كي لا يكون الرقم وجهة نظر

استكمالا للمقالة السابقة والتي تناولنا فيها عناوين مختلفة تتعلق بانشغال قيادة الاحتلال الاسرائيلي ومراكز ابحاثه بظاهرة المقاطعة العالمية وحملة نزع الشرعية عن الكيان الصهيوني، نورد هذه المقالة المترجمة لنائب رئيس مركز ابحاث الامن القومي الاسرائيلي الباحث كوبي مايكل والذي يشغل ايضا مناصب عدة من بينها رئيس قسم الفلسطينيين والدول المجاورة في وزارة الشؤون الاستراتيجة، عضو هيئة تدريس في جامعة بن غوريون، أستاذ زائر في جامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة، وله العديد من الكتب والدراسات.

وقبل البدء نلفت عناية القراء الكرام لزاوية عين على العدو في مجلة اعمار واقتصاد الى اننا التزمنا خلال اعداد هذه المادة الحفاظ على مضمونها ومصطلحاتها كما وردت في مقالة الكاتب والتي تعبر عن وجهة نظره ونظر الطرف الاخر، فاقتضى التوضيح.

عمد الكاتب في المقال الى دراسة وتفسير تحدي نزع الشرعية في السنوات الاخيرة (بما فيها تلك الجهود التي تبذلها حركة BDS (، كونها مركب بارز ومهم في هذا التحدي. بالمقارنة بتحديات مشابهة واجهتها اسرائيل في العقود السابقة.

فتحدي نزع الشرعية في هيئته الحالية متطور ومعقد اكثر من ذي قبل، وهو من حيث الافكار والشكل الجوهري الذي يرافق فعله، متشابه ومتصل معا ضمن ثلاث مستويات .

  • حق اسرائيل بالوجود كدولة قومية مستقلة .
  • حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها.
  • حق اسرائيل في تفسير ردة فعلها .

المستوى الاول:

يسعى اعداء اسرائيل عبر جملة من الجهود والنشاطات سلب شرعية الدولة القومية اليهودية بدعوة بان ما قامت عليه اسرائيل هو تنفيذ مشروع استيطاني توسعي (كولونيا لي)،ولد ضمن خطأ تاريخي على حساب ظلم وجرم بحق السكان الاصليين (الفلسطينيين).

المستوى الثاني :

يسعى اعداء اسرائيل على سلبها حقها بالدفاع عن نفسها في مواجهة الارهاب ،وذلك عبر ادعاءات حول طبيعة الرد الاسرائيلي (غير المتكافئ)، والمتناقض مع مبادئ القانون الدولي وتضرب بشكل اساسي حقوق الانسان الفلسطيني .

المستوى الثالث :

السعي المستمر نحو انجاز القصاص من اسرائيل عبر حرمانها من تفسير افعالها وذلك عبر اقصائها وإبعادها عن المحافل الدولية ضمن تغطية وغطاء من وسائل اعلام تعمل على طمس الاسباب المختلفة التي دفعت اسرائيل لردة الفعل على الارهاب.

وردا على السؤال لماذا اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تجبر على مواجهة ادعاءات حول عدم شرعية وجودها.هناك عدة اجابات لهذا السؤال .

قوة تكتل الدول الاسلامية والتي تتمتع بأغلبية تلقائية في المحافل الدولية المهمة.والتي بدورها تؤثر على الدول الغربية والتي تسعى للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية ومنها تعود لمعادة السامية الراسخة في اوساط عديدة من العالم .ونظرا لأهمية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني يعطى وزن زائد بالإضافة إلى جهود القيادة الفلسطينية التي تعتمد على استراتيجية تدويل القضية عبر التحريض وتشويه صورة اسرائيل من خلال جعلها دولة غير شرعية وبالطبع لا يمكن تجاهل تأثير السياسات الاسرائيلية اتجاه الفلسطينيين وطريقة سلوكها على الساحة الدولية ،رغم ذلك تبقى هذه العناصر ذات تأثير هامشي مساعد فقط ولا تندرج في مضمون ظاهرة نزع الشرعية .

أن تحدي نزع الشرعية بمحتواه وخصائصه المعروفة خلال السنوات الاخيرة، قائم منذ تاليف حكومة نتانياهو الثانية في اذار 2009، حيث بات واضحا أن العملية السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين دخلت في طريق مسدود بسبب الفارق الجوهري بالمواقف بين الطرفيين وعدم الجدية الكافية لدى القيادة الفلسطينية للبدء من جديد في المفاوضات مع حكومة نتانياهو بعد أن استطاعت تسجيل انجازات مهمة خلال المفاوضات مع حكومة اولمرت، عرض اسرائيل للتسوية التي قدمتها حكومة اولمرت للفلسطينيين كانت بعيدة المدى وأفضل ما قدم للفلسطينيين ذات مره في اواخر عام 2009.

في اطار وزارة الشؤون الاستراتيجية برئاسة الوزير موشيه ياعالون تم اعداد برنامج لمواجهة جهود نزع الشرعية ضد اسرائيل، لكن تم تعطيل جزء من هذا البرنامج بسبب اعتراض وتشكيك بعض الوزارات وخاصة وزارة الخارجية، التي رأت أن هناك شكل من أشكال التضخيم لفحوى ظاهرة (نزع الشرعية)، يضاف الى ذلك الجدل حول الصلاحيات ومصادر التمويل لمواجهة هذه الظاهرة.

التغير الجدي في موقف اسرائيل رسميا من تحدي نزع الشرعية بدء بعد حادثين مؤلمين، الاول هو التقرير الخطير والمنحاز للقاضي غولدستون بأعقاب الرصاص المصبوب الذي نشر في ايلول 2009،والثاني هو حادث أسطول الحرية مرمره في ايار 2010.

الفلسطينيون استغلوا تقرير غولدستون وحادث الاسطول لتعظيم الهجوم عبر نزع الشرعية عن اسرائيل في اطار استراتيجية محكمة وتبني خطاب تحريضي ضدها، عندها فقط اعتبرت حكومة اسرائيل بان ما حدث هو تهديد استراتيجي فعلي، وبدأت المؤسسة الرسمية الانتباه والالتفات بجدية اكبر لحركة BDS، التي اسسها عمر البرغوثي في 2005، والتي عقدت مؤتمرها الاول عام 2007 في رام الله. وبعد الريادة التي حققتها الحركة في المقاطعة وسحب الاستثمارات ونجاحها في ضم 170 منظمة فلسطينية الى اطارها، بدأت بتأسيس وتوسيع نشاطها واستقطاب مؤيدين جدد، وقامت بتنظيم مظاهرات واحتجاجات وبادرت الى خلق مشاريع للمقاطعة ونزع الشرعية .

اهتمام الحكومة الجدي هذه المرة، تقاطع مع بدء تطوير بينية تحتية معرفية من جهات حكومية وغير حكومية داخل الدولة ونورد على سبيل المثال لا الحصر (مركز الابحاث رؤى) الذي أنشيء للبحث فيما يتعلق بطبيعة الظاهرة، نشأتها، منطقها، أثارها، ووضع اساليب للرد عليها كتحدي كبير.

الا انه وعلى الرغم من تخصيص موارد مهمة للمواجهة وخلق نوع من التنسيق بين الجهات السياسية المختلفة وزيادة المعرفة لدى صناع القرار والمجتمع المدني، لا تزال هناك فجوات كبيرة بين واقع الحال وطبيعة الرد، وبين جهود حركة نزع الشرعية ونشاطها المنتشر في ارجاء العالم. وفي اعقاب ذلك اتضح للمؤسسة السياسية وبمساعدة منظمات غير حكومية ومراكز ابحاث – بان معسكر حركة نزع الشرعية اخذ يزداد ويضم في صفوفه ائتلافات جديدة ومتنوعة، مثل حركات اسلامية متطرفة الى جانب منظمات حقوق انسان ذات ايدلوجية ليبرالية (تحالف الاخضر مع الاحمر)، وانتشار حركة نزع الشرعية ضد اسرائيل اعطى نفس جديد لعناصر الBDS والذين وجدوا تشجيع وغطاء وبنيه تحتية لنشاطهم الذي يهدف إلى نزع الشرعية عن الفكر الصهيوني كفكر عنصري وبالتالي ضرب فكرة اسرائيل وطن قومي لليهود، لذلك نرى ان تحالف ال BDS  ينادون بمبدأ حق العودة للاجئين الفلسطينيين ويعرفون اسرائيل كدولة عنصرية استعمارية امبريالية والتي تضطهد حقوق الفلسطينيون ويسعون إلى المقاطعة الاكاديمية و الثقافية والاقتصادية كون تلك المجالات تخدم وفق ادعاءهم عدائية اسرائيل وتشجعها على ضرب الفلسطينيين. ومن شعارات قيادة ال BDSيبدو واضحا توجههم لازالة دولة اسرائيل واحلال مكانها دولة فلسطين حيث يصبح فيها اليهود اقلية .

         نزع الشرعية عن اسرائيل في الماضي والحاضر

رغم التشابه بين المعارضة لإسرائيل في العقود الاولى لإقامتها وبين ظاهرة نزع الشرعية بشكلها المستجد، هناك فوارق جوهرية عديدة بينهما، وفي طليعة هذه الفوارق ان تركيبة

النظام الدولي مختلف اليوم عما كان قبل عقود حيث شمل على سبيل المثال، جهات غير سياسية قوية لم تكن موجودة سابقا، كما ان الواقع الجيوسياسي تغير لا سيما في الشرق الاوسط حيث لا تشابه بين ما كان عليه في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي وما هو عليه في يومنا هذا، يضاف الى ذلك الثورة التكنولوجية ووجود وسائل التواصل الاجتماعي التي غيرت بشكل كبير وجذري عملية الاتصال والتواصل بين الافراد والجماعات مما ترك اثر واضح في حجم وتعاظم هذه الظاهرة.

مجمل هذه المتغيرات اصبح لها تأثير اوسع واشمل، وتلعب على ما يبدو لصالح محاولة اعداء اسرائيل انجاز نزع الشرعية. في مقابل ذلك يبقى مميز واحد على الاقل مستقر لا يتغير بكل الفترات يتمثل في ضعف الرد الاسرائيلي المجدي على الظاهرة.

                      المتغيرات الهيكلية في النظام الدولي

خلال العقود الاولى لانشاء الدولة كان شعار جعل اسرائيل دولة غير شرعية، جزء لا يتجزأ من حالة الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري للعالم العربي والإسلامي ضد اسرائيل، شعار وجد التأييد الطبيعي له من كتلة دول عدم الانحياز، ومن الاتحاد السوفيتي انذاك والدول التابعة له، بكلمات اخرى فان الصراع في المنطقة اصبح جزء من منظومة صراع واسعة في عالم ثنائي القطب واحد غربي تقوده الولايات المتحدة واخر شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي. وكان من الطبيعي ان القطب الغربي الحاضن لاسرائيل ان يواجه اي محاولة لجعل اسرائيل دولة غير شرعية، مستفيدا من ان المنظمات غير الحكومية والتي كان عددها قليل نسبيا في تلك الفترة، مقارنة بعددها في السنوات الاخيرة، كانت غائبة او مغيبة عن الصراع الاسرائيلي العربي وبالتالي عن معركة نزع الشرعية عن الدولة.

الغرب عموما دعم اسرائيل، على الرغم من بعض المحطات السلبية، كالازمة في العلاقات بين اسرائيل وفرنسا بعد حرب حزيران 1967، وحتى حينها لم تتعرض اسرائيل لتعابير ذات مغزى، لنزع الشرعية عنها والتي كان مصدرها العالم العربي، بعدها حصلت جملة من التطورات الجذرية غيرت صورة الوضع على المستويين العالمي والاقليمي،وكان اهمها على الاطلاق انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط عالم ثنائي القطب.

في العالم الجديد الذي نشأ برئاسة الولايات المتحدة الحليف الاكبر، لم تتلقى اسرائيل كما تمنت دعم تلقائي من الغرب لا سيما من المؤسسات الدولية التي اصبحت ذات اهمية بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل مؤسسات الامم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية التي سعت إلى تطبيق مبدأ العلاقات الندية بين الامم وفقا لمبادئ القانون الدولي، ونجحت في العديد من الحالات بتغيير اليات التسوية التقليدية التي ميزت عالم ثنائي القطب( بالأخص الحوار بين الدول العظمى)، لكنها رغم ذلك وقعت ضحية اعتبارات سياسية مفرطة، ونرى اليوم أن جهات مختلفة من بينها اصحاب حركة نزع الشرعية، والسلطة الفلسطينية، تستغل تلك المؤسسات الدولية، وتحاول من خلال التاثير عليها حشر اسرائيل في زاوية الادانة الدولية ووضعها على مقعد الاتهام وتشويه صورتها امام المجتمع الدولي، وتدعم في المقابل مشروع اقامة دولة فلسطينية غير مرتبط بمفاوضات واتفاق ثنائي مع اسرائيل.

ان انهيار المنظومة الاشتراكية ونشوء دول دمقراطية جديدة على انقاذها، بعد ان كانت هذه الدول موجودة عشرات السنوات في ظل الحكم السوفياتي، وانتشار ظاهرة مطالبة مجموعات قومية وعرقية مختلفة  بممارسة حقها في تقرير المصير وإقامة دولتها المستقلة، شكلت عناوين هامة لعالم اليوم، واصبحت دعامة اساسية في اي خطاب حقوقي جديد. وبالتالي فان هذه التطورات إلى جانب تغني المجتمع الدولي باسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، شجعت وسهلت نشاط اصحاب حركة نزع الشرعية والقول أن القضية الفلسطينية هي نموذج واضح للتعدي الاسرائيلي على مبدأ تقرير المصير لشعب محتل ومضطهد ويمارس بحقه ابشع انواع العنصرية .وعلى ما يبدو ان العديد من مكونات المجتمع الدولي بات يرى ان اسرائيل دخلت في نعال نظام الفصل العنصري الذي كان سائدا في جنوب افريقيا، وتقمع وتضطهد الشعب الفلسطيني كما كان يفعل ذاك النظام القمعي للأقلية البيضاء في جنوب افريقيا ضد المواطنين الاصليين السود هناك.

ان المطالبة بالحقوق المشروعة واشمئزاز العالم من ممارسات نظام الفصل العنصري قبل سقوطه في جنوب افريقيا قد تحول إلى القضية الفلسطينية كنموذج معاصر للظلم الذي تمارسه اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني .

اليوم جهود نزع الشرعية تزداد قوة وتاثير لانها تجري في عالم متعدد الاقطاب، وذات اقتصاد عالمي تنشط فيه منظمات غير حكومية عدة لها تأثير كبير لم يكن قائم في السابق ابدا .

يتبع…………………

 

 

 

 

 

 

استكمالا للمقالة السابقة والتي تناولنا فيها عناوين مختلفة تتعلق بانشغال قيادة الاحتلال الاسرائيلي ومراكز ابحاثه بظاهرة المقاطعة العالمية وحملة نزع الشرعية عن الكيان الصهيوني، نورد هذه المقالة المترجمة لنائب رئيس مركز ابحاث الامن القومي الاسرائيلي الباحث كوبي مايكل والذي يشغل ايضا مناصب عدة من بينها رئيس قسم الفلسطينيين والدول المجاورة في وزارة الشؤون الاستراتيجة، عضو هيئة تدريس في جامعة بن غوريون، أستاذ زائر في جامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة، وله العديد من الكتب والدراسات.

وقبل البدء نلفت عناية القراء الكرام لزاوية عين على العدو في مجلة اعمار واقتصاد الى اننا التزمنا خلال اعداد هذه المادة الحفاظ على مضمونها ومصطلحاتها كما وردت في مقالة الكاتب والتي تعبر عن وجهة نظره ونظر الطرف الاخر، فاقتضى التوضيح.

عمد الكاتب في المقال الى دراسة وتفسير تحدي نزع الشرعية في السنوات الاخيرة (بما فيها تلك الجهود التي تبذلها حركة BDS (، كونها مركب بارز ومهم في هذا التحدي. بالمقارنة بتحديات مشابهة واجهتها اسرائيل في العقود السابقة.

فتحدي نزع الشرعية في هيئته الحالية متطور ومعقد اكثر من ذي قبل، وهو من حيث الافكار والشكل الجوهري الذي يرافق فعله، متشابه ومتصل معا ضمن ثلاث مستويات .

  • حق اسرائيل بالوجود كدولة قومية مستقلة .
  • حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها.
  • حق اسرائيل في تفسير ردة فعلها .

المستوى الاول:

يسعى اعداء اسرائيل عبر جملة من الجهود والنشاطات سلب شرعية الدولة القومية اليهودية بدعوة بان ما قامت عليه اسرائيل هو تنفيذ مشروع استيطاني توسعي (كولونيا لي)،ولد ضمن خطأ تاريخي على حساب ظلم وجرم بحق السكان الاصليين (الفلسطينيين).

المستوى الثاني :

يسعى اعداء اسرائيل على سلبها حقها بالدفاع عن نفسها في مواجهة الارهاب ،وذلك عبر ادعاءات حول طبيعة الرد الاسرائيلي (غير المتكافئ)، والمتناقض مع مبادئ القانون الدولي وتضرب بشكل اساسي حقوق الانسان الفلسطيني .

المستوى الثالث :

السعي المستمر نحو انجاز القصاص من اسرائيل عبر حرمانها من تفسير افعالها وذلك عبر اقصائها وإبعادها عن المحافل الدولية ضمن تغطية وغطاء من وسائل اعلام تعمل على طمس الاسباب المختلفة التي دفعت اسرائيل لردة الفعل على الارهاب.

وردا على السؤال لماذا اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تجبر على مواجهة ادعاءات حول عدم شرعية وجودها.هناك عدة اجابات لهذا السؤال .

قوة تكتل الدول الاسلامية والتي تتمتع بأغلبية تلقائية في المحافل الدولية المهمة.والتي بدورها تؤثر على الدول الغربية والتي تسعى للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية ومنها تعود لمعادة السامية الراسخة في اوساط عديدة من العالم .ونظرا لأهمية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني يعطى وزن زائد بالإضافة إلى جهود القيادة الفلسطينية التي تعتمد على استراتيجية تدويل القضية عبر التحريض وتشويه صورة اسرائيل من خلال جعلها دولة غير شرعية وبالطبع لا يمكن تجاهل تأثير السياسات الاسرائيلية اتجاه الفلسطينيين وطريقة سلوكها على الساحة الدولية ،رغم ذلك تبقى هذه العناصر ذات تأثير هامشي مساعد فقط ولا تندرج في مضمون ظاهرة نزع الشرعية .

أن تحدي نزع الشرعية بمحتواه وخصائصه المعروفة خلال السنوات الاخيرة، قائم منذ تاليف حكومة نتانياهو الثانية في اذار 2009، حيث بات واضحا أن العملية السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين دخلت في طريق مسدود بسبب الفارق الجوهري بالمواقف بين الطرفيين وعدم الجدية الكافية لدى القيادة الفلسطينية للبدء من جديد في المفاوضات مع حكومة نتانياهو بعد أن استطاعت تسجيل انجازات مهمة خلال المفاوضات مع حكومة اولمرت، عرض اسرائيل للتسوية التي قدمتها حكومة اولمرت للفلسطينيين كانت بعيدة المدى وأفضل ما قدم للفلسطينيين ذات مره في اواخر عام 2009.

في اطار وزارة الشؤون الاستراتيجية برئاسة الوزير موشيه ياعالون تم اعداد برنامج لمواجهة جهود نزع الشرعية ضد اسرائيل، لكن تم تعطيل جزء من هذا البرنامج بسبب اعتراض وتشكيك بعض الوزارات وخاصة وزارة الخارجية، التي رأت أن هناك شكل من أشكال التضخيم لفحوى ظاهرة (نزع الشرعية)، يضاف الى ذلك الجدل حول الصلاحيات ومصادر التمويل لمواجهة هذه الظاهرة.

التغير الجدي في موقف اسرائيل رسميا من تحدي نزع الشرعية بدء بعد حادثين مؤلمين، الاول هو التقرير الخطير والمنحاز للقاضي غولدستون بأعقاب الرصاص المصبوب الذي نشر في ايلول 2009،والثاني هو حادث أسطول الحرية مرمره في ايار 2010.

الفلسطينيون استغلوا تقرير غولدستون وحادث الاسطول لتعظيم الهجوم عبر نزع الشرعية عن اسرائيل في اطار استراتيجية محكمة وتبني خطاب تحريضي ضدها، عندها فقط اعتبرت حكومة اسرائيل بان ما حدث هو تهديد استراتيجي فعلي، وبدأت المؤسسة الرسمية الانتباه والالتفات بجدية اكبر لحركة BDS، التي اسسها عمر البرغوثي في 2005، والتي عقدت مؤتمرها الاول عام 2007 في رام الله. وبعد الريادة التي حققتها الحركة في المقاطعة وسحب الاستثمارات ونجاحها في ضم 170 منظمة فلسطينية الى اطارها، بدأت بتأسيس وتوسيع نشاطها واستقطاب مؤيدين جدد، وقامت بتنظيم مظاهرات واحتجاجات وبادرت الى خلق مشاريع للمقاطعة ونزع الشرعية .

اهتمام الحكومة الجدي هذه المرة، تقاطع مع بدء تطوير بينية تحتية معرفية من جهات حكومية وغير حكومية داخل الدولة ونورد على سبيل المثال لا الحصر (مركز الابحاث رؤى) الذي أنشيء للبحث فيما يتعلق بطبيعة الظاهرة، نشأتها، منطقها، أثارها، ووضع اساليب للرد عليها كتحدي كبير.

الا انه وعلى الرغم من تخصيص موارد مهمة للمواجهة وخلق نوع من التنسيق بين الجهات السياسية المختلفة وزيادة المعرفة لدى صناع القرار والمجتمع المدني، لا تزال هناك فجوات كبيرة بين واقع الحال وطبيعة الرد، وبين جهود حركة نزع الشرعية ونشاطها المنتشر في ارجاء العالم. وفي اعقاب ذلك اتضح للمؤسسة السياسية وبمساعدة منظمات غير حكومية ومراكز ابحاث – بان معسكر حركة نزع الشرعية اخذ يزداد ويضم في صفوفه ائتلافات جديدة ومتنوعة، مثل حركات اسلامية متطرفة الى جانب منظمات حقوق انسان ذات ايدلوجية ليبرالية (تحالف الاخضر مع الاحمر)، وانتشار حركة نزع الشرعية ضد اسرائيل اعطى نفس جديد لعناصر الBDS والذين وجدوا تشجيع وغطاء وبنيه تحتية لنشاطهم الذي يهدف إلى نزع الشرعية عن الفكر الصهيوني كفكر عنصري وبالتالي ضرب فكرة اسرائيل وطن قومي لليهود، لذلك نرى ان تحالف ال BDS  ينادون بمبدأ حق العودة للاجئين الفلسطينيين ويعرفون اسرائيل كدولة عنصرية استعمارية امبريالية والتي تضطهد حقوق الفلسطينيون ويسعون إلى المقاطعة الاكاديمية و الثقافية والاقتصادية كون تلك المجالات تخدم وفق ادعاءهم عدائية اسرائيل وتشجعها على ضرب الفلسطينيين. ومن شعارات قيادة ال BDSيبدو واضحا توجههم لازالة دولة اسرائيل واحلال مكانها دولة فلسطين حيث يصبح فيها اليهود اقلية .

         نزع الشرعية عن اسرائيل في الماضي والحاضر

رغم التشابه بين المعارضة لإسرائيل في العقود الاولى لإقامتها وبين ظاهرة نزع الشرعية بشكلها المستجد، هناك فوارق جوهرية عديدة بينهما، وفي طليعة هذه الفوارق ان تركيبة

النظام الدولي مختلف اليوم عما كان قبل عقود حيث شمل على سبيل المثال، جهات غير سياسية قوية لم تكن موجودة سابقا، كما ان الواقع الجيوسياسي تغير لا سيما في الشرق الاوسط حيث لا تشابه بين ما كان عليه في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي وما هو عليه في يومنا هذا، يضاف الى ذلك الثورة التكنولوجية ووجود وسائل التواصل الاجتماعي التي غيرت بشكل كبير وجذري عملية الاتصال والتواصل بين الافراد والجماعات مما ترك اثر واضح في حجم وتعاظم هذه الظاهرة.

مجمل هذه المتغيرات اصبح لها تأثير اوسع واشمل، وتلعب على ما يبدو لصالح محاولة اعداء اسرائيل انجاز نزع الشرعية. في مقابل ذلك يبقى مميز واحد على الاقل مستقر لا يتغير بكل الفترات يتمثل في ضعف الرد الاسرائيلي المجدي على الظاهرة.

                      المتغيرات الهيكلية في النظام الدولي

خلال العقود الاولى لانشاء الدولة كان شعار جعل اسرائيل دولة غير شرعية، جزء لا يتجزأ من حالة الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري للعالم العربي والإسلامي ضد اسرائيل، شعار وجد التأييد الطبيعي له من كتلة دول عدم الانحياز، ومن الاتحاد السوفيتي انذاك والدول التابعة له، بكلمات اخرى فان الصراع في المنطقة اصبح جزء من منظومة صراع واسعة في عالم ثنائي القطب واحد غربي تقوده الولايات المتحدة واخر شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي. وكان من الطبيعي ان القطب الغربي الحاضن لاسرائيل ان يواجه اي محاولة لجعل اسرائيل دولة غير شرعية، مستفيدا من ان المنظمات غير الحكومية والتي كان عددها قليل نسبيا في تلك الفترة، مقارنة بعددها في السنوات الاخيرة، كانت غائبة او مغيبة عن الصراع الاسرائيلي العربي وبالتالي عن معركة نزع الشرعية عن الدولة.

الغرب عموما دعم اسرائيل، على الرغم من بعض المحطات السلبية، كالازمة في العلاقات بين اسرائيل وفرنسا بعد حرب حزيران 1967، وحتى حينها لم تتعرض اسرائيل لتعابير ذات مغزى، لنزع الشرعية عنها والتي كان مصدرها العالم العربي، بعدها حصلت جملة من التطورات الجذرية غيرت صورة الوضع على المستويين العالمي والاقليمي،وكان اهمها على الاطلاق انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط عالم ثنائي القطب.

في العالم الجديد الذي نشأ برئاسة الولايات المتحدة الحليف الاكبر، لم تتلقى اسرائيل كما تمنت دعم تلقائي من الغرب لا سيما من المؤسسات الدولية التي اصبحت ذات اهمية بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل مؤسسات الامم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية التي سعت إلى تطبيق مبدأ العلاقات الندية بين الامم وفقا لمبادئ القانون الدولي، ونجحت في العديد من الحالات بتغيير اليات التسوية التقليدية التي ميزت عالم ثنائي القطب( بالأخص الحوار بين الدول العظمى)، لكنها رغم ذلك وقعت ضحية اعتبارات سياسية مفرطة، ونرى اليوم أن جهات مختلفة من بينها اصحاب حركة نزع الشرعية، والسلطة الفلسطينية، تستغل تلك المؤسسات الدولية، وتحاول من خلال التاثير عليها حشر اسرائيل في زاوية الادانة الدولية ووضعها على مقعد الاتهام وتشويه صورتها امام المجتمع الدولي، وتدعم في المقابل مشروع اقامة دولة فلسطينية غير مرتبط بمفاوضات واتفاق ثنائي مع اسرائيل.

ان انهيار المنظومة الاشتراكية ونشوء دول دمقراطية جديدة على انقاذها، بعد ان كانت هذه الدول موجودة عشرات السنوات في ظل الحكم السوفياتي، وانتشار ظاهرة مطالبة مجموعات قومية وعرقية مختلفة  بممارسة حقها في تقرير المصير وإقامة دولتها المستقلة، شكلت عناوين هامة لعالم اليوم، واصبحت دعامة اساسية في اي خطاب حقوقي جديد. وبالتالي فان هذه التطورات إلى جانب تغني المجتمع الدولي باسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، شجعت وسهلت نشاط اصحاب حركة نزع الشرعية والقول أن القضية الفلسطينية هي نموذج واضح للتعدي الاسرائيلي على مبدأ تقرير المصير لشعب محتل ومضطهد ويمارس بحقه ابشع انواع العنصرية .وعلى ما يبدو ان العديد من مكونات المجتمع الدولي بات يرى ان اسرائيل دخلت في نعال نظام الفصل العنصري الذي كان سائدا في جنوب افريقيا، وتقمع وتضطهد الشعب الفلسطيني كما كان يفعل ذاك النظام القمعي للأقلية البيضاء في جنوب افريقيا ضد المواطنين الاصليين السود هناك.

ان المطالبة بالحقوق المشروعة واشمئزاز العالم من ممارسات نظام الفصل العنصري قبل سقوطه في جنوب افريقيا قد تحول إلى القضية الفلسطينية كنموذج معاصر للظلم الذي تمارسه اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني .

اليوم جهود نزع الشرعية تزداد قوة وتاثير لانها تجري في عالم متعدد الاقطاب، وذات اقتصاد عالمي تنشط فيه منظمات غير حكومية عدة لها تأثير كبير لم يكن قائم في السابق ابدا .

يتبع…………………

 

 

 

 

 

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!