كي لا يكون الرقم وجهة نظر

في الثامن من شهر حزيران الماضي، عقدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، برئاسة نائب كاليفورينا إد رويس، جلسة استماع بعنوان “مهاجمة شبكة حزب الله المالية: خيارات السياسة” (Attacking Hezbollah’s Financial Network: Policy Options ). رويس هو نفسه من صاغ مسودة قانون العقوبات الجديدة التي تستهدف تجفيف مصادر تمويل حزب الله.

إذاً، شكّل الثامن من حزيران محطة أساسية في مسار مشروع العقوبات، التي انطلقت من جلسة الاستماع التي ستحصل في الغرفة السفلى (مجلس النواب) من الكونغرس الأميركي. واستعرضت لجنة العلاقات الخارجية مسودة مشروع القانون الذي صاغه رويس، والتي تضمّنت:

– استهداف الكيانات السياسية المرتبطة بحزب الله والمتحالفة معه، بحيث سمّى المشروع للمرة الأولى، الى جانب حزب الله، حركة أمل، كما أشار الى امكانية استهداف أي كيان سياسي قد يكون تحالف مع حزب الله يوماً.

– استهداف الجمعيات الخيرية المرتبطة بحزب الله والكيانات المتحالفة معه، وصولاً الى استهداف جمعيات خيرية تعود للطائفة التي تشكّل معظم النسيج الاجتماعي لحزب الله.

– استهداف المؤسسات الاجتماعية العائدة لحزب الله، وحتى تلك المقرّبة منه، وصولا الى تلك التي تدور في فلك الوسط الاجتماعي الذي انبثق منه حزب الله.

– استهداف الإدارة الجزئية والمؤقتة: للمرة الاولى، ليس مهماً أن تكون الشركة مملوكة لحزب الله لوضعها على لائحة العقوبات، بل بات كافياً، بحسب مسودة القانون الجديد، أن ينتمي احد الذين يديرون الشركة كلياً او جزئياً الى حزب الله لاستهدافها.

– أمّا الأخطر في ما يتعلّق بهذه المسودة أنّها تشرّع استهداف الكيانات والأشخاص لمجرّد اتهامهم من جهة ما، باتّباع سياسة تشجيع “التفسيد” والاتهام الكيدي، الذي يكفي لوضع شخص ما على لائحة العقوبات دون الحاجة الى أي دليل. ويوجد بند في مشروع القانون يدعو الخزانة الاميركية الى صرف مكافآت من صندوق سري لهذه الغاية، لمصلحة مقدمي معلومات عن شخصيات وجهات قد يكون لها صلة بالحزب.

 

رويس: حزب الله يشهد أسوأ أزمة مالية منذ عشرات السنين !

وحول وقائع جلسة الاستماع، افتتح الجلسة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس النائب الجمهوري عن كاليفورنيا إد رويس الذي ذكّر بوجوده خلال حرب تموز في حيفا، حين أمطر حزب الله إسرائيل بـ 10 آلاف صاروخ، ليؤكّد أنّه “بعد مرور 11 سنة على ذلك، يمتلك الحزب ترسانة تضم نحو 110 آلاف صاروخ تتميز بتكنولوجيا أكثر تطوراً”. في هذا السياق، رأى رويس أنّ “حزب الله هو رأس حربة المواجهة الايرانية ضد إسرائيل”، منتقداً الاتفاق النووي الاميركي ــــ الايراني، معتبراً أن حزب الله هو احد المستفيدين الرئيسيين منه، ليناقض تصريحه في نهاية الحديث من خلال زعمه أن العقوبات المالية الاميركية المفروضة على الحزب منذ عام 2015 أدت الى “أسوأ أزمة مالية شهدها حزب الله منذ عشرات السنين”. وأنهى رويس مداخلته بأن العقوبات المالية “لن تؤدي وحدها الى حماية إسرائيل من صواريخ حزب الله، كما لن تحمي السوريين من عملية التطهير العرقي التي يشارك فيها الحزب في سوريا”.

تبع كلمة رويس الافتتاحية نقاش بين أعضاء اللجنة تخلله أربع مداخلات قدم أصحابها تقارير مفصلة ضُمّت الى المحضر الرسمي. المداخلات الأربع والتقارير التي استندت اليها، قدّمها كل من: – د. ماثيو ليفيت، وهو مدير برنامج شتاين المختص بمكافحة الارهاب والاستخبارات، في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى. عمل ليفيت بين العامين 2005 و2007 كنائب مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون الاستخبارات، وتولى قسم الارهاب والاستخبارات المالية في الوزارة.

– د. دايفيد آشر، وهو عضو مجلس مستشاري مركز الجزاءات والتمويل غير المشروع في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. وهو عمل لأكثر من 15 عاماً في وزارة الخارجية الأميركية، وهو مختصّ بشؤون التمويل غير الشرعي.

– ديريك مالتز، وهو المدير التنفيذي لشركة Pen-Link ، المختصة بصناعة معدات اعتراض البيانات والمراقبة والبرمجيات، وهو كان القائد السابق لقسم العمليات الخاصة في وكالة مكافحة المخدرات ( DEA).

– د. مارا كارلين، وهي أستاذة محاضرة في جامعة جون هوبكينز الأميركية، والمساعدة الخاصة لنائب الوزير لشؤون السياسة، ومديرة قسم المشرق سابقاً في وزارة الدفاع الأميركية.

 

“الخبراء”: لضرب “المسهّلين”.. وتشديد الرقابة على المصارف

بداية، قال ماثيو ليفيت في مطلع افادته امام الكونغرس إن “المصرف المركزي في لبنان اصدر تعميماً أمر من خلاله المصارف اللبنانية بإغلاق الحسابات المصرفية المسجلة باسم أشخاص ومؤسسات مرتبطة بحزب الله”، مكرّراً ما قاله رويس أنّ “حزب الله يمرّ اليوم بأسوأ أزمة مالية منذ عشرين عاماً” وان نهايته باتت قريبة. واستند ليفيت الى مقالات كتبتها حنين غدار لصالح معهد واشنطن قالت فيها أنّ الحزب يعاني من أزمات حادة وأنه يفقد شعبيته بين اللبنانيين الشيعة. الى ذلك، تناول ليفيت أنشطة حزب الله المزعومة في اميركا الجنوبية وتحديداً في البرازيل وبيرو، مشيراً الى أنّ لبنانياً مرتبطاً بالحزب كان يسعى الى تفجير “أماكن تخص إسرائيليين في بيرو ومنها السفارة الإسرائيلية وأماكن تجمع السياح الإسرائيليين”.

وفي ختام مداخلته، أوصى ليفيت بإضافة اشخاص ومؤسسات وهيئات على صلة بحزب الله على قائمة المشمولين بالعقوبات المالية، كما دعا الى استهداف الأشخاص والجهات التي تسهّل معاملات الحزب واي نشاط يقوم به في لبنان أو في أي مكان في العالم. ورأى ليفيت أنّ إقرار الجزء الثاني من العقوبات المالية الاميركية والتركيز على مراقبة المصارف والمؤسسات المالية الموجودة خارج لبنان والتي تستخدم لتهريب وتبييض الاموال، مشدّداً على ضرورة إعادة فرض العقوبات على ايران بسبب دعمها المستمر لحزب الله.

 

أمّا دايفيد آشر، فقال في جلسة الاستماع أنّ أمام الكونغرس أن حزب الله بات “أكبر منظمة تبييض اموال في العالم” وأحد اكبر مهربي المخدرات من اميركا الوسطى الى افريقيا وأوروبا”. ورأى عضو مجلس مستشاري مركز الجزاءات والتمويل غير المشروع في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ان الحزب “يقوم بتبييض الاموال من خلال النظام المصرفي اللبناني”، وأنّ الاموال التي يجنيها من تبييض الاموال تفوق الاموال التي يحصل عليها من ايران.

واقترح آشر إعادة تفعيل استراتيجية غضّت الإدارة الأميركية السابقة النظر عنها، والتي  تقوم على ربط التحقيقات الجنائية بعمليات التحقيق مع مشتبه فيهم بالضلوع في الإرهاب أو دعمه، ومطاردة حزب الله من خلال مطاردة شبكات الاتجار بالمخدرات التي يزعم وجود علاقة بينها وبين الحزب. كذلك، تقوم الاستراتيجية على ملاحقة شبكات تبييض الاموال ومنها شركات الصيرفة اللبنانية، الى جانب ملاحقة المصرفيين وتصنيف بعض المصارف اللبنانية بأنها مصارف “تحظى باهتمام السلطات الاميركية” (Of Interest) بسبب شبهة تبييض الاموال.

وعبّر آشر عن ثقته بنجاح المسار الذي ستنتهجه الإدارة الجديدة في “مهاجمة وهزيمة داعش والقاعدة وحزب الله وايران وكل من هو مرتبط بهم والشبكة المالية التابعة له وكل من يسهل اعمال الشبكة المالية”. وختم افادته بتوصية أساسية دعا فيها الى تشكيل فريق عمل موحد خاص بمواجهة حزب الله “تساهم أجهزة الاستخبارات من خلاله في عمل مؤسسات الضابطة العدلية ولا تعاكسها”.

من جهته، شرح القائد السابق لقسم العمليات الخاصة في وكالة مكافحة المخدرات ديريك مالتز تفاصيل بعض التحقيقات التي قامت بها وكالات الاستخبارات والأمن والخزانة الاميركية بالتعاون مع وكالة مكافحة المخدرات، وزعم انها خلصت الى حسم ضلوع حزب الله في عمليات تبييض أموال وتهريب مخدرات والاتجار بها.

وزعم مالتز أنّه في العام 2004 “قام المحققون في وكالة مكافحة المخدرات الاميركية في ميامي (فلوريدا) بعملية تحقيق واسعة بشأن جرائم تبييض الاموال استهدفت كارتيلاً في مديين الكولومبية”. وتبين للوكالة من خلال تحقيقات مشتركة مع الشرطة الكولومبية ان مبيض أموال لبنانياً كان ضالعاً في نشاطات هذه المجموعة. انطلاقاً من نتائج العملية، فتحت وكالة مكافحة المخدرات الاميركية، بمساعدة أجهزة الاستخبارات والرصد الاميركية، تحقيقاً في مصادر الاموال التي يتم تبييضها فتبين انه يتأتى من “تهريب أطنان من الكوكايين الى دول غرب افريقيا تمهيداً للاتجار بها في مختلف دول العالم” بواسطة عصابة مكسيكية. أما العلاقة المزعومة لحزب الله بكل ذلك فهي، بحسب شهادة مالتز، تهريب أموال من دول غرب افريقيا الى لبنان. على اثر ذلك، فتح تحقيق بشأن الانشطة المالية للبناني يدعى أيمن ج. وشركة صيرفة (يقع مكتبها في منطقة الحمرا) ومصرف لبناني.

وادّعى مالتز ان هذه الاموال حُوِّلت من المصرف الى شركة الصيرفة ومنها الى حزب الله. ثم انتقل الى شرح تفصيلي فأفاد انه تم نقل ملايين الدولارات عبر حدود غانا وتوغو من بنين الى مطار أكرا، ومنه عبر الجوّ الى لبنان حيث “أمّن حزب الله نقلها الى شركات الصيرفة”. وتم تحويل هذه الاموال من شركات الصيرفة الى البنك اللبناني المذكور ومنه الى الولايات المتحدة بهدف تبييضها عبر شراء سيارات مستعملة وشحنها الى دول في غرب افريقيا.

وزعم مالتز أن موظفين ومسؤولين في المصرف اللبناني قاموا بنقل أموال الى مصارف أخرى في لبنان “في محاولة لاخفاء تلك الاموال عن الولايات المتحدة”. وفي آب 2012 طلبت محكمة في ولاية نيويورك 981 الف دولار تعويضات من خمسة مصارف أميركية لقيامها بتحويلات مالية غير مشروعة مع مصرف لبناني آخر زعم انه تلقى مبلغ 150 مليون دولار من البنك اللبناني الذي انكشف للاميركيين ضلوعه “بتبييض أموال لصالح حزب الله”. وفي النتيجة، سدّد البنك 150 مليون دولار الى السلطات الاميركية لتسوية الامر قضائياً. لكن الامور لم تتوقف عند هذا الحد، حيث سدد بنك لبناني آخر كذلك مبلغ 102 مليون دولار الى محكمة في نيويورك لتسوية وضعه القانوني في حزيران 2013.

من ناحية أخرى، أشارت مارا كارلين في مداخلتها الى قول وزير الدفاع الاميركي السابق روبرت غايتس إن عدد الصواريخ التي يمتلكها حزب الله يفوق العدد الذي تمتلكه معظم حكومات العالم. وأضافت انه “من دون الدعم الذي يحصل عليه الحزب من سوريا وايران سيصبح مثل باقي اللاعبين السياسيين اللبنانيين”.

وتحدثت مطولاً عن تدخل حزب الله في الحرب في سوريا، وخصصت الجزء الأكبر من مداخلتها لعرض “الخسائر” التي يتكبدها، كما زعمت ان الحزب “خسر تأييد بيئته، وشعبيته الإقليمية إضافة الى خسارته آلاف المقاتلين”. وفي هذا السياق، رأت كارلين أنّ “الحزب نزف في سوريا أكثر مما نزف خلال الحرب ضد إسرائيل”، مستخلصة أن تغيير وجهة قتال الحزب من إسرائيل الى سوريا كان له تأثير عميق على حجم تأييده شعبياً. كما رأت كارلين أن الحزب بات اليوم، بعد انخراطه في الحرب السورية، يأتمر من ايران بشكل كامل.

وزعمت كارلين في إفادتها أن “اللبنانيين الشيعة يعانون اليوم من عزلة لم يعانوا منها منذ زمن بعيد، وهم محبطون من حزب الله”، والسبب الوحيد الذي يدفع الشباب الى الانضمام الى صفوف الحزب هو المال. وخلصت الى انه “نظرا الى كل ذلك، فإن اللبنانيين الشيعة يحتاجون الى ممثل عنهم يستبدل حزب الله”. وطلبت كارلين من أعضاء الكونغرس النظر في الامور الآتية قبل فرض عقوبات مالية جديدة لمواجهة حزب الله: اولاً، طبيعة العلاقة بين روسيا وسوريا وايران وحزب الله وتحديد الامور الخلافية بينهم ودرس سبل استثمارها. ثانياً، بدائل عن حزب الله من بين الشيعة اللبنانيين. ثالثاً، اذا كان الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الى الجيش اللبناني مفيداً”.

 

العقوبات مؤجلة الى أيلول.. ومشروع آخر في مجلس الشيوخ !

اليوم، وبعد انتهاء جلسة الاستماع الأولى، وفي ظلّ عطلة الكونغرس الصيفية التي تستمرّ حتى نهاية شهر آب، تأجّل ملف العقوبات حتى أيلول المقبل. غير أنّه من الضروري التذكير أنّ الخطر لم ينتفِ، بل ما زال موجوداً، والدليل على ذلك أنّه على الرغم من زيارات الوفود النيابية والمصرفية اللبنانية الى واشنطن، عقد الكونغرس جلسة الاستماع التي تبيّن، وما تلاها، أنّ المخاطر لا زالت جدية للغاية. لذلك، من المنتظر أن نشهد انطلاقاً من أيلول تطوراً وتسارعاً في هذا الملف، بحسب ما يشير مصدر مطلع من واشنطن لـ “الاعمار والاقتصاد”. ويضيف المصدر أنّ “الاتجاه اليوم في واشنطن ينحو صوب فرض دفعة جديدة من العقوبات التي تستهدف حزب الله، لن يعرف أحد حجمها قبل أن تتحول المسودة، بالاضافة الى ما تضمنته جلسة الاستماع، الى ما يسمّى في الدوائر الرسمية الأميركية بـ “الوثيقة الأولى”. علماً أنّ “الوثيقة الاولى” ستشكّل القاعدة العامة لنقاش قانون العقوبات في الكونغرس.

الى ذلك، تشير المصادر المطلعة من واشنطن أنّه، وبشكل مماثل لمشروع إد رويس المقدّم الى مجلس النواب (الغرفة السفلى من الكونغرس)، فإنّ ثمّة مشروعاً آخر كان يتمّ تقديمه في مجلس الشيوخ (الغرفة العليا). كان هذا المشروع مسودة، ولم يتحوّل لوثيقة اولى، وهو كان فعلياً نسخة مكرّرة عن مشروع العقوبات لعام 2015، وقد جرى تقديمه ليكون فعلياً نسخة ملطّفة عن مشروع إد رويس.

بعد كلّ ما تقدّم، يؤكّد المصدر المطلع أنّ النصف الأول من أيلول سيكون حساساً، وربما يجدر في هذا التوقيت أن تحضر الوفود اللبنانية الى واشنطن لشرح وجهة النظر اللبنانية فيما خصّ قوانين العقوبات. ذلك لا يعني أنّه يفترض بنا الاسترخاء حتى أيلول، بل على العكس، لا يجب أن تتوقف محاولات استنفار العلاقات والعمل على لمحاولة التخفيف من وطأة ما هو قادم.

تقرير فيتش: ربط العقوبات بانخفاض التدفقات المالية.. اللعب على وتر الاستقرار

من ناحية أخرى، لا بدّ من الوقّف أمام تقرير وكالة فيتش للتصنيف الائتماني التي فجّرت قنبلة من التحذيرات المالية حيال لبنان، تربط بين مشروع قانون العقوبات الأميركية والتحويلات المالية إلى لبنان من جهة وبين تعاظم الدين العام وتفاقم الوضع السياسي من جهة أخرى، بما يعرّض التحويلات والودائع المالية في لبنان إلى الإنخفاض. ورأت الوكالة الدولية أنّ “تشديد العقوبات الأميركية على حزب الله قد يؤثّر بشكل مباشر أو غير مباشر على التدفّقات الأجنبية إلى لبنان، وعلى قطاعه المصرفي”، وإن كانت تلك العقوبات لم تقترح رسمياً حتى الآن في مشروع قانون”.

ولفتت فيتش إلى أنّ الإتفاق على قانون للانتخابات يجنّب لبنان أزمة سياسيّة، كما ويُظهر تقدماً تدريجياً على الصعيد السياسي لكنّه يبرز في الوقت عينه قيود النظام السياسي الطائفي في البلاد، معتبرة أن الحفاظ على هذا الزخم السياسي المتواضع في لبنان قد يزيد من تحسين آفاق صناعة السياسات في البلاد. وإذ ذكّرت فيتش بأن التقدم السياسي الذي أحرزه لبنان منذ شهر تشرين الثاني (انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة)، عزز ثقة المغتربين اللبنانيين في اقتصاد البلاد، أشارت إلى أن نمو الودائع بلغ 8.2% على أساس سنوي في شهر نيسان 2017، “بما يكفي لتمويل الاقتراض الحكومي الذي يعتمد على توجيه الودائع وتحويلات العاملين في الخارج عبر النظام المالي، وضمان نمو معتدل للائتمان إلى القطاع الخاص”.

وختمت فيتش بأن “التطورات السياسية الأخيرة قد تساعد في الحفاظ على المعنويات الإيجابية، لكن ارتفاع الدين العام، الذي زاد 8.6% على أساس سنوي في شهر آذار 2017، يعني أن لبنان مازال عرضة لتجدد التعطيل السياسي الذي يقوض الثقة والودائع وتحويلات المغتربين.

حديث وكالة فيتش حول العقوبات، وربطها مشروع قانون العقوبات الأميركية باحتمال انخفاض التحويلات المالية الى لبنان، هو الأخطر اليوم، حيث أنّ تراجع التدفّق المالي الى البلاد يعني هزّ الاستقرار بشكل كبير. علماً أنّ تداعيات هذه الضربة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في ظلّ وجود عدد هائل من النازحين ستكون وخيمة، ليس على لبنان فحسب، بل على المنطقة الواقعة على كفّ عفريت، وعلى حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بالدرجة الأولى.

هذه ورقة لدى الدولة اللبنانية، على غرار أوراق كثيرة موجودة في يد الدولة، حان الوقت لاستخدامها، خصوصاً أنّ المدى الزمني لم يعد كبيراً، والحركة باتت أكثر من ضرورية.

ختاماً، يشير المصدر الى أن لا خطر كارثياً غداً، ولا “نوم على الحرير”. لكن بين الأمرين، ولأنّ التأمين على ما يفكّر به الأميركيون غير ممكن، يجب استنفار الجهود التي لا زالت حتى اللحظة ضعيفة، خصوصاً أنّ الحكومة لا زالت تتصرّف كأن لا علم لها بما يحصل، ولا علاقة لها بهذا الملف، بل واكتفت برمي كرة النار على المصرف المركزي، وكّأنها تخاف “حرق” يديها !

في الثامن من شهر حزيران الماضي، عقدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، برئاسة نائب كاليفورينا إد رويس، جلسة استماع بعنوان “مهاجمة شبكة حزب الله المالية: خيارات السياسة” (Attacking Hezbollah’s Financial Network: Policy Options ). رويس هو نفسه من صاغ مسودة قانون العقوبات الجديدة التي تستهدف تجفيف مصادر تمويل حزب الله.

إذاً، شكّل الثامن من حزيران محطة أساسية في مسار مشروع العقوبات، التي انطلقت من جلسة الاستماع التي ستحصل في الغرفة السفلى (مجلس النواب) من الكونغرس الأميركي. واستعرضت لجنة العلاقات الخارجية مسودة مشروع القانون الذي صاغه رويس، والتي تضمّنت:

– استهداف الكيانات السياسية المرتبطة بحزب الله والمتحالفة معه، بحيث سمّى المشروع للمرة الأولى، الى جانب حزب الله، حركة أمل، كما أشار الى امكانية استهداف أي كيان سياسي قد يكون تحالف مع حزب الله يوماً.

– استهداف الجمعيات الخيرية المرتبطة بحزب الله والكيانات المتحالفة معه، وصولاً الى استهداف جمعيات خيرية تعود للطائفة التي تشكّل معظم النسيج الاجتماعي لحزب الله.

– استهداف المؤسسات الاجتماعية العائدة لحزب الله، وحتى تلك المقرّبة منه، وصولا الى تلك التي تدور في فلك الوسط الاجتماعي الذي انبثق منه حزب الله.

– استهداف الإدارة الجزئية والمؤقتة: للمرة الاولى، ليس مهماً أن تكون الشركة مملوكة لحزب الله لوضعها على لائحة العقوبات، بل بات كافياً، بحسب مسودة القانون الجديد، أن ينتمي احد الذين يديرون الشركة كلياً او جزئياً الى حزب الله لاستهدافها.

– أمّا الأخطر في ما يتعلّق بهذه المسودة أنّها تشرّع استهداف الكيانات والأشخاص لمجرّد اتهامهم من جهة ما، باتّباع سياسة تشجيع “التفسيد” والاتهام الكيدي، الذي يكفي لوضع شخص ما على لائحة العقوبات دون الحاجة الى أي دليل. ويوجد بند في مشروع القانون يدعو الخزانة الاميركية الى صرف مكافآت من صندوق سري لهذه الغاية، لمصلحة مقدمي معلومات عن شخصيات وجهات قد يكون لها صلة بالحزب.

 

رويس: حزب الله يشهد أسوأ أزمة مالية منذ عشرات السنين !

وحول وقائع جلسة الاستماع، افتتح الجلسة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس النائب الجمهوري عن كاليفورنيا إد رويس الذي ذكّر بوجوده خلال حرب تموز في حيفا، حين أمطر حزب الله إسرائيل بـ 10 آلاف صاروخ، ليؤكّد أنّه “بعد مرور 11 سنة على ذلك، يمتلك الحزب ترسانة تضم نحو 110 آلاف صاروخ تتميز بتكنولوجيا أكثر تطوراً”. في هذا السياق، رأى رويس أنّ “حزب الله هو رأس حربة المواجهة الايرانية ضد إسرائيل”، منتقداً الاتفاق النووي الاميركي ــــ الايراني، معتبراً أن حزب الله هو احد المستفيدين الرئيسيين منه، ليناقض تصريحه في نهاية الحديث من خلال زعمه أن العقوبات المالية الاميركية المفروضة على الحزب منذ عام 2015 أدت الى “أسوأ أزمة مالية شهدها حزب الله منذ عشرات السنين”. وأنهى رويس مداخلته بأن العقوبات المالية “لن تؤدي وحدها الى حماية إسرائيل من صواريخ حزب الله، كما لن تحمي السوريين من عملية التطهير العرقي التي يشارك فيها الحزب في سوريا”.

تبع كلمة رويس الافتتاحية نقاش بين أعضاء اللجنة تخلله أربع مداخلات قدم أصحابها تقارير مفصلة ضُمّت الى المحضر الرسمي. المداخلات الأربع والتقارير التي استندت اليها، قدّمها كل من: – د. ماثيو ليفيت، وهو مدير برنامج شتاين المختص بمكافحة الارهاب والاستخبارات، في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى. عمل ليفيت بين العامين 2005 و2007 كنائب مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون الاستخبارات، وتولى قسم الارهاب والاستخبارات المالية في الوزارة.

– د. دايفيد آشر، وهو عضو مجلس مستشاري مركز الجزاءات والتمويل غير المشروع في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. وهو عمل لأكثر من 15 عاماً في وزارة الخارجية الأميركية، وهو مختصّ بشؤون التمويل غير الشرعي.

– ديريك مالتز، وهو المدير التنفيذي لشركة Pen-Link ، المختصة بصناعة معدات اعتراض البيانات والمراقبة والبرمجيات، وهو كان القائد السابق لقسم العمليات الخاصة في وكالة مكافحة المخدرات ( DEA).

– د. مارا كارلين، وهي أستاذة محاضرة في جامعة جون هوبكينز الأميركية، والمساعدة الخاصة لنائب الوزير لشؤون السياسة، ومديرة قسم المشرق سابقاً في وزارة الدفاع الأميركية.

 

“الخبراء”: لضرب “المسهّلين”.. وتشديد الرقابة على المصارف

بداية، قال ماثيو ليفيت في مطلع افادته امام الكونغرس إن “المصرف المركزي في لبنان اصدر تعميماً أمر من خلاله المصارف اللبنانية بإغلاق الحسابات المصرفية المسجلة باسم أشخاص ومؤسسات مرتبطة بحزب الله”، مكرّراً ما قاله رويس أنّ “حزب الله يمرّ اليوم بأسوأ أزمة مالية منذ عشرين عاماً” وان نهايته باتت قريبة. واستند ليفيت الى مقالات كتبتها حنين غدار لصالح معهد واشنطن قالت فيها أنّ الحزب يعاني من أزمات حادة وأنه يفقد شعبيته بين اللبنانيين الشيعة. الى ذلك، تناول ليفيت أنشطة حزب الله المزعومة في اميركا الجنوبية وتحديداً في البرازيل وبيرو، مشيراً الى أنّ لبنانياً مرتبطاً بالحزب كان يسعى الى تفجير “أماكن تخص إسرائيليين في بيرو ومنها السفارة الإسرائيلية وأماكن تجمع السياح الإسرائيليين”.

وفي ختام مداخلته، أوصى ليفيت بإضافة اشخاص ومؤسسات وهيئات على صلة بحزب الله على قائمة المشمولين بالعقوبات المالية، كما دعا الى استهداف الأشخاص والجهات التي تسهّل معاملات الحزب واي نشاط يقوم به في لبنان أو في أي مكان في العالم. ورأى ليفيت أنّ إقرار الجزء الثاني من العقوبات المالية الاميركية والتركيز على مراقبة المصارف والمؤسسات المالية الموجودة خارج لبنان والتي تستخدم لتهريب وتبييض الاموال، مشدّداً على ضرورة إعادة فرض العقوبات على ايران بسبب دعمها المستمر لحزب الله.

 

أمّا دايفيد آشر، فقال في جلسة الاستماع أنّ أمام الكونغرس أن حزب الله بات “أكبر منظمة تبييض اموال في العالم” وأحد اكبر مهربي المخدرات من اميركا الوسطى الى افريقيا وأوروبا”. ورأى عضو مجلس مستشاري مركز الجزاءات والتمويل غير المشروع في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ان الحزب “يقوم بتبييض الاموال من خلال النظام المصرفي اللبناني”، وأنّ الاموال التي يجنيها من تبييض الاموال تفوق الاموال التي يحصل عليها من ايران.

واقترح آشر إعادة تفعيل استراتيجية غضّت الإدارة الأميركية السابقة النظر عنها، والتي  تقوم على ربط التحقيقات الجنائية بعمليات التحقيق مع مشتبه فيهم بالضلوع في الإرهاب أو دعمه، ومطاردة حزب الله من خلال مطاردة شبكات الاتجار بالمخدرات التي يزعم وجود علاقة بينها وبين الحزب. كذلك، تقوم الاستراتيجية على ملاحقة شبكات تبييض الاموال ومنها شركات الصيرفة اللبنانية، الى جانب ملاحقة المصرفيين وتصنيف بعض المصارف اللبنانية بأنها مصارف “تحظى باهتمام السلطات الاميركية” (Of Interest) بسبب شبهة تبييض الاموال.

وعبّر آشر عن ثقته بنجاح المسار الذي ستنتهجه الإدارة الجديدة في “مهاجمة وهزيمة داعش والقاعدة وحزب الله وايران وكل من هو مرتبط بهم والشبكة المالية التابعة له وكل من يسهل اعمال الشبكة المالية”. وختم افادته بتوصية أساسية دعا فيها الى تشكيل فريق عمل موحد خاص بمواجهة حزب الله “تساهم أجهزة الاستخبارات من خلاله في عمل مؤسسات الضابطة العدلية ولا تعاكسها”.

من جهته، شرح القائد السابق لقسم العمليات الخاصة في وكالة مكافحة المخدرات ديريك مالتز تفاصيل بعض التحقيقات التي قامت بها وكالات الاستخبارات والأمن والخزانة الاميركية بالتعاون مع وكالة مكافحة المخدرات، وزعم انها خلصت الى حسم ضلوع حزب الله في عمليات تبييض أموال وتهريب مخدرات والاتجار بها.

وزعم مالتز أنّه في العام 2004 “قام المحققون في وكالة مكافحة المخدرات الاميركية في ميامي (فلوريدا) بعملية تحقيق واسعة بشأن جرائم تبييض الاموال استهدفت كارتيلاً في مديين الكولومبية”. وتبين للوكالة من خلال تحقيقات مشتركة مع الشرطة الكولومبية ان مبيض أموال لبنانياً كان ضالعاً في نشاطات هذه المجموعة. انطلاقاً من نتائج العملية، فتحت وكالة مكافحة المخدرات الاميركية، بمساعدة أجهزة الاستخبارات والرصد الاميركية، تحقيقاً في مصادر الاموال التي يتم تبييضها فتبين انه يتأتى من “تهريب أطنان من الكوكايين الى دول غرب افريقيا تمهيداً للاتجار بها في مختلف دول العالم” بواسطة عصابة مكسيكية. أما العلاقة المزعومة لحزب الله بكل ذلك فهي، بحسب شهادة مالتز، تهريب أموال من دول غرب افريقيا الى لبنان. على اثر ذلك، فتح تحقيق بشأن الانشطة المالية للبناني يدعى أيمن ج. وشركة صيرفة (يقع مكتبها في منطقة الحمرا) ومصرف لبناني.

وادّعى مالتز ان هذه الاموال حُوِّلت من المصرف الى شركة الصيرفة ومنها الى حزب الله. ثم انتقل الى شرح تفصيلي فأفاد انه تم نقل ملايين الدولارات عبر حدود غانا وتوغو من بنين الى مطار أكرا، ومنه عبر الجوّ الى لبنان حيث “أمّن حزب الله نقلها الى شركات الصيرفة”. وتم تحويل هذه الاموال من شركات الصيرفة الى البنك اللبناني المذكور ومنه الى الولايات المتحدة بهدف تبييضها عبر شراء سيارات مستعملة وشحنها الى دول في غرب افريقيا.

وزعم مالتز أن موظفين ومسؤولين في المصرف اللبناني قاموا بنقل أموال الى مصارف أخرى في لبنان “في محاولة لاخفاء تلك الاموال عن الولايات المتحدة”. وفي آب 2012 طلبت محكمة في ولاية نيويورك 981 الف دولار تعويضات من خمسة مصارف أميركية لقيامها بتحويلات مالية غير مشروعة مع مصرف لبناني آخر زعم انه تلقى مبلغ 150 مليون دولار من البنك اللبناني الذي انكشف للاميركيين ضلوعه “بتبييض أموال لصالح حزب الله”. وفي النتيجة، سدّد البنك 150 مليون دولار الى السلطات الاميركية لتسوية الامر قضائياً. لكن الامور لم تتوقف عند هذا الحد، حيث سدد بنك لبناني آخر كذلك مبلغ 102 مليون دولار الى محكمة في نيويورك لتسوية وضعه القانوني في حزيران 2013.

من ناحية أخرى، أشارت مارا كارلين في مداخلتها الى قول وزير الدفاع الاميركي السابق روبرت غايتس إن عدد الصواريخ التي يمتلكها حزب الله يفوق العدد الذي تمتلكه معظم حكومات العالم. وأضافت انه “من دون الدعم الذي يحصل عليه الحزب من سوريا وايران سيصبح مثل باقي اللاعبين السياسيين اللبنانيين”.

وتحدثت مطولاً عن تدخل حزب الله في الحرب في سوريا، وخصصت الجزء الأكبر من مداخلتها لعرض “الخسائر” التي يتكبدها، كما زعمت ان الحزب “خسر تأييد بيئته، وشعبيته الإقليمية إضافة الى خسارته آلاف المقاتلين”. وفي هذا السياق، رأت كارلين أنّ “الحزب نزف في سوريا أكثر مما نزف خلال الحرب ضد إسرائيل”، مستخلصة أن تغيير وجهة قتال الحزب من إسرائيل الى سوريا كان له تأثير عميق على حجم تأييده شعبياً. كما رأت كارلين أن الحزب بات اليوم، بعد انخراطه في الحرب السورية، يأتمر من ايران بشكل كامل.

وزعمت كارلين في إفادتها أن “اللبنانيين الشيعة يعانون اليوم من عزلة لم يعانوا منها منذ زمن بعيد، وهم محبطون من حزب الله”، والسبب الوحيد الذي يدفع الشباب الى الانضمام الى صفوف الحزب هو المال. وخلصت الى انه “نظرا الى كل ذلك، فإن اللبنانيين الشيعة يحتاجون الى ممثل عنهم يستبدل حزب الله”. وطلبت كارلين من أعضاء الكونغرس النظر في الامور الآتية قبل فرض عقوبات مالية جديدة لمواجهة حزب الله: اولاً، طبيعة العلاقة بين روسيا وسوريا وايران وحزب الله وتحديد الامور الخلافية بينهم ودرس سبل استثمارها. ثانياً، بدائل عن حزب الله من بين الشيعة اللبنانيين. ثالثاً، اذا كان الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الى الجيش اللبناني مفيداً”.

 

العقوبات مؤجلة الى أيلول.. ومشروع آخر في مجلس الشيوخ !

اليوم، وبعد انتهاء جلسة الاستماع الأولى، وفي ظلّ عطلة الكونغرس الصيفية التي تستمرّ حتى نهاية شهر آب، تأجّل ملف العقوبات حتى أيلول المقبل. غير أنّه من الضروري التذكير أنّ الخطر لم ينتفِ، بل ما زال موجوداً، والدليل على ذلك أنّه على الرغم من زيارات الوفود النيابية والمصرفية اللبنانية الى واشنطن، عقد الكونغرس جلسة الاستماع التي تبيّن، وما تلاها، أنّ المخاطر لا زالت جدية للغاية. لذلك، من المنتظر أن نشهد انطلاقاً من أيلول تطوراً وتسارعاً في هذا الملف، بحسب ما يشير مصدر مطلع من واشنطن لـ “الاعمار والاقتصاد”. ويضيف المصدر أنّ “الاتجاه اليوم في واشنطن ينحو صوب فرض دفعة جديدة من العقوبات التي تستهدف حزب الله، لن يعرف أحد حجمها قبل أن تتحول المسودة، بالاضافة الى ما تضمنته جلسة الاستماع، الى ما يسمّى في الدوائر الرسمية الأميركية بـ “الوثيقة الأولى”. علماً أنّ “الوثيقة الاولى” ستشكّل القاعدة العامة لنقاش قانون العقوبات في الكونغرس.

الى ذلك، تشير المصادر المطلعة من واشنطن أنّه، وبشكل مماثل لمشروع إد رويس المقدّم الى مجلس النواب (الغرفة السفلى من الكونغرس)، فإنّ ثمّة مشروعاً آخر كان يتمّ تقديمه في مجلس الشيوخ (الغرفة العليا). كان هذا المشروع مسودة، ولم يتحوّل لوثيقة اولى، وهو كان فعلياً نسخة مكرّرة عن مشروع العقوبات لعام 2015، وقد جرى تقديمه ليكون فعلياً نسخة ملطّفة عن مشروع إد رويس.

بعد كلّ ما تقدّم، يؤكّد المصدر المطلع أنّ النصف الأول من أيلول سيكون حساساً، وربما يجدر في هذا التوقيت أن تحضر الوفود اللبنانية الى واشنطن لشرح وجهة النظر اللبنانية فيما خصّ قوانين العقوبات. ذلك لا يعني أنّه يفترض بنا الاسترخاء حتى أيلول، بل على العكس، لا يجب أن تتوقف محاولات استنفار العلاقات والعمل على لمحاولة التخفيف من وطأة ما هو قادم.

تقرير فيتش: ربط العقوبات بانخفاض التدفقات المالية.. اللعب على وتر الاستقرار

من ناحية أخرى، لا بدّ من الوقّف أمام تقرير وكالة فيتش للتصنيف الائتماني التي فجّرت قنبلة من التحذيرات المالية حيال لبنان، تربط بين مشروع قانون العقوبات الأميركية والتحويلات المالية إلى لبنان من جهة وبين تعاظم الدين العام وتفاقم الوضع السياسي من جهة أخرى، بما يعرّض التحويلات والودائع المالية في لبنان إلى الإنخفاض. ورأت الوكالة الدولية أنّ “تشديد العقوبات الأميركية على حزب الله قد يؤثّر بشكل مباشر أو غير مباشر على التدفّقات الأجنبية إلى لبنان، وعلى قطاعه المصرفي”، وإن كانت تلك العقوبات لم تقترح رسمياً حتى الآن في مشروع قانون”.

ولفتت فيتش إلى أنّ الإتفاق على قانون للانتخابات يجنّب لبنان أزمة سياسيّة، كما ويُظهر تقدماً تدريجياً على الصعيد السياسي لكنّه يبرز في الوقت عينه قيود النظام السياسي الطائفي في البلاد، معتبرة أن الحفاظ على هذا الزخم السياسي المتواضع في لبنان قد يزيد من تحسين آفاق صناعة السياسات في البلاد. وإذ ذكّرت فيتش بأن التقدم السياسي الذي أحرزه لبنان منذ شهر تشرين الثاني (انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة)، عزز ثقة المغتربين اللبنانيين في اقتصاد البلاد، أشارت إلى أن نمو الودائع بلغ 8.2% على أساس سنوي في شهر نيسان 2017، “بما يكفي لتمويل الاقتراض الحكومي الذي يعتمد على توجيه الودائع وتحويلات العاملين في الخارج عبر النظام المالي، وضمان نمو معتدل للائتمان إلى القطاع الخاص”.

وختمت فيتش بأن “التطورات السياسية الأخيرة قد تساعد في الحفاظ على المعنويات الإيجابية، لكن ارتفاع الدين العام، الذي زاد 8.6% على أساس سنوي في شهر آذار 2017، يعني أن لبنان مازال عرضة لتجدد التعطيل السياسي الذي يقوض الثقة والودائع وتحويلات المغتربين.

حديث وكالة فيتش حول العقوبات، وربطها مشروع قانون العقوبات الأميركية باحتمال انخفاض التحويلات المالية الى لبنان، هو الأخطر اليوم، حيث أنّ تراجع التدفّق المالي الى البلاد يعني هزّ الاستقرار بشكل كبير. علماً أنّ تداعيات هذه الضربة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في ظلّ وجود عدد هائل من النازحين ستكون وخيمة، ليس على لبنان فحسب، بل على المنطقة الواقعة على كفّ عفريت، وعلى حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بالدرجة الأولى.

هذه ورقة لدى الدولة اللبنانية، على غرار أوراق كثيرة موجودة في يد الدولة، حان الوقت لاستخدامها، خصوصاً أنّ المدى الزمني لم يعد كبيراً، والحركة باتت أكثر من ضرورية.

ختاماً، يشير المصدر الى أن لا خطر كارثياً غداً، ولا “نوم على الحرير”. لكن بين الأمرين، ولأنّ التأمين على ما يفكّر به الأميركيون غير ممكن، يجب استنفار الجهود التي لا زالت حتى اللحظة ضعيفة، خصوصاً أنّ الحكومة لا زالت تتصرّف كأن لا علم لها بما يحصل، ولا علاقة لها بهذا الملف، بل واكتفت برمي كرة النار على المصرف المركزي، وكّأنها تخاف “حرق” يديها !

Share This

Share This

Share this post with your friends!