كي لا يكون الرقم وجهة نظر

على مر السنين ومع اختلاف العهود، لا يختلف إثنان على الإرتباط الوثيق بين السياسة من جهة وكل نواحي الحياة في لبنان من جهة أخرى، إن كانت إجتماعية، إقتصادية، صحية وإنمائية وحتى فنية.

وإذ أن الإرتباط يختلف بين تحالفات محلية وأخرى خارجية، تبقى التبعية السياسية العائق الأوّل في أي تطوّر يطمح إليه البلد وفي مختلف الإتجاهات.

الأمثلة على ذلك كثيرة، وأكبر دليل على هذا الأمر العلاقة الإقتصادية المرغوبة والمرفوضة في آن، والتي يسودها المد والجزر الدائمين وتحكمها السياسة خصوصاً في مجال الكهرباء.

عرض إيران لمساعدة لبنان في مجال الكهرباء ليس بجديد على الإطلاق، ولطالما عرفت أسباب الرفض خصوصاً مع إنقسام أعضاء الحكومة الواحدة بين مؤيّد ومعارض، متذرعين بالتخوّف من تداعيات التعاون بسبب العقوبات المفروضة على إيران من قبل أميركا بسبب النووي، إضافة إلى  الأخذ في الإعتبار للصراع السعودي – الإيراني، فضلاً عن إعتقادات شخصية لدى البعض بأن لبنان لن يرتهن لما يعتبرونها “ولاية الفقيه” الداعمة لحزب الله “الإرهابي” رغم مشاركته كحزب سياسي في الحكومة !!

بلد العجائب فعلاً، يعارض ما لا يجب معارضته وكل ما يمكن أن يستفيد منه ليطوّر نفسه، ويستفيد في جهات لا تفيد الحياة في لبنان في أي إطار.

علاقة المد والجزر التي حكمت إيران ولبنان لسنوات طويلة تحسّنت مؤخراً بفعل الوفاق داخل الحكومة الموحّدة نوعاً ما مع إطلالة عهد جديد منفتح على كل ما يصبّ في مصلحة الوطن.

بوادر هذا الإنفتاح لاحت في أفق السياسة عبر زيارة موفدين إيرانيين إلى لبنان ولقائهم رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، فضلاً عن دعوة إيران لوفود من الصحافيين والإعلاميين اللبنانيين للتعرّف على الطاقة الإيرانية، مصادرها وقوّتها، وجالوا خلالها على معامل توليد الطاقة.

بارقة تظهر حلحلة في موضوع الممانعة، إلا أن صدمة إعلان الحريري إستقالته المفروضة عليه من الرياض غيّرت المعطيات، وبدّلت المقاييس. أما إقامته القسرية في السعودية وما نتج عنها من تفسير مغاير لمسار الأمور ركّزت المواضيع في نصابها الصحيح، وما عودة رئيس الحكومة عن إستقالته إلا أكبر دليل على تغيير شروط اللعبة في المنطقة.

في ظلّ الوحدة التي أظهرها لبنان شعباً وحكومة ورئيساً تجاه التدخّل السعودي في الشؤون الداخلية، وفي ظل عودة الرئيس الحريري عن إستقالته، أمر واحد أكيد، هو تغيّر المشهد السياسي الإقليمي، خصوصاً مع إنحسار الحرب في سوريا والخسارة التي منيت بها السعودية في حرب اليمن .. هل تقلب هذه المعطيات مقاييس العلاقة بين طهران ولبنان؟

 

وبينما ملّ اللبنانيون من وضع الكهرباء في لبنان، وسئم المسؤولون من إمكانية حل المشكلة، لم تملّ طهران، حتى اليوم، من مزاجية بعض اللبنانيين. ورغم تململ لبنان السياسي والشعبي من عرضها المساعدة في مجالات شتّى، لا تزال إلى اليوم تمدّ يد العون لمن يرغب !

منذ عام ٢٠٠٩أعلنت  طهران استعدادها لتصدير الكهرباء للبنان وذلك بطريقة مكتوبة، واليوم في عام 2017 تؤكّد على هذا الإستعداد للتعاون مع لبنان في موضوع تأمين الكهرباء وتصنيع وتشغيل معامل توليد الكهرباء، معلنة قدرتها على سدّ العجز اللبناني خلال مهلة لا تتجاوز أشهراً ثلاثة وبأرخص الأسعار.

منذ 2009 .. رحلة الألف ميل

عرض إيران في العام 2009 عند بدء ولاية الرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة والوزير جبران باسيل كوزير للطاقة والمياه، تلخّص باستعداد إيران تأمين نحو ألف ميغاوات لسد كل احتياجات لبنان البالغة حوالي 2500 ميغاوات . فكان ترحيب لبناني تم التعبير عنه خلال زيارات مسؤولين لبنانيين إلى طهران وأبرزهم الحريري وباسيل.

تقول المعلومات في حينه، أن الإيرانيين عرضوا عبر شركة “مبنا” الإيرانية الخاصة، بناء محطتي إنتاج في دير عمار (في الشمال) والزهراني (في الجنوب)، بناء على دراسات جاهزة قدمها الجانب اللبناني، تنتج كل واحدة منهما 484 ميغاوات (الإجمالي يكون 968 ميغاوات)، على أن يبدأ التنفيذ من لحظة التوقيع، وخلال 12 شهراً يسلم الإيرانيون المحطة الأولى، و24 شهراً المحطة الثانية، مع فترة سماح لا تتجاوز أربعة أشهر، تحسباً لأي أمر طارئ عند أي من الجانبين. وتركت للحكومة اللبنانية أن تختار الأماكن، وأن تحدد طريقة الدفع، سواء عبر قرض ميسّر (فائدة بسيطة جدا)، يتضمن فترة سماح أو بطريقة الـ (B O T)، أي أن يستثمر القطاع الخاص بعد الترخيص له من الجهة الحكومية المختصة، وهو يتولى الدفع والتحصيل، وعندما يسدد السعر، تصبح المحطات ملك الدولة.  تضمن العرض الإيراني أسعاراً قيل للجانب اللبناني حينذاك “إنها الأرخص عالمياً ولا تتجاوز سعر الكلفة بقرش واحد”.

لم يكتف الإيرانيون بذلك، بل أضافوا أنهم على استعداد لتقديم عرض لبناء معمل ثالث تحسباً للاحتياجات اللبنانية المستقبلية، وفي الوقت نفسه، قدموا عرضاً لاستجرار الطاقة من إيران عبر الخط الذي سيصل إلى العراق وسوريا، وأبلغوا الجانب اللبناني أن واقع شبكات التوزيع اللبنانية الحالية، لا يمكنه أن يستوعب أكثر من 50 ميغاوات (يستطيع الايرانيون توفيرها خلال شهر أو شهرين حداً أقصى من لحظة التوقيع) وهم مستعدون لتكليف شركة إيرانية بأن تتولى عملية إصلاح الشبكات وتأهيلها وتحسينها حتى تصبح قادرة في المرحلة الأولى على تحمل حوالي 200 ميغاوات عبر خطوط الجر، وهذا يعني تقديم حوالي 1200 ميغاوات (تفيض بذلك احتياجات لبنان ويصبح بمقدوره أن يوفر الكهرباء لمدة أربع وعشرين ساعة لكل مواطنيه).

2017 عرض جديد وواقع سياسي جديد!

كان الحديث سهلاً في هذا المجال، أما التنفيذ فدونه عقبات كثيرة فلم يبصر المشروع النور، اليوم في 2017،  وخلال لقاء مع وفد اعلامي لبناني في وزارة الطاقة الايرانية بطهران، أبدى معاون وزير الطاقة الإيراني للشؤون الدولية علي رضا دائمي،  إستعداد إيران، التي تحتل المرتبة الرابعة عشر في إنتاج الطاقة، مساعدة لبنان في موضوع تأمين الكهرباء وتصنيع وتشغيل معامل توليد الكهرباء.

وأعلن رغبته دعوة وزير الطاقة اللبناني سيزار أبي خليل إلى زيارة إيران لمناقشة التعاون وبدء العمل في مجال تصدير الكهرباء. مشدداً على “أن قطاع الكهرباء والمياه ليسا قطاعين سياسيين بل هما يمثلان مساعدات للناس كما هو الحال في سوريا، حيث نواصل مساعدتهم في اعادة الاعمار رغم الحرب وأظن ان الظروف في لبنان ليست اصعب من ظروف دول أخرى بنينا فيها محطات للطاقة، مؤكداً أن “لبنان يمثّل أولوية لنا لتأمين الرفاهية في هذا البلد”، مضيفاً “كلّفنا أحد المدراء في وزراة الطاقة الايرانية تحضير رسالة رسمية توجه للحكومة اللبنانية في هذا الخصوص”. وشدد على “اننا قادرون على إنشاء محطات تتناسب مع احتياجات لبنان، ولدينا امكانية لتركيب هذه المحطات بشكل سريع في مهلة لا تتعدى الثلاثة أشهر”.

خصومة سعودية – إيرانية .. وتبدّل في الأجواء 

إيران الإقتصادية تفصل نفسها عن الأخرى السياسية، وفي هذا السياق، أكد دائمي أن إيران تفصل بين السياسة والإنماء الذي هو حاجة لكل الناس، لأن طهران تعتبر أن التعاون الفني والعلمي أعلى مرتبة من السياسة وهو يهدف للسلام. “

في هذا الإطار، وفي ظل عودة الرئيس الحريري عن إستقالته من جهة، والحديث عن فشل خطط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من جهة أخرى، فضلاً عن طريقة تعامل المجتمع الدولي مع مجريات الشهر الماضي ، يبدو أن الإيجابية هي عنوان المرحلة المقبلة.

المستشار في القانون الدولي المحامي قاسم حدرج يشير في حديث لـ “الإعمار والإقتصاد” عن تقاطع سياسي- إقتصادي بين إيران ولبنان يعرقله فريق لبناني لأنه يتعارض مع  علاقاته مع السعودية التي تتعارض مع إيران في شتى المجالات. فقد عرقل هذا الفريق في عام 2009 عدداً كبيراً من الإتفاقات التي وقعها لبنان الرسمي والتي تشمل التجارة البرية، الجمارك، الطاقة، دعم الجيش اللبناني بالاسلحة ..

في هذا السياق، يشير حدرج إلى أن المفارقة تكمن في أن الذريعة السياسية التي يتحجج فيها الفريق المعارض لا تقابلها فرص أخرى، وبالتالي فإن العلاقات اللبنانية الإيرانية قد بدأت منذ فجر إنتصار الثورة الإسلامية والتعاون الأساسي يكمن في محاربة العدو الإسرائيلي، وقد حصلت زيارات متعددة  لرؤساء إيرانيين إلى لبنان، وبالتالي فإن إيران لا تضمر إلا الخير للبنان.

ما الذي سيحكم العلاقة اليوم بين البلدين، خصوصاً بعد الضغط السعودي الذي مورس على رئيس الحكومة سعد الحريري لمهاجمة حزب الله وإيران؟

لا داعي للتذكير بكل تفاصيل ما حصل في الشهر الأخير في لبنان، إلا أن ما تجدر الإشارة إليه هو كيفية مواجهة لبنان موحّداً لمشكلة راهن الكثيرون على فضّ التفاهمات وكسر رهبة العهد الجديد بكل ما يحتويه من إتفاقات داخلية بعيداً من المظلّة الخارجية.

مصائب قوم عند قوم فوائد، ربما هذا ما يفسّر المرحلة المقبلة من علاقات لبنان الخارجية، فالسعودية الغارقة في حملتها التنظيفية الداخلية، فضلاً عن مشاركتها في حروب خارجية، يبدو أنها خسرت الرهان في لبنان واضطرّت أن تجود بالموجود.

يقول حدرج، أن العلاقات اللبنانية الإيرانية ستبقى مرهونة بنتائج الإنتخابات النيابية المقبلة في لبنان، إضافة إلى حال الإقليم وفضّ التشنّج الحاصل الذي يتراوح بين الحرب أو التسوية، وهذه الأخيرة هي التي يتوقعها حدرج. فيقول: ” التجربة الأخيرة الفاشلة للسعودية في لبنان لا بد وأن تنعكس إيجاباً على الساحة اللبنانية بسبب التكاتف اللبناني الذي وضع الداعمين السعوديين في لبنان في موقف لا يحسدون عليه. فقال لبنان كلمته : “لن نكون يمن ثان”

مما لا شك فيه بحسب حدرج أن السعودية فقدت الكثير من نفوذها على الساحة اللبنانية، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على العلاقات اللبنانية الإيرانية، بغض النظر عن علاقة هذه الأخيرة بالسعودية.

كل الدول متمسكة بالدور الإقتصادي لإيران، لذلك على لبنان فتح الأبواب كافة على الدول الصديقة للإستفادة وخصوصاً من إيران بعد أن أصبح التنسيق السعودي – الإسرائيلي علنياً بتأكيد من مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى في حديث  لوكالة “فرانس برس” بأن الأمير السعودي، الذي زار تل أبيب قبل عدة شهور، هو ولي العهد  محمد بن سلمان!

إضافة إلى ذلك، فقد سلطت صحيفة “بلومبيرغ” الأميركية، الضوء على ما قالت إنه تطور في العلاقات السعودية الإسرائيلية، مبينة أن هناك ظروفا إقليمية عدة تقف وراء تقارب الرياض وتل أبيب المدعوم أميركيا، والذي يمثل محور الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الشرق الأوسط.

وبينت الصحيفة في تقرير نشرته مؤخراً أن هناك اتفاقاً إسرائيلياً سعودياً في مواجهة إيران، من خلال الحرب على حزب الله، ضمن اتفاق توزيع للأدوار سيضع السعودية في واجهة الحرب الدبلوماسية، التي بدأت باستقالة الحريري على ما يبدو، بالتوازي مع الحرب العسكرية الإسرائيلية!!

قد لا تكون التحليلات بعيدة عن الواقع، وإذ أن الوضع اللبناني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحال الإقليمية، يعتقد حدرج بأن لبنان خرج من بيت الطاعة السعودي والشارع بجميع فئاته رأى وجه السعودية القبيح في التعامل مع اللبنانيين، واليوم التركيز يجب أن يكون صوب الإنتخابات النيابية لفرز طبقة سياسية جديدة تصوغ حكومة واقعية تتعامل مع المتغيرات الحاصلة، وتصبّ كل تعاملاتها وإتفاقاتها في سبيل لبنان مهما اختلفت الجهات المتعامل معها، وإن لم تكن إيران من ستساعد لبنان في قضية تأمين الكهرباء على الأقل، لماذا لا تمدّ السعودية بلاد النفط يد العون الحقيقية ؟

تعاون مع مختلف الدول

الجدير ذكره، أن شبكة الكهرباء  الإيرانية متصلة بشبكات الدول المجاورة كأأذربيجان، تركيا، العراق، باكستان، تركمانستان وافغانستان، ولدى إيران تبادل للكهرباء مع بعض هذه الدول حين يكون لديها انتاج فائض .. وقد أشار وزير الطاقة الإيراني أن “طاقات ايران ليست بانتاج الكهرباء فقط بل بناء المحطات بانظمة كاملة للتشغيل، فمثلاً في جنوب ايران أي في الخليج الفارسي نمتلك كابلات في البحر كما انها  نقوم ببناء محطات في عمان، مضيفاً بأن لدى إيران عقود لإنشاء محطات توليد الكهرباء في العراق وسوريا، كما نقوم ببناء محطة كهرباء على المياه في سريلانكا وفي طاجاكستان، اضافة لبناء المحولات “ترانسفورماتور” في اندونيسيا واسيا الوسطى واميركا اللاتينية .. وها هي اليوم توقّع مع سوريا عدة اتفاقيات لتحسين انتاج الكهرباء وتوزيعها في المناطق التي دمرتها الحرب، فهل ينضم لبنان إلى القافلة؟

 

 

على مر السنين ومع اختلاف العهود، لا يختلف إثنان على الإرتباط الوثيق بين السياسة من جهة وكل نواحي الحياة في لبنان من جهة أخرى، إن كانت إجتماعية، إقتصادية، صحية وإنمائية وحتى فنية.

وإذ أن الإرتباط يختلف بين تحالفات محلية وأخرى خارجية، تبقى التبعية السياسية العائق الأوّل في أي تطوّر يطمح إليه البلد وفي مختلف الإتجاهات.

الأمثلة على ذلك كثيرة، وأكبر دليل على هذا الأمر العلاقة الإقتصادية المرغوبة والمرفوضة في آن، والتي يسودها المد والجزر الدائمين وتحكمها السياسة خصوصاً في مجال الكهرباء.

عرض إيران لمساعدة لبنان في مجال الكهرباء ليس بجديد على الإطلاق، ولطالما عرفت أسباب الرفض خصوصاً مع إنقسام أعضاء الحكومة الواحدة بين مؤيّد ومعارض، متذرعين بالتخوّف من تداعيات التعاون بسبب العقوبات المفروضة على إيران من قبل أميركا بسبب النووي، إضافة إلى  الأخذ في الإعتبار للصراع السعودي – الإيراني، فضلاً عن إعتقادات شخصية لدى البعض بأن لبنان لن يرتهن لما يعتبرونها “ولاية الفقيه” الداعمة لحزب الله “الإرهابي” رغم مشاركته كحزب سياسي في الحكومة !!

بلد العجائب فعلاً، يعارض ما لا يجب معارضته وكل ما يمكن أن يستفيد منه ليطوّر نفسه، ويستفيد في جهات لا تفيد الحياة في لبنان في أي إطار.

علاقة المد والجزر التي حكمت إيران ولبنان لسنوات طويلة تحسّنت مؤخراً بفعل الوفاق داخل الحكومة الموحّدة نوعاً ما مع إطلالة عهد جديد منفتح على كل ما يصبّ في مصلحة الوطن.

بوادر هذا الإنفتاح لاحت في أفق السياسة عبر زيارة موفدين إيرانيين إلى لبنان ولقائهم رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، فضلاً عن دعوة إيران لوفود من الصحافيين والإعلاميين اللبنانيين للتعرّف على الطاقة الإيرانية، مصادرها وقوّتها، وجالوا خلالها على معامل توليد الطاقة.

بارقة تظهر حلحلة في موضوع الممانعة، إلا أن صدمة إعلان الحريري إستقالته المفروضة عليه من الرياض غيّرت المعطيات، وبدّلت المقاييس. أما إقامته القسرية في السعودية وما نتج عنها من تفسير مغاير لمسار الأمور ركّزت المواضيع في نصابها الصحيح، وما عودة رئيس الحكومة عن إستقالته إلا أكبر دليل على تغيير شروط اللعبة في المنطقة.

في ظلّ الوحدة التي أظهرها لبنان شعباً وحكومة ورئيساً تجاه التدخّل السعودي في الشؤون الداخلية، وفي ظل عودة الرئيس الحريري عن إستقالته، أمر واحد أكيد، هو تغيّر المشهد السياسي الإقليمي، خصوصاً مع إنحسار الحرب في سوريا والخسارة التي منيت بها السعودية في حرب اليمن .. هل تقلب هذه المعطيات مقاييس العلاقة بين طهران ولبنان؟

 

وبينما ملّ اللبنانيون من وضع الكهرباء في لبنان، وسئم المسؤولون من إمكانية حل المشكلة، لم تملّ طهران، حتى اليوم، من مزاجية بعض اللبنانيين. ورغم تململ لبنان السياسي والشعبي من عرضها المساعدة في مجالات شتّى، لا تزال إلى اليوم تمدّ يد العون لمن يرغب !

منذ عام ٢٠٠٩أعلنت  طهران استعدادها لتصدير الكهرباء للبنان وذلك بطريقة مكتوبة، واليوم في عام 2017 تؤكّد على هذا الإستعداد للتعاون مع لبنان في موضوع تأمين الكهرباء وتصنيع وتشغيل معامل توليد الكهرباء، معلنة قدرتها على سدّ العجز اللبناني خلال مهلة لا تتجاوز أشهراً ثلاثة وبأرخص الأسعار.

منذ 2009 .. رحلة الألف ميل

عرض إيران في العام 2009 عند بدء ولاية الرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة والوزير جبران باسيل كوزير للطاقة والمياه، تلخّص باستعداد إيران تأمين نحو ألف ميغاوات لسد كل احتياجات لبنان البالغة حوالي 2500 ميغاوات . فكان ترحيب لبناني تم التعبير عنه خلال زيارات مسؤولين لبنانيين إلى طهران وأبرزهم الحريري وباسيل.

تقول المعلومات في حينه، أن الإيرانيين عرضوا عبر شركة “مبنا” الإيرانية الخاصة، بناء محطتي إنتاج في دير عمار (في الشمال) والزهراني (في الجنوب)، بناء على دراسات جاهزة قدمها الجانب اللبناني، تنتج كل واحدة منهما 484 ميغاوات (الإجمالي يكون 968 ميغاوات)، على أن يبدأ التنفيذ من لحظة التوقيع، وخلال 12 شهراً يسلم الإيرانيون المحطة الأولى، و24 شهراً المحطة الثانية، مع فترة سماح لا تتجاوز أربعة أشهر، تحسباً لأي أمر طارئ عند أي من الجانبين. وتركت للحكومة اللبنانية أن تختار الأماكن، وأن تحدد طريقة الدفع، سواء عبر قرض ميسّر (فائدة بسيطة جدا)، يتضمن فترة سماح أو بطريقة الـ (B O T)، أي أن يستثمر القطاع الخاص بعد الترخيص له من الجهة الحكومية المختصة، وهو يتولى الدفع والتحصيل، وعندما يسدد السعر، تصبح المحطات ملك الدولة.  تضمن العرض الإيراني أسعاراً قيل للجانب اللبناني حينذاك “إنها الأرخص عالمياً ولا تتجاوز سعر الكلفة بقرش واحد”.

لم يكتف الإيرانيون بذلك، بل أضافوا أنهم على استعداد لتقديم عرض لبناء معمل ثالث تحسباً للاحتياجات اللبنانية المستقبلية، وفي الوقت نفسه، قدموا عرضاً لاستجرار الطاقة من إيران عبر الخط الذي سيصل إلى العراق وسوريا، وأبلغوا الجانب اللبناني أن واقع شبكات التوزيع اللبنانية الحالية، لا يمكنه أن يستوعب أكثر من 50 ميغاوات (يستطيع الايرانيون توفيرها خلال شهر أو شهرين حداً أقصى من لحظة التوقيع) وهم مستعدون لتكليف شركة إيرانية بأن تتولى عملية إصلاح الشبكات وتأهيلها وتحسينها حتى تصبح قادرة في المرحلة الأولى على تحمل حوالي 200 ميغاوات عبر خطوط الجر، وهذا يعني تقديم حوالي 1200 ميغاوات (تفيض بذلك احتياجات لبنان ويصبح بمقدوره أن يوفر الكهرباء لمدة أربع وعشرين ساعة لكل مواطنيه).

2017 عرض جديد وواقع سياسي جديد!

كان الحديث سهلاً في هذا المجال، أما التنفيذ فدونه عقبات كثيرة فلم يبصر المشروع النور، اليوم في 2017،  وخلال لقاء مع وفد اعلامي لبناني في وزارة الطاقة الايرانية بطهران، أبدى معاون وزير الطاقة الإيراني للشؤون الدولية علي رضا دائمي،  إستعداد إيران، التي تحتل المرتبة الرابعة عشر في إنتاج الطاقة، مساعدة لبنان في موضوع تأمين الكهرباء وتصنيع وتشغيل معامل توليد الكهرباء.

وأعلن رغبته دعوة وزير الطاقة اللبناني سيزار أبي خليل إلى زيارة إيران لمناقشة التعاون وبدء العمل في مجال تصدير الكهرباء. مشدداً على “أن قطاع الكهرباء والمياه ليسا قطاعين سياسيين بل هما يمثلان مساعدات للناس كما هو الحال في سوريا، حيث نواصل مساعدتهم في اعادة الاعمار رغم الحرب وأظن ان الظروف في لبنان ليست اصعب من ظروف دول أخرى بنينا فيها محطات للطاقة، مؤكداً أن “لبنان يمثّل أولوية لنا لتأمين الرفاهية في هذا البلد”، مضيفاً “كلّفنا أحد المدراء في وزراة الطاقة الايرانية تحضير رسالة رسمية توجه للحكومة اللبنانية في هذا الخصوص”. وشدد على “اننا قادرون على إنشاء محطات تتناسب مع احتياجات لبنان، ولدينا امكانية لتركيب هذه المحطات بشكل سريع في مهلة لا تتعدى الثلاثة أشهر”.

خصومة سعودية – إيرانية .. وتبدّل في الأجواء 

إيران الإقتصادية تفصل نفسها عن الأخرى السياسية، وفي هذا السياق، أكد دائمي أن إيران تفصل بين السياسة والإنماء الذي هو حاجة لكل الناس، لأن طهران تعتبر أن التعاون الفني والعلمي أعلى مرتبة من السياسة وهو يهدف للسلام. “

في هذا الإطار، وفي ظل عودة الرئيس الحريري عن إستقالته من جهة، والحديث عن فشل خطط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من جهة أخرى، فضلاً عن طريقة تعامل المجتمع الدولي مع مجريات الشهر الماضي ، يبدو أن الإيجابية هي عنوان المرحلة المقبلة.

المستشار في القانون الدولي المحامي قاسم حدرج يشير في حديث لـ “الإعمار والإقتصاد” عن تقاطع سياسي- إقتصادي بين إيران ولبنان يعرقله فريق لبناني لأنه يتعارض مع  علاقاته مع السعودية التي تتعارض مع إيران في شتى المجالات. فقد عرقل هذا الفريق في عام 2009 عدداً كبيراً من الإتفاقات التي وقعها لبنان الرسمي والتي تشمل التجارة البرية، الجمارك، الطاقة، دعم الجيش اللبناني بالاسلحة ..

في هذا السياق، يشير حدرج إلى أن المفارقة تكمن في أن الذريعة السياسية التي يتحجج فيها الفريق المعارض لا تقابلها فرص أخرى، وبالتالي فإن العلاقات اللبنانية الإيرانية قد بدأت منذ فجر إنتصار الثورة الإسلامية والتعاون الأساسي يكمن في محاربة العدو الإسرائيلي، وقد حصلت زيارات متعددة  لرؤساء إيرانيين إلى لبنان، وبالتالي فإن إيران لا تضمر إلا الخير للبنان.

ما الذي سيحكم العلاقة اليوم بين البلدين، خصوصاً بعد الضغط السعودي الذي مورس على رئيس الحكومة سعد الحريري لمهاجمة حزب الله وإيران؟

لا داعي للتذكير بكل تفاصيل ما حصل في الشهر الأخير في لبنان، إلا أن ما تجدر الإشارة إليه هو كيفية مواجهة لبنان موحّداً لمشكلة راهن الكثيرون على فضّ التفاهمات وكسر رهبة العهد الجديد بكل ما يحتويه من إتفاقات داخلية بعيداً من المظلّة الخارجية.

مصائب قوم عند قوم فوائد، ربما هذا ما يفسّر المرحلة المقبلة من علاقات لبنان الخارجية، فالسعودية الغارقة في حملتها التنظيفية الداخلية، فضلاً عن مشاركتها في حروب خارجية، يبدو أنها خسرت الرهان في لبنان واضطرّت أن تجود بالموجود.

يقول حدرج، أن العلاقات اللبنانية الإيرانية ستبقى مرهونة بنتائج الإنتخابات النيابية المقبلة في لبنان، إضافة إلى حال الإقليم وفضّ التشنّج الحاصل الذي يتراوح بين الحرب أو التسوية، وهذه الأخيرة هي التي يتوقعها حدرج. فيقول: ” التجربة الأخيرة الفاشلة للسعودية في لبنان لا بد وأن تنعكس إيجاباً على الساحة اللبنانية بسبب التكاتف اللبناني الذي وضع الداعمين السعوديين في لبنان في موقف لا يحسدون عليه. فقال لبنان كلمته : “لن نكون يمن ثان”

مما لا شك فيه بحسب حدرج أن السعودية فقدت الكثير من نفوذها على الساحة اللبنانية، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على العلاقات اللبنانية الإيرانية، بغض النظر عن علاقة هذه الأخيرة بالسعودية.

كل الدول متمسكة بالدور الإقتصادي لإيران، لذلك على لبنان فتح الأبواب كافة على الدول الصديقة للإستفادة وخصوصاً من إيران بعد أن أصبح التنسيق السعودي – الإسرائيلي علنياً بتأكيد من مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى في حديث  لوكالة “فرانس برس” بأن الأمير السعودي، الذي زار تل أبيب قبل عدة شهور، هو ولي العهد  محمد بن سلمان!

إضافة إلى ذلك، فقد سلطت صحيفة “بلومبيرغ” الأميركية، الضوء على ما قالت إنه تطور في العلاقات السعودية الإسرائيلية، مبينة أن هناك ظروفا إقليمية عدة تقف وراء تقارب الرياض وتل أبيب المدعوم أميركيا، والذي يمثل محور الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الشرق الأوسط.

وبينت الصحيفة في تقرير نشرته مؤخراً أن هناك اتفاقاً إسرائيلياً سعودياً في مواجهة إيران، من خلال الحرب على حزب الله، ضمن اتفاق توزيع للأدوار سيضع السعودية في واجهة الحرب الدبلوماسية، التي بدأت باستقالة الحريري على ما يبدو، بالتوازي مع الحرب العسكرية الإسرائيلية!!

قد لا تكون التحليلات بعيدة عن الواقع، وإذ أن الوضع اللبناني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحال الإقليمية، يعتقد حدرج بأن لبنان خرج من بيت الطاعة السعودي والشارع بجميع فئاته رأى وجه السعودية القبيح في التعامل مع اللبنانيين، واليوم التركيز يجب أن يكون صوب الإنتخابات النيابية لفرز طبقة سياسية جديدة تصوغ حكومة واقعية تتعامل مع المتغيرات الحاصلة، وتصبّ كل تعاملاتها وإتفاقاتها في سبيل لبنان مهما اختلفت الجهات المتعامل معها، وإن لم تكن إيران من ستساعد لبنان في قضية تأمين الكهرباء على الأقل، لماذا لا تمدّ السعودية بلاد النفط يد العون الحقيقية ؟

تعاون مع مختلف الدول

الجدير ذكره، أن شبكة الكهرباء  الإيرانية متصلة بشبكات الدول المجاورة كأأذربيجان، تركيا، العراق، باكستان، تركمانستان وافغانستان، ولدى إيران تبادل للكهرباء مع بعض هذه الدول حين يكون لديها انتاج فائض .. وقد أشار وزير الطاقة الإيراني أن “طاقات ايران ليست بانتاج الكهرباء فقط بل بناء المحطات بانظمة كاملة للتشغيل، فمثلاً في جنوب ايران أي في الخليج الفارسي نمتلك كابلات في البحر كما انها  نقوم ببناء محطات في عمان، مضيفاً بأن لدى إيران عقود لإنشاء محطات توليد الكهرباء في العراق وسوريا، كما نقوم ببناء محطة كهرباء على المياه في سريلانكا وفي طاجاكستان، اضافة لبناء المحولات “ترانسفورماتور” في اندونيسيا واسيا الوسطى واميركا اللاتينية .. وها هي اليوم توقّع مع سوريا عدة اتفاقيات لتحسين انتاج الكهرباء وتوزيعها في المناطق التي دمرتها الحرب، فهل ينضم لبنان إلى القافلة؟

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!