كي لا يكون الرقم وجهة نظر

في وقت يشتدّ فيه الخلاف السعودي الايراني في المنطقة المشتعلة أصلاً على وقع الحروب في سوريا والعراق واليمن، “مُقيلاً” في طريقه الحكومة اللبنانية في ظلّ بحث المملكة العربية السعودية عن أوراق قوة لتحسين موقعها التفاوضي في التسوية الإقليمية الشاملة المتوقّعة في الربيع المقبل، أتى إعلان الحرب السعودي على لبنان على لسان وزير الدولة لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان بمثابة صدمة للبنانيين، الذين يعيشون اليوم حالة من الوحدة الوطنية خلف المطالبة بعودة رئيس حكومتهم سعد الحريري من الرياض، وسط دعوات اوروبية وأممية مماثلة.

إعلان الحرب السعودي على لبنان، ولو جاء تحت ذريعة حرب تشنّها المقاومة ضدّ المملكة من اليمن بحسب ادّعاءات السبهان، من الصعب بمكان ترجمته بالحرب العسكرية، غير أنّ كافة الترجيحات تصبّ في صالح الحرب الاقتصادية والمالية. ولعلّ التهديدات السعودية بقطع العلاقات المصرفية بين البلدين، وقطع التحويلات المالية، كما المطالبة باستعادة الودائع، ووقف الاستيراد والتصدير، كلّها تصبّ في هذه الخانة.

العارفون بكواليس العلاقات الاقتصادية الللبنانية السعودية يدركون أنّ الحرب الاقتصادية السعودية على لبنان قائمة منذ سنتين ونيف، والمستجدّ الوحيد اليوم هو إعلانها بشكل رسمي.

 

احتياطات لبنان النقدية تسمح له بتجاوز المحنة

للحرب السعودية على لبنان تأثيراتها السلبية حتماً، لكنّ استنفاذ المملكة معظم أدواتها خلال السنتين الماضيتين، بالإضافة لقدرة لبنان المتعاظمة في المجالين النقدي والمالي، تشي بعدم قدرة المملكة على الوصول الى النتيجة التي تتمناها.

ولعلّ الدليل الأوضح على فشل الحرب السعودية في تحقيق تأثير سلبي سريع تجلّى في سوق القطع. فبعد يوم واحد على “استقالة” الرئيس الحريري والتصريحات السعودية المهدّدة والمتوعّدة، لم تصل سوق القطع الى نصف ما راهن عليه البعض، فبلغ حجم التداول 280 مليون دولار، في حين كانت التوقعات تشير الى 600 مليون دولار. ولم تخرج تحويلات من لبنان الى الخارج، علماً أنّ البعض توقّع خروج 150 مليون دولار، لتعود السوق الى توازنها بعد يومين فقط.

ويعود هذا الأمر الى عدّة عوامل، أولها أنّ “الاستقالة” وشكلها حوّلت الأزمة الى فرصة وحّدت اللبنانيين بشكل غير مسبوق نتيجة الملابسات التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية والمتعلّقة بكون الاستقالة حصلت نتيجة ضغط سعودي على الحريري.

ثاني العوامل هي الاحتياطات الكبيرة، وغير المسبوقة الموجودة لدى مصرف لبنان. وبعد أن استطاعت البلاد تجاوز مراحل خطرة سابقاً دون وجود احتياطي كبير، وباستخدام أدوات نقدية معيّنة، فكيف الحال في ظلّ احتياطي يبلغ مع الذهب حوالي 57 مليار دولار؟

اليوم لدى مصرف لبنان عملة صعبة توازي كل الليرات اللبنانية، واحتياجات لبنان النقدية من العملة الصعبة حتى حزيران 2018 متوفرة مع كل احتياطاتها.

استطاع مصرف لبنان اليوم إمساك السوق تماماً من خلال إجرائين وحيدين. أولاً، منع المصرف المركزي إجراء عمليات معيّنة إلّا ضمن الاستحقاق، تحت طائلة الغرامات، ما حدا ببعض المصارف التي حاولت سابقاً، لاعتبارات سياسية وغير سياسية، أن تحمّس الناس على قلب الليرة، أن تتحوّل الى مساهم في ضبط السوق. ثانياً، منع مصرف لبنان المصارف بصفتها زبائن لديه من حسم سنداتهم إلّا ضمن الاستحقاق، ما أدّى الى رفع الفائدة بين المصارف من 4 الى 15 بالمئة، الأمر الذي جعل من المكاسب التي ستجنيها المصارف، سواء كانت سياسية أو جراء المضاربة، أقلّ من الفائدة التي  سيدفعها، ما أدّى بالتالي الى لجم السوق.

وفي ظلّ التهويل القائل بتوقف لبنان عن إصدار سندات خزينة نتيجة العوامل السياسية، لا بدّ من التذكير أنّ ثمة عنصرين يحدّدان وقت الإصدار، وهما حاجة البلاد ووجود فرصة. اليوم لا ضرورة تحتّم إصدار سندات في ظلّ عدم توافر الظروف المناسبة، لذلك من غير المفيد الحديث عن الموضوع، لا سيما أنّ حاجات البلاد من العملة الصعبة مستكملة بشكل تام.

 

الحرب السعودية: من 2006 الى 2015 وصولاً حتى اليوم

خلال حرب تموز عام 2006، وفي الأسبوع الأخير من الحرب، طالبت السعودية باسترداد وديعتها من مصرف لبنان، وهي وديعة قيمتها الأساسية مليار دولار، لم يبقَ منها في العام 2006 سوى 600 مليون دولار، بعد أن كان تبيّن للجميع أنّ المقاومة لن تهزم، فحاول السعوديون أن يدمّروا بالحرب النقدية ما لم تدمّره اسرائيل بحربها الاسرائيلية، وفشلوا حينها نتيجة خطوات نوعية قام بها مصرف لبنان لمنع الانهيار.

بعد الحرب، تمّت لفلفة الموضوع وعادت الأمور الى مجاريها، وصولاً الى العام 2015، حين انطلقت الحرب الاقتصادية السعودية على لبنان ببيان شهير طالبت فيه لبنان بتسديد قيمة وديعتها لديه، علماً أنّ ما كان قد بقي منها حينها لم يتجاوز الـ 50 مليون دولار، بحسب تأكيدات مصرف لبنان، مع ما ترافق من ضغوط لسحب الودائع ودعوات لعدم زيارة البلاد.

في العام 2015، انطلقت حرب التحويلات، فبات من الصعب على اللبناني تحويل الأموال الى لبنان، بحيث باتت الشروط السعودية للتحويل أقسى من نظيرتها الأميركية، لدرجة أنّ التحويلات من لبنان الى السعودية تخطّت التحويلات السعودية الى لبنان خلال ثلاثة أشهر متتالية العام الماضي، نتيجة أنّ شركات عديدة لم تدفع رواتب موظّفيخا في السعودية اضطرّت أن تحوّل الأموال من لبنان، وكانت المرة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين التي يحصل فيها هذا الخلل في الميزان، حيث كان لبنان يصدّر العملة الصعبة الى السعودية.

 

العقوبات مطلب سعودي.. ومركز مراقبة في الرياض!

الأخطر في الحرب السعودية التي بدأت في العام 2015، كان موضوع قانون العقوبات الأميركي ضدّ حزب الله، والذي حصل برعاية اللوبيات السعودية والخليجية، وبعض اللوبيات اللبنانية التي لها علاقة بمصارف محلية والتي تحظى بغطاء سعودي، بحيث كانت بصمات المملكة واضحة على قانون العقوبات.

اليوم، وفي ظلّ العقوبات الجديدة التي من المتوقّع إقرارها قريباً، فوجئ زوار واشنطن بحجم التنسيق الأميركي السعودي الذي وصل الى درجة بات فيها المسؤولون الأميركيون يستخدمون التعابير ذاتها التي يصف بها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان حزب الله، كـ”حزب الشيطان”، و”الغدّة السرطانية” وما شابه.

وفي ظلّ الحديث المستمرّ عن عقوبات أميركية جديدة تستهدف حزب الله ومن خلفه لبنان، والتهديدات الأميركية والخليجية المتزايدة للحزب، اعتبر مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي في حديث أمام وفد لبناني، كما أمام ثلاثة ضيوف زاروه فرادة خلال الفترة الماضية، أنّ همّ تطبيق العقوبات بشكل صارم على حزب الله تحوّل اليوم من همّ أميركي واسرائيلي، الى مطلب خليجي بشكل عام، وسعودي بشكل خاص. ولعلّ تكرار رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري خلال بيان استقالته لعبارة “العقوبات” ثلاث مرّات خير دليل على أهميّتها في القاموس السعودي اليوم، لا سيما إثر ربطها مع حديث النائب عقاب صقر المقرّب من الحريري، لوسائل إعلام لبنانية، أنّ “لدى الحريري معلومات عن أننا سنتعرّض لعقوبات أو عمل عسكري إذا استمّرينا بهذا النهج”.

وفي ظلّ المعلومات التي كشفها مساعد وزير الخزانة الأميركي أمام زواره حول افتتاح مركز في الرياض، تحت شعار مراقبة أنشطة ايران وأذرعتها المالية، يهدف بالدرجة الأولى لمراقبة تنفيذ العقوبات على حزب الله، تبدو تهديدات الوزير السعودي ثامر السبهان مقدّمة جدية لافتعال حرب اقتصادية شعواء بدأت ملامحها تلوح.

 

أوراق القوة اللبنانية متوافرة

لدى لبنان اليوم أوراق قوة يمكن لعبها في وجه الهجمة السعودية. لعلّ اولى هذه الأوراق تتعلّق بملف النازحين السوريين، الذين لم يتحدّث لبنان مع الدولة السورية لتسهيل عودتهم حتّى الآن نتيجة الـ”فيتو” السعودي. في حال قرّرت السعودية طرد اللبنانيين الموجودين في المملكة، يصبح لبنان متحرّراً من الضغوط السعودية، ويمكنه بالتالي الحوار مع النازحين ومع الدولة السورية بشأن إرجاعهم الى سوريا، علماً أنّ الكلفة الاقتصادية التي ستوفَّر نتيجة عودة النازحين ستكون أعلى بكثير من أي دعم سعودي قد يحصل لبنان عليه خلال السنوات العشر القادمة!

كذلك، من أوراق قوة لبنان اليوم، قدرته على الحديث مع سوريا لبحث موضوع الصادرات اللبنانية الى سوريا ومنها، خصوصاً بعد إعلان فتح معبر نصيب مع الأردن.

أبعد من ذلك، يدفع اليوم لبنان مليارات الدولارات لتوفير الكهرباء بشكل لا يزعج المملكة العربية السعودية. اليوم يمكن للبنان أن يوافق أخيراً على العرض الايراني ببناء مصانع انتاج كهرباء توفّر على لبنان مبالغ طائلة تفوق حتى الدعم السعودي !

 

ما يجري اليوم، قبل أقلّ من ستة أشهر على الربيع الذي تشير كافة المؤشرات أنّه سيعلن بدء مرحلة التسويات الكبرى، هو تجميع سعودي لأوراق التفاوض بشتى الأشكال، وما الحرب المالية والاقتصادية على لبنان الّا إحداها. ولعلّ المملكة التي كادت تُستبعد عن طاولة التفاوض تحاول من خلال الإعلان عن حربها على لبنان والمقاومة تحسين شروطها التفاوضية وحجز مقعد لها في مقابل ايران وحلفائها، وأولهم حزب الله.

في المقابل، تتوفر للبنان اليوم  قوة وقدرة لم يعرفها يوماً، والدليل الاحتياطات النقدية الهائلة التي استطاع مصرف لبنان تجميعها والتي تسمح للبنان بالحفاظ على استقراره النقدي، على الأقلّ حتى الانتهاء من التسويات، شرط استمرار توفر عناصر الادارة الهادئة والحكيمة، التي جسّدها موقف رئيس الجمهورية منذ لحظة إعلان “الاستقالة” والحرب…

في وقت يشتدّ فيه الخلاف السعودي الايراني في المنطقة المشتعلة أصلاً على وقع الحروب في سوريا والعراق واليمن، “مُقيلاً” في طريقه الحكومة اللبنانية في ظلّ بحث المملكة العربية السعودية عن أوراق قوة لتحسين موقعها التفاوضي في التسوية الإقليمية الشاملة المتوقّعة في الربيع المقبل، أتى إعلان الحرب السعودي على لبنان على لسان وزير الدولة لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان بمثابة صدمة للبنانيين، الذين يعيشون اليوم حالة من الوحدة الوطنية خلف المطالبة بعودة رئيس حكومتهم سعد الحريري من الرياض، وسط دعوات اوروبية وأممية مماثلة.

إعلان الحرب السعودي على لبنان، ولو جاء تحت ذريعة حرب تشنّها المقاومة ضدّ المملكة من اليمن بحسب ادّعاءات السبهان، من الصعب بمكان ترجمته بالحرب العسكرية، غير أنّ كافة الترجيحات تصبّ في صالح الحرب الاقتصادية والمالية. ولعلّ التهديدات السعودية بقطع العلاقات المصرفية بين البلدين، وقطع التحويلات المالية، كما المطالبة باستعادة الودائع، ووقف الاستيراد والتصدير، كلّها تصبّ في هذه الخانة.

العارفون بكواليس العلاقات الاقتصادية الللبنانية السعودية يدركون أنّ الحرب الاقتصادية السعودية على لبنان قائمة منذ سنتين ونيف، والمستجدّ الوحيد اليوم هو إعلانها بشكل رسمي.

 

احتياطات لبنان النقدية تسمح له بتجاوز المحنة

للحرب السعودية على لبنان تأثيراتها السلبية حتماً، لكنّ استنفاذ المملكة معظم أدواتها خلال السنتين الماضيتين، بالإضافة لقدرة لبنان المتعاظمة في المجالين النقدي والمالي، تشي بعدم قدرة المملكة على الوصول الى النتيجة التي تتمناها.

ولعلّ الدليل الأوضح على فشل الحرب السعودية في تحقيق تأثير سلبي سريع تجلّى في سوق القطع. فبعد يوم واحد على “استقالة” الرئيس الحريري والتصريحات السعودية المهدّدة والمتوعّدة، لم تصل سوق القطع الى نصف ما راهن عليه البعض، فبلغ حجم التداول 280 مليون دولار، في حين كانت التوقعات تشير الى 600 مليون دولار. ولم تخرج تحويلات من لبنان الى الخارج، علماً أنّ البعض توقّع خروج 150 مليون دولار، لتعود السوق الى توازنها بعد يومين فقط.

ويعود هذا الأمر الى عدّة عوامل، أولها أنّ “الاستقالة” وشكلها حوّلت الأزمة الى فرصة وحّدت اللبنانيين بشكل غير مسبوق نتيجة الملابسات التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية والمتعلّقة بكون الاستقالة حصلت نتيجة ضغط سعودي على الحريري.

ثاني العوامل هي الاحتياطات الكبيرة، وغير المسبوقة الموجودة لدى مصرف لبنان. وبعد أن استطاعت البلاد تجاوز مراحل خطرة سابقاً دون وجود احتياطي كبير، وباستخدام أدوات نقدية معيّنة، فكيف الحال في ظلّ احتياطي يبلغ مع الذهب حوالي 57 مليار دولار؟

اليوم لدى مصرف لبنان عملة صعبة توازي كل الليرات اللبنانية، واحتياجات لبنان النقدية من العملة الصعبة حتى حزيران 2018 متوفرة مع كل احتياطاتها.

استطاع مصرف لبنان اليوم إمساك السوق تماماً من خلال إجرائين وحيدين. أولاً، منع المصرف المركزي إجراء عمليات معيّنة إلّا ضمن الاستحقاق، تحت طائلة الغرامات، ما حدا ببعض المصارف التي حاولت سابقاً، لاعتبارات سياسية وغير سياسية، أن تحمّس الناس على قلب الليرة، أن تتحوّل الى مساهم في ضبط السوق. ثانياً، منع مصرف لبنان المصارف بصفتها زبائن لديه من حسم سنداتهم إلّا ضمن الاستحقاق، ما أدّى الى رفع الفائدة بين المصارف من 4 الى 15 بالمئة، الأمر الذي جعل من المكاسب التي ستجنيها المصارف، سواء كانت سياسية أو جراء المضاربة، أقلّ من الفائدة التي  سيدفعها، ما أدّى بالتالي الى لجم السوق.

وفي ظلّ التهويل القائل بتوقف لبنان عن إصدار سندات خزينة نتيجة العوامل السياسية، لا بدّ من التذكير أنّ ثمة عنصرين يحدّدان وقت الإصدار، وهما حاجة البلاد ووجود فرصة. اليوم لا ضرورة تحتّم إصدار سندات في ظلّ عدم توافر الظروف المناسبة، لذلك من غير المفيد الحديث عن الموضوع، لا سيما أنّ حاجات البلاد من العملة الصعبة مستكملة بشكل تام.

 

الحرب السعودية: من 2006 الى 2015 وصولاً حتى اليوم

خلال حرب تموز عام 2006، وفي الأسبوع الأخير من الحرب، طالبت السعودية باسترداد وديعتها من مصرف لبنان، وهي وديعة قيمتها الأساسية مليار دولار، لم يبقَ منها في العام 2006 سوى 600 مليون دولار، بعد أن كان تبيّن للجميع أنّ المقاومة لن تهزم، فحاول السعوديون أن يدمّروا بالحرب النقدية ما لم تدمّره اسرائيل بحربها الاسرائيلية، وفشلوا حينها نتيجة خطوات نوعية قام بها مصرف لبنان لمنع الانهيار.

بعد الحرب، تمّت لفلفة الموضوع وعادت الأمور الى مجاريها، وصولاً الى العام 2015، حين انطلقت الحرب الاقتصادية السعودية على لبنان ببيان شهير طالبت فيه لبنان بتسديد قيمة وديعتها لديه، علماً أنّ ما كان قد بقي منها حينها لم يتجاوز الـ 50 مليون دولار، بحسب تأكيدات مصرف لبنان، مع ما ترافق من ضغوط لسحب الودائع ودعوات لعدم زيارة البلاد.

في العام 2015، انطلقت حرب التحويلات، فبات من الصعب على اللبناني تحويل الأموال الى لبنان، بحيث باتت الشروط السعودية للتحويل أقسى من نظيرتها الأميركية، لدرجة أنّ التحويلات من لبنان الى السعودية تخطّت التحويلات السعودية الى لبنان خلال ثلاثة أشهر متتالية العام الماضي، نتيجة أنّ شركات عديدة لم تدفع رواتب موظّفيخا في السعودية اضطرّت أن تحوّل الأموال من لبنان، وكانت المرة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين التي يحصل فيها هذا الخلل في الميزان، حيث كان لبنان يصدّر العملة الصعبة الى السعودية.

 

العقوبات مطلب سعودي.. ومركز مراقبة في الرياض!

الأخطر في الحرب السعودية التي بدأت في العام 2015، كان موضوع قانون العقوبات الأميركي ضدّ حزب الله، والذي حصل برعاية اللوبيات السعودية والخليجية، وبعض اللوبيات اللبنانية التي لها علاقة بمصارف محلية والتي تحظى بغطاء سعودي، بحيث كانت بصمات المملكة واضحة على قانون العقوبات.

اليوم، وفي ظلّ العقوبات الجديدة التي من المتوقّع إقرارها قريباً، فوجئ زوار واشنطن بحجم التنسيق الأميركي السعودي الذي وصل الى درجة بات فيها المسؤولون الأميركيون يستخدمون التعابير ذاتها التي يصف بها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان حزب الله، كـ”حزب الشيطان”، و”الغدّة السرطانية” وما شابه.

وفي ظلّ الحديث المستمرّ عن عقوبات أميركية جديدة تستهدف حزب الله ومن خلفه لبنان، والتهديدات الأميركية والخليجية المتزايدة للحزب، اعتبر مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي في حديث أمام وفد لبناني، كما أمام ثلاثة ضيوف زاروه فرادة خلال الفترة الماضية، أنّ همّ تطبيق العقوبات بشكل صارم على حزب الله تحوّل اليوم من همّ أميركي واسرائيلي، الى مطلب خليجي بشكل عام، وسعودي بشكل خاص. ولعلّ تكرار رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري خلال بيان استقالته لعبارة “العقوبات” ثلاث مرّات خير دليل على أهميّتها في القاموس السعودي اليوم، لا سيما إثر ربطها مع حديث النائب عقاب صقر المقرّب من الحريري، لوسائل إعلام لبنانية، أنّ “لدى الحريري معلومات عن أننا سنتعرّض لعقوبات أو عمل عسكري إذا استمّرينا بهذا النهج”.

وفي ظلّ المعلومات التي كشفها مساعد وزير الخزانة الأميركي أمام زواره حول افتتاح مركز في الرياض، تحت شعار مراقبة أنشطة ايران وأذرعتها المالية، يهدف بالدرجة الأولى لمراقبة تنفيذ العقوبات على حزب الله، تبدو تهديدات الوزير السعودي ثامر السبهان مقدّمة جدية لافتعال حرب اقتصادية شعواء بدأت ملامحها تلوح.

 

أوراق القوة اللبنانية متوافرة

لدى لبنان اليوم أوراق قوة يمكن لعبها في وجه الهجمة السعودية. لعلّ اولى هذه الأوراق تتعلّق بملف النازحين السوريين، الذين لم يتحدّث لبنان مع الدولة السورية لتسهيل عودتهم حتّى الآن نتيجة الـ”فيتو” السعودي. في حال قرّرت السعودية طرد اللبنانيين الموجودين في المملكة، يصبح لبنان متحرّراً من الضغوط السعودية، ويمكنه بالتالي الحوار مع النازحين ومع الدولة السورية بشأن إرجاعهم الى سوريا، علماً أنّ الكلفة الاقتصادية التي ستوفَّر نتيجة عودة النازحين ستكون أعلى بكثير من أي دعم سعودي قد يحصل لبنان عليه خلال السنوات العشر القادمة!

كذلك، من أوراق قوة لبنان اليوم، قدرته على الحديث مع سوريا لبحث موضوع الصادرات اللبنانية الى سوريا ومنها، خصوصاً بعد إعلان فتح معبر نصيب مع الأردن.

أبعد من ذلك، يدفع اليوم لبنان مليارات الدولارات لتوفير الكهرباء بشكل لا يزعج المملكة العربية السعودية. اليوم يمكن للبنان أن يوافق أخيراً على العرض الايراني ببناء مصانع انتاج كهرباء توفّر على لبنان مبالغ طائلة تفوق حتى الدعم السعودي !

 

ما يجري اليوم، قبل أقلّ من ستة أشهر على الربيع الذي تشير كافة المؤشرات أنّه سيعلن بدء مرحلة التسويات الكبرى، هو تجميع سعودي لأوراق التفاوض بشتى الأشكال، وما الحرب المالية والاقتصادية على لبنان الّا إحداها. ولعلّ المملكة التي كادت تُستبعد عن طاولة التفاوض تحاول من خلال الإعلان عن حربها على لبنان والمقاومة تحسين شروطها التفاوضية وحجز مقعد لها في مقابل ايران وحلفائها، وأولهم حزب الله.

في المقابل، تتوفر للبنان اليوم  قوة وقدرة لم يعرفها يوماً، والدليل الاحتياطات النقدية الهائلة التي استطاع مصرف لبنان تجميعها والتي تسمح للبنان بالحفاظ على استقراره النقدي، على الأقلّ حتى الانتهاء من التسويات، شرط استمرار توفر عناصر الادارة الهادئة والحكيمة، التي جسّدها موقف رئيس الجمهورية منذ لحظة إعلان “الاستقالة” والحرب…

Share This

Share This

Share this post with your friends!