كي لا يكون الرقم وجهة نظر

أما وقد أسدلت الستارة على آخر فصول مسرحية “الأمير أبو مالك التلي” في جرود عرسال والقلمون، وفق “وصفة” توّجت إنجاز “حزب الله” الميداني بانتصار تفاوضي أنهى تواجد “جبهة النصرة” على طول خط الحدود اللبنانية ـ السورية، فإن الجميع بات في إنتظار “الساعة الصفر” التي سيقررها الجيش اللبناني لإستئصال آخر معاقل “داعش” في المنطقة نفسها، على أن يتولى الجيش السوري و”حزب الله” الضغط على تنظيم “الدولة” من المقلب السوري وصولاً إلى تحرير حوالى 300 كلم 2 محتلة على جانبي الحدود اللبنانية ـ السورية.
برغم ما أنجز وهو كبير جداً، وما سينجز وحتماً ستكون له تداعياته اللبنانية والسورية الإستراتيجية، إلا أنه لا يحجب حقيقة أن إسرائيل تراقب وتستخلص وتخطط وربما تستعد لمغامرة عسكرية أو أمنية في مكان ما وفي لحظة ما من أجل إعادة خلط كل الأوراق.. وصولاً إلى محاولة منع “حزب الله” وحلفائه من تحقيق المزيد من الإنجازات التي تساعد في تدعيم جبهته.
قد توضع هكذا إشارة تحذيرية من البعد الإسرائيلي في خانة التنظير عند جمهور معين يشعر بأن إسرائيل ليست بوارد خوض مغامرة عسكرية جديدة ضد لبنان، ولكن تراكم القوة لدى المقاومة مع كل مرحلة تنطوي من مراحل الأزمة السورية، يجعل تل أبيب متهيبة لما يجري بين حدود لبنان وسوريا كما على أرض سوريا نفسها، ناهيك برصدها الدقيق لكل تحركات “حزب الله” على الأرض اللبنانية.
هنا يمكن إستخلاص بعض العبر، خصوصاً وأننا اليوم على عتبة إنتهاء السنة الخامسة من تاريخ تدخل “حزب الله” في الأزمة السورية، وعلى عتبة إحياء الذكرى الـ 11 لإنتصار تموز وآب 2006..
أولاً، كان من بين أبرز أهداف تموز 2006 والحرب السورية، القضاء على “حزب الله” أو بالحد الأدنى قطع الأوكسيجين الحيوي عنه، عبر قطع خط بغداد ـ دمشق وخط دمشق ـ بيروت، ومن نافل القول أن بعض عتاة المعارضة السورية الذين تقاعدوا مبكراً، تبرعوا منذ الأسابيع الأولى لتلك الأحداث بنزع سلاح “حزب الله” وبقطع كل علاقة معه كما مع “حماس” وإيران(راجع تصريحات برهان غليون لصحيفة “وول وست جورنال” الأميركية في أيلول 2011).
لم تنجح إسرائيل في مهمتها ولم يحالف الحظ ما تسمى “المعارضة السورية”، وبالتالي، صار “حزب الله” أكثر حضوراً ليس على أرض لبنان بل وعلى أرض سوريا والعراق واليمن وربما ساحات أخرى وها هو الشريان الحيوي يستعيد كل أوكسيجنه من طهران إلى المتوسط عبر سوريا ولبنان.
ثانياً، أراد الإسرائيليون من خلال القرار 1701، تقييد “حزب الله” وشل قدراته ومنعه من مراكمة خبرات إضافية، غير أن المقاومة لم تضع وقتها، ولم يكد يطل الخامس عشر من آب 2006، حتى دخلت في طور جديد من عملية ترميم وبناء الذات وتوسيع الحضور وتراكم القوة والخبرة والتسليح والانتشار وصولا إلى تغيير قواعد لعبة الميدان في أية مواجهة مقبلة.
ولقد جاءت الأزمة السورية لتجعل “حزب الله” فصيلاً مجرباً ومدرباً ليس على خوض معارك عصابات(كر وفر)، بل على شن عمليات هجومية نوعية، إنطلاقاً من الساحتين اللبنانية والسورية، وخصوصاً من بعض المناطق التي لا تجعل “حزب الله” وحده فقط على تماس مع الجيش الاسرائيلي، بل ومعه “الحرس الثوري الايراني” بقيادة الجنرال قاسم سليماني للمرة الأولى منذ إنتصار الثورة الايرانية في العام 1979.
ثالثاً، أدى توسع إنتشار “حزب الله” تلقائيا في الساحتين اللبنانية والسورية، إلى تعاظم خبرته، فالمقاومة كانت حتى العام 2006، تضع خططها البرية إستناداً إلى إستراتيجية عسكرية دفاعية بحتة، فيما كانت تعطي الترسانة الصاروخية للمعركة بعداً هجومياً لا ينفصل عن المعطى البري، بل يشكل ذراعاً دفاعياً له(معادلة تل ابيب مقابل بيروت وقبلها ما قبل حيفا وما بعدها الخ…).
هذا الأمر تغير اليوم، وتحديداً منذ تاريخ معركة القصير. وها هي معركة تحرير مئات الكيلومترات اللبنانية في جرود عرسال، بقوة “حزب الله” الذاتية، وبدعم عسكري سوري نسبي(من البر والجو)، إن دلت على شيء، إنما على تراكم خبرة قتالية تؤهل المقاومة اللبنانية للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، للإنتقال من الدفاع إلى الهجوم، بدليل القلق الذي يزنر بعض مستوطنات الشمال الفلسطيني، وكذلك “فوبيا” قيام “حزب الله” بحفر أنفاق بلغت عتبة المستوطنات الشمالية، ناهيك عما يتردد عن بناء أنفاق تجعل عين المقاومة قادرة على الرصد الدقيق إلى حد تصوير أرقام سيارات المستوطنين ومتابعة الاشارات الضوئية في معظم مستوطنات ومدن الجليل الفلسطيني الأعلى.
وإذا كانت المقاومة ليست من الصنف الذي يضع خططه علناً على الطاولة، لكنها صادقة في ما تقوله وتتعهد به. أقله هذا هو إنطباع المستوطنين. لذلك، لن يكون مفاجئاً لأحد رؤية مجموعات من المقاومة تجتاز في دقائق قليلة السياج الشائك وتتوغل في عمق الشمال الفلسطيني لشن عمليات كر وفر تربك الكيان الاسرائيلي وتحوّل كل المستوطنين في الشمال إلى مشروع أسرى لا يملك أحد خيار تحديد مصيرهم، إلا “حزب الله”.
رابعاً، نحن لسنا أمام قوة لبنانية وحسب بل أمام قوة إقليمية بكل معنى الكلمة، لا أحد يدرك لاحقا أكلاف ومقتضيات عودتها إلى الداخل اللبناني مستقبلاَ.
هذه القوة الاقليمية لا تقاس فقط بعددها الذي يكاد يفوق بعض جيوش المنطقة، بل وبترسانتها الصاروخية وأسلحتها وقدراتها الكامنة التي لا أحد يستطيع التكهن بها وبما يمكن أن تحمله من مفاجآت سواء من البحر أو الجو أو البر.
لذلك، فإن تل أبيب التي كانت تسعى قبل 11 سنة إلى “شيطنة” المقاومة ومحاصرتها بالقرارات الدولية والمحكمة الدولية، باتت تجد نفسها اليوم أمام تنظيم لبناني مجرب، تحول خلال 11 سنة من مجرد فصيل لا تتعدى طاقته حدود إستنفار عشرة آلاف مقاتل متفرغ أو متطوع، إلى تنظيم يستقطب عشرات آلاف المقاتلين، فضلاً عن تطوير بيئته الحاضنة التي صارت منحازة إليه إلى حد كبير، منذ اليوم الأول لإنخراطه في الأزمة السورية.
خامساً، حاولت إسرائيل منذ تموز 2006 الاستثمار في البيئة اللبنانية، وخصوصاً عبر السعي لتحويل “حزب الله” إلى “بعبع” يخيف مكونات طائفية لبنانية وازنة، غير أن أداء المقاومة، وبرغم واقع استنفارها واستنزافها سياسياً وعسكرياً منذ عقد من الزمن، جعل صورتها تخترق معظم البيوت المسيحية، وخير دليل على ذلك ما رافق ويرافق معركة تحرير جرود عرسال من المجموعات التكفيرية. لا ينفي ذلك وجود معضلة تتمثل في عدم نجاح “حزب الله” في إحداث خرق جدي في الواقع السني في لبنان، ولهذا الأمر ظروفه ومقتضيات بحثه مستقبلا، من دون إغفال أهمية التغطية السياسية التي وفرها سعد الحريري للمعركة من موقعه في رئاسة الحكومة هذه المرة.
سادساً، لم يكن “حزب الله” يحلم حتى في عز حقبة ما تسمى “الوصاية السورية” بأن تصل علاقته بالدولة اللبنانية الى اللحظة النوعية التي بلغتها في العام 2017، فها هو يضع يده يداً بيد مع رئيس جمهورية قد يعادي العالم كله ولا يحيد قيد أنملة عن خيار حماية المقاومة، وها هو يجد في تركيبة الحكومة ما يطمئنه من دون الحاجة الى ثلث ضامن أو وزير ملك أو حصة محددة، كما أن علاقته ب”تيار المستقبل” لم تعد تحتاج إلى حوار ثنائي أو ثلاثي. الأهم من ذلك كله أن الحزب على علاقة وطيدة بالمؤسسات العسكرية والأمنية وهو يمحضها ثقته وخصوصا الجيش والأمن العام، فالأول شريك في المعركة العسكرية ضد الارهاب والثاني شريك في التفاوض والحرب الاستباقية، من دون التقليل من أهمية ثبات العقيدة العسكرية لهذه المؤسسات وغيرها، برغم الضغوط التي تعرضت لها للخصومة مع المقاومة، خصوصا غداة حرب تموز 2006.
سابعاً، صحيح أن “حزب الله” قدم نحو ألف وخمسمائة شهيد في معارك سوريا طوال خمس سنوات، وهو رقم قياسي كبير، بالمقارنة مع ما قدمه طوال ثلاثة عقود ونيف في صراعه العسكري المفتوح مع العدو الاسرائيلي، غير أن هذا الثمن، على فداحته حمى ويحمي لبنان من شرور الفوضى والفتنة والسقوط في مهب المجهول. وهذا الأمر يدلل على مناعة الحاضنة الشعبية لحزب قاوم ويقاوم شتى أنواع الضغوط التي يتعرض لها وآخرها الضغط عبر العقوبات المالية والمصرفية.
ها هي حدود الدم والنار ترتسم عند حدودنا الشرقية وترتسم معها خرائط النفوذ للاعبين الاقليميين والدوليين في طول المنطقة وعرضها، ولكن يستحيل إخراج هذا أو ذاك من أهل السياسة في لبنان من “الجل” الإنتخابي!
تجري إنتخابات نيابية فرعية أو بلدية اليوم أو لا تجري. المعيار تأثيرها على المشهد الانتخابي المقبل. تقر سلسلة رتب ورواتب ومعها سلة ضرائب. يردها رئيس الجمهورية أو لا يردها، الأمر مرهون بإرتدادات هذه أو تلك على سلوك الجمهور الانتخابي بعد أقل من سنة.
يقترب هذا الفريق السياسي من ذاك ويبتعد عن هذا أو يرسم مسافة فاصلة عن الإثنين، الأمر مرهون بالمردود.
للمؤسسات الدستورية أن تجمّد أعمالها. لن يستوي تشريع بأيدي مرشحين ولا تنفيذ بأيدي وزراء طامحين. القضاء في حالة إجازة أو إضراب والإدارة تدفع ثمن الحسابات و”الأجندات” السياسية المتناقضة.
ها هو القانون الإنتخابي النسبي بما تضمنه من غموض وعورات، يفتح الباب أمام تحالفات وتوازنات داخلية جديدة.
وها هي رسائل التهديد الاسرائيلي تبلغ مسامع كبار المسؤولين اللبانيين، فهل يكفي سحب الذرائع أم أن الأمور قد تصل إلى حد المواجهة الحتمية؟

أما وقد أسدلت الستارة على آخر فصول مسرحية “الأمير أبو مالك التلي” في جرود عرسال والقلمون، وفق “وصفة” توّجت إنجاز “حزب الله” الميداني بانتصار تفاوضي أنهى تواجد “جبهة النصرة” على طول خط الحدود اللبنانية ـ السورية، فإن الجميع بات في إنتظار “الساعة الصفر” التي سيقررها الجيش اللبناني لإستئصال آخر معاقل “داعش” في المنطقة نفسها، على أن يتولى الجيش السوري و”حزب الله” الضغط على تنظيم “الدولة” من المقلب السوري وصولاً إلى تحرير حوالى 300 كلم 2 محتلة على جانبي الحدود اللبنانية ـ السورية.
برغم ما أنجز وهو كبير جداً، وما سينجز وحتماً ستكون له تداعياته اللبنانية والسورية الإستراتيجية، إلا أنه لا يحجب حقيقة أن إسرائيل تراقب وتستخلص وتخطط وربما تستعد لمغامرة عسكرية أو أمنية في مكان ما وفي لحظة ما من أجل إعادة خلط كل الأوراق.. وصولاً إلى محاولة منع “حزب الله” وحلفائه من تحقيق المزيد من الإنجازات التي تساعد في تدعيم جبهته.
قد توضع هكذا إشارة تحذيرية من البعد الإسرائيلي في خانة التنظير عند جمهور معين يشعر بأن إسرائيل ليست بوارد خوض مغامرة عسكرية جديدة ضد لبنان، ولكن تراكم القوة لدى المقاومة مع كل مرحلة تنطوي من مراحل الأزمة السورية، يجعل تل أبيب متهيبة لما يجري بين حدود لبنان وسوريا كما على أرض سوريا نفسها، ناهيك برصدها الدقيق لكل تحركات “حزب الله” على الأرض اللبنانية.
هنا يمكن إستخلاص بعض العبر، خصوصاً وأننا اليوم على عتبة إنتهاء السنة الخامسة من تاريخ تدخل “حزب الله” في الأزمة السورية، وعلى عتبة إحياء الذكرى الـ 11 لإنتصار تموز وآب 2006..
أولاً، كان من بين أبرز أهداف تموز 2006 والحرب السورية، القضاء على “حزب الله” أو بالحد الأدنى قطع الأوكسيجين الحيوي عنه، عبر قطع خط بغداد ـ دمشق وخط دمشق ـ بيروت، ومن نافل القول أن بعض عتاة المعارضة السورية الذين تقاعدوا مبكراً، تبرعوا منذ الأسابيع الأولى لتلك الأحداث بنزع سلاح “حزب الله” وبقطع كل علاقة معه كما مع “حماس” وإيران(راجع تصريحات برهان غليون لصحيفة “وول وست جورنال” الأميركية في أيلول 2011).
لم تنجح إسرائيل في مهمتها ولم يحالف الحظ ما تسمى “المعارضة السورية”، وبالتالي، صار “حزب الله” أكثر حضوراً ليس على أرض لبنان بل وعلى أرض سوريا والعراق واليمن وربما ساحات أخرى وها هو الشريان الحيوي يستعيد كل أوكسيجنه من طهران إلى المتوسط عبر سوريا ولبنان.
ثانياً، أراد الإسرائيليون من خلال القرار 1701، تقييد “حزب الله” وشل قدراته ومنعه من مراكمة خبرات إضافية، غير أن المقاومة لم تضع وقتها، ولم يكد يطل الخامس عشر من آب 2006، حتى دخلت في طور جديد من عملية ترميم وبناء الذات وتوسيع الحضور وتراكم القوة والخبرة والتسليح والانتشار وصولا إلى تغيير قواعد لعبة الميدان في أية مواجهة مقبلة.
ولقد جاءت الأزمة السورية لتجعل “حزب الله” فصيلاً مجرباً ومدرباً ليس على خوض معارك عصابات(كر وفر)، بل على شن عمليات هجومية نوعية، إنطلاقاً من الساحتين اللبنانية والسورية، وخصوصاً من بعض المناطق التي لا تجعل “حزب الله” وحده فقط على تماس مع الجيش الاسرائيلي، بل ومعه “الحرس الثوري الايراني” بقيادة الجنرال قاسم سليماني للمرة الأولى منذ إنتصار الثورة الايرانية في العام 1979.
ثالثاً، أدى توسع إنتشار “حزب الله” تلقائيا في الساحتين اللبنانية والسورية، إلى تعاظم خبرته، فالمقاومة كانت حتى العام 2006، تضع خططها البرية إستناداً إلى إستراتيجية عسكرية دفاعية بحتة، فيما كانت تعطي الترسانة الصاروخية للمعركة بعداً هجومياً لا ينفصل عن المعطى البري، بل يشكل ذراعاً دفاعياً له(معادلة تل ابيب مقابل بيروت وقبلها ما قبل حيفا وما بعدها الخ…).
هذا الأمر تغير اليوم، وتحديداً منذ تاريخ معركة القصير. وها هي معركة تحرير مئات الكيلومترات اللبنانية في جرود عرسال، بقوة “حزب الله” الذاتية، وبدعم عسكري سوري نسبي(من البر والجو)، إن دلت على شيء، إنما على تراكم خبرة قتالية تؤهل المقاومة اللبنانية للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، للإنتقال من الدفاع إلى الهجوم، بدليل القلق الذي يزنر بعض مستوطنات الشمال الفلسطيني، وكذلك “فوبيا” قيام “حزب الله” بحفر أنفاق بلغت عتبة المستوطنات الشمالية، ناهيك عما يتردد عن بناء أنفاق تجعل عين المقاومة قادرة على الرصد الدقيق إلى حد تصوير أرقام سيارات المستوطنين ومتابعة الاشارات الضوئية في معظم مستوطنات ومدن الجليل الفلسطيني الأعلى.
وإذا كانت المقاومة ليست من الصنف الذي يضع خططه علناً على الطاولة، لكنها صادقة في ما تقوله وتتعهد به. أقله هذا هو إنطباع المستوطنين. لذلك، لن يكون مفاجئاً لأحد رؤية مجموعات من المقاومة تجتاز في دقائق قليلة السياج الشائك وتتوغل في عمق الشمال الفلسطيني لشن عمليات كر وفر تربك الكيان الاسرائيلي وتحوّل كل المستوطنين في الشمال إلى مشروع أسرى لا يملك أحد خيار تحديد مصيرهم، إلا “حزب الله”.
رابعاً، نحن لسنا أمام قوة لبنانية وحسب بل أمام قوة إقليمية بكل معنى الكلمة، لا أحد يدرك لاحقا أكلاف ومقتضيات عودتها إلى الداخل اللبناني مستقبلاَ.
هذه القوة الاقليمية لا تقاس فقط بعددها الذي يكاد يفوق بعض جيوش المنطقة، بل وبترسانتها الصاروخية وأسلحتها وقدراتها الكامنة التي لا أحد يستطيع التكهن بها وبما يمكن أن تحمله من مفاجآت سواء من البحر أو الجو أو البر.
لذلك، فإن تل أبيب التي كانت تسعى قبل 11 سنة إلى “شيطنة” المقاومة ومحاصرتها بالقرارات الدولية والمحكمة الدولية، باتت تجد نفسها اليوم أمام تنظيم لبناني مجرب، تحول خلال 11 سنة من مجرد فصيل لا تتعدى طاقته حدود إستنفار عشرة آلاف مقاتل متفرغ أو متطوع، إلى تنظيم يستقطب عشرات آلاف المقاتلين، فضلاً عن تطوير بيئته الحاضنة التي صارت منحازة إليه إلى حد كبير، منذ اليوم الأول لإنخراطه في الأزمة السورية.
خامساً، حاولت إسرائيل منذ تموز 2006 الاستثمار في البيئة اللبنانية، وخصوصاً عبر السعي لتحويل “حزب الله” إلى “بعبع” يخيف مكونات طائفية لبنانية وازنة، غير أن أداء المقاومة، وبرغم واقع استنفارها واستنزافها سياسياً وعسكرياً منذ عقد من الزمن، جعل صورتها تخترق معظم البيوت المسيحية، وخير دليل على ذلك ما رافق ويرافق معركة تحرير جرود عرسال من المجموعات التكفيرية. لا ينفي ذلك وجود معضلة تتمثل في عدم نجاح “حزب الله” في إحداث خرق جدي في الواقع السني في لبنان، ولهذا الأمر ظروفه ومقتضيات بحثه مستقبلا، من دون إغفال أهمية التغطية السياسية التي وفرها سعد الحريري للمعركة من موقعه في رئاسة الحكومة هذه المرة.
سادساً، لم يكن “حزب الله” يحلم حتى في عز حقبة ما تسمى “الوصاية السورية” بأن تصل علاقته بالدولة اللبنانية الى اللحظة النوعية التي بلغتها في العام 2017، فها هو يضع يده يداً بيد مع رئيس جمهورية قد يعادي العالم كله ولا يحيد قيد أنملة عن خيار حماية المقاومة، وها هو يجد في تركيبة الحكومة ما يطمئنه من دون الحاجة الى ثلث ضامن أو وزير ملك أو حصة محددة، كما أن علاقته ب”تيار المستقبل” لم تعد تحتاج إلى حوار ثنائي أو ثلاثي. الأهم من ذلك كله أن الحزب على علاقة وطيدة بالمؤسسات العسكرية والأمنية وهو يمحضها ثقته وخصوصا الجيش والأمن العام، فالأول شريك في المعركة العسكرية ضد الارهاب والثاني شريك في التفاوض والحرب الاستباقية، من دون التقليل من أهمية ثبات العقيدة العسكرية لهذه المؤسسات وغيرها، برغم الضغوط التي تعرضت لها للخصومة مع المقاومة، خصوصا غداة حرب تموز 2006.
سابعاً، صحيح أن “حزب الله” قدم نحو ألف وخمسمائة شهيد في معارك سوريا طوال خمس سنوات، وهو رقم قياسي كبير، بالمقارنة مع ما قدمه طوال ثلاثة عقود ونيف في صراعه العسكري المفتوح مع العدو الاسرائيلي، غير أن هذا الثمن، على فداحته حمى ويحمي لبنان من شرور الفوضى والفتنة والسقوط في مهب المجهول. وهذا الأمر يدلل على مناعة الحاضنة الشعبية لحزب قاوم ويقاوم شتى أنواع الضغوط التي يتعرض لها وآخرها الضغط عبر العقوبات المالية والمصرفية.
ها هي حدود الدم والنار ترتسم عند حدودنا الشرقية وترتسم معها خرائط النفوذ للاعبين الاقليميين والدوليين في طول المنطقة وعرضها، ولكن يستحيل إخراج هذا أو ذاك من أهل السياسة في لبنان من “الجل” الإنتخابي!
تجري إنتخابات نيابية فرعية أو بلدية اليوم أو لا تجري. المعيار تأثيرها على المشهد الانتخابي المقبل. تقر سلسلة رتب ورواتب ومعها سلة ضرائب. يردها رئيس الجمهورية أو لا يردها، الأمر مرهون بإرتدادات هذه أو تلك على سلوك الجمهور الانتخابي بعد أقل من سنة.
يقترب هذا الفريق السياسي من ذاك ويبتعد عن هذا أو يرسم مسافة فاصلة عن الإثنين، الأمر مرهون بالمردود.
للمؤسسات الدستورية أن تجمّد أعمالها. لن يستوي تشريع بأيدي مرشحين ولا تنفيذ بأيدي وزراء طامحين. القضاء في حالة إجازة أو إضراب والإدارة تدفع ثمن الحسابات و”الأجندات” السياسية المتناقضة.
ها هو القانون الإنتخابي النسبي بما تضمنه من غموض وعورات، يفتح الباب أمام تحالفات وتوازنات داخلية جديدة.
وها هي رسائل التهديد الاسرائيلي تبلغ مسامع كبار المسؤولين اللبانيين، فهل يكفي سحب الذرائع أم أن الأمور قد تصل إلى حد المواجهة الحتمية؟

Share This

Share This

Share this post with your friends!