كي لا يكون الرقم وجهة نظر

في ظل الأحداث الأمنية المتتالية، إقليمياً ومحلياً، يعود ملف تسليح الجيش اللبناني إلى الواجهة، وبين تهديد داعش من جهة وجبهة النصرة وتوابعها من جهة أخرى، تتوالى الأخبار من كل حدب وصوب عن مداهمة الجيش اللبناني لهذا الموقع، وإنجازه عملية نوعيّة في آخر، واستشهاد أو جرح عدداً من  عناصره في كمين من هنا وهناك أو عملية مداهمة ، إلخ.

يفرض هذا الواقع على كافة المعنيين، بالدرجة الاولى السلطة السياسية التي وُلد رئيسها من رحم المؤسسة العسكرية، والشعب اللبناني بالدرجة الثانية إيلاء الإهتمام الكافي والولاء التام لهذه المؤسسة العسكريّة ودعمها بمختلف الطرق.

أوّل أنواع الدعم يتلخّص بالمساعدات العسكرية الخارجية، إما التي تقدّم من خلال برامج سنويةّ أم مساعدات ظرفية من دول تجمعها علاقة صداقة مع لبنان، و أوّلها أميركا.

فقد تخطّى مجموع ما قدّمته أميركا للبنان بحسب رئيس مركز الشرق الاوسط للدراسات والعلاقات العامة العميد المتقاعد هشام جابر خلال العشر سنوات الأخيرة، المليار دولار من مدرّعات ودبابات وناقلات جنود، فضلاً عن أن حصّة لبنان السنوية في موازنة السنة المالية تراوحت بين 70 و 100 مليون دولار وقد وصلت في بعض الأحيان إلى 120 مليون دولار أميركي ..

ولكن إلى هنا ينتهي العدّ، فقد قرر الرئيس الأميركي الجديدة في موازنة العام 2018 خفض المساعدات من 214 مليون دولار بحسب الأرقام الأميركية إلى 103 ملايين دولار للعام المقبل، أي ما نسبته حوالى 52  في المائة، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدل المعتمد للخفض. أما في ما يتعلّق  بالمساعدات العسكرية، فقد تراجع البند المتعلّق بالعتاد العسكري من 85  مليون دولار إلى صفر للعام 2018!!

 

خبرُ لم يتداوله اللبنانيون بكثرة، ففي ظل الأحداث الأمنية، الإقتصادية والسياسية المتسارعة، انشغل العالم بالقانون الإنتخابي الجديد والتمديد التقني المفروض لمجلس النواب، فضلاً عن قوانين  الخزانة الاميركية المتجدّدة دوماً في ما يطال دعم الجماعات الإرهابية في لبنان المصنّف حزب الله من ضمنها. إلا أن قرار الرئيس الأميركي وقف الدعم بالعتاد العسكري إلى صفر العام 2018، أمر يستدعي التوقّف عنده، لأهميته في الدرجة الاولى السياسية والأمنية ، ولما يحمل من تناقضات في الدرجة الثانية.

ففي 8 حزيران 2017، ضجّت وسائل الإعلام اللبنانية بلقاء وزير الدفاع الوطني يعقوب الصراف قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال جوزف فوتيل، أمل بعده الصراف استمرار دعم أميركا للجيش اللبناني شاكراً إياها سلفاً.

من جهته عبر الجنرال فوتيل، عن تقديره للمستوى الذي وصل اليه الجيش اللبناني والذي أثبت كفاءة وقدرة عالية في مكافحة الإرهاب. وأبلغ وزير الدفاع “حرص القيادة الأميركية على استمرار دعمها للجيش اللبناني وتقديم المساعدات له”. فما السبب وراء هذا التناقض الكبير  وكيف يمكن تفسيره؟

جابر : سابقة لا مثيل لها

رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة العميد المتقاعد هشام جابر، يستغرب هذا الإجراء غير المسبوق في تاريخ العلاقات الأميركية – اللبنانية، كما يستغرب توقيته بعد زيارة الجنرال فوتيل إلى لبنان ووعوده باستمرار المساعدات الاميركية للجيش اللبناني!

ورغم تشديده الدائم على أن الجيش اللبناني يجب أن يصبح قادراً على تأمين مختلف حاجاته داخلياً، إلا أنه أشاد بتقديمات الولايات المتحخدة الاميركية للمؤسسة العسكرية.

في هذا الإطار، أشار جابر في حديث لـ “الإعمار والإقتصاد” إلى أن هذه المساعدات لا تقتصر على السلاح والذخيرة، بل تدخل ضمنها التدريبات العسكرية ونفقات الضباط الاميركيين الذين يدرّبون نظراءهم اللبنانيين داخل لبنان وبالخارج .

وبالتالي اعتبر أن تطبيق ما تم الإشارة إليه في الموازنة الأميركية قد يؤثّر على أوجه عدّة على الواقع اللبناني، فالسلاح الاميركي في لبنان يحتاج إلى صيانة دائمة وبالتالي إلى ذخيرة.. إنما لا يجب جعل الأمر دراماتيكياً، فليس على دولة كلبنان أن تتكّل على المساعدات العسكرية من دول خارجية لتبني جيشاً قوياً، مقابل هدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً بين سرقة واستثمارات خاطئة.

في السياق ذاته، أكد جابر ان القرار لا يمكن ان يكون له علاقة بالعقوبات على حزب الله، ولكنه وصفه بالتصرّف الغبي لدولة عظمى كأميركا.

استطراداً، أشار إلى أن الجيش اللبناني أثبت بشهادة محتلف دول العالم، عبر مؤتمرات متعددة، نجاحه في مقاومة الإرهاب بالإستعانة بشكل او بآخر بالأسلحة الأميركية، وبالتالي يمكن اعتبار الامر أكبر عملية ترويج لأسلحة الولايات المتحدة.

في خلاصة الموضوع، كرّر جابر ما يقوله دائماً بأن باب الهبات في ملف تسليح الجيش اللبناني يجب أن يكون آخر الأبواب بينما الفصل الأول يجب أن يطال ميزانية الجيش اللبناني، إنشاء صندوق دعم  وفرض ضرائب على قطاعات عديدة لمصلحة الجيش اللبناني.  فتساءل عن ضريبة التعمير المستوفاة منذ العام 1975  الى يومنا هذا، أين تذهب الاموال ولماذا لا تستعمل للمؤسسة العسكرية ؟

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجب ان يشكّل بحسب جابر عاملاً محفّزاً على تنفيذ خطط قد طرحت سابقاً لتسليح الجيش، وفرض ضرائب على أرباح قطاعات يمكن الاستفادة منها .

لبنان قادر برأي جابر دون مساعدة أحد على تسليح الجيش اللبناني بشكل كامل اذا وجدت الإرادة التامة لذلك لأن الدولة تستطيع تأمين 5 مليار دولار سنوياً من مصادر متعددة لتلك الغاية. واستطرد للحديث مجدداً عن مشروع الخمس سنوات الذي أطلقته وزارة الدفاع على أساس اقتطاع مليار دولار سنوياً على فترة 5 سنوات لشراء السلاح للجيش اللبناني والذي لم يتم المباشرة فيه ربما لعدم اقرار الموازنة لسنوات متتالية. فضلاً عن صندوق التسليح الذي أعلن عنه منذ سنوات، وتبرّع له  بعض الاشخاص، الا انه دفن في ارضه!

صرخة العميد جابر ليست الأولى، فهو لطالما طالب بخطة خاصة للجيش اللبناني لمساعدته على ان يصبح جيشاً قوياً رادعاً، بقوّة أبنائه وأفراد وطنه.  واستند على دراسة مفصّلة  قام بها مركز الشرق الاوسط للدراسات والعلاقات العامة  للتوصّل إلى أن مبلغ 10  مليار دولار يوفّر للدولة اللبنانية  القدرة  على شراء ما تريد من اسلحة، ومن حيث ارتأت  لتسليح الجيش وتحويله الى قوة رادعة في وجه اي ارهاب . مشدداً على أن هذا المبلغ يمكن تأمينه عبر فرض ضريبة معينة ولو بنسبة 1% خاصة لصندوق التسلّح، فضلاً عن الطلب من المتمولين اللبنانيين في دول الاغتراب المساهمة في دعم هذا الصندوق، اضافة الى القيام بحملة اعلانية كبيرة لا بد وان تحظى بالاهمية المطلوبة بين المواطنين نظراً لحساسية الموضوع من جهة، وكون ترسيخ قوة الجيش مطلب لكافة اللبنانيين.

زيارة فوتيل  . تناقض تام مع الرئاسة!

زيارة فوتيل لقائد الجيش العماد جوزف عون شكّلت عند حصولها خضّة إيجابية في صفوف المؤسسة العسكريّة والمواطنين لما تحمل من دعم مباشر للجيش اللبناني. وبينما اطلع الوفد الأميركي على خريطة انتشار القوى العسكرية في منطقة عرسال ومراكزها المتقدمة على الحدود الشرقية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وعلى قدراتها القتالية وإجراءاتها المتخذة، لضبط الحدود من عمليات التسلل، وضرب تجمّعات الإرهابيين وخطوط تحركاتهم، بالاضافة إلى حاجاتها المطلوبة من الأسلحة والأعتدة وأجهزة الرصد والمراقبة لتغطية هذه الحدود بصورة كاملة .. أتت تصريحات ترامب الإقتصاديّة لتهدم كل الآمال التي طوّقت تلك الزيارة!

فحديث فوتيل عن ” المصالح المشتركة العديدة في ما بين لبنان وأميركا، التي تتضمّن هزيمة تنظيم داعش، والعناصر الإرهابية المتطرفة الأخرى، وعن إرادة قيادة الولايات المتحدة متابعة هذا العمل سوياً، من أجل التعامل مع هذه التحديات وغيرها” تتنقاض كلياً مع قرارات ترامب التي يمكن اعتبارها “تعسفية” في وقت يضرب الإرهاب الدول الأميركية والاوروبية أكثر من أي وقت مضى.

خفض ميزانية مساعدات الجيش اللبناني إلى صفر في العام 2018، قرار جاء من القيادة العليا، من رئيس الولايات المتحدة الأميركية، الذي حيّر العالم بقراراته البيئية، السياسية والإقتصادية غير المتوقّعة. ومجرّد حديث  فوتيل، قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي، عن أن ” الجيش اللبناني يبقى من أكثر شركائنا قدرة وكفاءة.. ونتطلّع إلى تطوير الروابط الأساسية القوية بين جيشينا في المرحلة المقبلة “، إن دلّ على شيء، فهو يشير إلى الصراع الداخلي داخل هيكيليّة البيت الأبيض الذي بدأت أولى شظاياه بالتطاير، فهل يصمد؟

برامج أميركية سابقة!

هناك نوعان من المساعدات، يشمل الأول المساعدات الأميركية، التي تقدّم من خلال برامج سنوية. أما النوع الثاني، فيشمل مساعدات ظرفيّة من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول التي تجمعها علاقات صداقة مع الجيش اللبناني.

لا يتلقّى الجيش اللبناني عادةً مساعدات ماديّة بشكل مباشر، باستثناء ما يقدّمه برنامج FMS Foreign  Military Sales  وهو كناية عن مبلغ سنوي تتراوح قيمته بين 70 و150 مليون دولار أميركي، تخصّصه الولايات المتحدة الأميركية للجيش اللبناني بهدف تحقيق ما يراه مناسبًا من أعتدة وتدريب.

وهناك برامج مساعدات أميركية أخرى منها ما هو سنوي كبرنامج 2282 (سابقًا 1206)، الذي يتميّز عن سابقه بأن اختيار نوعيّة الأسلحة والمعدات المطلوبة لا يتم بشكل مباشر، وإنما يأتي نتيجة دراسات تحدّد حاجة الجيش بعد إجراء استطلاع رأي ميداني في القطع والوحدات.

ومن هذه البرامج ما يمتد لعدّة سنوات، كبرنامج مكافحة الإرهاب CTPF Counter Terrorism Partnerships Fund المبني على استطلاعات رأي ودراسة يجريها الجانب الأميركي بعد الأخذ برأي الجانب اللبناني، ولا تحدّد عادةً قيمة هذه المساعدات لحين البدء بتسليم العتاد، لأن لبنان هو جزء من مجموعة دول عربية تستفيد من هذا البرنامج. إلى ذلك، هناك برنامج IMET International Military Education and training السنوي، المخصّص للتدريب، وهو مستمر منذ أكثر من عشر سنوات.

حصيلة هذه التقديمات تجعل الولايات المتحدة في طليعة الدول المساعدة للجيش اللبناني بالعتاد والمادة إضافة إلى التدريبات المستمرّة للضباط. وقد بلغت قيمة ما قدمته بين العامين 2006 و2016 حوالى 1.200.000000 دولار أميركي، شملت: أسلحة، معدات، صيانة، قطع بدل وتدريب وغيرها.

يضاف إلى هذه البرامج، المساعدات التي تقدّمها الدول الصديقة وهي بشكل عام مساعدات عينية من أسلحة ومعدات، قد تشمل أحيانًا إنشاءات أو أعتدة غير مخصصة للقتال Nonlethal. هذه المساعدات لا تقدّم بشكل دوري، وإنما في مناسبات مختلفة، وتشمل عادة الحاجات التي يطلبها الجيش، وتتم الموافقة عليها من قبل مجلس الوزراء. وأبرز تلك الدول بريطانيا، الإمارات العربية المتحدة، المملكة السعودية،قطر، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، روسيا، الصين، كندا ..

 

في ظل التناقض الملحوظ  داخل القيادة الأميركية، وبينما يحارب الجيش اللبناني ببسالة الإرهاب في لبنان على مختلف الأصعدة، شهد شاهد من أهله وطرح الحل الأساسي، وفي حوار لرئيس قسم برامج المساعدات الأمنية التابع لأركان الجيش للتجهيز- المكتب الإداري، العميد الركن إدمون حاكمه، مع مجلّة الجيش في عدد أيلول 2016. لخّص حاكمة الحل قائلاً: “مما لا شك فيه أن المساعدات الممنوحة للجيش تساهم إلى حد كبير في تأمين المطلوب، لكنها لا تكفي لسدّ حاجاته من الأسلحة والصيانة والتدريب اللازم لتمكينه من تنفيذ مهماته بشكل فعّال، على الحدود وفي الداخل اللبناني. لذا يحتاج الجيش إلى تخصيصه بمبلغ مالي سنوي قيمته محدّدة بنسبة مئوية من الدخل القومي للبنان، وذلك أسوةً بباقي الجيوش لتمكينه من تأمين حاجاته من الأسلحة ووضع خطّة متوسطة وطويلة الأمد لتطوير قدراته القتالية”.

بين حديث حاكمه ونصائح جابر، أولاد المؤسسة العسكريّة، وبين النتائج الملموسة لعمليات الجيش اللبناني النوعية في عرسال لمحاربة الإرهاب، تبقى الآمال معلّقة نحو  “بيّ” الجمهورية اللبنانية، المولود من رحم المؤسسة العسكريّة ليكون الداعم الأساسي لها، فهل تشكّل قرارات ترامب محفّزاً لأخرى لبنانيّة تسجّل عهداً جديداً للمؤسسة العسكرية؟

 

في ظل الأحداث الأمنية المتتالية، إقليمياً ومحلياً، يعود ملف تسليح الجيش اللبناني إلى الواجهة، وبين تهديد داعش من جهة وجبهة النصرة وتوابعها من جهة أخرى، تتوالى الأخبار من كل حدب وصوب عن مداهمة الجيش اللبناني لهذا الموقع، وإنجازه عملية نوعيّة في آخر، واستشهاد أو جرح عدداً من  عناصره في كمين من هنا وهناك أو عملية مداهمة ، إلخ.

يفرض هذا الواقع على كافة المعنيين، بالدرجة الاولى السلطة السياسية التي وُلد رئيسها من رحم المؤسسة العسكرية، والشعب اللبناني بالدرجة الثانية إيلاء الإهتمام الكافي والولاء التام لهذه المؤسسة العسكريّة ودعمها بمختلف الطرق.

أوّل أنواع الدعم يتلخّص بالمساعدات العسكرية الخارجية، إما التي تقدّم من خلال برامج سنويةّ أم مساعدات ظرفية من دول تجمعها علاقة صداقة مع لبنان، و أوّلها أميركا.

فقد تخطّى مجموع ما قدّمته أميركا للبنان بحسب رئيس مركز الشرق الاوسط للدراسات والعلاقات العامة العميد المتقاعد هشام جابر خلال العشر سنوات الأخيرة، المليار دولار من مدرّعات ودبابات وناقلات جنود، فضلاً عن أن حصّة لبنان السنوية في موازنة السنة المالية تراوحت بين 70 و 100 مليون دولار وقد وصلت في بعض الأحيان إلى 120 مليون دولار أميركي ..

ولكن إلى هنا ينتهي العدّ، فقد قرر الرئيس الأميركي الجديدة في موازنة العام 2018 خفض المساعدات من 214 مليون دولار بحسب الأرقام الأميركية إلى 103 ملايين دولار للعام المقبل، أي ما نسبته حوالى 52  في المائة، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدل المعتمد للخفض. أما في ما يتعلّق  بالمساعدات العسكرية، فقد تراجع البند المتعلّق بالعتاد العسكري من 85  مليون دولار إلى صفر للعام 2018!!

 

خبرُ لم يتداوله اللبنانيون بكثرة، ففي ظل الأحداث الأمنية، الإقتصادية والسياسية المتسارعة، انشغل العالم بالقانون الإنتخابي الجديد والتمديد التقني المفروض لمجلس النواب، فضلاً عن قوانين  الخزانة الاميركية المتجدّدة دوماً في ما يطال دعم الجماعات الإرهابية في لبنان المصنّف حزب الله من ضمنها. إلا أن قرار الرئيس الأميركي وقف الدعم بالعتاد العسكري إلى صفر العام 2018، أمر يستدعي التوقّف عنده، لأهميته في الدرجة الاولى السياسية والأمنية ، ولما يحمل من تناقضات في الدرجة الثانية.

ففي 8 حزيران 2017، ضجّت وسائل الإعلام اللبنانية بلقاء وزير الدفاع الوطني يعقوب الصراف قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال جوزف فوتيل، أمل بعده الصراف استمرار دعم أميركا للجيش اللبناني شاكراً إياها سلفاً.

من جهته عبر الجنرال فوتيل، عن تقديره للمستوى الذي وصل اليه الجيش اللبناني والذي أثبت كفاءة وقدرة عالية في مكافحة الإرهاب. وأبلغ وزير الدفاع “حرص القيادة الأميركية على استمرار دعمها للجيش اللبناني وتقديم المساعدات له”. فما السبب وراء هذا التناقض الكبير  وكيف يمكن تفسيره؟

جابر : سابقة لا مثيل لها

رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة العميد المتقاعد هشام جابر، يستغرب هذا الإجراء غير المسبوق في تاريخ العلاقات الأميركية – اللبنانية، كما يستغرب توقيته بعد زيارة الجنرال فوتيل إلى لبنان ووعوده باستمرار المساعدات الاميركية للجيش اللبناني!

ورغم تشديده الدائم على أن الجيش اللبناني يجب أن يصبح قادراً على تأمين مختلف حاجاته داخلياً، إلا أنه أشاد بتقديمات الولايات المتحخدة الاميركية للمؤسسة العسكرية.

في هذا الإطار، أشار جابر في حديث لـ “الإعمار والإقتصاد” إلى أن هذه المساعدات لا تقتصر على السلاح والذخيرة، بل تدخل ضمنها التدريبات العسكرية ونفقات الضباط الاميركيين الذين يدرّبون نظراءهم اللبنانيين داخل لبنان وبالخارج .

وبالتالي اعتبر أن تطبيق ما تم الإشارة إليه في الموازنة الأميركية قد يؤثّر على أوجه عدّة على الواقع اللبناني، فالسلاح الاميركي في لبنان يحتاج إلى صيانة دائمة وبالتالي إلى ذخيرة.. إنما لا يجب جعل الأمر دراماتيكياً، فليس على دولة كلبنان أن تتكّل على المساعدات العسكرية من دول خارجية لتبني جيشاً قوياً، مقابل هدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً بين سرقة واستثمارات خاطئة.

في السياق ذاته، أكد جابر ان القرار لا يمكن ان يكون له علاقة بالعقوبات على حزب الله، ولكنه وصفه بالتصرّف الغبي لدولة عظمى كأميركا.

استطراداً، أشار إلى أن الجيش اللبناني أثبت بشهادة محتلف دول العالم، عبر مؤتمرات متعددة، نجاحه في مقاومة الإرهاب بالإستعانة بشكل او بآخر بالأسلحة الأميركية، وبالتالي يمكن اعتبار الامر أكبر عملية ترويج لأسلحة الولايات المتحدة.

في خلاصة الموضوع، كرّر جابر ما يقوله دائماً بأن باب الهبات في ملف تسليح الجيش اللبناني يجب أن يكون آخر الأبواب بينما الفصل الأول يجب أن يطال ميزانية الجيش اللبناني، إنشاء صندوق دعم  وفرض ضرائب على قطاعات عديدة لمصلحة الجيش اللبناني.  فتساءل عن ضريبة التعمير المستوفاة منذ العام 1975  الى يومنا هذا، أين تذهب الاموال ولماذا لا تستعمل للمؤسسة العسكرية ؟

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجب ان يشكّل بحسب جابر عاملاً محفّزاً على تنفيذ خطط قد طرحت سابقاً لتسليح الجيش، وفرض ضرائب على أرباح قطاعات يمكن الاستفادة منها .

لبنان قادر برأي جابر دون مساعدة أحد على تسليح الجيش اللبناني بشكل كامل اذا وجدت الإرادة التامة لذلك لأن الدولة تستطيع تأمين 5 مليار دولار سنوياً من مصادر متعددة لتلك الغاية. واستطرد للحديث مجدداً عن مشروع الخمس سنوات الذي أطلقته وزارة الدفاع على أساس اقتطاع مليار دولار سنوياً على فترة 5 سنوات لشراء السلاح للجيش اللبناني والذي لم يتم المباشرة فيه ربما لعدم اقرار الموازنة لسنوات متتالية. فضلاً عن صندوق التسليح الذي أعلن عنه منذ سنوات، وتبرّع له  بعض الاشخاص، الا انه دفن في ارضه!

صرخة العميد جابر ليست الأولى، فهو لطالما طالب بخطة خاصة للجيش اللبناني لمساعدته على ان يصبح جيشاً قوياً رادعاً، بقوّة أبنائه وأفراد وطنه.  واستند على دراسة مفصّلة  قام بها مركز الشرق الاوسط للدراسات والعلاقات العامة  للتوصّل إلى أن مبلغ 10  مليار دولار يوفّر للدولة اللبنانية  القدرة  على شراء ما تريد من اسلحة، ومن حيث ارتأت  لتسليح الجيش وتحويله الى قوة رادعة في وجه اي ارهاب . مشدداً على أن هذا المبلغ يمكن تأمينه عبر فرض ضريبة معينة ولو بنسبة 1% خاصة لصندوق التسلّح، فضلاً عن الطلب من المتمولين اللبنانيين في دول الاغتراب المساهمة في دعم هذا الصندوق، اضافة الى القيام بحملة اعلانية كبيرة لا بد وان تحظى بالاهمية المطلوبة بين المواطنين نظراً لحساسية الموضوع من جهة، وكون ترسيخ قوة الجيش مطلب لكافة اللبنانيين.

زيارة فوتيل  . تناقض تام مع الرئاسة!

زيارة فوتيل لقائد الجيش العماد جوزف عون شكّلت عند حصولها خضّة إيجابية في صفوف المؤسسة العسكريّة والمواطنين لما تحمل من دعم مباشر للجيش اللبناني. وبينما اطلع الوفد الأميركي على خريطة انتشار القوى العسكرية في منطقة عرسال ومراكزها المتقدمة على الحدود الشرقية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وعلى قدراتها القتالية وإجراءاتها المتخذة، لضبط الحدود من عمليات التسلل، وضرب تجمّعات الإرهابيين وخطوط تحركاتهم، بالاضافة إلى حاجاتها المطلوبة من الأسلحة والأعتدة وأجهزة الرصد والمراقبة لتغطية هذه الحدود بصورة كاملة .. أتت تصريحات ترامب الإقتصاديّة لتهدم كل الآمال التي طوّقت تلك الزيارة!

فحديث فوتيل عن ” المصالح المشتركة العديدة في ما بين لبنان وأميركا، التي تتضمّن هزيمة تنظيم داعش، والعناصر الإرهابية المتطرفة الأخرى، وعن إرادة قيادة الولايات المتحدة متابعة هذا العمل سوياً، من أجل التعامل مع هذه التحديات وغيرها” تتنقاض كلياً مع قرارات ترامب التي يمكن اعتبارها “تعسفية” في وقت يضرب الإرهاب الدول الأميركية والاوروبية أكثر من أي وقت مضى.

خفض ميزانية مساعدات الجيش اللبناني إلى صفر في العام 2018، قرار جاء من القيادة العليا، من رئيس الولايات المتحدة الأميركية، الذي حيّر العالم بقراراته البيئية، السياسية والإقتصادية غير المتوقّعة. ومجرّد حديث  فوتيل، قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي، عن أن ” الجيش اللبناني يبقى من أكثر شركائنا قدرة وكفاءة.. ونتطلّع إلى تطوير الروابط الأساسية القوية بين جيشينا في المرحلة المقبلة “، إن دلّ على شيء، فهو يشير إلى الصراع الداخلي داخل هيكيليّة البيت الأبيض الذي بدأت أولى شظاياه بالتطاير، فهل يصمد؟

برامج أميركية سابقة!

هناك نوعان من المساعدات، يشمل الأول المساعدات الأميركية، التي تقدّم من خلال برامج سنوية. أما النوع الثاني، فيشمل مساعدات ظرفيّة من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول التي تجمعها علاقات صداقة مع الجيش اللبناني.

لا يتلقّى الجيش اللبناني عادةً مساعدات ماديّة بشكل مباشر، باستثناء ما يقدّمه برنامج FMS Foreign  Military Sales  وهو كناية عن مبلغ سنوي تتراوح قيمته بين 70 و150 مليون دولار أميركي، تخصّصه الولايات المتحدة الأميركية للجيش اللبناني بهدف تحقيق ما يراه مناسبًا من أعتدة وتدريب.

وهناك برامج مساعدات أميركية أخرى منها ما هو سنوي كبرنامج 2282 (سابقًا 1206)، الذي يتميّز عن سابقه بأن اختيار نوعيّة الأسلحة والمعدات المطلوبة لا يتم بشكل مباشر، وإنما يأتي نتيجة دراسات تحدّد حاجة الجيش بعد إجراء استطلاع رأي ميداني في القطع والوحدات.

ومن هذه البرامج ما يمتد لعدّة سنوات، كبرنامج مكافحة الإرهاب CTPF Counter Terrorism Partnerships Fund المبني على استطلاعات رأي ودراسة يجريها الجانب الأميركي بعد الأخذ برأي الجانب اللبناني، ولا تحدّد عادةً قيمة هذه المساعدات لحين البدء بتسليم العتاد، لأن لبنان هو جزء من مجموعة دول عربية تستفيد من هذا البرنامج. إلى ذلك، هناك برنامج IMET International Military Education and training السنوي، المخصّص للتدريب، وهو مستمر منذ أكثر من عشر سنوات.

حصيلة هذه التقديمات تجعل الولايات المتحدة في طليعة الدول المساعدة للجيش اللبناني بالعتاد والمادة إضافة إلى التدريبات المستمرّة للضباط. وقد بلغت قيمة ما قدمته بين العامين 2006 و2016 حوالى 1.200.000000 دولار أميركي، شملت: أسلحة، معدات، صيانة، قطع بدل وتدريب وغيرها.

يضاف إلى هذه البرامج، المساعدات التي تقدّمها الدول الصديقة وهي بشكل عام مساعدات عينية من أسلحة ومعدات، قد تشمل أحيانًا إنشاءات أو أعتدة غير مخصصة للقتال Nonlethal. هذه المساعدات لا تقدّم بشكل دوري، وإنما في مناسبات مختلفة، وتشمل عادة الحاجات التي يطلبها الجيش، وتتم الموافقة عليها من قبل مجلس الوزراء. وأبرز تلك الدول بريطانيا، الإمارات العربية المتحدة، المملكة السعودية،قطر، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، روسيا، الصين، كندا ..

 

في ظل التناقض الملحوظ  داخل القيادة الأميركية، وبينما يحارب الجيش اللبناني ببسالة الإرهاب في لبنان على مختلف الأصعدة، شهد شاهد من أهله وطرح الحل الأساسي، وفي حوار لرئيس قسم برامج المساعدات الأمنية التابع لأركان الجيش للتجهيز- المكتب الإداري، العميد الركن إدمون حاكمه، مع مجلّة الجيش في عدد أيلول 2016. لخّص حاكمة الحل قائلاً: “مما لا شك فيه أن المساعدات الممنوحة للجيش تساهم إلى حد كبير في تأمين المطلوب، لكنها لا تكفي لسدّ حاجاته من الأسلحة والصيانة والتدريب اللازم لتمكينه من تنفيذ مهماته بشكل فعّال، على الحدود وفي الداخل اللبناني. لذا يحتاج الجيش إلى تخصيصه بمبلغ مالي سنوي قيمته محدّدة بنسبة مئوية من الدخل القومي للبنان، وذلك أسوةً بباقي الجيوش لتمكينه من تأمين حاجاته من الأسلحة ووضع خطّة متوسطة وطويلة الأمد لتطوير قدراته القتالية”.

بين حديث حاكمه ونصائح جابر، أولاد المؤسسة العسكريّة، وبين النتائج الملموسة لعمليات الجيش اللبناني النوعية في عرسال لمحاربة الإرهاب، تبقى الآمال معلّقة نحو  “بيّ” الجمهورية اللبنانية، المولود من رحم المؤسسة العسكريّة ليكون الداعم الأساسي لها، فهل تشكّل قرارات ترامب محفّزاً لأخرى لبنانيّة تسجّل عهداً جديداً للمؤسسة العسكرية؟

 

Share This

Share This

Share this post with your friends!