كي لا يكون الرقم وجهة نظر

فرض الكونغرس الأميركي عام 2015 مجموعة عقوبات ضدّ “حزب الله”. كان ذلك ثمرة جهد قاده اللوبي الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي بالتنسيق مع لوبيات عربية قررت معاقبة “حزب الله”، وكان التتويج لهذا المسار تدشين العمل أخيراً بمركز الرياض المالي الذي يهدف لتطبيق العقوبات الخليجية والأميركية ضد “حزب الله” وما يسمونها “أذرع إيران في المنطقة” (الحوثيون والنجباء و”الحشد” وبعض المجموعات الأفغانية والباكستانية.. إلخ) عبر متابعة الحسابات المالية، وخصوصاً حيث توجد ملكيات ومساهمات خليجية وتحديداً سعودية، في مصارف عربية وأجنبية، فضلاً عن الاستفادة من “الداتا” التي يوفرها الأميركيون ربطاً بكل حركة الأموال (بعملة الدولار) في طول الكرة الأرضية وعرضها!
وبين عقوبات عام 2015 وإنشاء غرفة الرياض 2017، يكثف اللوبي الإسرائيلي جهوده لإقرار قانون جديد للعقوبات يستهدف الحزب ومن خلفه بيئته والدولة اللبنانية ككلّ.
وفيما وجدت السلطات المصرفية اللبنانية و”حزب الله” طرقاً وحلولاً للتعامل مع قانون العقوبات الأوّل لمحاولة التخفيف من تداعياته على الاقتصاد اللبناني عامةً، وعلى شريحة أساسية من اللبنانيين، أقرّت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي في نهاية أيلول 2017 قانوني عقوبات جديدين يستهدفان “حزب الله”، قبل أن توافق الغرفة السفلى من الكونغرس في الـ 26 من تشرين الأول عليهما وتحيلهما على مجلس الشيوخ، ما يعني أنّنا أضحينا في الأمتار الأخيرة الفاصلة عن خطّ تحوّل المشروعين إلى قانونين، فيما لا يزال بعض اللبنانيين، وبينهم معنيّون بالملف، يصرّون على أنّ العقوبات لا تزال بعيدة!
******
وبينما يتعلّق القانون الأوّل (رمزه HR3342) بـ “معاقبة استخدام حزب الله غير الشرعي للمدنيين دروعاً بشرية”، إذ يتّهم معدّوه “حزب الله” بـ “استخدام المدنيين دروعاً يحتمون بهم من الهجمات الإسرائيلية المضادّة، وتخزين الأسلحة في منازل مدنيين وإطلاق الصواريخ من مناطق أهلية سكنية”، ويطالبون بـ “معاقبة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الشنيعة لحقوق الإنسان المتعلّقة باستخدام حزب الله المدنيين دروعاً بشرية”، شرّعت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس قانوناً آخر في اليوم عينه (رمزه HR3329) عنوانه “قانون تعديلات منع تمويل حزب الله لعام 2017″، ويهدف كما توحي سطوره الأولى بتعديل قانون “منع تمويل حزب الله الصادر عام 2015″، وإلى فرض عقوبات جديدة، بالإضافة إلى “أغراض أخرى”.
ولعلّ الفارق الأكبر بين قانون عام 2015 والقانونين المطروحين اليوم على طاولة البحث، يكمن باختلاف المقاربة بين التشريعين، إذ يستهدف الأول “حزب الله” ومؤسساته، فيما يطال الآخر كلّ ما ومن، يمكن الوصول إليه!
الجدير بالذكر أنّه في ظلّ القانون الجديد، تطال العقوبات جميع رجال الأعمال والمتموّلين الذين يدورون في فلك “حزب الله” ويتبرّعون له، وهم من الفئة التي يراهن القانون على أذيّتها لكونه لم يتمكّن من أذيّة “حزب الله” حتى الآن. من جهة أخرى، تسمح استنسابية القانون الأميركي باستهداف الجمعيات ودور الأيتام والمستوصفات والجمعيات الخيرية والاجتماعية كافّة التي قد يرى موظّف ما في الإدارة الأميركية أنّ لها علاقة بـ “حزب الله”!
ماذا وراء العقوبات الجديدة؟
وعلى الرغم من أنّ “حزب الله” أعلن بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله مراراً أنّه يتلقّى تمويله، كما أسلحته، “بالشنط، لا عبر النظام المصرفي”، ومعلوم أنّ ألدّ أعداء المقاومة (وأبرزهم “إسرائيل”) يعترفون بصدقية نصرالله، ما يعني أنّ جسم الحزب وهيكليته لا يمكن أن تطال بهذه العقوبات، يصبح السؤال: هل وضعت هذه العقوبات فعلاً لتطال حزب الله؟ أم أنّها تشبه ما أعلنه الأميركيون صراحة، أنّهم دفعوا 500 مليون دولار لتشويه صورة الحزب وتأليب الرأي العام العربي عليه بعد حرب تموز 2006 (تصريح جيفري فيلتمان في جلسة استماع أمام الكونغرس الأميركي في عام 2010)؟
حال العودة إلى حديث فيلتمان المذكور سابقاً، واستذكار حديث السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي خلال زيارتها الحدود اللبنانية – الفلسطينية حين دعت إلى تأليب اللبنانيين ضدّ “حزب الله”، وربط التصريحين بالعقوبات الجديدة، يتبيّن أنّ “حزب الله” لم يكن هو المستهدف الفعلي بقانون العقوبات، بل بيئته الحاضنة، التي تتمّ الإشارة إليها في الأوساط الأميركية بـ “المجتمع الشيعي”، حتى لو كانت هذه البيئة تضمّ أناساً من طوائف أخرى تشارك “حزب الله” نهجه المقاوم.

بيئة الحزب الحاضنة.. أولاً
في هذا السياق، تشير مصادر عملت، ولا تزال، على خطّ العلاقة بين الحزب والسلطات النقدية للتصدّي لقوانين العقوبات الأميركية إلى أنّه “إذا كان الحزب أصرّ على فتح معركة تتعلق برواتب نوابه ووزرائه وبعض مؤسساته تحت شعار أنّه لا يحقّ للأميركيين أن يصادروا قرار الدولة اللبنانية لكون الأموال المذكورة تدفعها وزارة المال في لبنان، لتنتهي العملية بتفسيرات متعدّدة للقانون قبل بها الأميركيون، ولو على مضض؛ ولكن لا شكّ بأنّ المؤسسات الاجتماعية، سواء التابعة للحزب أم تلك التي تحمل صبغة قريبة إليه ولو كانت تختلف معه في بعض المقاربات، دفعت أثماناً كبرى أقلّها الإرباك”.
وتضيف المصادر: “جميع المؤسسات الاجتماعية، من المراكز الصحّية والمستشفيات، وصولاً إلى مراكز الأيتام والمدارس، كمؤسسات المهدي والهادي والمبرّات، التي أقفلت حساباتها من جهة، أو التي فقدت إمكان التداول المالي معها بسهولة من جهة أخرى، كلّها دفعت أثماناً باهظة للتهوّر الأميركي بفرض العقوبات يمنة ويسرة”.
ورأت المصادر أنّ “عدداً كبيراً من رجال الأعمال الذين لا تربطهم علاقات تنظيمية أو مالية بحزب الله، تعرّضوا إما لضغوط مباشرة عبر إغلاق حساباتهم، وإما لضغوط غير مباشرة من خلال تحجيم التعامل معهم، بالإضافة إلى حجم التدقيق الكبير الذي يتعرّضون له كلما حاولوا القيام بعملية مالية عبر المصارف، وذلك كلّه على خلفية توافقهم الفكري أو العقائدي أو حتى العاطفي مع حزب الله لا سيما بعد التضامن الشعبي الكبير مع المقاومة إثر تحرير الألفين وانتصار 2006”.

إرباك كبير نتيجة العقوبات والتهويل
ورأت المصادر أنّ التهويل الذي رافق القانون، من خلال تصرّف المصارف اللبنانية إثر إقرار العقوبات، مرفقاً بحديث دراميّ روّجته بعض الشخصيات السياسية والوسائل الإعلامية، أدّى في ما أدّى إلى حالة إرباك كبير أثّرت بشكل غير مباشر على البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”. فقانون العقوبات طال ما بين 5000 إلى 10000 موظّف (عشرات الآلاف حال احتساب المستفيدين المباشرين كعائلات الموظفين) يعملون في المؤسسات التي أثّرت عليها العقوبات.
وإذا كانت إجراءات السلطات المالية اللبنانية “حمت هؤلاء الموظفين نظرياً، فقد انتهى وضعهم الائتماني فعلياً. فمن لديهم قروض يجب سدادها مثلاً، ما عاد بإمكانهم قبض رواتبهم من المؤسسات التي طالتها العقوبات، أو قد تطالها، عبر المصارف. هنا، باتت هذه المؤسسات تدفع الرواتب لموظفيها نقداً، لأنه أصبحت لديهم إشكالية تتعلّق بعدم القدرة على إدخال النقد إلى القطاع المصرفي، بالإضافة إلى إشكاليات أخرى تطال حياة الموظف مباشرة، والأمثلة كثيرة، كورقة العمل التي يطلبها الموظّف لإتمام أيّ عملية مصرفية، والتي باتت غير مقبولة في المصارف لكونها صادرة عن مؤسسة قد تطالها العقوبات الأميركية. لذلك، ومهما تمّ اللجوء إلى مؤسسات صديقة وبديلة، فليس بالإمكان حلّ أكثر من 1 أو 2 بالمئة من هذه الملفات، علماً أنّ هذه المشاكل أدّت إلى إرباك ماليّ كبير” على حد تعبير المصادر نفسها.
وأشارت المصادر عينها إلى أنّ “العديد من الشركات الضامنة أوقفت تعاملها مع المؤسسات تحت طائلة العقوبات، كما الحال مع الشركات التي تعمل على تجهيز المدارس والمستشفيات وما شابه”.
طوال عامين، لم تعرف مجموعة من المواطنين اللبنانيين معنى الأمن الاجتماعي، بل عاشت إرباكاً متواصلاً سبّبته عقوبات أميركية استهدفت لقمة عيشها ووضعها الائتماني وقدرتها على العيش الكريم بعيداً من الخوف المتواصل من احتمال إخراجها التامّ من الدورة المصرفية.
وفيما عرفت الدولة اللبنانية كيف تحمي نفسها من التأثيرات المباشرة التي كادت تطالها مع إقرار قانون عقوبات عام 2015، لحق الضرر بشكل أو بآخر بالعديد من الموظفين الذين يفكّرون اليوم بما قد يحصل نتيجة الموجة الجديدة من العقوبات التي أقرّها مجلس النواب الأميركي أخيراً، المتوقّع دخولها حيّز التنفيذ قريباً.
وفيما يدفن البعض رؤوسهم في الرمال متوقّعين أن تطال العقوبات “حزب الله” وجمهوره دون غيره، من المفيد الإشارة إلى أنّ حجم التداخل في الاقتصاد الوطني بين مكوّنات الشعب وأطيافه كافة لا يسمح باستهداف شريحة وحيدة، بل ستكون تأثيرات العقوبات وخيمة على كلّ اللبنانيين دون استثناء. فهل تتصرّف الدولة كدولة حقيقية قادرة على أن تقي شعبها شرّ العقوبات القاسية (لا بدّ من خطوات وإجراءات أقلّها تشكيل هيئة طوارئ)، أم أنّ جزءاً من اللبنانيين سيضطرّ لأن يعيش تحت رحمة الإرباك وانعدام الأمن الاجتماعي من جديد؟


قانون العقوبات 3329 HR
في العشرين من تموز 2017، ناقش مجلس النواب الأميركي مشروع “إد رويس” الجديد وأضاف تعديلات جديدة عليه، قبل أن تتحوّل المسودة إلى “ورقة أولى” إثر إقرارها في مجلس النواب في المرحلة الاولى، قبل أن يقرّه الكونغرس في جلسة 28 أيلول 2017.
يتعلّق العنوان الأول في مشروع العقوبات رقم 3329 بـ “منع دخول حزب الله إلى المؤسسات المالية العالمية وغيرها”، في وقت يحمل المدخل الأوّل منه اسم “العقوبات الإجبارية المتعلّقة بأنشطة حزب الله في ما خصّ التمويل والتجنيد (أو التطويع)”. ويشير المشروع في هذا المدخل إلى أنّ “على الرئيس (الأميركي) أن يفرض العقوبات على أي شخصية أجنبية يقرّر أنّها تساعد، تموّل، أو تقدّم خدمات مالية، مادية، أو تكنولوجية إلى :
–    مؤسسة بيت المال، جهاد البناء، هيئة دعم المقاومة الإسلامية، دائرة العلاقات الخارجية في حزب الله، منظمة الأمن الخارجي في حزب الله، وجميع من يخلفها ومن يرتبط بها.
–    تلفزيون المنار، إذاعة النور، المؤسسة الإعلامية اللبنانية، وجميع من يخلفها ومن يرتبط بها.
–    أي شخصية أجنبية يقرّر الرئيس أنّها متورطة في أنشطة تمويل أو تجنيد لصالح حزب الله.
–    أي شخصية أجنبية مملوكة أو تديرها أي من الشخصيات والهيئات المذكورة أعلاه”.
أمّا في المدخل الثاني للعنوان الأوّل، فيشير التقرير بصراحة إلى “أنّ الرئيس الأميركي يحقّ له بموجب هذا القانون منع الأجانب من الحصول على فيزا او الدخول إلى الولايات المتحدة”. ويكمل المشروع إلى أنّه على الرئيس الأميركي “رفع تقرير عن المؤسسات المالية المشكوك في إمكانية تعاملها مع حزب الله تحت قوانين الدول الممولة للإرهاب”، بحيث ” يحدّد جميع المؤسسات المالية التي تمّ التطرّق إليها أعلاه، وتوفير توصيف دقيق لأنشطتها، ورفع توصية حول مصير كلّ من هذه المؤسسات”.
المدخل الثالث للعنوان الأوّل يتعلّق بـ “العقوبات التي تستهدف الدول الأجنبية التي تدعم حزب الله”، وهو يعطي الرئيس مهلة 120 يوم (بعد إقرار القانون) لفرض عقوبات على جميع “الوكالات والأدوات” العائدة لدولة أجنبية، والتي تدعم عبرها حزب الله.
العنوان الثاني لمشروع العقوبات يتعلّق بـ “الاتجار بالمخدرات، وأنشطة حزب الله الإجرامية البارزة العابرة للحدود”. البارز في هذا العنوان هو المدخل الثالث الذي يشير إلى تعديل التقرير حول أنشطة الدول الأجنبية في الزعزة العالمية “لشبكات حزب الله اللوجيستية، المالية، التمويلية، وأنشطة تبييض الأموال”. ويدعو المشروع إلى إضافة “لائحة من المحافظات والبلديات والإدارات المحلية خارج لبنان التي توافق، أو تسمح عن علم، أو تتحمّل، أو لا تهتمّ لاستخدام حزب الله أراضيها قاعدة لأنشطته الإرهابية، بما فيها التدريب والتمويل والتجنيد”.


رصد مشاهدي “المنار”.. و”السوشيل ميديا”
علمت “الاتحاد” أنّ التضييق الأميركي على البيئة الحاضنة لحزب الله لا يقتصر على الخاصرة المالية الرخوة، بل أنّ الأمور وصلت بالأميركيين إلى الطلب من كبريات موزّعي القنوات التلفزيونية مراقبة من يشاهد تلفزيون المنار التابع للحزب أكثر من ساعتين يومياً، في وقت تجري مراقبة الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي عبر استخدام كلمات / مفاتيح كـ “المقاومة” و”الشهداء”، لمعرفة من يساند الحزب فعلاً ، وهي إجراءات يرصدها الخليجون منذ سنوات ولا سيما الإماراتيون، وكانت سبباً في طرد بعض العائلات اللبنانية من الخليج.
(ينشر بالتزامن مع صحيفة الاتحاد)

فرض الكونغرس الأميركي عام 2015 مجموعة عقوبات ضدّ “حزب الله”. كان ذلك ثمرة جهد قاده اللوبي الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي بالتنسيق مع لوبيات عربية قررت معاقبة “حزب الله”، وكان التتويج لهذا المسار تدشين العمل أخيراً بمركز الرياض المالي الذي يهدف لتطبيق العقوبات الخليجية والأميركية ضد “حزب الله” وما يسمونها “أذرع إيران في المنطقة” (الحوثيون والنجباء و”الحشد” وبعض المجموعات الأفغانية والباكستانية.. إلخ) عبر متابعة الحسابات المالية، وخصوصاً حيث توجد ملكيات ومساهمات خليجية وتحديداً سعودية، في مصارف عربية وأجنبية، فضلاً عن الاستفادة من “الداتا” التي يوفرها الأميركيون ربطاً بكل حركة الأموال (بعملة الدولار) في طول الكرة الأرضية وعرضها!
وبين عقوبات عام 2015 وإنشاء غرفة الرياض 2017، يكثف اللوبي الإسرائيلي جهوده لإقرار قانون جديد للعقوبات يستهدف الحزب ومن خلفه بيئته والدولة اللبنانية ككلّ.
وفيما وجدت السلطات المصرفية اللبنانية و”حزب الله” طرقاً وحلولاً للتعامل مع قانون العقوبات الأوّل لمحاولة التخفيف من تداعياته على الاقتصاد اللبناني عامةً، وعلى شريحة أساسية من اللبنانيين، أقرّت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي في نهاية أيلول 2017 قانوني عقوبات جديدين يستهدفان “حزب الله”، قبل أن توافق الغرفة السفلى من الكونغرس في الـ 26 من تشرين الأول عليهما وتحيلهما على مجلس الشيوخ، ما يعني أنّنا أضحينا في الأمتار الأخيرة الفاصلة عن خطّ تحوّل المشروعين إلى قانونين، فيما لا يزال بعض اللبنانيين، وبينهم معنيّون بالملف، يصرّون على أنّ العقوبات لا تزال بعيدة!
******
وبينما يتعلّق القانون الأوّل (رمزه HR3342) بـ “معاقبة استخدام حزب الله غير الشرعي للمدنيين دروعاً بشرية”، إذ يتّهم معدّوه “حزب الله” بـ “استخدام المدنيين دروعاً يحتمون بهم من الهجمات الإسرائيلية المضادّة، وتخزين الأسلحة في منازل مدنيين وإطلاق الصواريخ من مناطق أهلية سكنية”، ويطالبون بـ “معاقبة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الشنيعة لحقوق الإنسان المتعلّقة باستخدام حزب الله المدنيين دروعاً بشرية”، شرّعت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس قانوناً آخر في اليوم عينه (رمزه HR3329) عنوانه “قانون تعديلات منع تمويل حزب الله لعام 2017″، ويهدف كما توحي سطوره الأولى بتعديل قانون “منع تمويل حزب الله الصادر عام 2015″، وإلى فرض عقوبات جديدة، بالإضافة إلى “أغراض أخرى”.
ولعلّ الفارق الأكبر بين قانون عام 2015 والقانونين المطروحين اليوم على طاولة البحث، يكمن باختلاف المقاربة بين التشريعين، إذ يستهدف الأول “حزب الله” ومؤسساته، فيما يطال الآخر كلّ ما ومن، يمكن الوصول إليه!
الجدير بالذكر أنّه في ظلّ القانون الجديد، تطال العقوبات جميع رجال الأعمال والمتموّلين الذين يدورون في فلك “حزب الله” ويتبرّعون له، وهم من الفئة التي يراهن القانون على أذيّتها لكونه لم يتمكّن من أذيّة “حزب الله” حتى الآن. من جهة أخرى، تسمح استنسابية القانون الأميركي باستهداف الجمعيات ودور الأيتام والمستوصفات والجمعيات الخيرية والاجتماعية كافّة التي قد يرى موظّف ما في الإدارة الأميركية أنّ لها علاقة بـ “حزب الله”!
ماذا وراء العقوبات الجديدة؟
وعلى الرغم من أنّ “حزب الله” أعلن بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله مراراً أنّه يتلقّى تمويله، كما أسلحته، “بالشنط، لا عبر النظام المصرفي”، ومعلوم أنّ ألدّ أعداء المقاومة (وأبرزهم “إسرائيل”) يعترفون بصدقية نصرالله، ما يعني أنّ جسم الحزب وهيكليته لا يمكن أن تطال بهذه العقوبات، يصبح السؤال: هل وضعت هذه العقوبات فعلاً لتطال حزب الله؟ أم أنّها تشبه ما أعلنه الأميركيون صراحة، أنّهم دفعوا 500 مليون دولار لتشويه صورة الحزب وتأليب الرأي العام العربي عليه بعد حرب تموز 2006 (تصريح جيفري فيلتمان في جلسة استماع أمام الكونغرس الأميركي في عام 2010)؟
حال العودة إلى حديث فيلتمان المذكور سابقاً، واستذكار حديث السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي خلال زيارتها الحدود اللبنانية – الفلسطينية حين دعت إلى تأليب اللبنانيين ضدّ “حزب الله”، وربط التصريحين بالعقوبات الجديدة، يتبيّن أنّ “حزب الله” لم يكن هو المستهدف الفعلي بقانون العقوبات، بل بيئته الحاضنة، التي تتمّ الإشارة إليها في الأوساط الأميركية بـ “المجتمع الشيعي”، حتى لو كانت هذه البيئة تضمّ أناساً من طوائف أخرى تشارك “حزب الله” نهجه المقاوم.

بيئة الحزب الحاضنة.. أولاً
في هذا السياق، تشير مصادر عملت، ولا تزال، على خطّ العلاقة بين الحزب والسلطات النقدية للتصدّي لقوانين العقوبات الأميركية إلى أنّه “إذا كان الحزب أصرّ على فتح معركة تتعلق برواتب نوابه ووزرائه وبعض مؤسساته تحت شعار أنّه لا يحقّ للأميركيين أن يصادروا قرار الدولة اللبنانية لكون الأموال المذكورة تدفعها وزارة المال في لبنان، لتنتهي العملية بتفسيرات متعدّدة للقانون قبل بها الأميركيون، ولو على مضض؛ ولكن لا شكّ بأنّ المؤسسات الاجتماعية، سواء التابعة للحزب أم تلك التي تحمل صبغة قريبة إليه ولو كانت تختلف معه في بعض المقاربات، دفعت أثماناً كبرى أقلّها الإرباك”.
وتضيف المصادر: “جميع المؤسسات الاجتماعية، من المراكز الصحّية والمستشفيات، وصولاً إلى مراكز الأيتام والمدارس، كمؤسسات المهدي والهادي والمبرّات، التي أقفلت حساباتها من جهة، أو التي فقدت إمكان التداول المالي معها بسهولة من جهة أخرى، كلّها دفعت أثماناً باهظة للتهوّر الأميركي بفرض العقوبات يمنة ويسرة”.
ورأت المصادر أنّ “عدداً كبيراً من رجال الأعمال الذين لا تربطهم علاقات تنظيمية أو مالية بحزب الله، تعرّضوا إما لضغوط مباشرة عبر إغلاق حساباتهم، وإما لضغوط غير مباشرة من خلال تحجيم التعامل معهم، بالإضافة إلى حجم التدقيق الكبير الذي يتعرّضون له كلما حاولوا القيام بعملية مالية عبر المصارف، وذلك كلّه على خلفية توافقهم الفكري أو العقائدي أو حتى العاطفي مع حزب الله لا سيما بعد التضامن الشعبي الكبير مع المقاومة إثر تحرير الألفين وانتصار 2006”.

إرباك كبير نتيجة العقوبات والتهويل
ورأت المصادر أنّ التهويل الذي رافق القانون، من خلال تصرّف المصارف اللبنانية إثر إقرار العقوبات، مرفقاً بحديث دراميّ روّجته بعض الشخصيات السياسية والوسائل الإعلامية، أدّى في ما أدّى إلى حالة إرباك كبير أثّرت بشكل غير مباشر على البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”. فقانون العقوبات طال ما بين 5000 إلى 10000 موظّف (عشرات الآلاف حال احتساب المستفيدين المباشرين كعائلات الموظفين) يعملون في المؤسسات التي أثّرت عليها العقوبات.
وإذا كانت إجراءات السلطات المالية اللبنانية “حمت هؤلاء الموظفين نظرياً، فقد انتهى وضعهم الائتماني فعلياً. فمن لديهم قروض يجب سدادها مثلاً، ما عاد بإمكانهم قبض رواتبهم من المؤسسات التي طالتها العقوبات، أو قد تطالها، عبر المصارف. هنا، باتت هذه المؤسسات تدفع الرواتب لموظفيها نقداً، لأنه أصبحت لديهم إشكالية تتعلّق بعدم القدرة على إدخال النقد إلى القطاع المصرفي، بالإضافة إلى إشكاليات أخرى تطال حياة الموظف مباشرة، والأمثلة كثيرة، كورقة العمل التي يطلبها الموظّف لإتمام أيّ عملية مصرفية، والتي باتت غير مقبولة في المصارف لكونها صادرة عن مؤسسة قد تطالها العقوبات الأميركية. لذلك، ومهما تمّ اللجوء إلى مؤسسات صديقة وبديلة، فليس بالإمكان حلّ أكثر من 1 أو 2 بالمئة من هذه الملفات، علماً أنّ هذه المشاكل أدّت إلى إرباك ماليّ كبير” على حد تعبير المصادر نفسها.
وأشارت المصادر عينها إلى أنّ “العديد من الشركات الضامنة أوقفت تعاملها مع المؤسسات تحت طائلة العقوبات، كما الحال مع الشركات التي تعمل على تجهيز المدارس والمستشفيات وما شابه”.
طوال عامين، لم تعرف مجموعة من المواطنين اللبنانيين معنى الأمن الاجتماعي، بل عاشت إرباكاً متواصلاً سبّبته عقوبات أميركية استهدفت لقمة عيشها ووضعها الائتماني وقدرتها على العيش الكريم بعيداً من الخوف المتواصل من احتمال إخراجها التامّ من الدورة المصرفية.
وفيما عرفت الدولة اللبنانية كيف تحمي نفسها من التأثيرات المباشرة التي كادت تطالها مع إقرار قانون عقوبات عام 2015، لحق الضرر بشكل أو بآخر بالعديد من الموظفين الذين يفكّرون اليوم بما قد يحصل نتيجة الموجة الجديدة من العقوبات التي أقرّها مجلس النواب الأميركي أخيراً، المتوقّع دخولها حيّز التنفيذ قريباً.
وفيما يدفن البعض رؤوسهم في الرمال متوقّعين أن تطال العقوبات “حزب الله” وجمهوره دون غيره، من المفيد الإشارة إلى أنّ حجم التداخل في الاقتصاد الوطني بين مكوّنات الشعب وأطيافه كافة لا يسمح باستهداف شريحة وحيدة، بل ستكون تأثيرات العقوبات وخيمة على كلّ اللبنانيين دون استثناء. فهل تتصرّف الدولة كدولة حقيقية قادرة على أن تقي شعبها شرّ العقوبات القاسية (لا بدّ من خطوات وإجراءات أقلّها تشكيل هيئة طوارئ)، أم أنّ جزءاً من اللبنانيين سيضطرّ لأن يعيش تحت رحمة الإرباك وانعدام الأمن الاجتماعي من جديد؟


قانون العقوبات 3329 HR
في العشرين من تموز 2017، ناقش مجلس النواب الأميركي مشروع “إد رويس” الجديد وأضاف تعديلات جديدة عليه، قبل أن تتحوّل المسودة إلى “ورقة أولى” إثر إقرارها في مجلس النواب في المرحلة الاولى، قبل أن يقرّه الكونغرس في جلسة 28 أيلول 2017.
يتعلّق العنوان الأول في مشروع العقوبات رقم 3329 بـ “منع دخول حزب الله إلى المؤسسات المالية العالمية وغيرها”، في وقت يحمل المدخل الأوّل منه اسم “العقوبات الإجبارية المتعلّقة بأنشطة حزب الله في ما خصّ التمويل والتجنيد (أو التطويع)”. ويشير المشروع في هذا المدخل إلى أنّ “على الرئيس (الأميركي) أن يفرض العقوبات على أي شخصية أجنبية يقرّر أنّها تساعد، تموّل، أو تقدّم خدمات مالية، مادية، أو تكنولوجية إلى :
–    مؤسسة بيت المال، جهاد البناء، هيئة دعم المقاومة الإسلامية، دائرة العلاقات الخارجية في حزب الله، منظمة الأمن الخارجي في حزب الله، وجميع من يخلفها ومن يرتبط بها.
–    تلفزيون المنار، إذاعة النور، المؤسسة الإعلامية اللبنانية، وجميع من يخلفها ومن يرتبط بها.
–    أي شخصية أجنبية يقرّر الرئيس أنّها متورطة في أنشطة تمويل أو تجنيد لصالح حزب الله.
–    أي شخصية أجنبية مملوكة أو تديرها أي من الشخصيات والهيئات المذكورة أعلاه”.
أمّا في المدخل الثاني للعنوان الأوّل، فيشير التقرير بصراحة إلى “أنّ الرئيس الأميركي يحقّ له بموجب هذا القانون منع الأجانب من الحصول على فيزا او الدخول إلى الولايات المتحدة”. ويكمل المشروع إلى أنّه على الرئيس الأميركي “رفع تقرير عن المؤسسات المالية المشكوك في إمكانية تعاملها مع حزب الله تحت قوانين الدول الممولة للإرهاب”، بحيث ” يحدّد جميع المؤسسات المالية التي تمّ التطرّق إليها أعلاه، وتوفير توصيف دقيق لأنشطتها، ورفع توصية حول مصير كلّ من هذه المؤسسات”.
المدخل الثالث للعنوان الأوّل يتعلّق بـ “العقوبات التي تستهدف الدول الأجنبية التي تدعم حزب الله”، وهو يعطي الرئيس مهلة 120 يوم (بعد إقرار القانون) لفرض عقوبات على جميع “الوكالات والأدوات” العائدة لدولة أجنبية، والتي تدعم عبرها حزب الله.
العنوان الثاني لمشروع العقوبات يتعلّق بـ “الاتجار بالمخدرات، وأنشطة حزب الله الإجرامية البارزة العابرة للحدود”. البارز في هذا العنوان هو المدخل الثالث الذي يشير إلى تعديل التقرير حول أنشطة الدول الأجنبية في الزعزة العالمية “لشبكات حزب الله اللوجيستية، المالية، التمويلية، وأنشطة تبييض الأموال”. ويدعو المشروع إلى إضافة “لائحة من المحافظات والبلديات والإدارات المحلية خارج لبنان التي توافق، أو تسمح عن علم، أو تتحمّل، أو لا تهتمّ لاستخدام حزب الله أراضيها قاعدة لأنشطته الإرهابية، بما فيها التدريب والتمويل والتجنيد”.


رصد مشاهدي “المنار”.. و”السوشيل ميديا”
علمت “الاتحاد” أنّ التضييق الأميركي على البيئة الحاضنة لحزب الله لا يقتصر على الخاصرة المالية الرخوة، بل أنّ الأمور وصلت بالأميركيين إلى الطلب من كبريات موزّعي القنوات التلفزيونية مراقبة من يشاهد تلفزيون المنار التابع للحزب أكثر من ساعتين يومياً، في وقت تجري مراقبة الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي عبر استخدام كلمات / مفاتيح كـ “المقاومة” و”الشهداء”، لمعرفة من يساند الحزب فعلاً ، وهي إجراءات يرصدها الخليجون منذ سنوات ولا سيما الإماراتيون، وكانت سبباً في طرد بعض العائلات اللبنانية من الخليج.
(ينشر بالتزامن مع صحيفة الاتحاد)

Share This

Share This

Share this post with your friends!