تشبه الوعود الإصلاحية

بالنسبة الى الاستحقاق النيابي، ربما تكون الانتخابات هي السبب الرئيس خلف تقديم مشروع موازنة لا تشبه كافة الوعود التي كانت قائمة في العام 2017. وربما هي التي دفعت جميع القوى السياسية للتساهل في موضوع التوسّع بالإنفاق. وإن كان مشروع الموازنة القائم لا يضمّ أي بنود إصلاحية، لكنّ حجم هذا التوسّع من جهة، وحجم الاستعانة بعمليات تجميلية كإخراج الكهرباء من بنود الموازنة وإلحاقها بعجز الخزينة، هو أمر لا ينطلي على أحد، وخطوة مؤسفة تعيدنا للوراء.

اليوم، يبدو من تصريحات المسؤولين المعنيين أنّ همّهم كلّه مصبوب على المجتمع الدولي واستحقاق باريس 4 (سيدر 1)، وورقة البنك الدولي. المؤسف أنّ حاجة الإصلاح هي حاجة محلية، كما حاجة ضبط الإنفاق، ووقف الهدر مصلحة لبنانية بالدرجة الأولى. لتتبارى هذه الأحزاب والمكونات على هذه المواضيع في الاستحقاق الانتخابي، بدلاً من إطلاق الوعود، وتقديم الهدايا المجانية. جلّ ما سبق يعكس أن لا رؤيا ولا التزام حقيقي بهذه المعايير، وهو منتظر أن يشكّل ورقة للاستخدام في الصراع الانتخابي المقبل، بحيث نرى، كما يحصل اليوم، أنّ ثمة ملفات تناقش في مجلسي الوزراء والبرلمان، أعيد سحبها اليوم لتشكّل مادة للنقاش العقيم، كملفات الكهرباء والنفايات وغيرها من القضايا، بما فيها الموضوع المالي والاقتصادي الذي نرى اليوم أنّه في طور التحول الى مادة انتخابية، مع كلّ آثاره السلبية على الوضع الاقتصادي للبلاد.

 

الحريري يطلب خفض النفقات بـ20%.. لا معايير ولا رؤيا

بالعودة الى موضوع الموازنة والحدّ من النفقات، أرسل رئيس الحكومة سعد الحريري رسالة الى الوزارات يطلب منها الحدّ من الإنفاق بنسبة 20%، فيما علت أصوات في الأيام القليلة الماضية اعتبرت أنّ خفض موازنات الوزارات لتخفيف العجز في الموازنة، صعب التحقق، اذ ان الرواتب والاجور في وزارات عدة تبلغ نحو 85 في المئة ما يعني استحالة بلوغ الخفض ان حصل حدود الـ 20 في المئة، والخفض يعني أيضاً الغاء كل الموازنات المخصصة للمشاريع والبنى التحتية وغيرها.

في هذا السياق، يتبادر سؤال الى الأذهان: ما هي المعايير التي وضع الرقم 20% على أساسها؟ لا شكّ أنّ ثمّة تخفيضات مهمة يمكن للوزارات القيام بها، وهي تتعلّق بكل إنفاق غير مجدٍ موجود، وتقع في صلبه بنود تتعلّق بالتجهيزات والمفروشات، والعمل على الفاتورة. هي بنود يكبر التوسّع فيها، بدليل أنّ عدد المتعاملين على الفاتورة، وعدد من أدخلوا بعقود جانبية الى الإدارات والوزارات زاد بشكل كبير بين العامين 2017 و2018، كما أصدر مجلس الوزراء قرارات بالجملة لإدخال آلاف ناس الى الإدارات، سواء سماهم مياومين أم متعاقدين !

لذلك، حتى لو كان المطلوب خفض موازنة الوزارات الى 20%، فسيبقى حجم الرواتب أعلى من المعدّل المطلوب، فمن غير المنطق أنّ الحكومة نفسها تتفاجأ بأنّ سلسلة الرتب والرواتب وصلت الى حجم أكبر من المتوقع، علماً أنّها الحكومة نفسها التي أجرت الدراسات التي أقرّت بموجبها السلسلة !

أما في ما خص أبواب الهدر الناجمة عن عدم الجباية، ولنأخذ هنا موضوع الجمارك مثلاً، الذي كان يفترض بالجمارك أن يجبي أكثر من 2400 مليار ليرة، بحيث أنّه لو تقدّمنا اليوم 150 أو 200 مليار ليرة، إلّا أنّه لو استطعنا جباية 1000 مليار لكنّا غطّينا الـ 20% المطلوبة !

 

الغاز وإعمار سوريا: ركيزتا الانطلاق نحو آفاق أفضل

أمام هذا الوضع الذي يشهده لبنان، المتمثّل بصعوبات اقتصادية ومالية، وضغوطات قائمة على البلاد، إلّا أنّه لا شكّ أنّ اتجاه المنطقة يسير نحو آفاق أفضل. ولا شكّ أنّ الركيزتين الموجودتين لدينا، أي موضوع النفط والغاز، وقضية إعادة إعمار سوريا، يجب وضعهما على بساط البحث بشكل جدّي ليستطيع البلد الاستفادة منهما، وللبحث بكيفية تحوّل اقتصادنا وفق شرط جديد قوامه أنّ لبنان أضحى دولة نفطية.

ماذا يعني كلّ ذلك، في موضوع الاستثمارات التي ستدخل لبنان لتطوير البنية التحتية التي ستخدم قضية الغاز؟ كيف سيؤثّر كلّ ذلك على سوق العمل في البلاد في ما خص الشركات الوافدة والوظائف الجديدة التي تخدم هذا القطاع؟ خاصة أنّ الاستثمارت المقبلة على البلاد مع بداية العمل باستخراج الغاز مقدّرة بمليارات الدولارات، 8 مليارات تحديداً !

أمّا موضوع إعمار سوريا، فهو يشكّل قضية لم تعد تحتمل التأجيل، بل بات لزاماً على الحكومة، ربما بعد الانتخابات، أن تحسم خياراتها، ليس بما يتعلّق بتسهيل انتقال الشركات والأفراد الى سوريا، بل بالبحث كدولة بما يمكن المساهمة به في سوريا، وبما يمكن الاستفادة منه جرّاء المشاركة في هذه الورشة.

قضيتان لا تحتملان التأخير بعد اليوم، بانتظار انتهاء اللاعبين السياسيين من معمعة الانتخابات التي يتوقّع أن تعيد الجميع الى أحجامهم الطبيعية !

Share This

Share This

Share this post with your friends!