كي لا يكون الرقم وجهة نظر

 

معظم المؤشرات الاقتصادية التركية تظهر تراجعاً كبيراً في مؤشرات الثقة، العملة التي تعد عاملاً رئيسياً في قياس مدى ثقة الجمهور بالاستقرار الاقتصادي تعرضت لضغوط أدت إلى انهيارها لأقل من ثلاثة ليرات مقابل الدولار. السياح على الرغم من تحول تركيا إلى وجهة منخفضة الكلفة يعرضون عن التوجه إليها، وبعض المناطق شهدت تراجعاً في حجوزات موسم الصيف الحالي إلى أقل من 40 في المئة، في وقت كانت تشهد إقبالاً يصل إلى 90 أو 100 في المئة خلال المواسم السابقة، وعلى الرغم من أهمية المشهد السياحي إلا أنه يبقى عنصراً واحداً، مقابل اقتصاد متنوع لبلد تختلط فيه العلاقات الإقليمية بخطوط الطاقة، والعلاقات الدولية بخطوط التصدير والتعاون العسكري والأمني.

 

توقع خبراء اقتصاديون في وكالة بلومبرغ أن تتحول محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد في البلاد، وذلك بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي التي ستكون نتائجها كارثية على تركيا، التي تمول حاليا أكثر مشاريعها على حساب الاستثمارات الأجنبية.

ووفقا للمحللين فإن العجز في الميزانية التركية سيرتقع العام الجاري إلى 4.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل توقعات سابقة أشارت إلى عجز نسبته 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تعتبر سوق الأوراق المالية التركية مهددة بخسارة تصل إلى 20 في المئة، وفقا لعماد موستقيو، المحلل الاستراتيجي للأسواق الناشئة بشركة “اكسترات”. في وقت تراجع سعر صرف الليرة التركية من 2.3 مقابل الدولار إلى أقل من 3 ليرات للدولار الواحد.

المؤشرات السلبية دفعت الحكومة إلى تركيز الجهود لطمأنة المستثمرين، رئيس الوزراء التركي، محمد شيمشيك، أعلن أن المؤشرات الكلية للإقتصاد صلبة، في وقت خفض البنك المركزي التركي الرسوم على أدوات ضخ السيولة اليومية للبنوك إلى الصفر، ووفر سيولة غير محدودة من أجل الحفاظ على فعالية العمليات التجارية في الأسواق المالية.

 

القطاعات الهشة

تعتبر السياحة من أبرز القطاعات التي تضررت بعد التصدير، ووفق المتخصص في الشأن التركي، محمد نور الدين، فإن السياحة توفر جزء أساسي من العملات الاجنبية وتعتبر ركيزة اقتصادية أساسية في تركيا، وهي توفر دخلاً يصل حالياً إلى 35 مليار دولار (وكان يفوق 40 ملياراً في السابق). نورالدين يعتبر أن هذه الحصة تعتبر وازنة من الناتج القومي الذي كان يصل إل 850 ملياراً وتراجع حالياً إلى 750 مليار دولار، في وقت تمثل الصادرات الزراعية والغذائية نسبة جيدة من الصادرات التركية، حيث كان يذهب قسم كبير من هذه الصادرات إلى روسيا، الميزان التجاري بين البلدين كان يبلغ 32 مليار دولار، لكن العقوبات الروسية ضربت الموسم السياحي والصادرات الغذائية لتركيا، ليضيف التوتر الأمني المزيد من الخسائر للاقتصاد التركي، لينضم السياح الأوروبيين إلى التخوف من المجيء إلى تركيا، حيث غير السياح الألمان والإنكليز وجهاتهم السياحية خلال الموسم الحالي، ما يؤشر إلى ارتفاع نسبة المداخيل الفائتة على الاقتصاد التركي.

وإثر الإنقلاب، لا يتوقع أن تعود العلاقات بين روسيا وتركيا إلى طبيعتها إلا بعد مرور فترة من الوقت، حتى وإن كان التواصل بدأ قبل الإنقلاب، ممكن أن تحتاج العلاقات كي تعود إلى سابق عهدها إلى فترة قد تمتد حتى الصيف المقبل، الإنقلاب وفق وجهة نظر نورالدين خلق أزمة صورة لتركيا في العالم الأوروبي والغربي، لأن تركيا اتهمت الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالمشاركة في الإنقلاب، هذا أدى إلى تأثر قدوم السياح من تلك الدول خوفاً من ردة فعل تركية.

التراجع السياحي زاد، خصوصاً مع تنامي الاتجاهات في أوروبا لتصنيف تركيا بلد مسلم معادي لأوروبا والغرب، وهذا أعطى صورة أن تركيا بلد غير مستقر، وردود فعل أردوغان على المحاولة الإنقلابية شملت جزء أساسي من الجغرافيا التركية، ما يؤشر إلى انعدام الاستقرار في الكثير من المناطق المصنفة سياحية.

بعد الإنقلاب، ازدادت وتيرة العمليات المسلحة ضد الأكراد داخل البلاد، هذا فضلاً عن التفجيرات التي طالت المرافق الحيوية والسياحية، ووفق نور الدين فإن المسؤول عن هذه التفجيرات ليس داعش، على الرغم من الاتهام التركي الرسمي له، إلا أن داعش لم يتبن العملية، على عكس ما فعله في تفجيرات بروكسل وباريس.

في المحصلة، فإن 45 في المئة من تجارة تركيا هي مع أوروبا، حتى مع إيران التبادل التجاري منخفض، وهو بحدود 13 مليار دولار حالياً، وبالتالي هذا الإنقلاب أدى إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة وأتى في منتصف الموسم السياحي.

هذا الواقع أدى إلى وصول المشهد السياحي حاليا في تركيا إلى أسوأ أوضاعه، البلاد خلال هذه الفترة تكون نشطة جداً على كامل السواحل السياحية وفي المدن التاريخية، اليوم نسب الإشغال الفندقي منخفضة، وفي بعض المناطق السياحية لم تتعد 40 في المئة، في وقت كانت تصل إلى 100 في المئة خلال السنوات الماضية.

ستاتيكو سياسي

الوضع السياسي الحالي قد يستمر لعام أو عامين، وأي تغيّر سياسي في العلاقات مع أوروبا وروسيا لن تكون تأثيراته مباشرة على الإقتصاد، فعقب الإنقلاب، طالت أعمال التطهير عدداً من المصارف التابعة للمعارض فتح الله غولن، وطالت الأعمال عدد هائل من الشركات القوية، والتي لم يكن يتوقع أن تتعرض في يوم من الأيام لسلوك حكومي معاد بسبب قوتها، إغلاق هذه الشركات ووضع اليد عليها من قبل الحكومة، يؤدي إلى تأثر عشرات آلاف الوظائف في البلاد، كالمصانع والمدارس والمؤسسات الإعلامية، هذا كله  كان جزء من الحركة الاقتصادية والصناعية والسياحية، وهذا يؤدي إلى آثار ولو لم تظهر مباشرة، تنعكس على هروب الرساميل والتخوف من الإستثمار، بالتالي ستؤدي هذه السياسة إلى تباطؤ حركة الأعمال، خصوصاً أن المئات من رجال الاعمال تم اعتقالهم بتهم مختلفة.

في مقابل تراجع الاستثمار والسياحة والأنشطة المالية في تركيا، إلا أن الحكومة تسعى إلى تنشيط الاقتصاد عبر تسريع تنفيذ مشاريع البنى التحتية، فحكومة العدالة والتنمية ترى أن الركيزة الأساسية لاستمرارها واستمرار أردوغان في الحكم، تكون عن طريق نشيط الاقتصاد عبر مشاريع البنى التحتية العملاقة، وقريباً سيبدأ شق طريق اسطنبول تؤدي إلى بحر مرمرة، وقريباً يبدأ تشييد نفق بين الشق الأوروبي والآسيوي من البلاد، كل هذه المشاريع تحاول تثبيت الوضع الاقتصادي وتحفيز الاستثمار والإيحاء بأن تركيا مركز جذب.

لا شك أن الإنقلاب واتهام الولايات المتحدة بدعمه مسألة خطيرة، أميركا كانت وراء معظم الإنقلابات السابقة، اليوم فشل الإنقلاب، وردة الفعل الأميركية على المحاولة الإنقلابية عززت الشكوك بضلوع أميركا فيه، ومعظم السلوكيات تظهر تورط أميركي، وهذا الإنقلاب والاتهام التركي للولايات المتحدة، لو حدثت هذه المشكلة بين بلدين ليسا في الأطلسي ولا يمتلكان علاقات استراتيجية قديمة، ولكن القوى التي يمكن أن تلجأ لها تركيا هي على عداء تاريخي معها، وعلى تنافس حالي وصراع في أكثر من قضية، بدءاً من أوكرانيا وصولاً إلى سوريا إلى النفط في آذربيجان والقوقاز ومسألة خطوط الأنابيب، وبالتالي يرى نورالدين أنه لا يمكن لتركيا أن تجنح بشكل كامل إلى روسيا وإيران، وبالتالي تستخدم أنقرة العلاقات مع موسكو وطهران كمجرد ورقة ضغط على الولايات المتحدة، التي تمتلك معها علاقات استراتيجية.

الإنقلاب هذا، وإن كان خطوة سلبية غير مسبوقة بين البلدين، إلا أن أردوغان لا يمتلك أي بديل، وعليه أن يدفع الثمن غالياً، لأنه لا يستطيع الخروج من الحلف الأطلسي وقطع علاقاته الاستراتيجية مع الغرب. وكامل السياسات الحالية هي مجرد تهويل على حلفائه.

ويرى نور الدين أن أردوغان نجح في تغيير الموقف الأميركي من العديد من القضايا، منها منع الأكراد من إنشاء عازل حدودي مع تركيا، والسماح للأتراك بالدخول إلى سوريا، وبالتالي العلاقات مع الولايات المتحدة مستمرة، وقضية عبد الله غولن تصبح هامشية، مقارنة بالتعاون العسكري التركي الأميركي في سوريا.

الثمن الذي دفعته أميركا لترميم العلاقات كان عبر السماح لأنقرة بمنع وصل الكوردور الكردي في الشمال السوري (وهو مشروع أميركي تخلت عنه لصالح حليفتها) والسماح للأتراك بالحصول على أمور كانت غير واردة في السابق، وبالتالي تعتبر العلاقات التركية مع أميركا هي الثابت والمتحول هي العلاقات مع روسيا أو إيران.

روسيا وإيران لم تبديا رفضاً للدخول التركي إلى سوريا، على الرغم من أن هكذا خطوة قد تحرج واشنطن وأنقرة، ما يمنع واشنطن من تقديم تعويض لتركيا، وذلك خوفاً على تأثر العلاقات الهشة والجديدة، خصوصاً أن أنقرة أبدت حرارة فائقة في العلاقة مع موسكو وطهران، ووفق نور الدين فإن هذه الخطوة من البلدين تظهر عدم فهم للعقل التركي، الذي يراهن في مكان آخر، وهو قائم على تمني استمرار التوتر بين واشنطن وأنقرة.

روسيا تأمل أن تستفيد مرحلياً من العلاقات مع تركيا، عن طريق إعادة خطوط الاستيراد منها، وتعميق العلاقات مع بلد أطلسي في ظل هجوم أطلسي ضدها، وعقوبات أوروبية. أما إيران فلا تصنف تركيا كتهديد لها بل تعتبر السعودية عدوتها، وهي تسعى إلى تشبيك العلاقات مع أنقرة لمنع العلاقات القوية بين تركيا والسعودية، وكل هذه الحسابات لا علاقة لها بسوريا.

نور الدين يلاحظ غياب مسؤولي السعودية والإمارات وقطر عن افتتاح جسر البوسفور، ويعتبر أن هذا يعكس الفتور في العلاقة مع دول الخليج واتهام أنقرة دولاً خليجية بالتورط في المحاولة الإنقلابية الفاشلة، وهذا ما تحاول ايران استغلاله لتعميق الهوة، وبناء علاقات أقوى مع تركيا على حساب دول الخليج.

الأتراك يحاولون تنويع مصادر الطاقة ومرور الطاقة عبر أراضيهم، بعد العقوبات الروسية ضد أنقرة زادت هذه الرغبة التركية، ولكن بعد الإنقلاب عادوا إلى المشروع الروسي، وهم يسعون للحصول على الغاز من روسيا ومن إيران ومن إسرائيل، الخبير الاقتصادي الاسرائيلي، إيريز تسادوق، أبدى خلال مقالٍ نشرته صحيفة ذا ماركر الاقتصادية اعتراضه على السلوك الحكومي الاسرائيلي تجاه تركيا، واعتبر أن عدم توقيع اتفاقيات ملزمة لغاية الآن مع أنقرة أدى إلى ضياع فرص تصدير الغاز الاسرائيلي من حقل لفيتان، وذلك إقر اتفاق روسي – تركي على زيادة كمية الغاز الروسي المصدر إلى تركيا، وعودة خطط إنشاء أنابيب تركيش ستريم إلى الطاولة.

وانتقد تسادوق توقيع اتفاق المصالحة مع تركيا دون إغلاق تفاصيل تصدير الغاز لتركيا، لأن الاتفاق أعطى أردوغان كل ما يريد دون إلزامه بشراء الغاز الإسرائيل، وحتى إذا أراد شراء الغاز فإنه التوقيع على الاتفاق وضع إسرائيل في وضعية صعبة جدا في المفاوضات في مواجهته، وأضاف المحلل الإسرائيلي أن أردوغان يستطيع الاستغناء عن الغاز الإسرائيلي لأن لديه بدائل أخرى، لكن حقل لفيتان ليست له بدائل سوى تركيا، ولا يمكنه الاستغناء عن أردوغان الذي يعرف جيدا إدارة المفاوضات معنا، لأننا نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا.

نور الدين يؤكد أنه فعلا كل هذه الدول تهتم بتصدير الغاز، وتركيا تربح من هذا التنويع، الولايات المتحدة غير متضررة بسبب الخط الآتي من آذربيجان من جهة ومن إسرائيل من جهة أخرى، وبالتالي لا يشكل تنويع المصادر هذا خطراً على المصالح الغربية في المنطقة، ولو أنه يعطي زخماً لروسيا وإيران في تسويق الطاقة في أوروبا، وبالظاهر قد لا تؤدي هذه السياسة التركية في تنويع مصادر الطاقة مصدر قلق للغرب، خاصة وأن الغرب يحاول إرضاء تركيا حالياً، لمنع أردوغان من تطوير علاقاته أكثر مع المحور الشرقي.

 

معظم المؤشرات الاقتصادية التركية تظهر تراجعاً كبيراً في مؤشرات الثقة، العملة التي تعد عاملاً رئيسياً في قياس مدى ثقة الجمهور بالاستقرار الاقتصادي تعرضت لضغوط أدت إلى انهيارها لأقل من ثلاثة ليرات مقابل الدولار. السياح على الرغم من تحول تركيا إلى وجهة منخفضة الكلفة يعرضون عن التوجه إليها، وبعض المناطق شهدت تراجعاً في حجوزات موسم الصيف الحالي إلى أقل من 40 في المئة، في وقت كانت تشهد إقبالاً يصل إلى 90 أو 100 في المئة خلال المواسم السابقة، وعلى الرغم من أهمية المشهد السياحي إلا أنه يبقى عنصراً واحداً، مقابل اقتصاد متنوع لبلد تختلط فيه العلاقات الإقليمية بخطوط الطاقة، والعلاقات الدولية بخطوط التصدير والتعاون العسكري والأمني.

 

توقع خبراء اقتصاديون في وكالة بلومبرغ أن تتحول محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد في البلاد، وذلك بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي التي ستكون نتائجها كارثية على تركيا، التي تمول حاليا أكثر مشاريعها على حساب الاستثمارات الأجنبية.

ووفقا للمحللين فإن العجز في الميزانية التركية سيرتقع العام الجاري إلى 4.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل توقعات سابقة أشارت إلى عجز نسبته 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تعتبر سوق الأوراق المالية التركية مهددة بخسارة تصل إلى 20 في المئة، وفقا لعماد موستقيو، المحلل الاستراتيجي للأسواق الناشئة بشركة “اكسترات”. في وقت تراجع سعر صرف الليرة التركية من 2.3 مقابل الدولار إلى أقل من 3 ليرات للدولار الواحد.

المؤشرات السلبية دفعت الحكومة إلى تركيز الجهود لطمأنة المستثمرين، رئيس الوزراء التركي، محمد شيمشيك، أعلن أن المؤشرات الكلية للإقتصاد صلبة، في وقت خفض البنك المركزي التركي الرسوم على أدوات ضخ السيولة اليومية للبنوك إلى الصفر، ووفر سيولة غير محدودة من أجل الحفاظ على فعالية العمليات التجارية في الأسواق المالية.

 

القطاعات الهشة

تعتبر السياحة من أبرز القطاعات التي تضررت بعد التصدير، ووفق المتخصص في الشأن التركي، محمد نور الدين، فإن السياحة توفر جزء أساسي من العملات الاجنبية وتعتبر ركيزة اقتصادية أساسية في تركيا، وهي توفر دخلاً يصل حالياً إلى 35 مليار دولار (وكان يفوق 40 ملياراً في السابق). نورالدين يعتبر أن هذه الحصة تعتبر وازنة من الناتج القومي الذي كان يصل إل 850 ملياراً وتراجع حالياً إلى 750 مليار دولار، في وقت تمثل الصادرات الزراعية والغذائية نسبة جيدة من الصادرات التركية، حيث كان يذهب قسم كبير من هذه الصادرات إلى روسيا، الميزان التجاري بين البلدين كان يبلغ 32 مليار دولار، لكن العقوبات الروسية ضربت الموسم السياحي والصادرات الغذائية لتركيا، ليضيف التوتر الأمني المزيد من الخسائر للاقتصاد التركي، لينضم السياح الأوروبيين إلى التخوف من المجيء إلى تركيا، حيث غير السياح الألمان والإنكليز وجهاتهم السياحية خلال الموسم الحالي، ما يؤشر إلى ارتفاع نسبة المداخيل الفائتة على الاقتصاد التركي.

وإثر الإنقلاب، لا يتوقع أن تعود العلاقات بين روسيا وتركيا إلى طبيعتها إلا بعد مرور فترة من الوقت، حتى وإن كان التواصل بدأ قبل الإنقلاب، ممكن أن تحتاج العلاقات كي تعود إلى سابق عهدها إلى فترة قد تمتد حتى الصيف المقبل، الإنقلاب وفق وجهة نظر نورالدين خلق أزمة صورة لتركيا في العالم الأوروبي والغربي، لأن تركيا اتهمت الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالمشاركة في الإنقلاب، هذا أدى إلى تأثر قدوم السياح من تلك الدول خوفاً من ردة فعل تركية.

التراجع السياحي زاد، خصوصاً مع تنامي الاتجاهات في أوروبا لتصنيف تركيا بلد مسلم معادي لأوروبا والغرب، وهذا أعطى صورة أن تركيا بلد غير مستقر، وردود فعل أردوغان على المحاولة الإنقلابية شملت جزء أساسي من الجغرافيا التركية، ما يؤشر إلى انعدام الاستقرار في الكثير من المناطق المصنفة سياحية.

بعد الإنقلاب، ازدادت وتيرة العمليات المسلحة ضد الأكراد داخل البلاد، هذا فضلاً عن التفجيرات التي طالت المرافق الحيوية والسياحية، ووفق نور الدين فإن المسؤول عن هذه التفجيرات ليس داعش، على الرغم من الاتهام التركي الرسمي له، إلا أن داعش لم يتبن العملية، على عكس ما فعله في تفجيرات بروكسل وباريس.

في المحصلة، فإن 45 في المئة من تجارة تركيا هي مع أوروبا، حتى مع إيران التبادل التجاري منخفض، وهو بحدود 13 مليار دولار حالياً، وبالتالي هذا الإنقلاب أدى إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة وأتى في منتصف الموسم السياحي.

هذا الواقع أدى إلى وصول المشهد السياحي حاليا في تركيا إلى أسوأ أوضاعه، البلاد خلال هذه الفترة تكون نشطة جداً على كامل السواحل السياحية وفي المدن التاريخية، اليوم نسب الإشغال الفندقي منخفضة، وفي بعض المناطق السياحية لم تتعد 40 في المئة، في وقت كانت تصل إلى 100 في المئة خلال السنوات الماضية.

ستاتيكو سياسي

الوضع السياسي الحالي قد يستمر لعام أو عامين، وأي تغيّر سياسي في العلاقات مع أوروبا وروسيا لن تكون تأثيراته مباشرة على الإقتصاد، فعقب الإنقلاب، طالت أعمال التطهير عدداً من المصارف التابعة للمعارض فتح الله غولن، وطالت الأعمال عدد هائل من الشركات القوية، والتي لم يكن يتوقع أن تتعرض في يوم من الأيام لسلوك حكومي معاد بسبب قوتها، إغلاق هذه الشركات ووضع اليد عليها من قبل الحكومة، يؤدي إلى تأثر عشرات آلاف الوظائف في البلاد، كالمصانع والمدارس والمؤسسات الإعلامية، هذا كله  كان جزء من الحركة الاقتصادية والصناعية والسياحية، وهذا يؤدي إلى آثار ولو لم تظهر مباشرة، تنعكس على هروب الرساميل والتخوف من الإستثمار، بالتالي ستؤدي هذه السياسة إلى تباطؤ حركة الأعمال، خصوصاً أن المئات من رجال الاعمال تم اعتقالهم بتهم مختلفة.

في مقابل تراجع الاستثمار والسياحة والأنشطة المالية في تركيا، إلا أن الحكومة تسعى إلى تنشيط الاقتصاد عبر تسريع تنفيذ مشاريع البنى التحتية، فحكومة العدالة والتنمية ترى أن الركيزة الأساسية لاستمرارها واستمرار أردوغان في الحكم، تكون عن طريق نشيط الاقتصاد عبر مشاريع البنى التحتية العملاقة، وقريباً سيبدأ شق طريق اسطنبول تؤدي إلى بحر مرمرة، وقريباً يبدأ تشييد نفق بين الشق الأوروبي والآسيوي من البلاد، كل هذه المشاريع تحاول تثبيت الوضع الاقتصادي وتحفيز الاستثمار والإيحاء بأن تركيا مركز جذب.

لا شك أن الإنقلاب واتهام الولايات المتحدة بدعمه مسألة خطيرة، أميركا كانت وراء معظم الإنقلابات السابقة، اليوم فشل الإنقلاب، وردة الفعل الأميركية على المحاولة الإنقلابية عززت الشكوك بضلوع أميركا فيه، ومعظم السلوكيات تظهر تورط أميركي، وهذا الإنقلاب والاتهام التركي للولايات المتحدة، لو حدثت هذه المشكلة بين بلدين ليسا في الأطلسي ولا يمتلكان علاقات استراتيجية قديمة، ولكن القوى التي يمكن أن تلجأ لها تركيا هي على عداء تاريخي معها، وعلى تنافس حالي وصراع في أكثر من قضية، بدءاً من أوكرانيا وصولاً إلى سوريا إلى النفط في آذربيجان والقوقاز ومسألة خطوط الأنابيب، وبالتالي يرى نورالدين أنه لا يمكن لتركيا أن تجنح بشكل كامل إلى روسيا وإيران، وبالتالي تستخدم أنقرة العلاقات مع موسكو وطهران كمجرد ورقة ضغط على الولايات المتحدة، التي تمتلك معها علاقات استراتيجية.

الإنقلاب هذا، وإن كان خطوة سلبية غير مسبوقة بين البلدين، إلا أن أردوغان لا يمتلك أي بديل، وعليه أن يدفع الثمن غالياً، لأنه لا يستطيع الخروج من الحلف الأطلسي وقطع علاقاته الاستراتيجية مع الغرب. وكامل السياسات الحالية هي مجرد تهويل على حلفائه.

ويرى نور الدين أن أردوغان نجح في تغيير الموقف الأميركي من العديد من القضايا، منها منع الأكراد من إنشاء عازل حدودي مع تركيا، والسماح للأتراك بالدخول إلى سوريا، وبالتالي العلاقات مع الولايات المتحدة مستمرة، وقضية عبد الله غولن تصبح هامشية، مقارنة بالتعاون العسكري التركي الأميركي في سوريا.

الثمن الذي دفعته أميركا لترميم العلاقات كان عبر السماح لأنقرة بمنع وصل الكوردور الكردي في الشمال السوري (وهو مشروع أميركي تخلت عنه لصالح حليفتها) والسماح للأتراك بالحصول على أمور كانت غير واردة في السابق، وبالتالي تعتبر العلاقات التركية مع أميركا هي الثابت والمتحول هي العلاقات مع روسيا أو إيران.

روسيا وإيران لم تبديا رفضاً للدخول التركي إلى سوريا، على الرغم من أن هكذا خطوة قد تحرج واشنطن وأنقرة، ما يمنع واشنطن من تقديم تعويض لتركيا، وذلك خوفاً على تأثر العلاقات الهشة والجديدة، خصوصاً أن أنقرة أبدت حرارة فائقة في العلاقة مع موسكو وطهران، ووفق نور الدين فإن هذه الخطوة من البلدين تظهر عدم فهم للعقل التركي، الذي يراهن في مكان آخر، وهو قائم على تمني استمرار التوتر بين واشنطن وأنقرة.

روسيا تأمل أن تستفيد مرحلياً من العلاقات مع تركيا، عن طريق إعادة خطوط الاستيراد منها، وتعميق العلاقات مع بلد أطلسي في ظل هجوم أطلسي ضدها، وعقوبات أوروبية. أما إيران فلا تصنف تركيا كتهديد لها بل تعتبر السعودية عدوتها، وهي تسعى إلى تشبيك العلاقات مع أنقرة لمنع العلاقات القوية بين تركيا والسعودية، وكل هذه الحسابات لا علاقة لها بسوريا.

نور الدين يلاحظ غياب مسؤولي السعودية والإمارات وقطر عن افتتاح جسر البوسفور، ويعتبر أن هذا يعكس الفتور في العلاقة مع دول الخليج واتهام أنقرة دولاً خليجية بالتورط في المحاولة الإنقلابية الفاشلة، وهذا ما تحاول ايران استغلاله لتعميق الهوة، وبناء علاقات أقوى مع تركيا على حساب دول الخليج.

الأتراك يحاولون تنويع مصادر الطاقة ومرور الطاقة عبر أراضيهم، بعد العقوبات الروسية ضد أنقرة زادت هذه الرغبة التركية، ولكن بعد الإنقلاب عادوا إلى المشروع الروسي، وهم يسعون للحصول على الغاز من روسيا ومن إيران ومن إسرائيل، الخبير الاقتصادي الاسرائيلي، إيريز تسادوق، أبدى خلال مقالٍ نشرته صحيفة ذا ماركر الاقتصادية اعتراضه على السلوك الحكومي الاسرائيلي تجاه تركيا، واعتبر أن عدم توقيع اتفاقيات ملزمة لغاية الآن مع أنقرة أدى إلى ضياع فرص تصدير الغاز الاسرائيلي من حقل لفيتان، وذلك إقر اتفاق روسي – تركي على زيادة كمية الغاز الروسي المصدر إلى تركيا، وعودة خطط إنشاء أنابيب تركيش ستريم إلى الطاولة.

وانتقد تسادوق توقيع اتفاق المصالحة مع تركيا دون إغلاق تفاصيل تصدير الغاز لتركيا، لأن الاتفاق أعطى أردوغان كل ما يريد دون إلزامه بشراء الغاز الإسرائيل، وحتى إذا أراد شراء الغاز فإنه التوقيع على الاتفاق وضع إسرائيل في وضعية صعبة جدا في المفاوضات في مواجهته، وأضاف المحلل الإسرائيلي أن أردوغان يستطيع الاستغناء عن الغاز الإسرائيلي لأن لديه بدائل أخرى، لكن حقل لفيتان ليست له بدائل سوى تركيا، ولا يمكنه الاستغناء عن أردوغان الذي يعرف جيدا إدارة المفاوضات معنا، لأننا نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا.

نور الدين يؤكد أنه فعلا كل هذه الدول تهتم بتصدير الغاز، وتركيا تربح من هذا التنويع، الولايات المتحدة غير متضررة بسبب الخط الآتي من آذربيجان من جهة ومن إسرائيل من جهة أخرى، وبالتالي لا يشكل تنويع المصادر هذا خطراً على المصالح الغربية في المنطقة، ولو أنه يعطي زخماً لروسيا وإيران في تسويق الطاقة في أوروبا، وبالظاهر قد لا تؤدي هذه السياسة التركية في تنويع مصادر الطاقة مصدر قلق للغرب، خاصة وأن الغرب يحاول إرضاء تركيا حالياً، لمنع أردوغان من تطوير علاقاته أكثر مع المحور الشرقي.

Share This

Share This

Share this post with your friends!