كي لا يكون الرقم وجهة نظر

 

أقرّ مجلس النواب مؤخراً قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بعد سنوات من الأخذ والرد، وقد أكّد رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، في أوّل تعليق له أنّ “إقرار القانون يشكّل خطوة نحو شراكة متينة للدولة مع القطاع الخاص، وزيادة النمو للنهوض بإقتصاد لبنان”.

كأي قانون آخر في لبنان، يعترض عليه البعض بقوّة ليدافع عنه البعض الآخر بشراسة، وإذا كان هنالك من يشير إلى أن هذا القانون غطاء للخصخصة وأقلّ وطأة منها، نجد من يتحدّث عن أنه يهدف إلى مساعدة المصارف على توظيف سيولتها المتراكمة بعدما تجاوزت الموجودات المصرفية نسبة الـ 400 في المائة من مجمل الناتج المحلي. بينما تجود فئة كبيرة من الشعب اللبناني وزعماء، نواب، وزراء وخبراء، في الحديث عن إيجابية هذا القانون على الإقتصاد اللبناني بشكل أساسي وعلى المجتمع بشكل عام.

 

رأيان مختلفان، يبررّهما واقع ما آلت إليه الأمور، وبينما تكمن المشكلة الأساسية في التفريق بين الشراكة والخصخصة، يبدو أن الأمور بطبيعتها تسير بشكل سلس نحو خصخصة مقنّعة. أما السبب، فيعود بشكل أوّلي إلى إرادة فئة كبيرة من أصحاب المبادرة خصخصة قطاعات مهمة في البلد كقطاع الكهرباء وغيره، الأمر الذي ساهم في تخريج قانون شراكة بين القطاعين العام والخاص، بشكل فضفاض يسمح بالتأويل والإجتهادات لتبرير الخصخصة!

هذا الأمر ليس واضحاً وضوح الشمس، بل إن الإطلاع  على القانون (المرفق) يوثّق الموضوع ويلحظ أن صلاحيات الشركة الخاصة لا تقتصر على إدارة القطاع بشكل عام، كما تنص قوانين الشراكة المتعارف عليها عالمياً، بل تتعدى ذلك لتصل إلى حدود إستلام قضية التوظيفات، واستيفاء نسبة أكبر من الأرباح .. كلها أمور هي أقرب إلى الخصخصة منها إلى الشراكة!

حل  لتعاظم ديون الدولة

تزايدت مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في أنحاء العالم كلّه منذ بداية تسعينيات القرن الماضي لأسباب عديدة منها، إنهيار الإتحاد السوفياتي ومنظومته الذي دفع دول أوروبا الشرقية بدايةً ولاحقًا دول الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا إلى التراجع عن الملكية المطلقة لوسائل الانتاج من قبل الحكومات، وإلى إشراك القطاع الخاص بشكل أو بآخر في إدارة شوؤن الدولة. فضلاً عن تعاظم الديون السيادية وازدياد عجز موازنات الحكومات، ما دفعها إلى البحث عن تخفيض هذا العجز من دون أن يؤثر ذلك على الإنفاق الاستثماري لديها عبر عقد شراكات مع القطاع الخاص.

بذلك، يأتي إقرار هذا القانون في لبنان بعد عشر سنوات من الدراسات والبحوث والمناقشات، وهو يعفي الدولة من خيار الدين لتمويل مشاريع بنى تحتيّة لتطوير الاقتصاد، مقابل تمويلها وتنفيذها عبر القطاع الخاصّ الذي يستردّ أمواله من إيرادات يجبيها نتيجة استعمال المواطن لهذه الخدمات أو عبر تقاسم الأرباح مع الدولة.

وهذا الأمر قد حذّر منه بشكل غير مباشر صندوق النقد  الدولي في مقال نشره  في أيلول من العام 2016 ، يستند فيه إلى ورقة عمل حول “الأبعاد الاقتصاديّة الكليّة للشراكات بين القطاعين العام والخاصّ”، والذي يشير فيه إلى أن هذه الشراكات قد تكون أكثر تكلفة من المشتريات التقليديّة التي تنشئ فيها الهيئات العامّة بمفردها أصول البنية التحتيّة أو تتعاقد مع مموّل خاص لبنائها وأن قائمة النفقات الإضافيّة التي تتكبّدها الشراكات طويلة تتضمن عدم قدرة القطاع الخاصّ على توزيع المخاطر على نطاق واسع مثل القطاع العام، بحيث يصبح العائد المدفوع إلى الشريك الخاصّ أعلى من سعر الفائدة على الدين الحكومي. وعدم قدرة الحكومة على تجنّب التكلفة الإضافيّة المرتبطة برصد امتثال الشريك الخاص. كما تنامي حجم التكاليف الإداريّة المرتبطة بإعداد العطاءات وتنفيذها في حالة العقود طويلة الأجل. إضافة إلى عقد مفاوضات مكلفة ومتكرّرة للعقد الأصلي لمجابهة حالات طارئة خلال العقود الطويلة الأمد الممتدة إلى 30 سنة.

إستتبع الصندوق مقاله بمحفّزات لتشجيع تنظيم الشراكة بين القطاعين، بينما ذكر مقال آخر للدكتور أنيس أبو ذياب نشر على موقع الجيش اللبناني في كانون الثاني 2017  متطلبات الشراكة الناجحة.

اعتبر ذياب أن نجاح أي رؤية استراتيجية على المستوى الإقتصادي العام تحتاج إلى ظروف وبيئة حاضنة وأدوات تساعد على تحقيق أهداف هذه الرؤية، لذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة لمتطلبات نجاح هذا الأسلوب بالآتي:

– دعم سياسي قوي على المستوى الوطني ممّا يؤدي إلى تشجيع هذا النشاط مع وجود تطوّر واقعي مشترك للشراكة مبني على نقاط القوّة والضعف المتوافرة لدى أطراف الشراكة.

– تحليل دقيق ومفصّل وشفّاف لجدوى المشروع قبل التعاقد.

– تحليل مفصل للمخاطر من جميع جوانب المشروع الفنّي والتجاري فضلًا عن المخاطر السياسية.

-عقود مبرمة جيدة وشفّافة وتنافسية ومفصّلة على المدى الزمني القصير والمتوسّط والطويل.

– الرغبة من قبل الشريك العام (القطاع العام) بالقبول في حلول إبتكارية.

– رقابة فعّالة وحرفية على الشريك في القطاع الخاص من قبل العميل الحكومي.

– إختيار المشروعات المناسبة بحيث يمكن تكرارها لتحفيز القطاع الخاص.

المشكلة في لبنان دائماً تكمن في التفاصيل، وفي متابعة شروط التعاقد أو الإتفاق، والسؤال الذي سيطرح نفسه هنا، كيف سيكون شكل التعاون بين القطاعين العام والخاص، وهل سيستفيد فعلاً الإقتصاد اللبناني والدولة في آن، أو إننا على مفترق طرق تتقاطع في نهايتها على “الخصخصة”؟

عيتاني : تحسين البنى التحتية جاذب للإستثمار

مدير عام المؤسسة العامة لتشجيع الإستثمار في لبنان، نبيل عيتاني، يشير في حديث لـ “الإعمار والإقتصاد” إلى أن النهوض الإقتصادي في لبنان يتطلّب تحسين البنى التحتية كالكهرباء، المياه، النقل والإتصالات وغيرها. فهي أساس أي تطوّر في البنى الفوقية. وبالتالي يشدّد على أن عملية تحسين كل البنى التحتية والخدمات هي في أساس قانون الشراكة بين القطاعين والخاص. لأنها في واقعها الحالي لا تتوافق ومتطلبات الإستثمارات الخارجية، لأنها بدورها تؤخّر إنتاجية القطاع الخاص.

وإذ شدّد على أن لبنان يمكنه أن ينافس بنسبة إستقطاب إستثمارات خارجية، يأسف من جهة أخرى تأثير عدم مواكبة الخدمات في لبنان لتلك الإستثمارات، الأمر الذي لا يشجّعها على التوجّه نحوه. واعتبر أن قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص سيساهم في تحسين الخدمات المساعدة على رفع نسبة الإستثمار الخارجي في لبنان ونشر تأثيراته الإيجابية  على الإقتصاد اللبناني.

حمدان : صيغ متعددة للمشاركة  والإصلاح السياسي أمر أساسي

من جهته، يشير الخبير الإقتصادي كما حمدان في حديثه لـ “الإعمار والإقتصاد” إلى أنه مع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ولكن!

وفي لمحة بانورامية، لخّص حمدان في حديثه كيف شكّلت العلاقة بين القطاعين العام والخاص محور النظريات والسياسات والمدارس الإقتصادية التي تعاقبت، منذ نشوء الرأسمالية قبل ثلاثة قرون.

فيشير إلى أن الباحث الذي يتابع أدبيات ومدارس وسياسات رسمت علاقة بين القطاعين العام والخاص، يكاد يكون من الصعب جداً إذا لم يكن من المستحيل عليه الجزم بأن الملكية الخاصة تاريخياً هي أكثر كفاءة من الملكية العامة .. والعكس صحيح.

مثال على ذلك، طرح حمدان قضية أوروبا الغربية التي سجّلت أعلى معدلات النمو في تاريخ أوروبا، فتقدّم القطاع العام كما القطاع الخاص، إزاء زيادة الأول من تدخّله في الإقتصاد. بينما، في أميركا ورغم كل تصنيفات الـ AAA الدولية المعطاة للمصارف، إنهارت معظم المؤسسات الخاصة المصنّفة بأفضل التصنيفات، بعد أزمة 2008 المالية، الأمر الذي إضطر الدولة التدخل لتشتري أجزاء كبيرة من الشركات لضمان عدم انهيارها.

ربطاً بما سبق، يشير حمدان، إلى أنه إذا كانت المفاضلة بين القطاعين غير قابلة للحسم، في ضوء هذه التجارب العالمية، فإن العامل الأكثر تأثيراً يتمثّل بنمط أداء الطبقة السياسية للشأن العام الإقتصادي أي ما يعرف بـ “الحوكمة” . فيعتبره العامل المحدّد في مسار التنمية أكثر بكثير من ملكية عامة أو خاصة. وبالتالي، كلما كانت مسيرة الشفافية الإقتصادية والمالية والضريبية أعلى، كل ما كانت فرص أداء القطاع العام الإقتصادي أفضل.

إنطلاقاً مما سبق، يشدّد حمدان على أن صيغ التحاصص الهش الذي أدى إلى تطبيق مشوّه لإتفاق الطائف، هو المسؤول عن تردي مؤشرات أداء القطاع العام الإقتصادي. فقد أطبق برأيه أهل السلطة على الدولة، وازدادت حدّته عند كل تراجع تمويل أهل السلطة من قبل الراعي الخارجي لأسباب متعددة ومختلفة.

في هذا الإطار، يشير إلى أنه لبنانياً، لا يقتصر الخير في مكان والشر في آخر، فالإستثناءات واردة. فيقول:  “صحيح أن الفساد يعشعش في المؤسسات العامة وإدارات الدولة، لكن لا يمكن غض النظر عن جيوب الفساد الهائلة التي تسيطر في أروقة القطاع الخاص، سواء لجهة الإلتزام بدفع الضرائب، تحفيز التلاعب في شروط المحاصصات، وشيوع الرشوة في كثير من المشاريع المرتبطة بين القطاعين العام والخاص”.

فضلاً عن ذلك، يشير إلى أن السوق اللبنانية، وبالتالي بيئة تجارتنا الخارجية وأسواقنا الداخلية أثبتت أن القطاع الخاص تتحكم فيه إحتكار القلة، فثلثي أسواقه تتحكّم فيها شركتان أو ثلاثة.

 

بذلك، يستخلص حمدان أن التفاوت الكبير بين المتشاركين العام والخاص، لجهة مواصفات الموارد البشرية في كل مشروع معني بالشراكة، يدعو إلى الخوف. الأمر الذي يتطلّب حداّ أدنى من الندية. وعلى هذا الصعيد، فإن الدفة تميل لصالح الشركات الخاصة العملاقة.

في ضوء هذا البانوراما، يقول حمدان: “لبنان في حاجة أكيدة للبحث في كيفية النهوض بمرافق البنى التحتية، والمشكلة موجودة، لا سيما أن قدرات الدولة على الإنفاق الرأسمالي العام في حالة تراجع مستمر. فمن الـ 200 مليار دولار التي أنفقت خلال 25 سنة الماضية، نسبة 40  في المائة منها اتجهت لخدمة الدين في حين حاز الإستثمار العام على أقلّ من 8  في المائة”.

أمام هذه النظرة الدونية من قبل الطبقة السياسية للرأسمال، وتأثيرها على مناخ الإستثمار وفرص النمو.. تبقى فكرة البحث عن صيغة شراكة واحدة من البدائل الممكنة. وفي ظل الحاجة الملحة  للنهوض بشبكات البنى التحتية، يمكن الإستفادة بحسب حمدان مبدئياً من الشراكة بين القطاعين العام والخاص حسب حاجة كل حالة، وبالإعتماد على صيغ محددة للتعاون في ما بين القطاعين. ومن بين حوالى 9 صيغ متوافرة، يعدّد حمدان بعض من صيغ عقود إدارة المرفق العام، مثل تأجير مرفق عام للقطاع الخاص، صيغة الـ  POT وصيغة الـ  POOT، فضلاً عن صيغة الإمتيازات…

ورغم أن حمدان يشير إلى أنه لكل حالة صيغة خاصة، إلا أن الاهم برأيه أن يكون أي تعاون مشروط بتحقيق تقدّم فعلي على طريق الإصلاح السياسي وأجهزة الرقابة.. وهنا بيت القصيد. وهذا لا يحصل إلا عبر إقرار قانون إنتخاب جديد يقدم التمثيل الصحيح، ويخرج لبنان من أسر القيد الطائفي .. وبالتالي تحرير الدولة من السلطة المنفّذة.

 

أقرّ مجلس النواب مؤخراً قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بعد سنوات من الأخذ والرد، وقد أكّد رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، في أوّل تعليق له أنّ “إقرار القانون يشكّل خطوة نحو شراكة متينة للدولة مع القطاع الخاص، وزيادة النمو للنهوض بإقتصاد لبنان”.

كأي قانون آخر في لبنان، يعترض عليه البعض بقوّة ليدافع عنه البعض الآخر بشراسة، وإذا كان هنالك من يشير إلى أن هذا القانون غطاء للخصخصة وأقلّ وطأة منها، نجد من يتحدّث عن أنه يهدف إلى مساعدة المصارف على توظيف سيولتها المتراكمة بعدما تجاوزت الموجودات المصرفية نسبة الـ 400 في المائة من مجمل الناتج المحلي. بينما تجود فئة كبيرة من الشعب اللبناني وزعماء، نواب، وزراء وخبراء، في الحديث عن إيجابية هذا القانون على الإقتصاد اللبناني بشكل أساسي وعلى المجتمع بشكل عام.

 

رأيان مختلفان، يبررّهما واقع ما آلت إليه الأمور، وبينما تكمن المشكلة الأساسية في التفريق بين الشراكة والخصخصة، يبدو أن الأمور بطبيعتها تسير بشكل سلس نحو خصخصة مقنّعة. أما السبب، فيعود بشكل أوّلي إلى إرادة فئة كبيرة من أصحاب المبادرة خصخصة قطاعات مهمة في البلد كقطاع الكهرباء وغيره، الأمر الذي ساهم في تخريج قانون شراكة بين القطاعين العام والخاص، بشكل فضفاض يسمح بالتأويل والإجتهادات لتبرير الخصخصة!

هذا الأمر ليس واضحاً وضوح الشمس، بل إن الإطلاع  على القانون (المرفق) يوثّق الموضوع ويلحظ أن صلاحيات الشركة الخاصة لا تقتصر على إدارة القطاع بشكل عام، كما تنص قوانين الشراكة المتعارف عليها عالمياً، بل تتعدى ذلك لتصل إلى حدود إستلام قضية التوظيفات، واستيفاء نسبة أكبر من الأرباح .. كلها أمور هي أقرب إلى الخصخصة منها إلى الشراكة!

حل  لتعاظم ديون الدولة

تزايدت مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في أنحاء العالم كلّه منذ بداية تسعينيات القرن الماضي لأسباب عديدة منها، إنهيار الإتحاد السوفياتي ومنظومته الذي دفع دول أوروبا الشرقية بدايةً ولاحقًا دول الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا إلى التراجع عن الملكية المطلقة لوسائل الانتاج من قبل الحكومات، وإلى إشراك القطاع الخاص بشكل أو بآخر في إدارة شوؤن الدولة. فضلاً عن تعاظم الديون السيادية وازدياد عجز موازنات الحكومات، ما دفعها إلى البحث عن تخفيض هذا العجز من دون أن يؤثر ذلك على الإنفاق الاستثماري لديها عبر عقد شراكات مع القطاع الخاص.

بذلك، يأتي إقرار هذا القانون في لبنان بعد عشر سنوات من الدراسات والبحوث والمناقشات، وهو يعفي الدولة من خيار الدين لتمويل مشاريع بنى تحتيّة لتطوير الاقتصاد، مقابل تمويلها وتنفيذها عبر القطاع الخاصّ الذي يستردّ أمواله من إيرادات يجبيها نتيجة استعمال المواطن لهذه الخدمات أو عبر تقاسم الأرباح مع الدولة.

وهذا الأمر قد حذّر منه بشكل غير مباشر صندوق النقد  الدولي في مقال نشره  في أيلول من العام 2016 ، يستند فيه إلى ورقة عمل حول “الأبعاد الاقتصاديّة الكليّة للشراكات بين القطاعين العام والخاصّ”، والذي يشير فيه إلى أن هذه الشراكات قد تكون أكثر تكلفة من المشتريات التقليديّة التي تنشئ فيها الهيئات العامّة بمفردها أصول البنية التحتيّة أو تتعاقد مع مموّل خاص لبنائها وأن قائمة النفقات الإضافيّة التي تتكبّدها الشراكات طويلة تتضمن عدم قدرة القطاع الخاصّ على توزيع المخاطر على نطاق واسع مثل القطاع العام، بحيث يصبح العائد المدفوع إلى الشريك الخاصّ أعلى من سعر الفائدة على الدين الحكومي. وعدم قدرة الحكومة على تجنّب التكلفة الإضافيّة المرتبطة برصد امتثال الشريك الخاص. كما تنامي حجم التكاليف الإداريّة المرتبطة بإعداد العطاءات وتنفيذها في حالة العقود طويلة الأجل. إضافة إلى عقد مفاوضات مكلفة ومتكرّرة للعقد الأصلي لمجابهة حالات طارئة خلال العقود الطويلة الأمد الممتدة إلى 30 سنة.

إستتبع الصندوق مقاله بمحفّزات لتشجيع تنظيم الشراكة بين القطاعين، بينما ذكر مقال آخر للدكتور أنيس أبو ذياب نشر على موقع الجيش اللبناني في كانون الثاني 2017  متطلبات الشراكة الناجحة.

اعتبر ذياب أن نجاح أي رؤية استراتيجية على المستوى الإقتصادي العام تحتاج إلى ظروف وبيئة حاضنة وأدوات تساعد على تحقيق أهداف هذه الرؤية، لذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة لمتطلبات نجاح هذا الأسلوب بالآتي:

– دعم سياسي قوي على المستوى الوطني ممّا يؤدي إلى تشجيع هذا النشاط مع وجود تطوّر واقعي مشترك للشراكة مبني على نقاط القوّة والضعف المتوافرة لدى أطراف الشراكة.

– تحليل دقيق ومفصّل وشفّاف لجدوى المشروع قبل التعاقد.

– تحليل مفصل للمخاطر من جميع جوانب المشروع الفنّي والتجاري فضلًا عن المخاطر السياسية.

-عقود مبرمة جيدة وشفّافة وتنافسية ومفصّلة على المدى الزمني القصير والمتوسّط والطويل.

– الرغبة من قبل الشريك العام (القطاع العام) بالقبول في حلول إبتكارية.

– رقابة فعّالة وحرفية على الشريك في القطاع الخاص من قبل العميل الحكومي.

– إختيار المشروعات المناسبة بحيث يمكن تكرارها لتحفيز القطاع الخاص.

المشكلة في لبنان دائماً تكمن في التفاصيل، وفي متابعة شروط التعاقد أو الإتفاق، والسؤال الذي سيطرح نفسه هنا، كيف سيكون شكل التعاون بين القطاعين العام والخاص، وهل سيستفيد فعلاً الإقتصاد اللبناني والدولة في آن، أو إننا على مفترق طرق تتقاطع في نهايتها على “الخصخصة”؟

عيتاني : تحسين البنى التحتية جاذب للإستثمار

مدير عام المؤسسة العامة لتشجيع الإستثمار في لبنان، نبيل عيتاني، يشير في حديث لـ “الإعمار والإقتصاد” إلى أن النهوض الإقتصادي في لبنان يتطلّب تحسين البنى التحتية كالكهرباء، المياه، النقل والإتصالات وغيرها. فهي أساس أي تطوّر في البنى الفوقية. وبالتالي يشدّد على أن عملية تحسين كل البنى التحتية والخدمات هي في أساس قانون الشراكة بين القطاعين والخاص. لأنها في واقعها الحالي لا تتوافق ومتطلبات الإستثمارات الخارجية، لأنها بدورها تؤخّر إنتاجية القطاع الخاص.

وإذ شدّد على أن لبنان يمكنه أن ينافس بنسبة إستقطاب إستثمارات خارجية، يأسف من جهة أخرى تأثير عدم مواكبة الخدمات في لبنان لتلك الإستثمارات، الأمر الذي لا يشجّعها على التوجّه نحوه. واعتبر أن قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص سيساهم في تحسين الخدمات المساعدة على رفع نسبة الإستثمار الخارجي في لبنان ونشر تأثيراته الإيجابية  على الإقتصاد اللبناني.

حمدان : صيغ متعددة للمشاركة  والإصلاح السياسي أمر أساسي

من جهته، يشير الخبير الإقتصادي كما حمدان في حديثه لـ “الإعمار والإقتصاد” إلى أنه مع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ولكن!

وفي لمحة بانورامية، لخّص حمدان في حديثه كيف شكّلت العلاقة بين القطاعين العام والخاص محور النظريات والسياسات والمدارس الإقتصادية التي تعاقبت، منذ نشوء الرأسمالية قبل ثلاثة قرون.

فيشير إلى أن الباحث الذي يتابع أدبيات ومدارس وسياسات رسمت علاقة بين القطاعين العام والخاص، يكاد يكون من الصعب جداً إذا لم يكن من المستحيل عليه الجزم بأن الملكية الخاصة تاريخياً هي أكثر كفاءة من الملكية العامة .. والعكس صحيح.

مثال على ذلك، طرح حمدان قضية أوروبا الغربية التي سجّلت أعلى معدلات النمو في تاريخ أوروبا، فتقدّم القطاع العام كما القطاع الخاص، إزاء زيادة الأول من تدخّله في الإقتصاد. بينما، في أميركا ورغم كل تصنيفات الـ AAA الدولية المعطاة للمصارف، إنهارت معظم المؤسسات الخاصة المصنّفة بأفضل التصنيفات، بعد أزمة 2008 المالية، الأمر الذي إضطر الدولة التدخل لتشتري أجزاء كبيرة من الشركات لضمان عدم انهيارها.

ربطاً بما سبق، يشير حمدان، إلى أنه إذا كانت المفاضلة بين القطاعين غير قابلة للحسم، في ضوء هذه التجارب العالمية، فإن العامل الأكثر تأثيراً يتمثّل بنمط أداء الطبقة السياسية للشأن العام الإقتصادي أي ما يعرف بـ “الحوكمة” . فيعتبره العامل المحدّد في مسار التنمية أكثر بكثير من ملكية عامة أو خاصة. وبالتالي، كلما كانت مسيرة الشفافية الإقتصادية والمالية والضريبية أعلى، كل ما كانت فرص أداء القطاع العام الإقتصادي أفضل.

إنطلاقاً مما سبق، يشدّد حمدان على أن صيغ التحاصص الهش الذي أدى إلى تطبيق مشوّه لإتفاق الطائف، هو المسؤول عن تردي مؤشرات أداء القطاع العام الإقتصادي. فقد أطبق برأيه أهل السلطة على الدولة، وازدادت حدّته عند كل تراجع تمويل أهل السلطة من قبل الراعي الخارجي لأسباب متعددة ومختلفة.

في هذا الإطار، يشير إلى أنه لبنانياً، لا يقتصر الخير في مكان والشر في آخر، فالإستثناءات واردة. فيقول:  “صحيح أن الفساد يعشعش في المؤسسات العامة وإدارات الدولة، لكن لا يمكن غض النظر عن جيوب الفساد الهائلة التي تسيطر في أروقة القطاع الخاص، سواء لجهة الإلتزام بدفع الضرائب، تحفيز التلاعب في شروط المحاصصات، وشيوع الرشوة في كثير من المشاريع المرتبطة بين القطاعين العام والخاص”.

فضلاً عن ذلك، يشير إلى أن السوق اللبنانية، وبالتالي بيئة تجارتنا الخارجية وأسواقنا الداخلية أثبتت أن القطاع الخاص تتحكم فيه إحتكار القلة، فثلثي أسواقه تتحكّم فيها شركتان أو ثلاثة.

 

بذلك، يستخلص حمدان أن التفاوت الكبير بين المتشاركين العام والخاص، لجهة مواصفات الموارد البشرية في كل مشروع معني بالشراكة، يدعو إلى الخوف. الأمر الذي يتطلّب حداّ أدنى من الندية. وعلى هذا الصعيد، فإن الدفة تميل لصالح الشركات الخاصة العملاقة.

في ضوء هذا البانوراما، يقول حمدان: “لبنان في حاجة أكيدة للبحث في كيفية النهوض بمرافق البنى التحتية، والمشكلة موجودة، لا سيما أن قدرات الدولة على الإنفاق الرأسمالي العام في حالة تراجع مستمر. فمن الـ 200 مليار دولار التي أنفقت خلال 25 سنة الماضية، نسبة 40  في المائة منها اتجهت لخدمة الدين في حين حاز الإستثمار العام على أقلّ من 8  في المائة”.

أمام هذه النظرة الدونية من قبل الطبقة السياسية للرأسمال، وتأثيرها على مناخ الإستثمار وفرص النمو.. تبقى فكرة البحث عن صيغة شراكة واحدة من البدائل الممكنة. وفي ظل الحاجة الملحة  للنهوض بشبكات البنى التحتية، يمكن الإستفادة بحسب حمدان مبدئياً من الشراكة بين القطاعين العام والخاص حسب حاجة كل حالة، وبالإعتماد على صيغ محددة للتعاون في ما بين القطاعين. ومن بين حوالى 9 صيغ متوافرة، يعدّد حمدان بعض من صيغ عقود إدارة المرفق العام، مثل تأجير مرفق عام للقطاع الخاص، صيغة الـ  POT وصيغة الـ  POOT، فضلاً عن صيغة الإمتيازات…

ورغم أن حمدان يشير إلى أنه لكل حالة صيغة خاصة، إلا أن الاهم برأيه أن يكون أي تعاون مشروط بتحقيق تقدّم فعلي على طريق الإصلاح السياسي وأجهزة الرقابة.. وهنا بيت القصيد. وهذا لا يحصل إلا عبر إقرار قانون إنتخاب جديد يقدم التمثيل الصحيح، ويخرج لبنان من أسر القيد الطائفي .. وبالتالي تحرير الدولة من السلطة المنفّذة.

Share This

Share This

Share this post with your friends!