كي لا يكون الرقم وجهة نظر

كنا نتوقع أن تنطلق “ثورة الفلاحين” خلال الأسبوعين الماضيين على خلفية موقف وزارة الاقتصاد والتجارة وإعلان موافقتها إلغاء البرنامج التنفيذي للتبادل التجاري بين لبنان ومصر، بناءً على طلب الجانب المصري، وهي اتفاقيّة وقّعت في العام 1998، وتمنع مصر من تصدير نحو 20 منتجاً زراعياً إلى لبنان لحماية المنتجات المحليّة من المنافسة الخارجيّة، إلا أن الوزارة تراجعت عن موافقتها على هذا البرنامج، تحت ضغط الهيئات النقابية الزراعية، ولا سيما منها “جمعية المزارعين اللبنانيين”.

لكن، هل وصل القطاع الزراعي إلى ضفة آمنة، وما عادت تعوزه ثورة فلاحين ومزارعين؟

بالتأكيد لا، ذلك أن حجم المشكلات القائمة والتي تستهدف القطاعات الزراعية كافة في لبنان لما تزل قائمة، فوزارة الزراعة غائبة عن ملاقاة العاملين في هذا القطاع بما يحمي إنتاجهم، والسياسات الحكومية لم ترتقِ منذ عشرات السنين لتحديث هذا القطاع ودعمه ليكون قادرا على المنافسة في الأسواق العالمية، أو على الأقل في الأسواق القريبة، ولذلك كلفة الإنتاج الزراعي اللبناني تظل مرتفعة في مقارنة مع سائر الدول التي ترفد المزارع بكل أسباب الدعم، من تأهيل الأراضي إلى توفير الأدوية الزراعية بعيدا من الفوضى كما هو الحال في لبنان، حيث يخضع المزارعون لشركات الأدوية ومافياتها، فضلا عن الأسمدة والدعم التقني والإرشادي، كما تخطط حكومات هذه الدول لدراسة الأنواع المفترض زراعتها، إضافة إلى أن ثمة تدابير احترازية لمواجهة تراجع الانتاج والتعويض على المزارعين ليتمكنوا من تجاوز الخسارة، بما يمكنهم من الانطلاق مجددا، فيما مزارعو لبنان يضطرون في أحيان كثيرة لرهن أراضيهم لدى المصارف، ومنهم من اضطر لبيع قطعة أرض لتسديد ديونه.

 

الحويك: السلطة تخرب الأسواق

 

من هنا، كان لا بد من استمرار “ثورة الفلاحين” وعدم حصرها بمطلب واحد، والثورة حاجة ملحة لتصويب الخلل المستمر منذ عشرات السنين، خصوصا وأن التحديات كبيرة، وهدّد بالقضاء على القطاع الزراعي وتشريد آلاف العائلات التي تعيش من هذا القطاع.

في هذا السياق، أشار رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين انطوان الحويك لـ “الإعمار والاقتصاد” إلى أن “الدولة كانت ستلغي الاتفاقية مع مصر وبهذا تحرر التبادل التجاري الذي سيكون حكما لصالح مصر”، وقال: “تحرك المزارعون وانتفضنا، وقررنا مواجهة وزير الإقتصاد والتجارة والحكومة، وحسمت رئاسة الحكومة الموضوع، فمصر كانت تريد هذا الأمر وحاولت ذلك في العام 2010، فكون سوقنا حرة، وأسعار البضائع المصرية منافسة، فهي حكما ستغرق الأسواق على حساب البضائع اللبنانية، فالميزان التجاري لصالح مصر، فنسبة سلعنا تمثل 1/13 من سلعهم، والمشكلة الأكبر هي التهريب عبر الحدود وخصوصا من سوريا، وتشمل كافة القطاعات، وعندما تقرر السلطة وقف التهريب فستنتعش الأسواق، لكن السلطة تخرب الأسواق مقابل 10 أصوات انتخابية”!.

 

مربو الأبقار

 

ولفت الحويك إلى أن “اتفاقية الشراكة مع السوق الأوروبية أغرقت الأسواق بحليب البودرة، وأتى هذا الأمر على حساب مربي الأبقار وعائلاتهم ولقمة عيشهم”، وأشار إلى “اننا طلبنا من الوزارات المعنية، وضع ضريبة إضافية على عبوات الحليب فوق 2 كيلو وربع، أو وضع مادة ملونة في العبوات الكبيرة (الشوالات) حتى لا يصار إلى استخدامها في صناعة الأجبان، للأسف لم يكن هناك تجاوب مع مطلبنا”.

أما بالنسبة لقطاع التفاح، فأشار الحويك إلى أن “هناك 3 ملايين صندوق في البرادات حتى الآن”، وقال: “طالبنا بتعويض للمزارعين استباقيا، كوننا لا نصدق السياسيين، على الرغم من أن الوزير السابق أكرم شهيب وعد بتصريف التفاح إلى الجيش المصري خلال زيارة لمصر، ولروسيا، ولم يتحقق هذا الأمر”.

ورداً على سؤال حول سبب كون المنتجات المصرية رخيصة، قال الحويك: “اليد العاملة في مصر رخيصة لا تتجاوز الـ 100 دولار في الشهر الواحد، والماء متوفر بكثرة، والأراضي شاسعة لذا الزراعة في مصر مكثفة، كما أن الطقس دافئ عموما، ومواسم الإنتاج أطول، فضلا عن أن القدرة الشرائية في مصر منخفضة للغاية”، ورأى أنه حيال ذلك “ليس ثمة فائدة من تصدير التفاح اللبناني الذي لا يتجاوز ثمنه نصف دولار للكيلوغرام (750 ليرة) للمفرق، وعليهم شراؤه بالتاليب ما لا يزيد عن 450 ليرة، وهو أمر غير مقبول بالنسبة إلينا”.

وكانت المديرة العامة لوزارة الاقتصاد عليا عبّاس قد أعلنت في وقت سابق أن الوزير رائد خوري وافق على الطلب المصري، وعزت الأمر إلى “الانفتاح وتحسين العلاقات التجاريّة مع الخارج”، هذه الحجّة لاقت رفضا من قبل المزارعين كونها تضرب عرض الحائط بمصالحهم ومصالح مربّي الدواجن ومنتجي الحليب، خصوصا وأن وزارة الاقتصاد بذلت جهوداً حثيثة لإقناع الوزارات المعنيّة بهذه الخطوة، أي كلّ من وزارة الزراعة باعتبارها المعني المُباشر بكلّ ما له علاقة بهذ القطاع وتعدُّ موافقتها ضروريّة لإلغاء الاتفاقيّة، ووزارة الخارجيّة والمغتربين المعنيّة بالعلاقات الخارجيّة والثنائيّة والدبلوماسيّة.

 

امتيازات مجانيّة للجانب المصري

 

تشكّل الصادرات المصريّة إلى لبنان نحو 775 مليون دولار أميركي وهي لا تخضع لأية قيود، أما لبنان فيصدّر لبنان إلى جمهورية مصر العربية منتجات زراعيّة بقيمة 50 مليون دولار أميركي سنوياً، أي ما يساوي 1/13 من الميزان التجاري بين البلدين.

ومن هنا، يعدُّ إلغاء الاتفاقيّة بمثابة تقديم امتيازات مجانيّة للجانب المصري من دون مقابل، وهو أشبه بإعدام الزراعة اللبنانيّة، وتحديداً الإجاص، والتفاح، والحمضيّات، والزيتون، والعنب، وزيت الزيتون، والبطاطا، والحليب، والأجبان، والفروج على أنواعه، وبيض الدجاج، والموز، والكوسا، والبندورة، والخيار، والباذنجان (الممنوع استيرادها راهناً بموجب الاتفاقيّة)، كون السوق المحليّة ستُغرق بالمنتجات الأجنبيّة، مع فقدان أي قدرة على المنافسة

إن إلغاء الاتفاقيّة، بحسب وزارة الاقتصاد، سيحرّر التجارة ويلزمها باتفاقيّة التيسير العربيّة، متجاهلة فقدان عامل المنافسة نظراً إلى كون الأسعار منخفضة والكمّيات التي ستضخّ في السوق مُرتفعة، متذرعة بفرض قيود كميّة لحماية الإنتاج، وهو ما تدحضه التجارب السابقة.

ففي عام 2016، سمح وزير الزراعة آنذاك أكرم شهيب بدخول 12 ألف طن من البطاطا المصريّة، إضافة إلى الـ 50 ألف طن المتفق عليها بين البلدين، في آخر يوم من آذار (مارس) (وهو التاريخ المحدّد للاستيراد منعاً للمضاربة مع البطاطا المحليّة، التي يبدأ إنتاجها في عكار في منتصف نيسان/أبريل، وفي البقاع في منتصف حزيران/يونيو)، وهو ما أدّى إلى ضرب الموسم اللبناني وبيع كيلو البطاطا بـ 250 ليرة فقط. وكذلك حصل في عام 2008، عندما رفض وزير الاقتصاد آنذاك سامي حدّاد الالتزام بالروزنامة الزراعيّة للاستيراد من الدول العربيّة، ولم يلزم الجمارك بتطبيقها، ما أغرق السوق اللبنانيّة وأدّى إلى تلف المنتجات المحليّة.

استنادا إلى كل هذه المعطيات، وما تمثل من خطر داهم يهدّد الزراعة وهي القطاع الإنتاجي الأول في لبنان، جاء قرار إطلاق ثورة فلاحين لمواجهة أي تدبير يحرم المزارع من لقمة عيشه.

 

وزير الزراعة

 

وكان وزير الزراعة غازي زعيتر قد أكد أن من أولى واجبات وزارة الزراعة حماية الزراعة والمزارعين والانتاج الزراعي في البلد”، لافتاً إلى “اننا نعمل من أجل يكون لدينا اكتفاء ذاتي.

وقال زعيتر خلال استقباله رؤساء بلديات ومخاتير ووفودا من النقابات الزراعية والتعاونيات في البقاع ومربي الدواجن ومنتجي البيض ومزارعي التفاح والقمح: “نقوم بدارسة ولدينا خطة عمل لمساعدة المزارعين والزراعة وحماية الانتاج الزراعي الذي يعتبر من افضل الانتاج على صعيد المنطق”.

وعن موازنة الزراعة، قال زعيتر: “نحاول مع المنظمات الدولية تنفيذ عدة مشاريع تتعلق بالزراعة، وثمة مشكلة تعترض لبنان بشكل عام، ألا وهي عدد النازحين السورين في لبنان الذي يرتب على البلد مشكلة اقتصادية والدولة المانحة، التي يجب ان تساعد النازحين وضعت لبنان في آخر جدولها، بينما في بعض الدول الاخرى التي تستضيف عددا اقل من لبنان تقدّم للدول مساعدات كبيرة جدا، فيما حصة لبنان ضئيلة جدا ما يرتب على الدولة اللبنانية اعباء كبيرة لمساعدة النازحين، وهذا من واجبنا تجاه اخواننا السوريين على امل عودتهم الى بلدهم وتستقر اوضاعهم الامنية”، وأكد زعيتر “دعم القطاع الزراعي بكل اشكاله، بالتعاون بين النقابات والوزارة وحماية الزراعة، وتنظيم الاتفاقات مع الدول التي يتم معها التبادل التجاري الزراعي”.

 

الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية

 

وفي سياق متصل، اعتبر رئيس اللجنة الزراعية في إتحاد الغرف اللبنانية رفلي دبانة القطاع الزراعي ركيزة أساسية للأمن الإقتصادي والإجتماعي والغذائي في لبنان”، لافتاً إلى أن “إتحاد الغرف اللبنانية من زاوية القطاع الخاص كان على الدوام ولا يزال داعما اساسيا للقضايا المطلبية الحيوية لتنمية وتطوير وتحديث المنتج الزراعي، وزيادة تنافسيته وتنميته وتكبير حجمه في الإقتصاد الوطني”، وأشار إلى أن “القطاع العام كان لسنوات طوال غير مكترث الى شروط تحسين ظروف القطاع الزراعي، إلا أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تتغير صورة العلاقات إذ ترسخت عملية التشاور الدائم مع وزارة الزراعة، وهكذا بدأالإهتمام بالقطاع الزراعي بين القطاعين العام والخاص، وسيكون لدينا كاتحاد للغرف اللبنانية لقاءات دورية مع وزارة الزراعة للوقوف على المعوقات التي تعترض إنماء القطاع الزراعي والبحث المشترك في توليد الحلول المساعدة والملائمة”.

وشدد على أن يكون هناك “مجموعة اسس مركزية في مقاربة المسألة الزراعية اللبنانية أولها ضرورة التعاضد بين أفرقاء الإنتاج الزراعي، وثانيها المثابرة بجدية دائمة على متابعة وملاحقة القضايا التي تساعد على النهوض بالقطاع الزراعي، وثالثها الإعتماد على الكفاءات والإمكانيات والقدرات التي يمتلكها القطاع الخاص”.

وبالنسبة إلى ما يعاني منه القطاع الزراعي لا سيما على صعيد حركة نقل الصادرات عبر وسائل النقل البحري، أشار دبانة إلى أنه “يمكن البحث في تأسيس شركة من القطاع الخاص لتبني تقديم التسهيلات الممكنة والضرورية والملائمة لتطلعات المصدر اللبناني وبشكل خاص الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية”.

 

التعويض على مزارعي التفاح

 

تجدر الإشارة إلى أنه بالنسبة لتعويض خسائر موسم التفاح، والتي أقرتها الحكومة السابقة، وحددت المساعدة بخمسة آلاف ليرة عن كل صندوق سعة 20 كيلوغرام على أن تدفع مباشرة للمزارعين، بعد موافقة مجلس الوزراء على إعطاء سلفة خزينة قدرها 40 مليار ليرة لبنانية توضع بتصرف الهيئة العليا للاغاثة لهذه الغاية. وتم وضع آلية للكشف يتولاها الجيش اللبناني الذي قام بمسح شمل كل لبنان للتعويض على مزارعي التفاح في كل المناطق اللبنانية من دون أي استثناء، وبإشراف وزارة الزراعة.

وأشار وزير الزراعة السابق أكرم شهيب إلى أن هذه الخطوة “تأتي استكمالا لهذا الملف، وترفع قيادة الجيش نتيجة المسح الذي تم بشكل دقيق وبكفاءة وجدارة عالية، ومن خلال هذا المسح تبين أن قيمة التعويضات بلغت تقريا 54 مليار ليرة لبنانية، أي زيادة ما قيمته 15 مليار ليرة عن قرار مجلس الوزراء، وهذه الزيادة أتت بسبب الكشف الذي شمل صغار المزارعين الذين لديهم ما بين 50 و 100 شجرة، وهذا كان أمرا ضروريا لإنصاف المزارعين من دون أي تمييز بين كبار المزارعين وصغارهم على حد سواء”.

وبحسب شهيب، فإنه “بناء على ذلك، وتسهيلا للحل والتزاما بقرار مجلس الوزراء قد يكون حسم حوالي 25 بالمئة من قيمة التعويض عن كل صندوق لتغطية كل مزارعي لبنان تحت سقف الـ40  مليار (قرار مجلس الوزراء)، بحيث لا يقل التعويض عن 4000 آلاف ليرة بدلا من 5000 آلاف ليرة”.

 

جعجعة ولا طحين

 

في مقارنة مع وجع المزارع، وتوجهات المسؤولين، نجد أن القطاع الزراعي ما يزال عرضة لمشكلات لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها، فالمطلوب “ثورة” إيجابية، بمعنى أن تظل مطالب المزارعين حاضرة كمهمة يومية، خصوصا وأن معظم المسؤولين لم يتجاوزا دائرة التمني، فيما المطلوب العمل على كافة الصعد، خصوصا وأن المشكلات تتراكم من موسم لآخر، من أزمة تصريف الموز والحمضيات، إلى قطاع تربية الأبقار المهدد بكوارث إذا لم تبادر الدولة إلى حماية الإنتاج، إلى قطاع الدواجن، وقطاع الأزهار والشتول، فضلا عن أن الدولة مدعوة لتكون العين الساهرة على هذا القطاع، ولحظ متطلباته، وغير ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع.

وما نراه اليوم، رغم بعض التدابير الخجولة، لا يرتقي إلى حجم الكارثة، مع تراجع القطاع عاما بعد عام، وهروب الكثيرين منه نحو قطاعات أخرى أو الهجرة بحثا عن لقمة عيش حرة كريمة.

ما هو قائم اليوم، يصح فيه القول العربي المأثور: “نسمع جعجعةً ولا نرى طحينا

كنا نتوقع أن تنطلق “ثورة الفلاحين” خلال الأسبوعين الماضيين على خلفية موقف وزارة الاقتصاد والتجارة وإعلان موافقتها إلغاء البرنامج التنفيذي للتبادل التجاري بين لبنان ومصر، بناءً على طلب الجانب المصري، وهي اتفاقيّة وقّعت في العام 1998، وتمنع مصر من تصدير نحو 20 منتجاً زراعياً إلى لبنان لحماية المنتجات المحليّة من المنافسة الخارجيّة، إلا أن الوزارة تراجعت عن موافقتها على هذا البرنامج، تحت ضغط الهيئات النقابية الزراعية، ولا سيما منها “جمعية المزارعين اللبنانيين”.

لكن، هل وصل القطاع الزراعي إلى ضفة آمنة، وما عادت تعوزه ثورة فلاحين ومزارعين؟

بالتأكيد لا، ذلك أن حجم المشكلات القائمة والتي تستهدف القطاعات الزراعية كافة في لبنان لما تزل قائمة، فوزارة الزراعة غائبة عن ملاقاة العاملين في هذا القطاع بما يحمي إنتاجهم، والسياسات الحكومية لم ترتقِ منذ عشرات السنين لتحديث هذا القطاع ودعمه ليكون قادرا على المنافسة في الأسواق العالمية، أو على الأقل في الأسواق القريبة، ولذلك كلفة الإنتاج الزراعي اللبناني تظل مرتفعة في مقارنة مع سائر الدول التي ترفد المزارع بكل أسباب الدعم، من تأهيل الأراضي إلى توفير الأدوية الزراعية بعيدا من الفوضى كما هو الحال في لبنان، حيث يخضع المزارعون لشركات الأدوية ومافياتها، فضلا عن الأسمدة والدعم التقني والإرشادي، كما تخطط حكومات هذه الدول لدراسة الأنواع المفترض زراعتها، إضافة إلى أن ثمة تدابير احترازية لمواجهة تراجع الانتاج والتعويض على المزارعين ليتمكنوا من تجاوز الخسارة، بما يمكنهم من الانطلاق مجددا، فيما مزارعو لبنان يضطرون في أحيان كثيرة لرهن أراضيهم لدى المصارف، ومنهم من اضطر لبيع قطعة أرض لتسديد ديونه.

 

الحويك: السلطة تخرب الأسواق

 

من هنا، كان لا بد من استمرار “ثورة الفلاحين” وعدم حصرها بمطلب واحد، والثورة حاجة ملحة لتصويب الخلل المستمر منذ عشرات السنين، خصوصا وأن التحديات كبيرة، وهدّد بالقضاء على القطاع الزراعي وتشريد آلاف العائلات التي تعيش من هذا القطاع.

في هذا السياق، أشار رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين انطوان الحويك لـ “الإعمار والاقتصاد” إلى أن “الدولة كانت ستلغي الاتفاقية مع مصر وبهذا تحرر التبادل التجاري الذي سيكون حكما لصالح مصر”، وقال: “تحرك المزارعون وانتفضنا، وقررنا مواجهة وزير الإقتصاد والتجارة والحكومة، وحسمت رئاسة الحكومة الموضوع، فمصر كانت تريد هذا الأمر وحاولت ذلك في العام 2010، فكون سوقنا حرة، وأسعار البضائع المصرية منافسة، فهي حكما ستغرق الأسواق على حساب البضائع اللبنانية، فالميزان التجاري لصالح مصر، فنسبة سلعنا تمثل 1/13 من سلعهم، والمشكلة الأكبر هي التهريب عبر الحدود وخصوصا من سوريا، وتشمل كافة القطاعات، وعندما تقرر السلطة وقف التهريب فستنتعش الأسواق، لكن السلطة تخرب الأسواق مقابل 10 أصوات انتخابية”!.

 

مربو الأبقار

 

ولفت الحويك إلى أن “اتفاقية الشراكة مع السوق الأوروبية أغرقت الأسواق بحليب البودرة، وأتى هذا الأمر على حساب مربي الأبقار وعائلاتهم ولقمة عيشهم”، وأشار إلى “اننا طلبنا من الوزارات المعنية، وضع ضريبة إضافية على عبوات الحليب فوق 2 كيلو وربع، أو وضع مادة ملونة في العبوات الكبيرة (الشوالات) حتى لا يصار إلى استخدامها في صناعة الأجبان، للأسف لم يكن هناك تجاوب مع مطلبنا”.

أما بالنسبة لقطاع التفاح، فأشار الحويك إلى أن “هناك 3 ملايين صندوق في البرادات حتى الآن”، وقال: “طالبنا بتعويض للمزارعين استباقيا، كوننا لا نصدق السياسيين، على الرغم من أن الوزير السابق أكرم شهيب وعد بتصريف التفاح إلى الجيش المصري خلال زيارة لمصر، ولروسيا، ولم يتحقق هذا الأمر”.

ورداً على سؤال حول سبب كون المنتجات المصرية رخيصة، قال الحويك: “اليد العاملة في مصر رخيصة لا تتجاوز الـ 100 دولار في الشهر الواحد، والماء متوفر بكثرة، والأراضي شاسعة لذا الزراعة في مصر مكثفة، كما أن الطقس دافئ عموما، ومواسم الإنتاج أطول، فضلا عن أن القدرة الشرائية في مصر منخفضة للغاية”، ورأى أنه حيال ذلك “ليس ثمة فائدة من تصدير التفاح اللبناني الذي لا يتجاوز ثمنه نصف دولار للكيلوغرام (750 ليرة) للمفرق، وعليهم شراؤه بالتاليب ما لا يزيد عن 450 ليرة، وهو أمر غير مقبول بالنسبة إلينا”.

وكانت المديرة العامة لوزارة الاقتصاد عليا عبّاس قد أعلنت في وقت سابق أن الوزير رائد خوري وافق على الطلب المصري، وعزت الأمر إلى “الانفتاح وتحسين العلاقات التجاريّة مع الخارج”، هذه الحجّة لاقت رفضا من قبل المزارعين كونها تضرب عرض الحائط بمصالحهم ومصالح مربّي الدواجن ومنتجي الحليب، خصوصا وأن وزارة الاقتصاد بذلت جهوداً حثيثة لإقناع الوزارات المعنيّة بهذه الخطوة، أي كلّ من وزارة الزراعة باعتبارها المعني المُباشر بكلّ ما له علاقة بهذ القطاع وتعدُّ موافقتها ضروريّة لإلغاء الاتفاقيّة، ووزارة الخارجيّة والمغتربين المعنيّة بالعلاقات الخارجيّة والثنائيّة والدبلوماسيّة.

 

امتيازات مجانيّة للجانب المصري

 

تشكّل الصادرات المصريّة إلى لبنان نحو 775 مليون دولار أميركي وهي لا تخضع لأية قيود، أما لبنان فيصدّر لبنان إلى جمهورية مصر العربية منتجات زراعيّة بقيمة 50 مليون دولار أميركي سنوياً، أي ما يساوي 1/13 من الميزان التجاري بين البلدين.

ومن هنا، يعدُّ إلغاء الاتفاقيّة بمثابة تقديم امتيازات مجانيّة للجانب المصري من دون مقابل، وهو أشبه بإعدام الزراعة اللبنانيّة، وتحديداً الإجاص، والتفاح، والحمضيّات، والزيتون، والعنب، وزيت الزيتون، والبطاطا، والحليب، والأجبان، والفروج على أنواعه، وبيض الدجاج، والموز، والكوسا، والبندورة، والخيار، والباذنجان (الممنوع استيرادها راهناً بموجب الاتفاقيّة)، كون السوق المحليّة ستُغرق بالمنتجات الأجنبيّة، مع فقدان أي قدرة على المنافسة

إن إلغاء الاتفاقيّة، بحسب وزارة الاقتصاد، سيحرّر التجارة ويلزمها باتفاقيّة التيسير العربيّة، متجاهلة فقدان عامل المنافسة نظراً إلى كون الأسعار منخفضة والكمّيات التي ستضخّ في السوق مُرتفعة، متذرعة بفرض قيود كميّة لحماية الإنتاج، وهو ما تدحضه التجارب السابقة.

ففي عام 2016، سمح وزير الزراعة آنذاك أكرم شهيب بدخول 12 ألف طن من البطاطا المصريّة، إضافة إلى الـ 50 ألف طن المتفق عليها بين البلدين، في آخر يوم من آذار (مارس) (وهو التاريخ المحدّد للاستيراد منعاً للمضاربة مع البطاطا المحليّة، التي يبدأ إنتاجها في عكار في منتصف نيسان/أبريل، وفي البقاع في منتصف حزيران/يونيو)، وهو ما أدّى إلى ضرب الموسم اللبناني وبيع كيلو البطاطا بـ 250 ليرة فقط. وكذلك حصل في عام 2008، عندما رفض وزير الاقتصاد آنذاك سامي حدّاد الالتزام بالروزنامة الزراعيّة للاستيراد من الدول العربيّة، ولم يلزم الجمارك بتطبيقها، ما أغرق السوق اللبنانيّة وأدّى إلى تلف المنتجات المحليّة.

استنادا إلى كل هذه المعطيات، وما تمثل من خطر داهم يهدّد الزراعة وهي القطاع الإنتاجي الأول في لبنان، جاء قرار إطلاق ثورة فلاحين لمواجهة أي تدبير يحرم المزارع من لقمة عيشه.

 

وزير الزراعة

 

وكان وزير الزراعة غازي زعيتر قد أكد أن من أولى واجبات وزارة الزراعة حماية الزراعة والمزارعين والانتاج الزراعي في البلد”، لافتاً إلى “اننا نعمل من أجل يكون لدينا اكتفاء ذاتي.

وقال زعيتر خلال استقباله رؤساء بلديات ومخاتير ووفودا من النقابات الزراعية والتعاونيات في البقاع ومربي الدواجن ومنتجي البيض ومزارعي التفاح والقمح: “نقوم بدارسة ولدينا خطة عمل لمساعدة المزارعين والزراعة وحماية الانتاج الزراعي الذي يعتبر من افضل الانتاج على صعيد المنطق”.

وعن موازنة الزراعة، قال زعيتر: “نحاول مع المنظمات الدولية تنفيذ عدة مشاريع تتعلق بالزراعة، وثمة مشكلة تعترض لبنان بشكل عام، ألا وهي عدد النازحين السورين في لبنان الذي يرتب على البلد مشكلة اقتصادية والدولة المانحة، التي يجب ان تساعد النازحين وضعت لبنان في آخر جدولها، بينما في بعض الدول الاخرى التي تستضيف عددا اقل من لبنان تقدّم للدول مساعدات كبيرة جدا، فيما حصة لبنان ضئيلة جدا ما يرتب على الدولة اللبنانية اعباء كبيرة لمساعدة النازحين، وهذا من واجبنا تجاه اخواننا السوريين على امل عودتهم الى بلدهم وتستقر اوضاعهم الامنية”، وأكد زعيتر “دعم القطاع الزراعي بكل اشكاله، بالتعاون بين النقابات والوزارة وحماية الزراعة، وتنظيم الاتفاقات مع الدول التي يتم معها التبادل التجاري الزراعي”.

 

الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية

 

وفي سياق متصل، اعتبر رئيس اللجنة الزراعية في إتحاد الغرف اللبنانية رفلي دبانة القطاع الزراعي ركيزة أساسية للأمن الإقتصادي والإجتماعي والغذائي في لبنان”، لافتاً إلى أن “إتحاد الغرف اللبنانية من زاوية القطاع الخاص كان على الدوام ولا يزال داعما اساسيا للقضايا المطلبية الحيوية لتنمية وتطوير وتحديث المنتج الزراعي، وزيادة تنافسيته وتنميته وتكبير حجمه في الإقتصاد الوطني”، وأشار إلى أن “القطاع العام كان لسنوات طوال غير مكترث الى شروط تحسين ظروف القطاع الزراعي، إلا أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تتغير صورة العلاقات إذ ترسخت عملية التشاور الدائم مع وزارة الزراعة، وهكذا بدأالإهتمام بالقطاع الزراعي بين القطاعين العام والخاص، وسيكون لدينا كاتحاد للغرف اللبنانية لقاءات دورية مع وزارة الزراعة للوقوف على المعوقات التي تعترض إنماء القطاع الزراعي والبحث المشترك في توليد الحلول المساعدة والملائمة”.

وشدد على أن يكون هناك “مجموعة اسس مركزية في مقاربة المسألة الزراعية اللبنانية أولها ضرورة التعاضد بين أفرقاء الإنتاج الزراعي، وثانيها المثابرة بجدية دائمة على متابعة وملاحقة القضايا التي تساعد على النهوض بالقطاع الزراعي، وثالثها الإعتماد على الكفاءات والإمكانيات والقدرات التي يمتلكها القطاع الخاص”.

وبالنسبة إلى ما يعاني منه القطاع الزراعي لا سيما على صعيد حركة نقل الصادرات عبر وسائل النقل البحري، أشار دبانة إلى أنه “يمكن البحث في تأسيس شركة من القطاع الخاص لتبني تقديم التسهيلات الممكنة والضرورية والملائمة لتطلعات المصدر اللبناني وبشكل خاص الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية”.

 

التعويض على مزارعي التفاح

 

تجدر الإشارة إلى أنه بالنسبة لتعويض خسائر موسم التفاح، والتي أقرتها الحكومة السابقة، وحددت المساعدة بخمسة آلاف ليرة عن كل صندوق سعة 20 كيلوغرام على أن تدفع مباشرة للمزارعين، بعد موافقة مجلس الوزراء على إعطاء سلفة خزينة قدرها 40 مليار ليرة لبنانية توضع بتصرف الهيئة العليا للاغاثة لهذه الغاية. وتم وضع آلية للكشف يتولاها الجيش اللبناني الذي قام بمسح شمل كل لبنان للتعويض على مزارعي التفاح في كل المناطق اللبنانية من دون أي استثناء، وبإشراف وزارة الزراعة.

وأشار وزير الزراعة السابق أكرم شهيب إلى أن هذه الخطوة “تأتي استكمالا لهذا الملف، وترفع قيادة الجيش نتيجة المسح الذي تم بشكل دقيق وبكفاءة وجدارة عالية، ومن خلال هذا المسح تبين أن قيمة التعويضات بلغت تقريا 54 مليار ليرة لبنانية، أي زيادة ما قيمته 15 مليار ليرة عن قرار مجلس الوزراء، وهذه الزيادة أتت بسبب الكشف الذي شمل صغار المزارعين الذين لديهم ما بين 50 و 100 شجرة، وهذا كان أمرا ضروريا لإنصاف المزارعين من دون أي تمييز بين كبار المزارعين وصغارهم على حد سواء”.

وبحسب شهيب، فإنه “بناء على ذلك، وتسهيلا للحل والتزاما بقرار مجلس الوزراء قد يكون حسم حوالي 25 بالمئة من قيمة التعويض عن كل صندوق لتغطية كل مزارعي لبنان تحت سقف الـ40  مليار (قرار مجلس الوزراء)، بحيث لا يقل التعويض عن 4000 آلاف ليرة بدلا من 5000 آلاف ليرة”.

 

جعجعة ولا طحين

 

في مقارنة مع وجع المزارع، وتوجهات المسؤولين، نجد أن القطاع الزراعي ما يزال عرضة لمشكلات لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها، فالمطلوب “ثورة” إيجابية، بمعنى أن تظل مطالب المزارعين حاضرة كمهمة يومية، خصوصا وأن معظم المسؤولين لم يتجاوزا دائرة التمني، فيما المطلوب العمل على كافة الصعد، خصوصا وأن المشكلات تتراكم من موسم لآخر، من أزمة تصريف الموز والحمضيات، إلى قطاع تربية الأبقار المهدد بكوارث إذا لم تبادر الدولة إلى حماية الإنتاج، إلى قطاع الدواجن، وقطاع الأزهار والشتول، فضلا عن أن الدولة مدعوة لتكون العين الساهرة على هذا القطاع، ولحظ متطلباته، وغير ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع.

وما نراه اليوم، رغم بعض التدابير الخجولة، لا يرتقي إلى حجم الكارثة، مع تراجع القطاع عاما بعد عام، وهروب الكثيرين منه نحو قطاعات أخرى أو الهجرة بحثا عن لقمة عيش حرة كريمة.

ما هو قائم اليوم، يصح فيه القول العربي المأثور: “نسمع جعجعةً ولا نرى طحينا

Share This

Share This

Share this post with your friends!