كي لا يكون الرقم وجهة نظر

على الرغم من التراجع الكبير في حالة “البرية اللبنانية” عما كانت عليه عبر التاريخ حين كانت الغابات تغطي ٧٤٪ من مساحة لبنان تجول بها مئات أنواع الحيوانات وفي مقدمها اللواحم من الثدييات فيما كانت العديد من مناطقه غابات كثيفة متصلة، حينها كانت البيئة في أفضل حالات الصحة والتوازن. فيما لا تتجاوز النسبة اليوم ١٣٪ بالإضافة إلى ١٠٪ أراضٍ حرجية أخرى بما يشكل إجمالي ٢٣٪[1]، لا زالت هذه تتمتع بالكثير من الخصائص سواء في تنوعها وغناها البيولوجي أو في نسبة المساحة الحرجية للمساحة الإجمالية لسطح البلد.

لقد أسهم موقع لبنان المتوسطي وتنوع تضاريسه وإختلاف مناخه في تشكيل نظم بيئية متعددة، وهو ما يفسر التنوع والوفرة البيولوجية التي يتمتع بها. فمساحته الصغيرة التي تعادل ٠,٠٠٧من مساحة سطح اليابسة، تعد موطناً ل ١,١١٪ من نباتات الكوكب و٢,٦٣٪ من ثديياته والزواحف والطيور. فيما يشكل بحره موطناً لأكثر من ١٧٩٠ نوعاً مختلفاً تمثل ٢,٧٪ من الحيوانات البحرية.[2]

هي خلاصة غير مكتملة لعدد أكبر من الأنواع المتوقعة والتي لم يجر تحديدها أو تصنيفها بعد. وقد حدد التقرير الوطني الخامس إلى معاهدة التنوع البيولوجي هدفاً من ضمن عدة أهداف بحلول ٢٠٣٠، في إطار مراجعة وتقييم وتحديث الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي للعام ١٩٩٨، تحديد وضع ٧٥٪ من الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة، وتطبيق تدابير المحافظة على ٥٠٪ من الأنواع المهددة.

تعد هذه الأرقام والنسب مؤشراً شديد الدلالة على حيوية مذهلة تتمتع بها الحياة البرية في لبنان بالمقارنة مع ما تعرضت له، ولم تزل. سواء بسبب التمدد العمراني وسط غياب المخططات التوجيهية المستدامة، والذي يعد العامل الرئيسي في تراجع الموائل الطبيعية [3]،  ضمن عوامل أخرى من التدخل البشري منها الحرائق الكارثية وقطع الأشجار والرعي الجائر والصيد العبثي والتلوث المتعدد. وقد تفاقمت قضية التلوث في ظل التخبط السائد في التعامل مع أزمة النفايات وإعتماد سياسة “المطامر” غير المستدامة والتي لا تراعي الخصوصيات البيئية للمحيط في مخالفة صريحة للاتفاقيات الدولية الموقع عليها لبنان من بينها إتفاقية التنوع البيولوجي وإتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وغيرها من الإتفاقيات الإقليمية والدولية والمشاريع التي إنخرط لبنان بها حماية للبيئة والتنوع البيولوجي، وهو ما خلف وسيخلف آثاراً خطيرة على البيئة والتنوع والتوزان البيولوجي.

لقد أسهم في إستفحال فوضى التمدد الاسمنتي، التعديات الواسعة على المشاعات والممتلكات العامة التي سادت في مناطق لبنانية من الجنوب إلى الشمال وبعض مناطق البقاع وجبل لبنان، وتلك التي طالت الشاطئ اللبناني على مراحل مختلفة، وقضت على مساحات واسعة من البرية وقطعت أوصالها. تماماً كما أدت الطرق التي شقت من غير كبير حاجة أو تقييم للأثر البيئي وخلافاً لقانون المحافظة على الثروات الحرجية ٨٥/١٩٩١ والصادر عن المجلس النيابي تحت قانون حماية الغابات ٥٥٨/١٩٩٦ وكذلك قانون حماية البيئة ٤٤٤/٢٠٠١.

لقد أدت هذه الفوضى إلى تقويض العديد من الموائل المختلفة البرية والبحرية والمياه العذبة والأراضي الرطبة، بدرجة غير مسبوقة في حجمها حتى بالمقارنة مع مرحلتين شهدتا تدهوراً كبيراً في إيكولوجيا البلاد: أبان الحرب الداخلية، وبدرجة أكبر خلال فترة الاحتلال والتعديات الإسرائيلية المتواصلة التي تضمنت حرق وجرف لمساحات حرجية واسعة، وتفجير مغاور طبيعية وتحويل مجاري ينابيع، فضلاً عن سياسة زراعة الأراضي بحقول الألغام. والتي وإن أدت إلى قتل وإصابة عشرات المدنيين، فهي أدت خلال ربع قرن إلى قتل آلاف الحيوانات البرية (والماشية) وأثرت على حركتها وموائلها.

إن عملية إنحسار الموائل هذه إستغرقت فترة طويلة طالت عقود. وهو ما أدى إلى إخلال في النظم الإيكولوجية التي فقدت بعد عناصرها. إختلال لم تدرس آثاره بشكل وافٍ وعميق إلى اليوم لنقص في قاعدة البيانات وآليات تحصيلها من نظام مراقبة ووضع محاكاة للنظام البيئي والسلسلة الغذائية قبل وبعد وجمع المعطيات ومقارنتها. علماً أن هذه الآليات تطورت بشكل واضح منذ تقرير حالة التنوع عام ١٩٩٦. ومن الآثار التي ترتبت على تدهور الموائل وإختلال النظم الإيكولوجية هذه، التردي الذي أصاب جودة وقدرة التربة في مواجهة عوامل التعرية خاصة مع التغير المناخي وهو ما أسهم في ظاهرة التصحر وتراجع كميات المياه وجودتها. وهو ما كان له الأثر الأساسي على أنماط الحياة في المجتمعات المحلية وعلى نوعية وإنتاجية الزراعات فيها.

وفي قراءة لواقع التنوع البيولوجي في لبنان اليوم، نقف إزاء مشهد متناقض، فمن جهة ما تزال الحياة البرية تتمتع بحيوية لافتة وخاصة في المناطق التي تقل بها نسبة الأنشطة البشرية، وهي مساحة آخذة بالتآكل، وكذلك في المحميات الطبيعية التي تحتل اليوم 2.7% من مساحة البلاد. بالمقابل تتواصل كل أسباب تدهورها مع تفاقم التعديات بما يقوض المساحات الحرجية والبرية المتبقية بحيث باتت أشبه بجزر مبعثرة وسط بحر إسمنتي متمدد.

التنوع البيولوجي النباتي والحيواني

يشير التقرير الوطني الخامس للبنان إلى إتفاقية التنوع البيولوجي آب ٢٠١٥ الذي يستعيد معطيات تقرير البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠[4]، إلى وجود ٩,١١٩ صنف من النباتات والحيوانات موزعة بالتساوي تقريباً: ٤٦٣٣ نباتي و٤٤٨٦ حيواني. ويتوزع هذا التنوع على مجالات بيئية رئيسية ثلاث: برٌ  وبحر ومياه عذبة. [5]

وقد أحصى العالمان اللبنانيان جورج وهنريت طعمة  ٢٦١٢ نبتة عملا على تصنيفها طوال إثنا عشر عاماً في كتابهما المرجعي المصور[6]،  منها ما نسبته ١٢٪ من الأنواع المتفردة، فيما إختفى ما لا يقل عن ٩٣ نوعاً بما فيها ١٣ نوعاً متفرداً في حين إنضم ١٣ نوعاً جديداً ، إثنتان منها عدتا مؤشرات على الملوحة والتصحر.[7]

ووفق تقييم ٢٠١٠، يبلغ معدل إزالة الغابات سنوياً ٠,٤ ٪ من مجمل المساحات الحرجية البالغة ٢٣ ٪(١٣٪ غابات و١٠٪ أراض حرجية) وتحتل غابات السنديان ٥٢،٤٢٪ من المساحة الغطاء الحرجي والصنوبر ١٤،٩١٪ و في حين يغطي الأرز ٠،٨٣٪ والشوح ١،٧٦٪ وتمثل الغابات المختلطة ١٧،٩٨٪.

على مستوى التنوع الحيواني، فإن من بين ٦١ نوعاً من الثدييات البرية المسجلة في لبنان، إنقرض عشرة منها في بداية القرن العشرين من بينها الدب السوري الذي ذكر أنه شوهد على السلسلة الشرقية مؤخراً والنمر الأرقط الآسيوي والفهد الصياد والماعز البري والغزال العربي وغيرها، فيما يعد ٣١٪ من الثدييات اليوم في وضع “نادرة” و٢٠٪ “معرضة للخطر” و٧،٥٪ “على وشك الإنقراض”.

وتغيب عن التقارير البيانات الواضحة حول وضع اللواحم التي لا زالت تتواجد في البرية اللبنانية وتواجه خطر الانقراض مثل الذئاب (بالأخص الرمادية والذئب العربي)، الضباع المخططة وبنات آوى الذهبية والثعالب الحمراء والغرير وغيره وإن بدرجات متفاوتة. وليس واقع الطيور أفضل حالاً، فمن أصل ٣٩٤ نوعاً إختفى منها إثنان (طائر الخرشنة المتوجة والوروار أزرق الخد) فيما ٦،٣٪ منها مهدد و٣٢٪ نادر وفقاً للقائمة الحمراء لدى الإتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة (IUCN) للعام ٢٠٠٧ وتشمل نوعين مهددين بالإنقراض، و8 أنواع معرضة للخطر وعشرة أنواع أخرى قريبة من التهديد.[8] ويواجه التنوع البيولوجي في المياه العذبة والبحري تحديات لا تقل خطورة حيث جرى إبادة العديد من النظم الإيكولوجية المائية الداخلية بسبب الصيد المائي الجائر والتلوث والتعديات المستفحلة ويكرر التقرير الوطني الخامس ٢٠١٥ بيانات تقييم ١٩٩٦ بأن ٥٪ من حيوانات المياه العذبة معرضة للتهديد، ومن بين ٢٥ نوعاً من الأسماك هناك نوع ضعيف الوجود وثلاثة معرضة للخطر ونوعين مهددين بالانقراض. [9]

إزاء واقع التنوع البيولوجي هذا في لبنان، ما هو واقعه جنوباً.

جبل عاملة.. الهضبة

يتوزع التنوع البيولوجي في لبنان على خمس مناطق جيومورفولوجية: الساحل، سلسلة جبال لبنان الغربية، سهل البقاع، سلسلة جبال لبنان الشرقية والتي تصل إلى جبل حرمون جنوباً، والجنوب. ويلعب حرمون  فضلاً عن فرادة تنوعه البيولوجي والذي يضم العديد من الأنواع المتفردة (تم فرز أكثر من مئة صنف خاص بجبل الشيخ وسلسلة جبال لبنان الشرقية)، في هذا التشكيل، دوراً حيوياً في تجميع مياه الأمطار ورفد الخزانات الجوفية التي بدورها ترفد الينابيع المنتشرة على منحدرات ونواحي الجبل في لبنان وسوريا وفلسطين.

أما الجنوب ومنطقة جبل عامل، فتتشكل من هضبة مرتفعة تمتد على كامل المنطقة، من جنوبي السلسلة الغربية وإلى الجليل الأعلى ومن منحدرات حرمون شرقاً وتنتهي عند الخط الساحلي غرباً. وتخضع لمناخ متوسطي إلى متوسطي قاري وشبه صحراويLower Mediterranean zone(Thermomediteranean) – Eumediterranean zone [10]

Figure 1Fourth National Report of Lebanon to the convention on Biological Diversity, July 2009

 

وعلى الرغم من أن المنطقة كانت، كباقي المناطق اللبنانية ذات كثافة حرجية، تظهر أرقام وزارة الزراعة للعام ٢٠٠٣ أن نسبة حجم الغابات في الجنوب قدر تراجع بشكل كبير بحيث لا تتجاوز نسبة الغابات والمناطق الحرجية فيه  ١٥٪ (٩٪ في محافظة الجنوب و٦٪ في محافظة النبطية)[11]من إجمالي غابات وأحراج لبنان متوزعة على المناطق مع نسبة في أقضية جزين وحاصبيا (والبقاع الغربي) متأثرة بمجالات السلسلة الغربية والشرقية (حرمون).

أما على مستوى جبال عاملة فتتركز الأحراج في موقعين رئيسيين مجرى الليطاني –وادي الحجير ومنطقة جنوبي- شرق صور- بنت جبيل بإتجاه الجليل الأعلى وتعد الأكثر كثافة في هذا المحيط. حيث يحتل وادي العزية- زبقين وشعابه الممتدة على أكثر من ١٦كلم ، إلى ياطر ورامية والحاصباني وشيحين وبيت ليف ووادي العيون ومجدل زون حيز أساسي منها وهو ما يقدر بأكثر من 20 كلم مربع . كما وتنتشر الأحراج بالتوازي مع شعاب الوادي حتى الحدود مع فلسطين.

وساحلاً،  تشكل الشواطئ من عدلون إلى الناقورة أهم مناطق تنوع الشاطئي والبحري على الساحل اللبناني وتضم مواقع تعشيش السلاحف البحرية المهددة بالإنقراض وفق قائمة IUCN وهناك حالياً محمية شاطئ صور (قانون ٧٠٨/ ٥ ت٢ ١٩٩٨) ومقترح مقدم لمحمية في عدلون (الجنوبيون الخضر) وأخرى في الناقورة ضمن برنامج وزارة البيئة، بالإضافة إلى حمى شاطئ السلاحف البحرية الناشط في المنصوري بإدارة برنامج البيت البرتقالي.

Figure 2البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠

 

مميزات الغابة

تمتاز أحراج وادي زبقين بالتواصل وبالسعة بقطر يتجاوز، في بعض المواقع، ٣.٦ كلم من المناطق الحرجية. وهي خصائص غير متوافرة في أي موقع آخر من جبل عامل بما في ذلك محمية وادي الحجير (قانون ١٢١، ٢٣ تموز ٢٠١٠) التي على الرغم من مساحتها الكبيرة (٣،٥٩٥ هكتار) باتت مقطعة الأوصال بالطرق الإسفلتية التي بلغت إحدى عشر طريقاً، فيما تستمر أعمال الإنشاءات على جانبيها (بما في ذلك محطة وقود) وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في نظم المحمية البيئية خاصة مع زيادة نسبة التلوث التي تتسب به الطرق سواء في الهواء او على التربة أو على الأشجار وكذلك التلوث الصوتي الذي يربك أنواعاُ عدة من الحيوانات ويؤثر على سلوكها وبالتالي على إستقرارها وتوازن النظام البيئي. هذا فضلاً عما سجل السنة الماضية من نشاط لكسارات على أطراف المحمية وضمن المنطقة العازلة التي حددها قانون المحميات ب٥٠٠ متر. فيما تحتل المحميات الطبيعية الأخرى في رامية وبيت ليف ودبل وكفرا مساحات أصغر (٢٠ هكتار، ٢٠ هكتار، ٢٥ هكتار، ٤٠ هكتار على التوالي) وتعد أحراج رامية وبيت ليف إمتداد للوادي الطبيعي.

بالإضافة إلى الكثافة الحرجية، يمتاز الوادي بالتنوع البيولوجي النباتي وهو ما وفر تنوعاً أوسع في بيولوجيا الوادي الحيوانية. ومن بين مئات الأصناف والتي تحتاج إلى دراسة مستفيضة. ومن بين هذه الأنواع : البطم (الذي يعمر حتى ألف عام وأكتسبت المنطقة أسمه) والسنديان حيث يضم الوادي آخر غابات الصنوبر في المنطقة، والصنوبر والخرنوب وغيرها من الأنواع والتي تشكل بقايا الغابات القديمة التي غطت الأراضي منذ مليوني عام قبل أن تجتاح الشجيرات الباردة الحوض المتوسط ومن ضمنه لبنان. [12]

 

 

العيون

وزاد من تنوع الوادي بيولوجياً وفرة الينابيع أهمها (من الشرق إلى الغرب): نبع العزية، نبع النفخة، نبع العتمة، عين القصب، نبع الدلافة، نبع عين التينة نبع التنور ( الصالحاني). والتي ترفد جداول يمتد بعضها لعشرات الأمتار وعلى مدار العام ويرتفع منسوبها شتاءً. كما يرفد بعض هذه الينابيع السيول التي تجري أسفل الوادي والتي يجري بعضها من نواحي رميش مروراً بعيتا الشعب ثم دبل ووادي العيون قبل أن تمر ببيت ليف ثم وادي زبقين لتشكل مسيلاً موسمياً يقارب١٢-٢٠ متراً عرضاً ويغمر الوادي بعمق يزيد عن ٣٠ سنتم تقريباً (كان يبلغ أحياناً أكثر من متر عمق) وهو في ذلك أهم مسيل شتوي موسمي في المنطقة. إلا أن هذا الدفق الموسمي تراجع كثيراً في السنوات الماضية لأسباب عدة منها محلي وآخر يتعلق بالتغير المناخي.

ويتميز النظام البيئي للنبع والجدول وهو يعد الأكثر تعقيداً بنية وتنوعاً بين النظم البيئية، والأكثر حساسية وعرضة للتهديد والمؤشر الأهم على صحة المحيط البيئي الأوسع (في هذه الحالة الوادي ككل). كما أن التنوع البيولوجي للمياه العذبة هو الأكثر تأثراً في لبنان من بين النظم الأخرى حيث تشكل الأنواع النباتية فيه ٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي النباتي والأنواع الحيوانية ١٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي الحيواني.[13]

وتلعب الينابيع، مهما كان حجمها صغيراً، دوراً أساسياً في إغناء التنوع الحيوي. حيث تشكل مصدراً لتنوع نباتي والذي يوفر المستوى الأول من السلسلة الغذائية للنظم الحيوية والتي يعلوها أصناف الحيوانات  العاشبة ومن ثم الحيوانات اللاحمة. وهي تعد عاملاً أساسياً لإستقرار العديد من الحيوانات والطيور والزواحف والبرمائيات في محيطها فضلاً عن إعتماد بعضها على وجوده بالكامل عليها (الأسماك، البرمائيات، الطفيليات المائية وحشرات الماء ..). وهذه بدورها تتوزع على مستويات السلسلة الغذائية للنظم البيئية التي سبق ذكرها. فمن دون المياه تتقلص قائمة النباتات ومعها تنوع وغنى مستويات السلسلة الغذائية الأخرى وهو ما يحدد تنوع وإستدامة النظام البيئي للموقع.

وعلى الرغم من التلوث الذي يلحقه به الزوار، يعيش حالياً في الجدول وعلى ضفافه عشرات أنواع النباتات أهمها أشجار دلفى والعديد من أصناف الحيوانات والبرمائيات والزواحف وبعض الأسماك والطيور والتي تعتاش على الطفيليات والقشريات الصغيرة والحشرات المائية ومن بين تلك أصناف من سلاحف المياه العذبة وحنكليس نهري وأصناف الضفادع وسرطانات المياه العذبة.

 

المُغر

كذلك يزيد من تنوع وخصوصية الوادي إنتشار المُغر، وهي التي توفر خاصية إضافية للنظام الحيوي للوادي. فالمُغر، بالإضافة إلى تمتعها بنظامها البيئي الخاص كما توفر، بالإستناد إلى عمقها وقدمها، فرصة فريدة بالتعرف على أقدم أصناف الحياة القائمة او المحفوظة في الموقع. وبعض هذه المُغر يقارب ٢٥ متراً عرضاً وعمق ٣٥ متراً وإرتفاع ١٠ أمتار (عند المدخل) كما هو حال مغارة النفخة، ومغر الصالحاني المتقاربة التي تبلغ عشرون حيث يتكاثر الحمام البري والخفافيش وتأوي العديد من الأصناف الحيوانية الأخرى.

 

الحيوانات اللاحمة

لقد شكل وادي زبقين، بهذه الخصائص، نظاماً بيئياً غنياً ومتنوعاً فريداً في هذا المجال الجيولوجي المتمايز من لبنان، وفر ملاذاً لمئات أنواع النباتات والأشجار والتي إندثرت في العديد من المناطق والتي شكلت المستوى الأول النباتي للنظام البيئي وهو ما أتاح إنتعاش المستوى الثاني المستهلك من الحيوانات العاشبة وأتاح وجود المستوى الثالث للنظام البيئي وسلسلته الغذائية الا وهو الحيوانات المفترسة من اللواحم وربما المستوى الرابع، وهو أيضا من اللواحم ولكن الكبيرة التي لا يعلوها مستوى آخر وتتربع على سلم الشبكة الغذائية والنظام البيئي.

إن هذا الغطاء الحرجي الذي يتمتع به الوادي، وإنما يدين إلى هذه العناصر مجتمعة: التربة والمياه والمناخ واللواحم، رأس النظم البيئية وحافظة توازنها، فضلاً عن محدودية التدخل البشري والتعديات (بإستثناء الرعي الذي خلف أضراراً غير محددة)، حتى اليوم. خاصة أن هذه الحيوانات اللاحمة جوالة وتحتاج إلى منطقة متصلة من البرية تتخذ منها أوكاراً وتحدد فيها “مناطقها” التي تصل إلى عدة كيلومترات تتحدد وفق توافر الغذاء والطرائد.

ومن بين تلك الحيوانات: الضباع المخططة،الثعالب الحمراء ،النيص، الخنازيرالبرية، الغرير،القطط البرية ، إين آوى الذهبي، الطبسون أو الوبر الصخري وغيرها من الأصناف. بالإضافة إلى عشرات أصناف الطيور منها:الباشق وصقر الشاهين وعقاب أسفع الكبير وأصناف من البوم والحمام البري واليمام بالإضافة إلى الخفافيش على ما سبقت الإشارة.

وفي حال تأكد ما ذكره شهود عن وجود الذئاب في الوادي (لا يمكن تأكيده وإن كان محتمل)، فإن ذلك يجعل وادي زبقين أحد المواقع الفريدة في لبنان التي تتمتع بها النظم البيئية بمستويات أربع، تشكل الذئاب رأسها  Apex predator    . وهي تعد من أغنى النظم البيئية وأكثرها تنوعاً ليس في لبنان وحسب بل في المنطقة والحوض المتوسطي.

لإعلان وادي زبقين محمية طبيعية

اليوم تشكل أحراج وادي زبقين وشعابه، بما تقدم، آخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل بعدما إلتهم التمدد العمراني والمخططات غير المستدامة والتعديات على المشاعات والحرائق وحول مساحات شاسعة من الجنوب إلى مناطق جرداء الكامل. بل ان الوادي يشكل بحق الذاكرة البيولوجية لجبل عامل والتي يجدر حمايتها والحفاظ عليها في مقدمة لدراسة مستفيضة لهذا التنوع تفيد حفظه وإعادة توطينه في المناطق الجرداء والمتصحرة من الجنوب والمناطق اللبنانية الأخرى.

اليوم يشكل حماية الوادي وإعلانه محمية طبيعية ضرورة وطنية وبيئية وصحية واقتصادية فضلاً عن أنه في متن السياسات البيئية الزراعية الحافظة للتنوع البيولوجي في لبنان والتي ينص عليها القانون سواء قانون حماية المناظر والمواقع الطبيعية (٨/٧/١٩٣٩) أو قانون المحافظة على الثروة الحرجية والأحراج (قانون ٨٥ /١٩٩١) وقانون حماية الغابات (٥٥٨ بتاريخ ٢٤/٧/١٩٩٦) فضلاً عن أن حمايته هو مسؤولية وطنية وأخلاقية بالدرجة الأولى.

لقد سبق لجمعية الجنوبيون الخضر قد تقدمت بمطالعة مرفقة بإقتراح لدى البلديات المعنية ونواب المنطقة بإعلان الوادي محمية طبيعية وهو ما يفيد حيوية وصحة كامل المحيط ويؤسس لفهم أفضل وأعمق للتنوع البيولوجي لكامل المنطقة ويؤسس لتنمية مستدامة ويطلق لاقتصاديات محلية تفيد من السياحة البيئة والزراعات البيولوجية التي توجه بها الدراسات التي توفرها المحمية ومختبراتها. ويسهم حماية الوادي بفتح الطريق أمام السياحة البيئية  التي تعتبر اليوم أكثر قطاعات التنمية المحلية الإنتاجية نماءاً وأكثرها إستدامة وفائدة للمجتمعات المحلية.

خلاف ذلك، فإن الحديث عن طريق إسفلت يشق الوادي ليقرب المسافات بين البلدات والخط الساحلي هو بمثابة الكارثة الطبيعية والبيئية والإقتصادية والتي ستقضي على كل ما ورد أنفاً من خصوصيات تجعل منه أخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل فضلاً عن القضاء على فرصة أخيرة للتأسيس لتنمية مستدامة تقوم على حفظ الموارد والإستثمار في نمائها. كما يقضي على فرصة إستعادة هذا التنوع في باقي مناطق الجنوب.

 

 

د. هشام يونس

باحث وأكاديمي

رئيس جمعية الجنوبيون الخضر

[1] Food and Agriculture Organization of the United Nation, 2010, Global Forest Recourses Assessment, 2010.

[2] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.

[3] BCS(1996)- Biodiversity Country Study (MoA/ UNEP/GEF, 1996).

[4] MOE/GEF/UNDP, FNRCBD, 2009, Ministry of Environment-Lebanon. 2009. Fourth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, July 2009. كذلك: Fifth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, August 2015.

[5] MoA/UNEP, 1996.

[6] Tohme G. & H.(2013), Illustrated Flora of Lebanon, Beirut: CNRS publication.

[7]  MOE/UNDP/ECODIT,2010.

[8] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.

[9] MOE/UNDP/ECODIT )2010(.

[10] MOE/GEF/UNDP, FORTH NRLCBD, July 2009.

[11] MOA (2003). National Action Program to Combat Desertification, Beirut, Lebanon.

MOA/UNEP/GEF, 1996

[12] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.p.130.

[13] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.p.17.

على الرغم من التراجع الكبير في حالة “البرية اللبنانية” عما كانت عليه عبر التاريخ حين كانت الغابات تغطي ٧٤٪ من مساحة لبنان تجول بها مئات أنواع الحيوانات وفي مقدمها اللواحم من الثدييات فيما كانت العديد من مناطقه غابات كثيفة متصلة، حينها كانت البيئة في أفضل حالات الصحة والتوازن. فيما لا تتجاوز النسبة اليوم ١٣٪ بالإضافة إلى ١٠٪ أراضٍ حرجية أخرى بما يشكل إجمالي ٢٣٪[1]، لا زالت هذه تتمتع بالكثير من الخصائص سواء في تنوعها وغناها البيولوجي أو في نسبة المساحة الحرجية للمساحة الإجمالية لسطح البلد.

لقد أسهم موقع لبنان المتوسطي وتنوع تضاريسه وإختلاف مناخه في تشكيل نظم بيئية متعددة، وهو ما يفسر التنوع والوفرة البيولوجية التي يتمتع بها. فمساحته الصغيرة التي تعادل ٠,٠٠٧من مساحة سطح اليابسة، تعد موطناً ل ١,١١٪ من نباتات الكوكب و٢,٦٣٪ من ثديياته والزواحف والطيور. فيما يشكل بحره موطناً لأكثر من ١٧٩٠ نوعاً مختلفاً تمثل ٢,٧٪ من الحيوانات البحرية.[2]

هي خلاصة غير مكتملة لعدد أكبر من الأنواع المتوقعة والتي لم يجر تحديدها أو تصنيفها بعد. وقد حدد التقرير الوطني الخامس إلى معاهدة التنوع البيولوجي هدفاً من ضمن عدة أهداف بحلول ٢٠٣٠، في إطار مراجعة وتقييم وتحديث الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي للعام ١٩٩٨، تحديد وضع ٧٥٪ من الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة، وتطبيق تدابير المحافظة على ٥٠٪ من الأنواع المهددة.

تعد هذه الأرقام والنسب مؤشراً شديد الدلالة على حيوية مذهلة تتمتع بها الحياة البرية في لبنان بالمقارنة مع ما تعرضت له، ولم تزل. سواء بسبب التمدد العمراني وسط غياب المخططات التوجيهية المستدامة، والذي يعد العامل الرئيسي في تراجع الموائل الطبيعية [3]،  ضمن عوامل أخرى من التدخل البشري منها الحرائق الكارثية وقطع الأشجار والرعي الجائر والصيد العبثي والتلوث المتعدد. وقد تفاقمت قضية التلوث في ظل التخبط السائد في التعامل مع أزمة النفايات وإعتماد سياسة “المطامر” غير المستدامة والتي لا تراعي الخصوصيات البيئية للمحيط في مخالفة صريحة للاتفاقيات الدولية الموقع عليها لبنان من بينها إتفاقية التنوع البيولوجي وإتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وغيرها من الإتفاقيات الإقليمية والدولية والمشاريع التي إنخرط لبنان بها حماية للبيئة والتنوع البيولوجي، وهو ما خلف وسيخلف آثاراً خطيرة على البيئة والتنوع والتوزان البيولوجي.

لقد أسهم في إستفحال فوضى التمدد الاسمنتي، التعديات الواسعة على المشاعات والممتلكات العامة التي سادت في مناطق لبنانية من الجنوب إلى الشمال وبعض مناطق البقاع وجبل لبنان، وتلك التي طالت الشاطئ اللبناني على مراحل مختلفة، وقضت على مساحات واسعة من البرية وقطعت أوصالها. تماماً كما أدت الطرق التي شقت من غير كبير حاجة أو تقييم للأثر البيئي وخلافاً لقانون المحافظة على الثروات الحرجية ٨٥/١٩٩١ والصادر عن المجلس النيابي تحت قانون حماية الغابات ٥٥٨/١٩٩٦ وكذلك قانون حماية البيئة ٤٤٤/٢٠٠١.

لقد أدت هذه الفوضى إلى تقويض العديد من الموائل المختلفة البرية والبحرية والمياه العذبة والأراضي الرطبة، بدرجة غير مسبوقة في حجمها حتى بالمقارنة مع مرحلتين شهدتا تدهوراً كبيراً في إيكولوجيا البلاد: أبان الحرب الداخلية، وبدرجة أكبر خلال فترة الاحتلال والتعديات الإسرائيلية المتواصلة التي تضمنت حرق وجرف لمساحات حرجية واسعة، وتفجير مغاور طبيعية وتحويل مجاري ينابيع، فضلاً عن سياسة زراعة الأراضي بحقول الألغام. والتي وإن أدت إلى قتل وإصابة عشرات المدنيين، فهي أدت خلال ربع قرن إلى قتل آلاف الحيوانات البرية (والماشية) وأثرت على حركتها وموائلها.

إن عملية إنحسار الموائل هذه إستغرقت فترة طويلة طالت عقود. وهو ما أدى إلى إخلال في النظم الإيكولوجية التي فقدت بعد عناصرها. إختلال لم تدرس آثاره بشكل وافٍ وعميق إلى اليوم لنقص في قاعدة البيانات وآليات تحصيلها من نظام مراقبة ووضع محاكاة للنظام البيئي والسلسلة الغذائية قبل وبعد وجمع المعطيات ومقارنتها. علماً أن هذه الآليات تطورت بشكل واضح منذ تقرير حالة التنوع عام ١٩٩٦. ومن الآثار التي ترتبت على تدهور الموائل وإختلال النظم الإيكولوجية هذه، التردي الذي أصاب جودة وقدرة التربة في مواجهة عوامل التعرية خاصة مع التغير المناخي وهو ما أسهم في ظاهرة التصحر وتراجع كميات المياه وجودتها. وهو ما كان له الأثر الأساسي على أنماط الحياة في المجتمعات المحلية وعلى نوعية وإنتاجية الزراعات فيها.

وفي قراءة لواقع التنوع البيولوجي في لبنان اليوم، نقف إزاء مشهد متناقض، فمن جهة ما تزال الحياة البرية تتمتع بحيوية لافتة وخاصة في المناطق التي تقل بها نسبة الأنشطة البشرية، وهي مساحة آخذة بالتآكل، وكذلك في المحميات الطبيعية التي تحتل اليوم 2.7% من مساحة البلاد. بالمقابل تتواصل كل أسباب تدهورها مع تفاقم التعديات بما يقوض المساحات الحرجية والبرية المتبقية بحيث باتت أشبه بجزر مبعثرة وسط بحر إسمنتي متمدد.

التنوع البيولوجي النباتي والحيواني

يشير التقرير الوطني الخامس للبنان إلى إتفاقية التنوع البيولوجي آب ٢٠١٥ الذي يستعيد معطيات تقرير البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠[4]، إلى وجود ٩,١١٩ صنف من النباتات والحيوانات موزعة بالتساوي تقريباً: ٤٦٣٣ نباتي و٤٤٨٦ حيواني. ويتوزع هذا التنوع على مجالات بيئية رئيسية ثلاث: برٌ  وبحر ومياه عذبة. [5]

وقد أحصى العالمان اللبنانيان جورج وهنريت طعمة  ٢٦١٢ نبتة عملا على تصنيفها طوال إثنا عشر عاماً في كتابهما المرجعي المصور[6]،  منها ما نسبته ١٢٪ من الأنواع المتفردة، فيما إختفى ما لا يقل عن ٩٣ نوعاً بما فيها ١٣ نوعاً متفرداً في حين إنضم ١٣ نوعاً جديداً ، إثنتان منها عدتا مؤشرات على الملوحة والتصحر.[7]

ووفق تقييم ٢٠١٠، يبلغ معدل إزالة الغابات سنوياً ٠,٤ ٪ من مجمل المساحات الحرجية البالغة ٢٣ ٪(١٣٪ غابات و١٠٪ أراض حرجية) وتحتل غابات السنديان ٥٢،٤٢٪ من المساحة الغطاء الحرجي والصنوبر ١٤،٩١٪ و في حين يغطي الأرز ٠،٨٣٪ والشوح ١،٧٦٪ وتمثل الغابات المختلطة ١٧،٩٨٪.

على مستوى التنوع الحيواني، فإن من بين ٦١ نوعاً من الثدييات البرية المسجلة في لبنان، إنقرض عشرة منها في بداية القرن العشرين من بينها الدب السوري الذي ذكر أنه شوهد على السلسلة الشرقية مؤخراً والنمر الأرقط الآسيوي والفهد الصياد والماعز البري والغزال العربي وغيرها، فيما يعد ٣١٪ من الثدييات اليوم في وضع “نادرة” و٢٠٪ “معرضة للخطر” و٧،٥٪ “على وشك الإنقراض”.

وتغيب عن التقارير البيانات الواضحة حول وضع اللواحم التي لا زالت تتواجد في البرية اللبنانية وتواجه خطر الانقراض مثل الذئاب (بالأخص الرمادية والذئب العربي)، الضباع المخططة وبنات آوى الذهبية والثعالب الحمراء والغرير وغيره وإن بدرجات متفاوتة. وليس واقع الطيور أفضل حالاً، فمن أصل ٣٩٤ نوعاً إختفى منها إثنان (طائر الخرشنة المتوجة والوروار أزرق الخد) فيما ٦،٣٪ منها مهدد و٣٢٪ نادر وفقاً للقائمة الحمراء لدى الإتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة (IUCN) للعام ٢٠٠٧ وتشمل نوعين مهددين بالإنقراض، و8 أنواع معرضة للخطر وعشرة أنواع أخرى قريبة من التهديد.[8] ويواجه التنوع البيولوجي في المياه العذبة والبحري تحديات لا تقل خطورة حيث جرى إبادة العديد من النظم الإيكولوجية المائية الداخلية بسبب الصيد المائي الجائر والتلوث والتعديات المستفحلة ويكرر التقرير الوطني الخامس ٢٠١٥ بيانات تقييم ١٩٩٦ بأن ٥٪ من حيوانات المياه العذبة معرضة للتهديد، ومن بين ٢٥ نوعاً من الأسماك هناك نوع ضعيف الوجود وثلاثة معرضة للخطر ونوعين مهددين بالانقراض. [9]

إزاء واقع التنوع البيولوجي هذا في لبنان، ما هو واقعه جنوباً.

جبل عاملة.. الهضبة

يتوزع التنوع البيولوجي في لبنان على خمس مناطق جيومورفولوجية: الساحل، سلسلة جبال لبنان الغربية، سهل البقاع، سلسلة جبال لبنان الشرقية والتي تصل إلى جبل حرمون جنوباً، والجنوب. ويلعب حرمون  فضلاً عن فرادة تنوعه البيولوجي والذي يضم العديد من الأنواع المتفردة (تم فرز أكثر من مئة صنف خاص بجبل الشيخ وسلسلة جبال لبنان الشرقية)، في هذا التشكيل، دوراً حيوياً في تجميع مياه الأمطار ورفد الخزانات الجوفية التي بدورها ترفد الينابيع المنتشرة على منحدرات ونواحي الجبل في لبنان وسوريا وفلسطين.

أما الجنوب ومنطقة جبل عامل، فتتشكل من هضبة مرتفعة تمتد على كامل المنطقة، من جنوبي السلسلة الغربية وإلى الجليل الأعلى ومن منحدرات حرمون شرقاً وتنتهي عند الخط الساحلي غرباً. وتخضع لمناخ متوسطي إلى متوسطي قاري وشبه صحراويLower Mediterranean zone(Thermomediteranean) – Eumediterranean zone [10]

Figure 1Fourth National Report of Lebanon to the convention on Biological Diversity, July 2009

 

وعلى الرغم من أن المنطقة كانت، كباقي المناطق اللبنانية ذات كثافة حرجية، تظهر أرقام وزارة الزراعة للعام ٢٠٠٣ أن نسبة حجم الغابات في الجنوب قدر تراجع بشكل كبير بحيث لا تتجاوز نسبة الغابات والمناطق الحرجية فيه  ١٥٪ (٩٪ في محافظة الجنوب و٦٪ في محافظة النبطية)[11]من إجمالي غابات وأحراج لبنان متوزعة على المناطق مع نسبة في أقضية جزين وحاصبيا (والبقاع الغربي) متأثرة بمجالات السلسلة الغربية والشرقية (حرمون).

أما على مستوى جبال عاملة فتتركز الأحراج في موقعين رئيسيين مجرى الليطاني –وادي الحجير ومنطقة جنوبي- شرق صور- بنت جبيل بإتجاه الجليل الأعلى وتعد الأكثر كثافة في هذا المحيط. حيث يحتل وادي العزية- زبقين وشعابه الممتدة على أكثر من ١٦كلم ، إلى ياطر ورامية والحاصباني وشيحين وبيت ليف ووادي العيون ومجدل زون حيز أساسي منها وهو ما يقدر بأكثر من 20 كلم مربع . كما وتنتشر الأحراج بالتوازي مع شعاب الوادي حتى الحدود مع فلسطين.

وساحلاً،  تشكل الشواطئ من عدلون إلى الناقورة أهم مناطق تنوع الشاطئي والبحري على الساحل اللبناني وتضم مواقع تعشيش السلاحف البحرية المهددة بالإنقراض وفق قائمة IUCN وهناك حالياً محمية شاطئ صور (قانون ٧٠٨/ ٥ ت٢ ١٩٩٨) ومقترح مقدم لمحمية في عدلون (الجنوبيون الخضر) وأخرى في الناقورة ضمن برنامج وزارة البيئة، بالإضافة إلى حمى شاطئ السلاحف البحرية الناشط في المنصوري بإدارة برنامج البيت البرتقالي.

Figure 2البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠

 

مميزات الغابة

تمتاز أحراج وادي زبقين بالتواصل وبالسعة بقطر يتجاوز، في بعض المواقع، ٣.٦ كلم من المناطق الحرجية. وهي خصائص غير متوافرة في أي موقع آخر من جبل عامل بما في ذلك محمية وادي الحجير (قانون ١٢١، ٢٣ تموز ٢٠١٠) التي على الرغم من مساحتها الكبيرة (٣،٥٩٥ هكتار) باتت مقطعة الأوصال بالطرق الإسفلتية التي بلغت إحدى عشر طريقاً، فيما تستمر أعمال الإنشاءات على جانبيها (بما في ذلك محطة وقود) وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في نظم المحمية البيئية خاصة مع زيادة نسبة التلوث التي تتسب به الطرق سواء في الهواء او على التربة أو على الأشجار وكذلك التلوث الصوتي الذي يربك أنواعاُ عدة من الحيوانات ويؤثر على سلوكها وبالتالي على إستقرارها وتوازن النظام البيئي. هذا فضلاً عما سجل السنة الماضية من نشاط لكسارات على أطراف المحمية وضمن المنطقة العازلة التي حددها قانون المحميات ب٥٠٠ متر. فيما تحتل المحميات الطبيعية الأخرى في رامية وبيت ليف ودبل وكفرا مساحات أصغر (٢٠ هكتار، ٢٠ هكتار، ٢٥ هكتار، ٤٠ هكتار على التوالي) وتعد أحراج رامية وبيت ليف إمتداد للوادي الطبيعي.

بالإضافة إلى الكثافة الحرجية، يمتاز الوادي بالتنوع البيولوجي النباتي وهو ما وفر تنوعاً أوسع في بيولوجيا الوادي الحيوانية. ومن بين مئات الأصناف والتي تحتاج إلى دراسة مستفيضة. ومن بين هذه الأنواع : البطم (الذي يعمر حتى ألف عام وأكتسبت المنطقة أسمه) والسنديان حيث يضم الوادي آخر غابات الصنوبر في المنطقة، والصنوبر والخرنوب وغيرها من الأنواع والتي تشكل بقايا الغابات القديمة التي غطت الأراضي منذ مليوني عام قبل أن تجتاح الشجيرات الباردة الحوض المتوسط ومن ضمنه لبنان. [12]

 

 

العيون

وزاد من تنوع الوادي بيولوجياً وفرة الينابيع أهمها (من الشرق إلى الغرب): نبع العزية، نبع النفخة، نبع العتمة، عين القصب، نبع الدلافة، نبع عين التينة نبع التنور ( الصالحاني). والتي ترفد جداول يمتد بعضها لعشرات الأمتار وعلى مدار العام ويرتفع منسوبها شتاءً. كما يرفد بعض هذه الينابيع السيول التي تجري أسفل الوادي والتي يجري بعضها من نواحي رميش مروراً بعيتا الشعب ثم دبل ووادي العيون قبل أن تمر ببيت ليف ثم وادي زبقين لتشكل مسيلاً موسمياً يقارب١٢-٢٠ متراً عرضاً ويغمر الوادي بعمق يزيد عن ٣٠ سنتم تقريباً (كان يبلغ أحياناً أكثر من متر عمق) وهو في ذلك أهم مسيل شتوي موسمي في المنطقة. إلا أن هذا الدفق الموسمي تراجع كثيراً في السنوات الماضية لأسباب عدة منها محلي وآخر يتعلق بالتغير المناخي.

ويتميز النظام البيئي للنبع والجدول وهو يعد الأكثر تعقيداً بنية وتنوعاً بين النظم البيئية، والأكثر حساسية وعرضة للتهديد والمؤشر الأهم على صحة المحيط البيئي الأوسع (في هذه الحالة الوادي ككل). كما أن التنوع البيولوجي للمياه العذبة هو الأكثر تأثراً في لبنان من بين النظم الأخرى حيث تشكل الأنواع النباتية فيه ٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي النباتي والأنواع الحيوانية ١٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي الحيواني.[13]

وتلعب الينابيع، مهما كان حجمها صغيراً، دوراً أساسياً في إغناء التنوع الحيوي. حيث تشكل مصدراً لتنوع نباتي والذي يوفر المستوى الأول من السلسلة الغذائية للنظم الحيوية والتي يعلوها أصناف الحيوانات  العاشبة ومن ثم الحيوانات اللاحمة. وهي تعد عاملاً أساسياً لإستقرار العديد من الحيوانات والطيور والزواحف والبرمائيات في محيطها فضلاً عن إعتماد بعضها على وجوده بالكامل عليها (الأسماك، البرمائيات، الطفيليات المائية وحشرات الماء ..). وهذه بدورها تتوزع على مستويات السلسلة الغذائية للنظم البيئية التي سبق ذكرها. فمن دون المياه تتقلص قائمة النباتات ومعها تنوع وغنى مستويات السلسلة الغذائية الأخرى وهو ما يحدد تنوع وإستدامة النظام البيئي للموقع.

وعلى الرغم من التلوث الذي يلحقه به الزوار، يعيش حالياً في الجدول وعلى ضفافه عشرات أنواع النباتات أهمها أشجار دلفى والعديد من أصناف الحيوانات والبرمائيات والزواحف وبعض الأسماك والطيور والتي تعتاش على الطفيليات والقشريات الصغيرة والحشرات المائية ومن بين تلك أصناف من سلاحف المياه العذبة وحنكليس نهري وأصناف الضفادع وسرطانات المياه العذبة.

 

المُغر

كذلك يزيد من تنوع وخصوصية الوادي إنتشار المُغر، وهي التي توفر خاصية إضافية للنظام الحيوي للوادي. فالمُغر، بالإضافة إلى تمتعها بنظامها البيئي الخاص كما توفر، بالإستناد إلى عمقها وقدمها، فرصة فريدة بالتعرف على أقدم أصناف الحياة القائمة او المحفوظة في الموقع. وبعض هذه المُغر يقارب ٢٥ متراً عرضاً وعمق ٣٥ متراً وإرتفاع ١٠ أمتار (عند المدخل) كما هو حال مغارة النفخة، ومغر الصالحاني المتقاربة التي تبلغ عشرون حيث يتكاثر الحمام البري والخفافيش وتأوي العديد من الأصناف الحيوانية الأخرى.

 

الحيوانات اللاحمة

لقد شكل وادي زبقين، بهذه الخصائص، نظاماً بيئياً غنياً ومتنوعاً فريداً في هذا المجال الجيولوجي المتمايز من لبنان، وفر ملاذاً لمئات أنواع النباتات والأشجار والتي إندثرت في العديد من المناطق والتي شكلت المستوى الأول النباتي للنظام البيئي وهو ما أتاح إنتعاش المستوى الثاني المستهلك من الحيوانات العاشبة وأتاح وجود المستوى الثالث للنظام البيئي وسلسلته الغذائية الا وهو الحيوانات المفترسة من اللواحم وربما المستوى الرابع، وهو أيضا من اللواحم ولكن الكبيرة التي لا يعلوها مستوى آخر وتتربع على سلم الشبكة الغذائية والنظام البيئي.

إن هذا الغطاء الحرجي الذي يتمتع به الوادي، وإنما يدين إلى هذه العناصر مجتمعة: التربة والمياه والمناخ واللواحم، رأس النظم البيئية وحافظة توازنها، فضلاً عن محدودية التدخل البشري والتعديات (بإستثناء الرعي الذي خلف أضراراً غير محددة)، حتى اليوم. خاصة أن هذه الحيوانات اللاحمة جوالة وتحتاج إلى منطقة متصلة من البرية تتخذ منها أوكاراً وتحدد فيها “مناطقها” التي تصل إلى عدة كيلومترات تتحدد وفق توافر الغذاء والطرائد.

ومن بين تلك الحيوانات: الضباع المخططة،الثعالب الحمراء ،النيص، الخنازيرالبرية، الغرير،القطط البرية ، إين آوى الذهبي، الطبسون أو الوبر الصخري وغيرها من الأصناف. بالإضافة إلى عشرات أصناف الطيور منها:الباشق وصقر الشاهين وعقاب أسفع الكبير وأصناف من البوم والحمام البري واليمام بالإضافة إلى الخفافيش على ما سبقت الإشارة.

وفي حال تأكد ما ذكره شهود عن وجود الذئاب في الوادي (لا يمكن تأكيده وإن كان محتمل)، فإن ذلك يجعل وادي زبقين أحد المواقع الفريدة في لبنان التي تتمتع بها النظم البيئية بمستويات أربع، تشكل الذئاب رأسها  Apex predator    . وهي تعد من أغنى النظم البيئية وأكثرها تنوعاً ليس في لبنان وحسب بل في المنطقة والحوض المتوسطي.

لإعلان وادي زبقين محمية طبيعية

اليوم تشكل أحراج وادي زبقين وشعابه، بما تقدم، آخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل بعدما إلتهم التمدد العمراني والمخططات غير المستدامة والتعديات على المشاعات والحرائق وحول مساحات شاسعة من الجنوب إلى مناطق جرداء الكامل. بل ان الوادي يشكل بحق الذاكرة البيولوجية لجبل عامل والتي يجدر حمايتها والحفاظ عليها في مقدمة لدراسة مستفيضة لهذا التنوع تفيد حفظه وإعادة توطينه في المناطق الجرداء والمتصحرة من الجنوب والمناطق اللبنانية الأخرى.

اليوم يشكل حماية الوادي وإعلانه محمية طبيعية ضرورة وطنية وبيئية وصحية واقتصادية فضلاً عن أنه في متن السياسات البيئية الزراعية الحافظة للتنوع البيولوجي في لبنان والتي ينص عليها القانون سواء قانون حماية المناظر والمواقع الطبيعية (٨/٧/١٩٣٩) أو قانون المحافظة على الثروة الحرجية والأحراج (قانون ٨٥ /١٩٩١) وقانون حماية الغابات (٥٥٨ بتاريخ ٢٤/٧/١٩٩٦) فضلاً عن أن حمايته هو مسؤولية وطنية وأخلاقية بالدرجة الأولى.

لقد سبق لجمعية الجنوبيون الخضر قد تقدمت بمطالعة مرفقة بإقتراح لدى البلديات المعنية ونواب المنطقة بإعلان الوادي محمية طبيعية وهو ما يفيد حيوية وصحة كامل المحيط ويؤسس لفهم أفضل وأعمق للتنوع البيولوجي لكامل المنطقة ويؤسس لتنمية مستدامة ويطلق لاقتصاديات محلية تفيد من السياحة البيئة والزراعات البيولوجية التي توجه بها الدراسات التي توفرها المحمية ومختبراتها. ويسهم حماية الوادي بفتح الطريق أمام السياحة البيئية  التي تعتبر اليوم أكثر قطاعات التنمية المحلية الإنتاجية نماءاً وأكثرها إستدامة وفائدة للمجتمعات المحلية.

خلاف ذلك، فإن الحديث عن طريق إسفلت يشق الوادي ليقرب المسافات بين البلدات والخط الساحلي هو بمثابة الكارثة الطبيعية والبيئية والإقتصادية والتي ستقضي على كل ما ورد أنفاً من خصوصيات تجعل منه أخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل فضلاً عن القضاء على فرصة أخيرة للتأسيس لتنمية مستدامة تقوم على حفظ الموارد والإستثمار في نمائها. كما يقضي على فرصة إستعادة هذا التنوع في باقي مناطق الجنوب.

 

 

د. هشام يونس

باحث وأكاديمي

رئيس جمعية الجنوبيون الخضر

[1] Food and Agriculture Organization of the United Nation, 2010, Global Forest Recourses Assessment, 2010.

[2] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.

[3] BCS(1996)- Biodiversity Country Study (MoA/ UNEP/GEF, 1996).

[4] MOE/GEF/UNDP, FNRCBD, 2009, Ministry of Environment-Lebanon. 2009. Fourth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, July 2009. كذلك: Fifth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, August 2015.

[5] MoA/UNEP, 1996.

[6] Tohme G. & H.(2013), Illustrated Flora of Lebanon, Beirut: CNRS publication.

[7]  MOE/UNDP/ECODIT,2010.

[8] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.

[9] MOE/UNDP/ECODIT )2010(.

[10] MOE/GEF/UNDP, FORTH NRLCBD, July 2009.

[11] MOA (2003). National Action Program to Combat Desertification, Beirut, Lebanon.

MOA/UNEP/GEF, 1996

[12] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.p.130.

[13] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.p.17.

Share This

Share This

Share this post with your friends!